المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١٤ من ٢٥

209 قال«لا»، قلت: فالشطر، قال«لا» قلت: فالثلث، قال«الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»1. وحدد الإسلام مجال الوصية فيما تكون، فقيدها بالخير، لأن الوصية بشر ظلم، وقيدها بأن لا تكون لوارث. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ف وصية لوارث»)2(. ووجه العدل في ذلك لو خص الموصي أحد الورثة بوصية فوق حقه من الإرث لزاد نصيبه على بقية الورثة بسبب ما كان يمكن أن يكون لهم مثله، وهذا التمييز لا يأتي بخير، لأنه يملأ القلوب بالحسد والكراهية والضغينة والتدابر والتقاطع، وتلك الحالقة للدين، أي: التي تفسد على المرء دينه. وإذا قتل الموصَ ى له الموصِ ي حُ رِم من الوصية قياساً على منع القاتل من الإرث ممن قتله، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وما أروع عدل الإسلام في الوصية الواجبة، وصورتها أن يموت رجل ويترك أولاداً في كنف جدهم "أب الميت" وله إخوة، فإذا مات الجد بعد ذلك فأبناء الابن لا يرثون من جدهم حجبهم الابن "أعمامهم"، فنظر الإسلام إليهم نظرة عطف وعدل، وقرر أن تكون لهم وصية واجبة التنفيذ أي: يعطي هؤلاء الأبناء مثل نصيب أبيهم لو كان حياً يرث من أبيه لا تزيد ع ن الثلث، إنه العدل، إذ هؤلاء الأبناء لما مات أبوهم عاشوا في كنف جدهم، ولما مات الجد تعرضوا للحرمان وذلة الحاجة، وقد يتحرك في نفوسهم الحقد على "أعمامهم" "أبناء 1 صحيحالبخاري، ك المغازي، الحديث رقم: 4409. )2( سنن الترمذي، ك الولاء و الهبة، الحديث رقم2121.

عدد الصفحات ٢٠٩

210 جدهم"، وتوزع عليهم هذه الوصية للذكر مثل حظ الأنثيين وهي وصية واجبة مقدمة على غيرها من الوصايا1. هـ ـ المرأة والميراث: يثير أعداء الإسلام شبهة ويقولون: الإسلام ظلم المرأة في الإرث وجعلها على النصف من الرجل، فلم يعدل بينهما !!! ولرد هذه الشبهة وبيان وجه عدل الإسلام فيها نقول: لم يعامل الإسلام المرأة لمجرد أنها أنثى تختلف عن الرجل، وإلا لزم منه ظلم المرأة، وهذا ما ظنه دعاة تقليد غير المسلمين، فلاكوا هذه الشبهة بألسنتهم، ولكن الإسلام عاملها لأسباب أخرى، كما سنرى الآن. فالإسلام عندما أعطى المرأة نصف ما يعطيه للرجل فيه عدل، وذلك أن المكلف بالنفقة هو الرجل، والمرأة معفاة من النفقة على الأسر طيلة عمرها سواء كانت بنتاً أو أختاً أم زوجة أم أماً، فتجب نفقتها على الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن. كما أن الرجل هو المكلف بدفع المهر للمرأة، وما تحصل عليه من ميراث أو مهر، لا تكلف بالنفقة منه بينما يحصل عليه الرجل مكلف منه بالنفقة، فبعد فترة نرى أن ثروة المرأة المالية تتضاعف وثروة الرجل تتضاءل، وقد تتلاشى نهائياً، فهل هذا غبن للمرأة أم أنه تفضيل ورعاية وإكرام؟ وإذا بحثت في مسائل توزيع التركة نجد أن زيادة نصيب الذكر على المرأة ليس مطلقاً، فالحالة التي يتصف فيها نصيب المرأة عن نصيب الرجل فهي حالة المرأة مع أخيها إذا كان أخاً شقيقاً أو أخاً لأب، كما لو مات إنسان عن ابن وبنت، أو عن أخ شقيق وأخت 1 العدل في القرآن والسنة، ص244.

عدد الصفحات ٢١٠

211 شقيقة أوعن أخ لأب وأخت لأب، كل ذي عقل سليم يتلمس جوانب الحكمة القائمة على عدالة التوزيع القائم على قواعد الغرم والغنم.. وحينئذ لا يعد الأمر سبباً من أسباب التفاضل في إعطاء الرجال أنفسهم في أي قانون أو حق مما هو تابع لما ينهض به كل رجل من عمل أو جهد حيث لا أثر لهذا التفاضل على الإنسانية نقصاً أو كمالاً 1. فليس من العدل أن نقول: نصيب المرأة على النصف من نصيب الرجل مطلقاً، فهي في حالة واحدة المذكورة آنفاً تنحصر في نصيب الأخت فقط هو على النصف من نصيب الرجل مطلقاً، فهي حالة واحدة المذكورة آنفاً تنحصر في نصيب الأخت فقط هو على النصف من نصيب أخيها سواء أكانا أخوين للميت أو لدين له وليس كل الإخوة بل الإخوة الأشقاء أو لأب، أما الإخوة لأم، فلهم أحكام أخرى. ولعل العاجزون عن فهم أسرار التشريع يدهشون عندما يعرفون أن هناك حالات ساوى الإسلام فيها بين الذكر والأنثى في الميراث مثل الأبوين "الأب والأم" إذا كان للميت ولد ذكر، قال تعالى: " وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَد " (الن ساء ، آية : 11.) فيتساوى الذكر هنا مع الأنثى في السديد لكل منهما، وكالأخوة لأم وهي ما تعرف بإحدى مسألتي الكلالة، فمن يموت وليس له أصل وارث ولا فرع وارث، وكان له إخوة لأم ليس إخوة أشقاء، ولا لأب فإن كانوا إخوة لأم ذكوراً وإناثاً فإنهم يتساوون في الثلث، فيقسم عليهم الثلث بالتساوي دون تمييز بين الذكر والأنثى، قال تعالى: " وَإِن كَانَ رَجُل يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَة وَلَهُ أَخ أَوْ أُخْت فَلِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ" (النساء ، آية : 12.) 1 العدل في القرآن والسنة، ص 245.

عدد الصفحات ٢١١

212 وبذلك يظهر وجه العدل ففي معظم الحالات تتساوى فيها الأنثى مع الرجل، وقد تزيد عنه. فلو مات رجل وترك أباً وأماً وليس له أولاد ولا إخوة ذكور بل توجد بنات أو أخوات، فالأم تأخذ مع عدم وجود الفرع الوارث الذكر والأخ الذكر الثلث، الأب يأخذ السدس، فالثلث أكثر من السدس، وحدث في عهد عمر بن الخطاب ما يسمى بالمسألتين العمريتين عندما يموت الميت ويترك أباً وأماً وزوجة أو تركت أباً وأماً وزوجاً، فللأب السدس والأم الثلث، فيكون نصيب الأنثى أكثر من نصيب الذكر، يقول الشيخ محمد علي السايس: قد وقعت هذه المسألة للصحابة فقال عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة: إن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج، وهو النصف، وللأب السدس، وقد خالف بها زيد بن ثابت وقال: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ وقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين، وقد أشار زيد إلى جوانب المسألة، وهو أن الله أعطاها الثلث إن لم يكن له ولد وورثه الأبوان فقط1. وقد بين الله سبحانه وتعالى الأسباب التي تبين العدل من مجموع ما ذكرنا، إذ قال تعالى " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ" (النساء ، آية : 34.) والآية تقرر أن الواجبات والنفقات على الرجل، وهيمسؤوليات عديدة، منها المهر وغيره، وأما ما يجري في بعض البلاد الإسلامية وغيرها من عادات جرت ظلماً وزوراً أن تدفع المرأة المهر للرجل، فهذه بدعة مخالفة لنهج الإسلام والإسلام لا يقر الخطأ والظلم. 1 تفسير آياتالأحكام، محمد علي السايس (2 /46،47.)

عدد الصفحات ٢١٢

213 ورأينا من المسؤوليات النفقة على من يعول وعلى نفسه القاعدة الفقهية تقول: الغنم بالغرم، فكلما زاد المغرم يزيد المغنم، وإذا نقص المغرم نقص المغنم، والأمور تقدر بقدرها والله أعلم بمراده. والحاصل أن العدل يتغلغل في جميع مسائل الإرث، فعند الرجوع إلى أي مسألة من مسائل الإرث نجد فيها العدل واضحاً على نحو ما ذكرنا 1. ـ آيات الميراث وتفسيرها أ ـ قال تعالى في كتابه العزيز: " يُوصِيكُمُ اللهُّ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَد فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَد وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَة فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللهِّ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا" (النساء ، آية : 11.) ب ـوقال تعالى: "وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَد فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَد فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَد فَإِ ن كَانَ لَكُمْ وَلَد فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِن كَانَ رَجُل يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَة وَلَهُ أَخ أَوْ أُخْت فَلِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَآر وَصِيَّةً مِّنَ اللهِّ وَاللهُّ عَلِيم حَلِيم " (النساء ، آية : 12.) جـ ـوقال جل ثناؤه: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُّ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد وَلَهُ أُخْت فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَد فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا 1 العدل في القرآن والسنة، ص 247.

عدد الصفحات ٢١٣

214 تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُّ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللهُّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم " (النساء ، آية : 176.) هذه آيات كريمة من كتاب الله عز وجل وضحالباري تبارك وتعالى فيها نصيب كل وارث ممن يستحق الإرث، وأرشد إلى مقدار إرثه وشروطه، كما بين جلَّت حكمته الحالات التي يرث فيها الإنسان، والحالات التي لا يرث فيها، ومن يرث بالغرض، أو بالتعصب، أو بهما معاً، ومتى يحجب من الإرث كلياً أو جزئياً إنها آيات ثلاث ولكنها جمعت ـ على وجازتها ـ أصول علم الفرائض، وأركان أحكام الميراث، فمن أحاط بهما فهماً وحفظاً، وإدراكاً، فقد س هل عليه معرفة نصيب كل وارث وأدرك حكمة الله الجليلة في قسمة الميراث على هذا الوجه الدقيق العادل الذي لم ينس فيه حق أحد، ولم يغفل من حسابه شأن الصغير والكبير، والرجل والمرأة، بل أعطى كل ذي حق حقه، على أكمل وجوه التشريع وأروع صور المساواة، وأدق أصول العدل، ووزع التركة بين المستحقين توزيعاً عادلاً حكيماً، بشكل لم يدع فيه مقالة لمظلوم، أو شكوى لضعيف أو رأياً لتشريع من التشاريع الأرضية، يهدف إلى تحقيق العدالة أو رفع الظلم عن بني الإنسان1. وكل ما كتبه العلماء في القديم والحديث، وكل ما ألفوه في علم المواريث، فإنماهو بيان وتوضيح لهذه الآيات الكريمة، التي جمعت فأوعت، وقسمت فعدلت، وأحكمت التشريع، وفصلت التوزيع، وأبانت لكل ذي حق حقه، دون محاباة أو مداراة، فسبحان من شرع الأحكام في كتابه المعجز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من 1 المواريث في الشريعة، ص14.

عدد الصفحات ٢١٤

215 حكيم حميد، وجلت حكمة الله وتشريعه الكامل الخالد أن يدانيه بشر1. وصدق ا "آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً" (النساء ، آية : 11.) د ـ آيات مجملة تشير إلى حقوق الورثة بدون تفصيل وردت آيات كريمة، في شأن المواريث غير هذه الآيات الثلاث، ولكنها مجملة تشير إلى حقوق الورثة بدون تفصيل، وتوضح أن للأقرباء حقاً في الإرث، دون تحديد أو بيان لمقدار كل وارث، والآيات التي أشارت إلى الإرث هي: أولاً: قوله تعالى: " وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِّ إِنَّ اللهَّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم " (الأنفال ، آية : 75.) ثانياً قوله تعالى: " وَأُوْلُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهَِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا" (الأحزاب ، آية : 6.) ثالثاً قوله تعالى: " لِّلرِّجَالِ نَصيِب مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيب مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا" (النساء ، آية : 7.) ففي الآية الأولى والثانية، إشارة إلى أن أهل القرابة أحق بميراث قريبهم الميت من غيرهم، ممن ليس له صلة قرابة بالميت، فهو أحق بالإرث من المؤمنين والمهاجرين، وقد كان المسلمون في صدر الإسلام يرثون بسبب "الهجرة" و"المؤاخاة" التي آخى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجر وبين الأنصار، فكان المهاجري يرث أخاه الأنصاري دون قريبه، والأنصاري يرث أخاه المهاجري دون قريبه، بنسب "المؤاخاة في الدين"، واستمر الأمر على ذلك، إلى أن استمكن الدين ورست قواعده بفتح مكة، 1 المواريث في الشريعة، ص 14.

عدد الصفحات ٢١٥

216 فنسخ الله تعالى الإرث بالهجرة والمؤاخاة وجعلها بالقرابة والنسب، وهذا من عدل القرآن في باب الميران. والآية الثالثة: رفع بها الباري تبارك وتعالى الظلم عن المستضعفين "الطفل والمرأة" وعاملهما بالرحمة والعدل، ورد إليهما حقوقهما من الإرث، حيث أوجب توريث النساء والرجال، ولم يفرق بين صغير وكبير، ولا بين ذكر وأنثى، بل جعل لكل نصيباً في الميراث سواء قلَّ الإرث أم كثر، وسواء رض ي المورث أم لم يرض، فرد إلى النساء والأطفال اعتبارهما، وقضى على الظلم والحيف بشأنهما، وهذا من عدل القرآن في باب الميراث. إن المتأمل في أحكام الله تعالى في قضية الميراث يوقن إيقاناً تاماً أن هذه الأحكام ربانية المصدر لما احتوت عليه من حكمة وعدل واعتدال واستقامة1. إن نظام التوريث الإسلامي هو النظام العادل المتناسق مع الفطرة ابتداء، ومع واقعيات الحياة العائلية والإنسانية في كل حال، يبدو هذا واضحاً حين نوازنه مع أي نظام آخر، عرفته البشرية في جاهليتها القديمة أو جاهليتها الحديثة في أية بقعة من بقاع الأرض. إنه نظام يراعي منع التكافل العائلي، كاملاً، ويوزع الأنصبة على قدر واجب كل فرد في الأسرة في هذا التكافل، فعصبة الميت هم أولى من يرثه بعد أصحاب الفروض كالوالد والوالدة، لأنهم هم كذلك أقرب من يتكفل به، ومن يؤدي عنه في الديات، والمغارم، فهو نظام متناسق ومتكامل. 1 الوسطية في القرآن الكريم للصَّلاَّبي، ص 505.

عدد الصفحات ٢١٦

217 وهو نظام يراعي أصل تكوين الأسرة البشرية من نفس واحدة فلا يحرم امرأة و صغيراً لمجرد أنه امرأة أو صغير، ولا يميز جنساً على جن س إلا بقدر أعبائه في التكافل العائلي الاجتماعي. وهو نظام يراعي طبيعة الفطرة الحية بصفة عامة، وفطرة الإنسان بصفة خاصة، فيقدم الذرية في الإرث على أصول، وعلى بقية القرابة، لأن الجيل الناشىء هو أداة الامتداد وحفظ النوع، وأولى بالرعية ـ من جهة نظر الفطرة الحية ـ ومع هذا فلم يحرم الأصول وبقية القرابات، بل جعل لكل نصيبه مع مراعاة منطق الفطرة الأصيل. وهو نظام يتماشى مع طبيعة الفطرة كذلك في تلبية رغبة الكائن الحي ـ وبخاصة الإنسان ـ في أن لا تنقطع صلته بنسله، وأن يمتد في هذا النسل، ومن ثم هذا النظام الذي يلبي هذه الرغبة، ويطمئن الإنسان الذي بذل جهده في ادخار شيء من ثمرة عمله، إلى أن نسله لن يحرم من ثمرة هذا العمل، وأن جهده سيرثه أهله من بعد، مما يدعوه إلى مضاعفة الجهد، ومما يضمن للأمة النفع والفائدة ـ في مجموعها ـ من هذا الجهد المضاعف مع عدم الإخلال بمبدأ التكافل الاجتماعي العام الصريح القوي في هذا النظام. وأخيراً فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المجتمعة على رأس كل جيل، وإعادة توزيعها من جديد، فلا يدع مجالاً لتضخم الثروة وتكدسها في أيد قليلة ثابتة ـ كما يقع في الأنظمة التي تجعل الميراث لأكبر ولد ذكر ـ أو تحصره في طبقات قليلة ـ وهو في هذه الناحية أداة متجددة الفاعلية في إعادة التنظيم الاقتصادي في الجماعة، ورده إلى الاعتدال، دون تدخل مباشر من السلطات، هذا التدخل الذي لا تستريح إليه النفس البشرية بطبيعة ما ركب فيها من الحرص والشح، فأما هذا التفتيت المستمر والتوزيع المتجدد، فيتم والنفس

عدد الصفحات ٢١٧

218 به راضية، لأنه يماشي فطرتها وحرصها وشحها، وهذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه النفس وتشريع الناس1. وبهذا يتضح منهج القرآن في عدله في أحكام الميراث 4 ـ الملكية في الإسلام يقُ ر الإسلام حق الملكية الفردية للمال الذي حصل عليه المسلم بالطرق المشروعة، كما يقر التفاوت بقدر الجهد الذي يبذله الشخص، وبقدر ما يصادفه من توفيق والطرق المشروعة التي يبيح الإسلام للإنسان أن يحصل من خلالها على المال وعلى رأسها العمل والميراث وثمة طرق أخرى ليست واسعة الانتشار كالهيبة والوصية. ولقد أقام الإسلام ما وضعه من نظم في شؤون هذه الحياة على دعائم يكمل بعضها بعضاً، وتعمل متفاخرة على إقرار العدالة الاجتماعية وتحقيق التوازن الاقتصادي على أحسن وجه ومن خلال أمثل طريق، وفي أوضاع تختلف اختلافً ا جوهرياً عن الأوضاع التي تسير عليها النظم الاقتصادية المُ طبَّقة في الوقت الحالي. من هذه المبادىء أن الإسلام يقر الملكية الفردية وييسر سبل الحصوص على الملكية ما دامت هذه السبل سليمة مشروعة، ويحيط هذه الملكية بسياج قوي من الحماية، كما يظهر ذلك من مجموعة الحدود والعقوبات الرادعة التي قررها لمختلف أنواع الاعتداء على ملكيات الأفراد كالسرقة، وقطع الطريق والنصب ونقل حدود الأرض، وما إلى ذلك مما من شأنه أن يثير المنافسة والطموح ويشجع الحافز الفردي وإعطاء كل مجتهد 1 في ظلال القرآن1 /596 ـ597.)

عدد الصفحات ٢١٨

219 جزاءاجتهاده من ثمرات الحياة الدنيا وتحقيق تكافؤ الفرص بين الناس في ميادين الحياة ومسايرة الطبيعة البشرية التي فطر الناس عليها، لأن حب التملك غريزي في الإنسان1. وهناك الكثير من الأدلة على أن القرآن والسنة يقران الملكية الفردية أو الخاصة، ويعترفان بها، ولا شبهة كذلك أنه قاعدة للحياة الإسلامية وقاعدة الاقتصاد الإسلامي، القاعدة لا تخالف إلا الضرورة وبقدر هذه الضرورة: "لِّلرِّجَالِ نَصِيب مِّمَّا اكْ تَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيب مِّمَّا اكْتَسَبْنَ" (النساء ، آية : 32.) وقد جاء في الحديث الشريف«من قتل دون ماله فهو شهيد»2. وعقوبة السرقة الصارمة دليل علىاحترام هذا الحق وصيانته ومنع الاعتداء عليه: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِّ " (المائدة، آية: 38.) أما الغصب فهو محرم ملعون من يجترمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«من اقتطع مال امرىء مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان»)3(. وتقرير حق الملكية الفردية يحقق العدالة بين الجهد والجزاء فوق مسايرته للفطرة واتفاقه مع الميول الأصلية في النفس البشرية، تلك الميول التي يحسب الإسلام حسابها في إقامة نظام المجتمع، وفي الوقت ذاته يتفق مع مصلحة الجماعة بإغراء الفرد الذي بذل أقصى جهد في طوقه لتنمية الحياة فوق ما يحقق من العزة والكرامة والاستقلال ونمو الشخصية للأفراد بحيث يصلحون أن يكونوا أمناء على هذا الدين، يقفون في وجه المنكر ويحاسبون الحاكم وينصحونه دون خوف من انقطاع أرزاقهم لو كانت في يديه4. فالفرد مخلوق بفطرة حب الخير لذاته: " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد " (العاديات ، آية: 8.) 1 الإسلام والعدالةالاجتماعية فتحي السيد، ص: 163. 2 صحيح البخاري، تقدم تخريجه. )3( صحيح البخاري، ك التوحيد، الحديث رقم7445. 4الإسلام والعدالةالاجتماعية، ص: 164.

عدد الصفحات ٢١٩

220 مفطور على حب الحيازة بما يملك: " قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأََّمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ" ( الإسراء ، آية : 100) " وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ" ( النساء، آية : 128.) مفطور كذلك على حب ذريته والرغبة في أن يورثهم نتاج كده، والمال الذي يدخره لهم إن هو إلا عمل مختزن في صورة مال يؤثر به الرجل ذريته على متاعه الخاص في حياته ولا ضرر من مجازاة هذه الميول الفطرية، ليبذل الفرد أقصى طاقته وهو نشيط مقبل على العمل والإنتاج لأنه يلبي أشواقه وحاجات نفسه، ولا يحس أنه مسخر للعمل ولا يبذل جهده كارهاً، والجماعة هي تستفيد بعد ذلك من جهده هذا وكده، والإسلام يضع القواعد التي تتيح للجماعة هذه الفائدة وتضمن كف الأذى من إطلاق حرية الفرد وتقرير حق الملكية الفردية له. والعدالة تقتضي أن يلبي النظام أشواق الفرد، ويرضي ميوله في الحدود التي لا تضر الجماعة، والعدالة لا تكون دائماً على حساب الفرد فهي للفرد كما هي للجماعة، متى شئنا أن نسلك طريقاً وسط وتحقق العدالة في جميع صورها وأشكالها في الحياة. وهناك بعض القيود التي تمثل إجراءات لتنظيم الملكية الخاصة في الإسلام والتي بموجبها يمكن للمسلم أن يمتلك جزء من ثروة المجتمع هي1: ـ الاستيلاء على الأشياء المباحة بواسطة العمل. ـ نقل الملكية الثابتة من شخص لآخر عن طريق العقد. ـ نقل الملكية الثابتة لا عن طريق العقد، وإنما بطريق الخلافة "الإرث والوصية". 1السياسة الشرعية مصدر للتقنين، عبد الله محمد القاضي.

عدد الصفحات ٢٢٠

221 ـإحلال صاحب الحق محل المشتري فيما اشتراه جبراً عنه وهو الشفعة إذا طلبها صاحبها بشروطها. وإذا كان تدبير شؤون الناس وإقامة مصالحهم بالعدل والقسط هي غاية الشريعة، ومبتغاها، لذا أجاز الفقهاء لولي الأمر أن يتدخل ليبسط على الناس الحماية وينشر عليهم الرعاية فيما يحفظ أقواتهم وملابسهم ومساكنهم، كما ورد في التسعير ورد الاحتكار1. أ ـ طبيعة الملكية الفردية الإسلام لا يدع حق الملكية الفردية مطلقاً بلا قيود ولا حدود، فهو يقرره، ويقرر بجواره مبادىء أخرى، تجعله أداة لتحقيق مصحة الجماعة بنفس الدرجة التي تتحقق بها مصلحة الفرد المالك سواء وهو يشرعه ويشرع له الحدود والقيوم التي ترسم لصاحبه طرفاً معينه في تنميته وإنفاقه وتداوله، ومصلحة الفرد ذاته كذلك في حدود الأهداف الخلقية التي يقم عليها الحياة2. ب ـ مصادر الملكية يقصد بالمصادر الأمور التي عن طريقها تأتي الملكية الفردية والجماعية وبالواجبات التي تفرض على المالك، والعمل يعتبر وسيلة لنيل حق التملك بكل أنواع وألوانه، وفي هذا من العدالة بين الجهد والجزاء ما فيه، وأهم مصادر الملكية في الإسلام إلى الأمور الآتية: ـ الغنيمة: وهي ما يبيح الإسلام لجيش المسلمين الاستيلاء عليه من أموال العدو ومنقولها إذا اشتبك معه في حرب مشروعة. 1 الإسلام والعدالةالاجتماعية، ص: 171. 2 المصدر نفسه، ص: 168.

عدد الصفحات ٢٢١

222 ـ إحياء الأموات من الأرض فإذا أحيى الفرد أرضاً موات غير مملوكة لأحد ملكية فردية أيا كانت الوسيلة التي استخدمها في هذا الإحياء، بأن جعلها صالحة للإنبات بعد أن كانت غير صالحة له، فإنها تصبح ملكاً له، على أن يؤدي ما يجب عليها من ضرائب الأرض والثم ار، ولكن الشريعة تشترط لكي يتم هذا التملك الابتدائي أن يقود الفرد بإحياء الأرض في مدة ثلاث سنوات، وإلا سقط حق ملكيته لها. ـ استخراج ما في باطن الأرض من المعادن: (الركاز): وهذا العمل يجعل أربعة أخماس ما يستخرج من معدن ملكاً لمن استخرجه أخماس ما يستخرج من معدن والخمس زكاة، وهنا يجدر بنا أن نلاحظ أن المعادن التي كانت تستخرج عند وضع التشريع، هي الذهب والفضة وما إليها، وهذه ليست من ضروريات الجماعة، واليوم يستخرج البترول والفحم والحديد وهي من الضروريات فهل يطبق على مثل هذه الضروريات نفس المبدأ، أم يكون حكمها حكم الضروريات المشاعة كالماء والكلأ والنار، أم الركاز الذي كان معروفاً في عهد الرسول صلى الله عيه وسلم. فللفقهاء عدة آراء في مجموع (الركاز)، وأمثل هذه الآراء ما ذهب إليه الإمام مالك فهو يرى أن جميع ما يعثر عليه في باطن الأرض يكون ملكاً خالصاً لبيت المال أو الد ولة، فتكون ملكيته ملكية جماعية لأن الناس في حاجة إليها. ومن مصادر الملكية: ـ الصيد بجميع أنواعه. ـ ونتاج الأرض وتكاثر الأنعام والرقيق. ـ والعمل بأجر للآخرين. ـ والصناعة والتجارة.

عدد الصفحات ٢٢٢

223 ـوملكية الأرض. وغير ذلك من مصادر الملكية1. فهذا شيء وجيز عن سياسة المال فيما يتعلق بموضوع العدالةالاجتماعية، وحقيقة أنه لا يمكن فصل جانب عن جانب في المنهج الإسلامي الشامل التكامل للحياة2. 1 المصدر نفسه، ص: 173 ـ178. 2 المصدر نفسه، ص: 185.

عدد الصفحات ٢٢٣

224 السابع عشر: العدل في التشريع إن عدل الله ينبثق عن كرم نفسه وعن رحمته التي وسعت كل شيء، فهو الرحمن الرحيم الوهاب الرزاق الفتاح العليم الحكيم العدل، اللطيف، الخبير، الح ليم ال عظيم، الغفور الشكور، الجليل الكريم، الودود المجيد مالك الملك ذو الجلال والإكرام. بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا فإن الله ليس بظالم ولا جهول ولا متعسف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فه و الحق وهو العدل وهو الخير والجمال لا يصدر عنه القبح ولا يرضى لعباده الشرك والكفر. " يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة ، آية : 185.) وسياسته في الخلق أنه بهم رؤوف رحيم لطيف ودود، فلم يفرض عليهم شيئاً لا يطيقونه ولا شيئاً يضرهم ولا ينفعهم، ولا حرَّم طيباً ولا أحل خبيثاً، بل هو طيب يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويريد الخير للناس كلهم، ويريد أن يطهرهم من الرجس والأوثان، وينعم عليهم بالعفو والغفران، فلقد آلى المولى عز وجل أن يخلق عباده أحراراً كر اماً ، يحملون في طيَّات نفوسه م شيئاً مقدساً من روحه وسره. قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء ، آية " 70.) ثم أعطاه نعمة العقل وفضل العلم وأسجد له الملائكة: " إِنِّي جَاعِل فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً " (البقرة ، آية : 30.) كذلك فإن الله جعل هذا الإنسان حراً يختار ما يشاء ويفعل ما يريد قال تعالى: " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ" (الكهف ، آية : 29.) وجعل للعلماء الربانيين مكانة عظيمة سبحانه وتعالى

عدد الصفحات ٢٢٤