193 إن حكمة القرآن وعدالة الإسلام في الجانب الاقتصادي أنها حرمت الربا والمضاربات، وحرمت الغش والخداع والاحتكار والربح الفاحش، ودعت إلى التكافل، والأخوة بين البشر أجمعين. وواهم من يظن أن المناهج البشرية البعيدة عن شرع الله تعالى تعطي وجهاً إنسانياً أو أن تراعي التكامل والتراحم بين البشر 1. 1 ـ المال مال ا المال مال الله وكل شيء من موارد السماء أو الأرض فهي من الله ومن فضل الله ونعمه على الإنسان، قال تعالى: " وَللهِِّ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْ نَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُّ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِير (المائدة ، آية : 17.) ـ وقال سبحانه وتعالى: " وَللهِِّ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (المائدة ، آية : 18.) ـوقال تعالى: " وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِّ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَّ لَغَفُور رَّحِيم " (النحل، آية: 18.) ـ وقال تعالى: " وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَة فَمِنَ اللهِّ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ" (النحل ، آية : 53.) فكل شيء في السماوات والأرض، وما بينهما وما فيهنفمن الله، وكل الموارد، وكل النعم والآلاء من الله، والبشر لا يملكون شيئاً إلا ما يعطيهم الله، وكذلك المال والأهلون، لذلك وجب على الإنسان أن يتبع التعاليم ويطيع الأوامر إذا كان راشداً عاقلاً ، وما الدين وما الإيمان إلا كمال العقل والرشد، فإذا كان المال مال الله ولم يكن الإنسان سوى مستخلف فيه بنعمة الله وأمانته فواجب عليه أن ينفق منه كما أمره الله. 1 المصدر نفسه، ص 122.
عدد الصفحات ١٩٣194 ـقال تعالى: " آمِنُوا بِاللهَِّ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْر كَبِير " (الحد يد ، آية : 7.) فالمال مال الله، والإنسان هو مستخلف ووكيل على ما يملك، وما ملك الإنسان وما حيازته للأشياء إلا بالمجاز والمالك بالحق والحقيقة هو المولى عز وجل1. ولذلك يستوجب على الإنسان شرعاً وعقلاً أن ينفق ما آتاه الله ولا يبخل: " وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الحشر ، آية : 9.) والإنفاق، تأخذه الدولة بنص القانون، وتنفقه في الوجوه الشرعية كما بين القرآن الكريم، فهذا حق الله في المال وهو حق الفقراء، والمساكين ليس صدقة طوعية وليست منحة، ولكنه واجب ودين ولازم ولكن بعد ذلك فباب الصدقات الطوعية غير الملزمة واسع جداً لأن أبواب الخير واسعة جداً. وعموماً فإن الإنفاق أكبر أسباب الغنى واليسار وأكبر أبواب العفو الإلٰ هي والغفران الرباني، وهو تزكية وطهارة للنفس وتحرير لها من البخل، والتقتير والشح. قال عز من قائل: " مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُو نَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِّ كَمَثَلِ حَبَّة أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَة مِّئَةُ حَبَّة وَاللهُّ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُّ وَاسِع عَلِيم " (البقرة ، آية : 261.) إن سياسة المال في الإسلام هي أن ينفق ولا يكتنز، ينفق لتكريمالإنسان وتحقيق حقه الطبيعي في العيش الكريم، وفي المأوى والملبس الذي يحميه من الحر والبرد، وفي العلاج والتعليم، وكذلك ينبغي أن ينفق المال لإقامة الدين الحق وإبطال الهوى الباطل. قال تعالى: " وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُ وقًا" (الإسراء ، آية : 81.) 1 مفهوم العدالة، ص: 123.
عدد الصفحات ١٩٤195 إن الإسلام يشن حرباً لا هوادة فيها على المرابين وأهل الطمع والجشع " فَأْذَنُواْ بِحَرْب مِّنَ اللهِّ وَرَسُولِهِ" (البقرة ، آية : 279.) كما يشن حرباً لا هوادة فيها على الاستغلال والابتزاز وأكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: " وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة ، آية : 188.) فإن الناس عندما يدفعون بالأموال للحكام هبات وهدايا ورشاوي،إنما يفعلون ذلك ليمكن لهم الحكام أكل أموال الناس بالإثم والعدوان، ولذلك فكل ذلك محرم في الإسلام، وكذلك الغش في السلع والتزوير، والتطفيف في الكيل. 2 ـ من وسائل العدالةالاجتماعية: أ ـ الزكاة: فالزكاة هي حق المال، وهي عبادة من ناحية وواجب اجتماعي من ناحية أخرى، وكلمة الزكاة معناها الطهارة والنماء، فهي طهارة للضمير والذمة بأداء الحق المفروض وهي طهارة للنفس والقلب من فطرة الشح، وحب الذات، وهي طهارة للمال بأداء حقه وصيرورته يعد ذلك حلالاً . والزكاة حق الجماعة في عنق الفرد لتكفل الكفاية للمحتاجين، وشيئاً من المتاع بعد الكفاف أحياناً وبذلك يحقق الإسلام جزءاً من مبدئه العام " كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاء مِنكُمْ "، فالإسلام يوجب أولاً أن ينال كل فرد كفايته من جهده الخاص حين يست طيع، ثم من مال الجماعة حين يعجز لسبب من الأسباب، ويكره الإسلام أن تكون فوارق الطبقات بين الأمة، بحيث تعيش منها جماعة في مستوى الترف، وتعيش جماعة أخرى في مستوى الشظف، ثم أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري، يكره الإسلام هذه الفوارق لما وراءها من أحقاد تحطم
عدد الصفحات ١٩٥196 أركان لمجتمع، ولما فيها من إضرار المحتاجين،إما إلى السرقة والغصب، وإما إلى الذل وبيع الشرف والكرامة، وكلها منحدرات يتجافى الإسلام بالجماعة عنها1. لهذه المعاني جميعاً شرع الإسلام الزكاة وجعلها فريضة في المال حق لمستحقيها تفضلاً من مخرجيها، حقاً تت قاضاه الدولة بحكم القانون، ولكنه راح يحفز الوجدان على أداء هذا الحق، حتى يجعل أداءه رغبة ذاتية من القادرين على الأداء. فالزكاة ركن من ركن الإسلام وضرورة من ضروريات الإيمان2. ـ قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُ ونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ" (المؤمنون ، آية : 1 _4.) ـ وأداء الزكاة وسيلة من وسائل الحصول على رحمة الله: " وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (النور ، آية : 56.) ـ والزكاة شريعة إنسانية خالدة تضمنتها أوامر الأنبياء قبل الإسلام، فلا دين يغير الواجب الاجتماعي العريق. قال تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِياا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِياا" ( مريم ، آية : 54 ـ55.) ـويقول عن إبراهيم: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ" (الأنبياء ، آية : 72 ـ73.) 1 الإسلام والعدالة اجتماعية، د. فتحي السيد، ص: 77. 2 الإسلام والعدالة اجتماعية، د. فتحي السيد، ص: 77.
عدد الصفحات ١٩٦197 فالزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، قرنها الله تعالى في كتابه العزيز بالصلاة في مئات الآيات، كان ذلك إيذاناً بت أكيد فرضيتها وأنها تعادل في القيمة التشريعية حق الله على عباده في أن يتجهوا إليه بصلواتهم كل يوم خمس مرات، فاقتران الزكاة في الذكر بالصلاة التي هي عماد الدين، يدل على مقدار عناية الإسلام بشأنها، وعلى شدة حرصه عليها وعلى أن يذكر الإيمان بها في المجتمع اعتقاداً وعملاً 1. ب ـ أبو بكر الصديق ومانعي الزكاة كما أن الإسلام جعل للدولة الحق في أن تأخذ الزكاة ما يمنع الضرر وترفع به الحرج وتصون به المصلحة للشعب، فليست الزكاة وحدها في حق المال، بل إنها الحد الأدنى المفروض حين لا يحتاج الشعب إلى غير حصيلة الزكاة، فأما حين لا تفي فإن الإسلام لا يقف مكتوف اليدين، بل يمنح ولي الأمر سلطات واسعة للأخذ من رؤوس الأموال بقدر معلوم في الحدود اللازمة للإصلاح2، بروح مزيج من الإشفاق على الإسلام في هذه الظروف العصيبة من إيثار الصبر على هؤلاء المتمردين حتى يشتد أمر الدولة وتثبيت أمر الخلافة، ثم يأتي الوقت المناسب لتأديبهم وردهم إلى الطاعة، هكذا كان رأي الكثرة، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن أبو بكر أصر أن يقاتل من منعوا الزكاة، فقال قولته الشهيرة: "والله لو منعوني عناقاً وهي العنزة الصغيرة كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها، إن الزكاة حق المال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"3. 1 عدالة الإسلام محمد محمد المدني، ص 109 ـ110. 2 علم اجتماع الاقتصادي السيد محمد بدوي، ص: 207. 3 الإسلام والعدالةالاجتماعية فتحي السيد، ص: 82.
عدد الصفحات ١٩٧198 وبعد حوار ونقاش وجدل اقتنع عمر والصحابة برأي الصديق قراره الخطير الذي كان له الأثر والبركة في حفظ دين الله وتوطيد دولة الإسلام واتجاه حركة التاريخ نحو الصواب. هذه الزكاة حق مفروض بقوة الشريعة تقدر في المال بحساب معلوم وبجانبها الصدقة وهي موكولة لضمير الفرد بلا حساب ووحي الوجدان والشعور وثمرة التراحم والإخاء اللذين عنى بهما الإسلام كل العناية تحقيقاً للترابط الإنساني والتكافل الاجتماعي، عن طريق الشعور الشخصي بالواجب وإحساس النفس بالرحمة ليبلغ بذلك هدفين: ـ التهذيب الوجداني العميق والتضامن الإنساني الوثيق، وإن الإسلام ليجعل هذا التراحم إنسانياً خالصاً لا تقف حدوده عند الأخوة الدينية فيقول القرآن: " لاَ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ" (الممتحنة ، آية : 8.) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم«ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء»1. فيضرب المثل الأعلى في التراحم الإنساني الخالص حتى من عصبية الدين فالرحمة في الإسلام أساس الإيمان وعلامته، لأنها دليل تأثر الضمير بهذا الدين، وتغلغلهم فيه، وعلى هذا يوجه الإسلام إلى الصدقة والبر، ويحبب في الإنفاق طوعاً واحتساباً و انتظاراً لرضاء الله وعوضه في الدنيا ولثوابه في الآخرة و اجتناباً ل غضبه وعذابه، والصدقة قرض لله مضمون الوفاء. قال تعالى: " مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهََّ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْر كَرِيم " (الحديد، آية: 11.) 1 سنن أبي داود، ك الأدب، الحديث رقم: 4941.
عدد الصفحات ١٩٨199 أو هي تجارة رابحة مجزية، والجنة في الآخرة جزاء كريم للمنفقين ـ قال تعالى: "وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُ هَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُّ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران ، آية : 133 ـ134.) والصدقة تطهير للنفس والمال، وقد أمر الرسول أن يأخذ من قوم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم قسطاً من مالهم ينفق في الخير تطهيراً وتزكية. قال تعالى: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا" (التوبة ، آية : 103.) وامتناع عن الإنفاق في سبيل الله هلكة: " وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِّ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " (البقرة ، آية : 195.) والبر يؤدي إلى الجنة ويجتاز بلبار العقبة، والعقبة هي فك لرقاب وإطعام الطعام يوم الجوع " وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَام فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة " (البلد ، آية : 12 ـ16.) وأبواب الإنفاق تدور مع الحاجة ومواضعها، فالأقربون أولى بالمعروف، ولكن سواهم موصولون بهم يذكرون في معرض الحض على البر جنباً لجنب مع الأقربين، فالبر عاطفة إنسانية قبل أن تكون وجدان قرابة، وذكر البر موصول غالباً بذكر الإيمان 1. ويستحسن إخفاء الصدقة ودفعها سراً للمعوزين، حفظاً لكرامتهم من جهة ومنعاً للا ختيال والضجر من جهة أخرى. قال تعالى: " إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لُّكُمْ" (البقرة ، آية : 271.) 1 المصدر نفسه، ص 85.
عدد الصفحات ١٩٩200 ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم مثنياً على الرجل «تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»1. وهو تصوير بارع جميل لكتمان البر واحتسابه في غير مفخرة ولا إعلان. واحتراماً للكرامة الإنسانية التي جعلها الله من مقاصد القرآن الكريم: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء ، آية : 70.) ج ـ المستحقون للزكاة إن المستحقين للزكاة هم، بحسب ما ورد في القرآن ثمان فئات، لقوله تعلى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِّ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَ ةً مِّنَ اللهِّ" (التوبة ، آية : 60.) ونُ بيّ ن باختصار فئات المستحقين فيما يلي: ـ الفقراء وهم الذين لا يستطيعون بحسب قدراتهم ومواردهم أن يوفروا لأنفسهم المستوى اللائق للمعيشة، وهو في الإسلام حد الكفاية لا الكفاف، فيعطون من الزكاة بالقدر الذي يصل بهم إلى حد الكفاية. إذ ليس الهدف من الزكاة إعطاء الفقير درهماً أو ديناراً وإنما تحقيق مستوى لائق لمعيشته بوصفه إنساناً كرّ مه واستخلفه في الأرض، ومن ثم كانت الزكاة معونة دائمة ومنظمة حتى يزول الفقر بالغنى وتزول البطالة بالكسب ويزول العجز بالقدرة. 1 رواهالشيخان.
عدد الصفحات ٢٠٠201 ـ المساكين وهم الذين لا يملكون شيئاً، وهم بطبيعة الحال أجدر بالعطاء من الفقراء، وهم في رأي البعض الفقراء الذين يسألون تمييزاً لهم عن الفقراء المتعففين، وهم على العموم أسوأ حالاً من الفقراء، ويمكن القول إن الفقراء والمساكين صنفان لنوع، هم أهل العوز والحاجة، مثل الإيمان والإسلام وفي كتب الحنابلة الفقراء والمساكين ثلاثة أنواع: ـ نوع أول: يستطيع أن يعمل ويكسب بحيث يكفي نفسه كالصانع والتاجر والزارع، ولكن ينقصه أدوات الصنعة، أو رأس مال التجارة، أو الأرض وآلات الحرث والسقي، فهذا يعطى من الزكاة بقدر ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى، وذلك بشراء ما يلزمه لمزاولة حرفته. ـ نوع ثانٍ : يستطيع أن يعمل ويكفي حاجته ولكنه متفرغ للعبادة فلا يعطى من الزكاة بخلاف الفقير المتفرغ للعلم، إذ تعذر عليه الجمع بين الكسب وطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة بقدرما يعينه على أداء مهمته، ذلك أن طالب العلم يقوم بفرض كفاية ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه، بل هي لمجموع الأمة. ـ ونوع أخير: عاجز عن الكسب، كالمريض المقعد، والشيخ الهرم، والطفل اليتيم ونحوهم، فهذا يعطى من الزكاة راتباً دورياً يكفي حاجاته الأصلية حتى يزول سبب العجز. ـ العاملون عليها: وهم المكلفون بتحصيل الزكاة وتوزيعها، أي الجهاز المالي والإداري لمؤسسة الزكاة، ولا يجوز في رأي البعض كالإمام الشافعي أن يتجاوز ما يتقاضونه.
عدد الصفحات ٢٠١202 وهي أن الزكاة تغطي مصاريفها من ذاتها، وأنه بتعيين الاقتصاد في مصاريف تحصيلها وصرفها، وهؤلاء العاملون عليها لهم وظائف شتى تتصل بإجراءات تحصيل الزكاة وتنظيم صرفها وهم يمارسون هذه الاختصاصات باسم الدولة، مما يفيد أن الزكاة ليست إحساناً فردياً متروكاً للأفراد وإنما هي من وظائف الدولة يتولاها نيابة عنها مؤسسة أو جهاز مستقل يقسم إلى إدارتين رئيسيتين: إدارة تحصيل الزكاة، وإدارة توزيع الزكاة، بحيث تكون لكل إدارة فروع أو أقسام بالقدر الذي يضبط عمليتي التحصيل والتوزيع. ـ المؤلفة قلوبهم وهم الذين يراد كسبهم نحو الإسلام، أو درء مخاطرهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، فهذا المصرف بالتعبير الحديث هو نصيب الدعوة إلى الإسلام، وقد قيل أن عمر قد عطل سهم المؤلفة قلوبهم حين رفض إعطاءهم بقوله: إن الله قد أعز الإسلام وأغنى عنهم،، وهذا تصور خاطىء، إذ لا يملك عمر أو غيره أن يهدر أو يعطل أمراً إلٰ هياً، وإنما الأمر مرده عدم توفر شروط تطبيق النص، أو كما يعبر عنه بعض الفقهاء باصطلاح زوال الوصف. وهذا المصرف يؤكد من ناحية أخرى، أن الزكاة ليست إحساناً شخصياً، أو عبادة مجردة موكولة إلى الأفراد، ذلك أن تأليف قلوب هؤلاء أو أولئك أو عدم تأليفهم، ليس مما يوكل إلى الأفراد، إنما هو شأن الدولة ممثلة في ولي الأمر أو أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية1. ـ وفي الرقاب 1 المصدر نفسه، ص 91.
عدد الصفحات ٢٠٢203 وهم الأرقاء المكاتبون الذين يشروون حريتهم نظير قدر من المال متفق عليه، مع مالكيهم، تيسيراً لهم لينالوا الحرية، أي القدر المخصص من المال لتحرير العبيد في العصر القديم ولمحاربة مختلف صور الاستعباد والاستغلال في العصر الحديث. وبذلك تعتبر الدولة المسلمة أول دولة في العالم حاربت الرق والاستعباد، ومنذ خمسة عشر قرناً، بل وخصصت لتصفيته وإلغائه جزء من ميزانية الدولة، حتى أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لم يجد فقراء يأخذون الزكاة، كان يصرف كامل حصيلتها في فك الرقاب، فمن فضل الإسلام أنه استحدث العتق، ولم يستحدث الرق، ودعا إلى العتق ورغب فيه، وجعله من أحب القربات إلى الله، بل خصص له مورداً في بيت مال المسلمين، وأقام جهازاً مستقلاً ممثلاً في الزكاة وإدارة متفرعة فيها تتبع كافة صور الاستعباد والعمل على تصفيتها. ـ الغارمون وهم الذين استغرقتهم الديون لسد حاجتهم الضرورية، أو لكساد تجارتهم أو مصانعهم لسبب خارج عن إرادتهم، أو لتحملهم نفقات مالية لبعض المصالح العاملة كالإصلاح ذات البين، فهؤلاء وأولئك يعطون من الزكاة بقدر ما يقضي ديونهم وترد إليهم معنوياتهم في الحياة. وما عرفت البشرية حتى اليوم شريعة غير الإسلام تنص في صلب دستورها على سداد ديون المدينين لسبب مشروع، وتجعل من ذلك فريضة وقربة إلى الله، وهي لا تكتفي بذلك، بل تمد بالمال كل غارم لإصلاح ذات البين وإقرار السلام والمحبة بين البشر، ويصرح الكثير من الفقهاء بإعطاء المصلحين لذات البين من الزكاة ولو مع الغنى، تشجيعاً لهم، وتدعيماً للسلام التي هي غاية الإسلام ،
عدد الصفحات ٢٠٣204 إن القياس الصحيح والمقاصد العامة للإسلام من الزكاة تجيز إقراض المحتاجين من سهم الغارمين، على أن ينظم ذلك وينشأ له صندوق خاص، وبذلك تساهم الزكاة مساهمة عملية تيسير القرض الحسن والقضاء على الفوائد الربوية، الذي حرمه الإسلام وآذن بحربه من الله ورسوله. ـ في سبيل ا وهو مصرف عام تحدده الظروف، ومنه تجهيز المجاهدين وعلاج المرضى، وتعليم العاجزين عن التعليم، والتصرف في هذا الباب يتسع لكل عمل اجتماعي في سائر البيئات والظروف والذي يراد بالمجاهدين تطوعاً فيعطون من الزكاة ما يكفيهم للغزو ولو كانوا أغنياء، تشجيعاً على الجهاد المقدس، بخلاف الجنود المنتظمين، فهؤلاء لا يعطون من الزكاة وإنما من أموال الدولة الأخرى، كالغنائم والخراج، والبترول ومصادرها المتنوعة. ويتوسع بعضهم فيرى أن سبيل الله هو الطريق الموصل إلى جناته ومرضاته وهو الإسلام في جملته، بحيث يشمل الإنفاق في سبيل الله جميع أنواع النفقة المشروعة، بما في ذلك مصالح الدولة العامة، كإنشاء المستشفيات والمدارس وإقامة الطرق والجسور ...الخ باعتباره صدقة جارية. ويرى جمهور الفقهاء قصر سهم "في سبيل الله" على المجاهدين تطوعاً على أنه إذا بقي في حصيلة الزكاة فائض زائد عن حاجة الفئات الثمانية، فإنه يصرف منه على سائر المصالح العامة، كما هو الشأن في حق مؤسسة الزكاة في إعانتها من موارد الدولة الأخرى، إذا لم تكف حصيلتها لسداد حاجات المستحقين فيها1. 1 المصدر نفسه، ص 94.
عدد الصفحات ٢٠٤205 ـ ابن السبيل وهو قديماً المسافر الذي انقطع عن بلده وبعد عن ماله، وهو حديثاً اللاج ىء الذي انقطع عن مورده بسبب خارج عن إرادته. ويعتبر اليوم اللاجئين العرب السوريين والفلسطينيين وغيرهم من أبناء السبيل، وما أشد حاجتهم إلى نصيبهم من الزكاة. فهذه الإعانة من الزكاة هي وقاية اجتماعية أخيرة وضمانة للعاجز الذي يبذل طرقه ثم لا يجد أو يجد دون الكفاية، أو يجد مجرد الكفاف، ثم هي وسيلة لأن يكون المال دولة بين الجميع لتحقيق الدورة الكاملة السليمة للمال بين الإنتاج والاستهلاك والعمل من جديد. وفي هذا يجمع الإسلام بين الحرص على أن يعمل كل فرد بما في طاقته والحرص على أن يعين المحتاج بما يسد خلته. إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكامل المتضامن الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانبه. إن الإسلام اعتمد على وسيلتين أساسيتين: التشريع والتوجيه في تحقيق العدالة الكبرى في كل حقل من حقول الحياة1. 3 ـ الميراث وهو المال الذي يتركه الميت للمستحقين له كما قسمه الله عز وجل في محكم كتابه العزيز، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأطلق عليه العلماء: "علم الفرائض"، وبنى الإسلام نظام التوريث على أسباب من أحكمة تنظم توزيع تركة الموروث تنظيماً عادلاً 1 المصدر نفسه، ص 92 ـ95.
عدد الصفحات ٢٠٥206 منطقياً، إذ من فوائد توزيع تركه الميت، ولاشك أن هذه الفوائد تدل دلالة قاطعة على العدل الرباني: أ ـ توثيق الروابط بين أفراد الأسرة، وتحقيق التكافل بينها، إذ يحرص الجميع على الخير للآخرين، لأن ما بيد كل واحد سيعود أخيراً للجميع عن طريق الإرث، كما سنرى في عدالة التوزيع الإلٰهية لهذا المصدر. ب ـ القضاء على المذاهب الفاسدة، مثل المذهب الرأسمالي الذي يكدس الأموال في يد الأغنياء دون الفقراء، فتتعدد الطبقات، وينشأ عن ذلك صراع وجرائم وينعدم الأمن والاطمئنان، ومثل النظام الاشتراكي الذي يجعل ملكية الأموال للدولة دون الأفراد مما يحرم أبناء الأسرة من أموال الأقارب وأملاكهم التي جمعت بالتعب والكد فيؤدي إلى مشاكل في المجتمع. جـ ـ الأسباب الموجبة للإرث وموانعه فيها عدل.. فأما الأسباب فهي: القرابة بما فيها الآباء والأبناء والإخوة وقرابة الزوجية، وهؤلاء يتفاوت نصيبهم حسب القرب من الميت، والعدل يقتضي أن الأقرب أولى بالميت من الأبعد، فهو أولى بماله، وأما الموانع فهي: القتل من الموانع، فإذا قتل الوارث المورث عمداً لا يجوز أن يرث منه، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء»1. والقاعدة عند الفقهاء تقول: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أما ترى لو جاز للقاتل عمداً الإرث من مقتوله أن فيه فساداً عظيماً، وذلك أنه أزهق نفساً بغير حق، ثم يكون قدوة لغيره، فيتجرأ الناس على القتل فينعدم الأمن خصوصاً من أهل البطالة 1 العدل في القرآن والسنة، ص 241 ـ242.
عدد الصفحات ٢٠٦207 القاعدين عن العمل والكسب، فيجد وسيلة سهلة لكسب المال بعد أن يكون الطمع وحب المال قد أغراه وأنساه تقوى الله، فمن العدل أن لا يرث منه علاوة على القصاص، كما ذكر القرآن الكريم. وفي ذلك زجر وردع له ولغيره وإقرار لميزان العدل في الأرض، واعتبر الجمهور قتل الخطأ مثل قتل العمد في منع التوارث إلا المالكية. قالوا: قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية1. ومن الموانع كذلك اختلاف الدين، فالمسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، لأن الإرث نوع من الترابط والولاء، ولا ولاء بين المسلم والكافر، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين»2. وحديثه رواه الأربعة عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال«لا يرثُ المسلمُ الكافر ولا الكافرُ المسلم»3. وأورد الفقهاء أن اختلاف الدار بين المسلمين لا يمنع من التوارث مهما بعدت الأقطار بينهم، أما بين غير المسلمين فالجمهور يقولون: لا يمنع، والحنابلة أجازوه قياساً على أنهم ملة واحدة4. د ـقبل توزيع التركة توجد حقوق لابد من تسديدها لأنها أهم من توزيع الإرث، إذ هذه الحقوق في ذمة الميت ودين عليه، بينما حق الورثة ليس ديناً في ذمة الميت، بل ملك مضاف إلى ملكهم سببه الإرث، فمن العدل قضاء هذه الحقوق قبل التوزيع، ومنها 1 فقه السنة، سيد سابق (3 /427.) 2 سنن الترمذي، ك الفرائض، الحديث رقم: 2108. 3 صحيحالبخاري، ك الفرائض، الحديث رقم: 6764. 4 العدل في القرآن والسنة، ص 242.
عدد الصفحات ٢٠٧208 تجهيز الميت وتكفينه، لأن المال ماله فينفق عليه ما يحتاج مما لابد منه في حدود ما يقرر الدين. ومنها قضاء الديون: سواء كانت لله كالزكاة، أم للعباد، غير أن حق العباد مقدم على حق الله، وذلك أنه بموته فوت الحق على الدائن، ولا سبيل لمطالبته، وتعلق الحق بماله، فوجب استيفاء الحق من تركته.. وأما حق الله فيكون بين العبد وربه إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بخلاف حق العباد، لا يغفر الله ذنباً متعلقاً بحقوق العباد، لذا لزم تقديم حق العباد على حق الله عند توزيع الميراث. ومنها الوصية: وهي تمليك مال مضاف إلى ما بعد الموت على سبيل المثال: التبرع والتقرب إلى الله سواء كان مالاً عيناً أو منفعة. والإسلام وضع للوصية شروطاً جعلتها عادلة، ومن ذلك أن لا تزيد عن الثلث من أجل العدل مع الورثة، فإذا أوصى بأكثر من ذلك أو بكل ماله حرم الورثة من نصيبهم، ففيه ظلم، وترد إلى الثلث إن أوصى بأكثر منه، أي: ألاَّ تُ نفذ الوصية إلا في الثلث فما دونه، إلا في حالة عدم وجود ورثة، أو أجاز الورثة بأكثر من الثلث، فعندئذ أسقطوا حقهم بشرط أن يوافق الجميع ليس البعض دون البعض، ففي هذه الحالة تجوز في حق من أجاز بنسبة نصيبه من الإرث. ووجه العدل في ذلك من يملك شيئاً يكون أولى بالتصرف فيه، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني في عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟.
عدد الصفحات ٢٠٨