177 ولما كان السعي من أجل مجتمع عادل، هدفاً أساسياً يوفر دخل حد الكفاية، كان لابدَّ من معالجات مرحلية مستمرة لنتائج سوء توزيع الدخل والثروة، لذا برزت في هذا المجال فعاليتان أساسيتان هما التكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي1. 3 ـ التكافلالاجتماعي: فالتكافل الاجتماعي هو مفهوم تولد من النسق المعرفي بمرجعيته الإسلامية وخلفية مكارم الأخلاق التي كانت سائدة قبل الإسلام مفهوماً أخلاقياً، فهو التزام الأفراد الذين يتمتعون بسعة العيش حدَّ الغنى تجاه آخرين يعانون من نقص في الدخول يصل بهم حدَّ الكفاف للارتفاع بهم إلى حدَّ الكفاية، وهو حق من حقوقهم الاجتماعية: " وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" (الذاريات ، آية : 19.) وهذا الالتزام حق من الحقوق المادية الشرعية للفقراء، وذوي القربى من الذين تشملهم الزكاة لكونهم تحت الرعاية الاجتماعية لدافع الزكاة، والتكافل على المسلم فريضة في حدود ظروفه وإمكاناته يجب عليه أن يؤديها على أي حال كما يؤدي سائر فرائضه2. يقول تعالى: " آمِنُوا بِاللهَِّ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْر كَبِ ير " (الحديد ، آية : 7.) والتكافل لا يعني في أي حال إنقاص قدر العمل، بل يعمل في إطار يحفظ للعمل أهمية كونه وسيلة لتحقيق الكفاية3. 1 عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية، ص142. 2 المصدر نفسه، ص142. 3 المصدر نفسه، ص143.
عدد الصفحات ١٧٧178 وفي هذا السياق فالتكافل ليساتكال بعض على البعض الآخر بسبب أن الكسب وفارق الدخل حالة دائمة، وقاعدة إنفاق العضو ـ الفائض على الحاجة ـ قد لا يكون مجدياً إذا كان إنفاقاً مباشراً على المحتاجين، وحتى لا تكون حالة ديمومة لواقع الفقر والكفاف ينبغي أن يكون الإنفاق علاجاً اجتماعياً يأخذ شكل الإ نفاق الاستثماري الذي يؤدي إلى إيجاد فرص عمل ودخل دائم مقابل العمل، وربما اتخذت أشكال التكافل معيار الدورية والتكرار بشكل منتظم مما يدل على ديمومة حالة الحاجة وال فقر وهو معيار يؤثر اجتماعياً إل ى انقسام طبقي، واقتصادياً إلى سيادة عدم العدالة في التوزيع وقصو ر آليات مكافحة الفقر عن اجتثاثه، والمعيار الآخر هو المعيار الوظيفي، وهو مرتبط بالجانب الاقتصادي، ويسعى إلى الإنماء الاقتصادي من خلال الإنفاق على المحتاجين وإغنائهم وتمكينهم من المساهمة في زيادة الإنتاج القومي1. 4 ـ الضمانالاجتماعي: فأمره منوط بواجب ولي الأمر "الدولة" تجاه المواطنين "الرعية"، أياا كانت دياناتهم أو جنسياتهم، وذلك بتقديم المساعدة في الحالات الموجبة مثل المرض أو العجز أو الشيخوخة2، إذا لم يكن لهم دخل أو مورد يوفر لهم حدَّ الكفاية، وعلى الرغم من أن القاعدة الأساسية في تحصيل الدخول منوطة بجهد الفرد وعمله، إلا أن عدالة التوزيع وإعادة التوزيع لربما تكون أكثر من ضرورية لعدم ضمان سيادة العدالة الاجتماعية بفعل زيغ النفس البشرية، وسيادة التوزيع قصد الشارع منها قوله تعالى: "مَّا أَفَاء اللهَُّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ 1 المصدر نفسه، ص143. 2 اقتصادنا للصدر، ص710.
عدد الصفحات ١٧٨179 السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهََّ إِنَّ اللهََّ شَدِيدُ الْعِقَابِ" ( الحشر ، آية : 7.) ولا يقف ضمان الدولة للفرد عند حدود حاجاته الأساسية بل نفرض عليها أن تضمن للفرد مستوى الكفاية من المعيشة الذي يحياه أفراد المجتمع الإسلامي، لأن ضمان الدولة ضمان إعالة عند حد الكفاية والكفاية من المفاهيم المرنة التي يتسع مضمونها كلما ازدادت الحياة العامة في المجتمع الإسلامي يسراً ورخاءً 1. وإذا كان الضمانالاجتماعي هدفاً إنسانياً بالدرجة الأولى، فإن آثاره الاقتصادية على مستوى النشاط الاقتصادي لا يمكن إغفالها2. إلا أنه من المفيد هنا الحديث عن الضمانالاجتماعي بوصفه هدفاً إنسانياً مفهوم دولة العدالة الاجتماعية التي تسعى إلى تقديم خدمات الرفاهية للمجتمع من فقراء وأغنياء على حد سواء من خلال الإنفاق العام 3. 5 ـ إعادة توزيع الدخل والثروة إن تحقيق العدل الاجتماعي من خلال وسائل متعددة منها: إعادة توزيع الدخل والثروة، كما أن تحقيق العدل في توزيع الدخول والثروات يدخل في صلب الخلق واستمرار الحياة على وفق مقاييس العيش الكريم، والأمن، وجزاء الآخرة، وعلى وفق هذا السياق فإن التوزيع العادل ينتشر عبر مراحل ثلاث تتداخل عقدياً في ما بينها لتكون كل واحد 1 اقتصادنا للصدر، ص710. 2 عدالة التوزيع، ص144. 3 المصدر نفسه، ص144.
عدد الصفحات ١٧٩180 هو العدل وتتعاقب في التسلسل وفق منطق الفعالية الاقتصادية1. ومن أهم المرتكزات الأساسية للتوزيع، قبل الإنتاج. التسخير: يشمل التسخير التسهيل لبني البشر في التمكين من تحصيل المعايش من الموارد الطبيعية بالمقدرة العلمية والعملية، قال تعالى: " وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" (الأعراف ، آية : 10.) إذاً التسخير هو تطويع هذه الموارد لغرض الانتفاع منها قال تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهََّ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهَِّ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُّنِير " (لقمان ، آية : 20.) والتمكين يترجم إلى عمل فلا حيازة وتملك من دون عمل وجهد مبذول، والعمل مسؤولية المستخلفين في الأرض، فلا بدَّ من إعمار الأرض التي سخر الله مواردها،ـ قال سبحانه: " وَلَوْ شَاء اللهُّ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل ، آية : 93.) والمسؤولية هي تحويل ما سخر الله من موارد إلى سلع وخدمات جاهزة للاستهلاك والانتفاع بها وهو عمارة الأرض الذي استخلف الإنسان فيها وكلف بعمارتها لهدف سام هو عبادة الباري عز وجل، والعمل هنا ما كان واجباً ومندوباً ومباحاً، أي العمل في إنتاج ما هو خلال وتقديمه وتداوله. إن اقتراب العمل بما يسخر الله تعالى من موارد يجب أن يكون ذلك بصيغة العدل، ولفظ الاقتصاد في اللغة يعني العدل أو بين الإسراف والتقتير يقال فلان مقتصد في 1 المصدر نفسه، ص145.
عدد الصفحات ١٨٠181 النفقة، وهو مصداق ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن مسعود أن الرسول صلى ا عليه وسلم قال: «ما عال من اقتصد»1. لذلك فإن تخصيص المواردبموجب المرتكزات المذكورة آنفاً يجب أن يكون أمثل وعادلاً في الكفاءة التوزيعية الفاعلة، على اعتبار أن الموارد آمنة ومسؤولية قال تعالى: " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ" (التكاثر ، آية : 8.) إذاً العدالة التوزيعية موجبة إلى الاعتدال في إشباع ا لحاجات المشروعة في الاستثمار والإنتاج والاستهلاك بحيث تنضبط القيمة العادلة لكل نشاط، إنه المنهج الإسلامي لحل المشكلة الاقتصادية، وأهمية ذلك في تحقيق العدل الاجتماعي. إن النظام الاقتصادي الإسلامي يسعى إلى عدالة التوزيع وتوفير حد من الكفاية في تكوين الدخول، وهذا يعني ضمناً أن الإسلامي بشكله الشمولي لا يتعارض والتفاوت في حيازة الدخول والثروات، وهذا يتفق ومبدأ الوسطية، قال تعالى: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة ، آية : 143.) والوسط هو العدل والخيار، والخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي المتوسط بينهما2. 6 ـ أسس العدالةالاجتماعية: أ ـ التحرر الوجداني: 1 الجامع الصغير للسيوطي، الحديث رقم: 7939. 2 عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية، ص174.
عدد الصفحات ١٨١182 لن تتحقق عدالةاجتماعية كاملة ولن يضمن لها التنفيذ والبقاء ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها وبحاجة الجماعة إليها وبعقيدة في أنها تؤدي إلى طاعة الله وإلي واقع إنساني أسمى. لقد بدأ الإسلام بتحرير الوجدان البشري من عبادة أحد غير الله ومن الخضوع لأحد غير الله، فما لأحد غير الله من سلطان، وما من أحد يميته أو يُحييه إلا الله، وما من أحد يملك له ضراً ولا نفعاً ، وما من أحد يرزقه من شيء في الأرض ولا في السماء، وليس بينه وبين الله وسيط ولا شفيع، والله وحده هو الذي يستطيع، والكل سواء عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً: " قُلْ هُوَ اللهَُّ أَحَد * اللهَُّ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد " (الإخلاص). وإذا توحد الله توحدت عبادته واتجه الجميع إليه فلا عبادة لسواه، ولا حاكمية لغيره، كي لا يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ولا يكون لأحد منهم فضل على أحد إلا بعمله وتقواه: " تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَّ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِّ" (آل عمران ، آية : 64.) فإذا تحرر الوجدان من شعور العبادة والخضوع لعبد من عباد الله، وامتلأ بالشعور بأنه على اتصال كامل بالله، لم يتأثر بشعور الخوف على الحياة، أو الخوف على الرزق أو الخوف على المكانة، ولكن الإسلام لشدة حرصه على أن يحقق للناس العزة والكرامة وأن يبث في نفوسهم الاعتزاز بالحق والمحافظة على العدل وأن يضمن بذلك كله علاوة على التشريع ـ عدالة اجتماعية مطلقة لا يفرط فيها إنسان، لهذا كله يعني عناية خاصة
عدد الصفحات ١٨٢183 بأن يقاوم الشعور بالخوف على الحياة وعلى الرزق وعلى المكانة، فالحياة بيد الله، وليس لمخلوق قدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة1. " وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً" (آلأ عمران ، آية : 145.) ويقرر القرآن أن خوف الفقر إنما هو من إيحاء الشيطان، ليضعف النفس ويصدها عن الثقة في الله وعن الثقة عن الغير، " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْ فَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُّ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُّ وَاسِع عَلِيم (البقرة ، آية : 268.) وإذن فلا يجوز الاسترزاق ورقاب الناس، فإنما رزقهم بيد الله، وبيد الله وحده، ولن يملك أحد من عباده الضعفاء أن يقطع رزق إنسان ولا أن يضيق عليه في الرزق شيئاً، وهذا لا ينفي الأسباب والعمل، ولكنه يقوي القلب ويشجع الضمير. وعلى هذا النحو يجب أن تفهم توجيه القرآن واتجاه الإسلام، فهذا هو الفهم الذي يتماشى مع منهجه العام في التوجيه والتشريع2. فقد تتحرر النفس البشرية من عبودية القادة، ومن خوف الموت والأذى والفقر والهوان، ومن كل الاعتبارات الخارجية والقيم الاجتماعية، ثم تبقى مستذلة لذاتها وشهواتها ومطامعها وأهوائها، فيأتي لها القيد من داخل حين تنفلت من خارج ليتخلص التحرر الوجداني من كل القيود التي تحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا التحرر هو أحد الأسس الركينة لبناء العدالة الاجتماعية في الإسلام، بل هو الركن الأول الذي تقوم عليه الأركان. 1 العدالةالاجتماعية: سيد قطب، ص:45. 2 الإسلام والعدالةالاجتماعية، فتحي السيد، عبده أبو سيد، ص:85.
عدد الصفحات ١٨٣184 ب ـ المساواة الإنسانية إذا استشعر الضمير البشري هذا التحرر الوجداني، فسيطلب حقه في المساواة، وسيجاهد لتقرير هذا الحق ولن يقبل عنه بديلاً، وقد قرر الإسلام مبدأ المساواة في الوقت الذي كان بعضهم يدِّعي ويصدق أنه من نسل الآلهة، أو يجري في عروقه الدم الأزرق النبيل، وفي الوقت الذي كان يباح فيه للسيد أن يقتل عبيده ويعذبهم لأنهم من نوع آخر غير نوع السادة، في هذا الوقت جاء الإسلام ليقرر المساواة أمام القانون وأمام الله في الدنيا وفي الآخرة، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. في هذا الوقت جاء الإسلام ليقرر وحدة الجنس البشري في المنشأ والمصير، في المحيا والممات في الحقوق والواجبات، أمام القانون وأمام الله في الدنيا وفي الآخرة. ولقد برىء الإسلام من العصبية القبلية والعنصرية إلى جانب براءته من عصبية النسب والأسرة، فبلغ ذلك من مستوى لم تصل إليه الحضارة الغربية إلى يومنا هذا1. وبين الإسلام أن للجنس البشري كله كرامته التي لا يجوز أن تستذل: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (الإسراء ، آية : 70.) كرمناهم بجنسهم لا بأشخاصهم، ولا بعناصرهم، ولا بقبائلهم، فإكرامه للجميع على سبيل المساواة المطلقة، فكلهم لآدم، وإذا كان آدم من تراب، وإذا كان آدم قد كرم فأبناؤه جميعاً سواء في هذا وفي ذاك 2، وللناس جميعاً في المجتمع المسلم كرامتهم التي يجوز أن تلمز ولا أن يسخر منها أحد والتعبير الجميل " وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ" (الحجرات ، آية : 11.) 1 المصدر نفسه، ص 61. 2 المصدر نفسه، ص 65.
عدد الصفحات ١٨٤185 ذو دلالة عجيبة فلمز المؤمن للمؤمن هو لمزه لنفسه، لأنهم كلهم من نفس واحدة1. جـ ـ التكافلالاجتماعي: أما التكافل الاجتماعي فيضع في اعتباره أن للفرد مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته، وأن للمجتمع مصلحة عليا لابد أن تنتهي عندها حرية الأفراد، ولذا يقرر الإسلام مبدأ التكافل بين الفرد وأسرته، وبين الفرد والجماعة وبين الجيل والأجيال المتعاقبة. فالإسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها، والمساواة الإنسانية في أدق معانيها، ولكنه لا يتركها فوضى، فللمجتمع حسابه، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف للدين قيمتها، لذلك يقرر مبدأ التبعية الفردية في مقابل الحرية الفردية، ويقرر إلى جانبها التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها، وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي. فهناك أولاً تكافل بين ال فرد وذاته، فهو مكلف أن ينهي عن شهواتها وأن يزكيها ويطهرها وأن يسلك بها طريق الصلاح والنجاة وألا يلقي بها إلى التهلكة. " فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" (النازعات ، الآية : 37 ـ41.) وكذلك لا يحرمها من نصيبها الحلال في الدنيا: " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهَُّ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" (القصص ، آية : 77.) وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة، فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ولابد من الاعتراف بقيمتها، وهي تقوم على الميول الثابتة في الفطرة الإنسانية وعلى عواطف الرحمة والمودة ومقتضيات الضرورة والمصلحة، كما أنها العش الذي تنشأ حوله 1 المصدر نفسه، ص 65.
عدد الصفحات ١٨٥186 مجموعة الآداب والأخلاق الخاصة بالجنس، وهي في صحيحها آداب المجتمع الذي ارتفع عن الإباحة الحيوانية والفوضى الهمجية1. ومن مظاهر التكافلالاجتماعي في الإسلام ذلك التوارث المادي للثروة أي الميراث والذي حدده القرآن الكريم في سورة النساء. وأما الوصية التي أشار إليها القرآن فهي لا تتجاوز الثالث بعد وفاء الدين ولا تكون لوارث لحديث «لا وصية لوارث»، إنما شرعت لتدارك بعض الحالات التي لا يرث فيها ما توجب الصلة العائلية أن يصله المورث ولتكون مجالاً لإنفاق شيء من التركة في وجوه البر والخير2. وهناكتكافل بين الفرد والجماعة يوجب كل منهما تبعات ويرتب لكل منهما حقوقاً، والإسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين، وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته في شتى مناحي الحياة المعنوية والمادية على السواء، فكل فرد مكلف أولاً أن يحسن عم له الخاص، وإحسان العمل عبادة لله، لأن ثمرة العمل الخاص ملك للجماعة وعائدة عليها في النهاية، قال تعالى: " وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُّ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التوبة ، آية : 105.) وكل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة، كأنه حارس لها وموكل بها، فالحياة مثل السفينة والراكبون فيها جميعاً مس ؤولون عن سلامتها، وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية، وليس هنالك فرد معفي من رعاية المصالح العامة، «فكلكم راعٍ وكل راعٍ مس ؤول عن رعيته»3. 1 المصدر نفسه، ص 67. 2 المصدر نفسه، ص 67. 3 رواه الشيخان، المصدر نفسه، ص 67.
عدد الصفحات ١٨٦187 والتعاون بين جميع الأفراد واجب لمصلحة الجماعة في حدود البر والمعروف: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة ، آية : 2.) والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها، ورعاية مصالحهم وصيانتها، فعليها أن تقاتل عند اللزوم لحمايتهم، قال تعالى: " وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ" (النساء ، آية : 75.) وعليها أن تحفظ لهم أموالهم حتى يرشدوا، ففي الحديث الشريف«الساعي على ارملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار»1. وهيمسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن ترزقهم بما فيه الكفاية فتتقاض ى أموال الزكاة وتنفقها في مصارفها، فإذا لم تكف فرضت على القادرين بقدر ما يسد عوز المحتاجين بلا قيد ولا شرط إلا هذه الكفاية، فإذا بات فرد واحد جائعاً فالأمة كلها تبيت آثمة ما لم ت عمل وتجتهد على إطعامه، والأمة المسلمة كلها جسد واحد يحس إحساساً واحداً وما يصيب عضواً منه يشتكي له سائر الأعضاء، وهي صورة جميلة أخذ يرسمها الرسول الكريم فيقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»2. وعلى هذا الأساس وضعت الحدود في الجرائمالاجتماعية وشددت تشديداً لأن التعاون لا يقوم إلا على أساس صيانة حياة كل فرد في دار الإسلام، وما له وحرماته: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله»3. 1 صحيح البخاري، ك النفقات، الحديث رقم5353. 2 صحيح مسلم، ك الأدب، الحديثرقم: 2586. 3 سنن الترمذي، ك البر والصلة، الحديث رقم1927.
عدد الصفحات ١٨٧188 لذلك شرع القصاص في القتل والجروح، وجعل جريمةالقتل كجريمة الكفر في العقوبة: " وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا" (النساء ، آية : 93.) وشدد عقوبة الزنا لما فيها مناعتداء على العرض، وعبث بالحرمة، ونشر الفاحشة في الجماعة، ينشأ عنه تفككها بعد فترة، وتدليس في الأنساب وسرقة لعواطف الآباء بالبنوة المزورة. وشدد هذه العقوبة فجعلها للمحصن والمحصنة الرجم، ولغير المحصن الجلد، وهو متلف في أحيان كثيرة، قال تعالى: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَة فِي دِينِ اللهَِّ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ" (النور، آية: 2.) وجعل العقوبة ثمانين جلدة للذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات ويفترون عليهن ويلوثون أعراضهم كذباً، لأن جريمة الإفك هنا قريبة من جريمة الزنا، فهي اعتداء على السمعة والعرض، وإشاعة للفاحشة بالسماع: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا" (النور، آية: 4.) وشدد عقوبة السرقة لما فيها مناعتداء على أمن الناس في دار الإسلام والثقة المتبادلة بينهم فجعلها قطع اليد: " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِّ" (المائدة ، آية : 38.) على أن هذه العقوبة الجازمة لا تنفذ إذا كانت السرقة إضرارية لدفعالجوع عن النفس أو الأولاد، فالقاعدة العامة: أن لا حرج على المضطر: " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ" (البقرة ، آية : 173.)
عدد الصفحات ١٨٨189 والحد يدرأ بالشبهة«ادرأوا الحدود بالشبهات»1. وأما الذين يهددون أمن الجماعة في دار الإسلام المحكومةبشريعة الله فجزاؤهم القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل أو النفي من الأرض، قال تعالى : "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُ هُم مِّنْ خِلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ" (المائدة ، آية : 33.) لأن ائتمار والاجتماع على الإفساد والفتنة جريمة أكبر من الجرائم الفردية. وهكذا نرى أن الإسلام حينما حاول أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية محدودة، فجعلها عدالة إنسانية شاملة وأقامها على ركنين قويين، الضمير البشري من داخل النفس والتشريع القانوني في محيط المجتمع. 1 الإسلام والعدالةالاجتماعية، د. فتحي السيد، ص: 71.
عدد الصفحات ١٨٩190 السادس عشر: العدل في المجال الاقتصادي: إن النظم السياسية الديكتاتورية من أكبر الأخطار التي تهدد الإنسان لأنها تسلبه حريته وعقلانيته، وبالتالي إنسانيته التي بها كرم الله الإنسان وأسجد له الملائكة، وإن تلك النظم الطاغوتية الظالمة تفرض على الإنسان أنظمة بعيدة كل البعد عن شرع الله وأحكامه العادلة وتتضخم في هذه الأنظمة عبادة الذات والشهوات والمال والمتع المادية، وتبتعد كل البعد عن شكر الخالق الرازق المنعم على الإنسان بكل شيء، وتقع هذه الأنظمة في صور الظلم المتعددة والتي منها استخدام الثروة والمال لاسترقاق الإنسان واستعباده، وذلك بحرمانه المقومات الأساسية للعيش الكريم، وجعله يقضي حياته كلها يلهث وراء ما يفيء بضروريات الحياة، حتى شملت 85% من الإنسانية اليوم "وهم جميعاً فقراء في درجات متفاوتة" بينما ينعم 15% من الرأسماليين ومعظمهم من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بمعظم ثروات الأرض بأكثر من 80% من ثروات العالم وموارده، هذه هي الرأسمالية الغربية اليوم التي فجَّرت بركان العولمة و قل حريق العولمة، والعولمة لها مظاهر كثيرة ووجوه متعددة، ولكن أهم الوجوه وأكحلها على الإطلاق هو الوجه الاقتصادي أو قل الاستلاب الاقتصادي الذي يسعى إلى سرقة كل خيرات العالم لصالح الشركات الرأسمالية الغربية المتعددة القوميات أو المتعددة الجنسيات، وهي في ذات الوقت متعددة القوميات أكثر من كونها متعددة الأجناس، إذ أنها في الغالب إما غربية "أمريكية أوروبية أو يابانية"، ولا يمثل فيها أغنياء العالم الثالث إلا قليلاً 1. ولطالما حذر القرآنالكريم من أن يصبح المال دولة بين الأغنياء فقط. ولما طال حذر القرآن من الربا إلى درجة إعلان الحرب من الله ورسوله على المرابين. 1 مفهوم العدالة، ص 116.
عدد الصفحات ١٩٠191 ـ ولطالما حذر الله من هيمنة المترفين الظلمة من الرأسماليين، وأنهم إذا لم يدفعوا ويجالدوا ويقاوموا، فإنهم يقودون المدن والقرى والحضارات إلى تدمير مؤكد وإلى خراب بئيس. ـ قال تعالى: " أَفَاء اللهَُّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاء مِنكُمْ "(الحشر، آية: 7.) ـوقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْب مِّنَ اللهِّ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" (البقرة ، آية : 278 ـ279.) ـ وقال تعالى: " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" (الإسراء ، آية : 16.) إن حريق العولمةاليوم وهيمنة الرأسمالية الغربية المتوحشة على رقاب البشر في كل أنحاء العالم واستخدامها لآلية الربا" الفوائد البنكية والائتمانية". لتفتح لنا أبواباً جديدة ومجالات رحبة لفهم كتاب الله في إطار معاصر، لنفهم لماذا يتشدد القرآن في تحريم الربا إلى درجة إعلان الحرب من الله ورسوله ليس فقط على المرابين، ولكن أيضاً على الفقراء والمساكين الذين يستلمون لهم ويخضعون لسلطانهم، فإنما يسود الطواغيت لضعف الفقراء والمستضعفين وخورهم وجبنهم، ولو ثاروا لبطلت هيمنة المرابين الكبار ولبطل سحرهم ولأبطل الله كيدهم ومكرهم1. إن فتحالعولمة كما كتب عنه المفكران الألمانيان بيتر مارتين وشومان هو الوقوع في حبائل الرأسمالية والمرابين والمضاربين الذين تخصصوا في سرقة قوت الشعوب 1 مفهوم العدالة، ص 117.
عدد الصفحات ١٩١192 وامتصاص دماء الفقراء، وإن انهيار أسواق الأسهم والمستندات والعملات في بلدان جنوب شرق آسيا في عام 1997م إن هو إلا مثال ناصع لفخ العولمة لأنها حررت اقتصادياتها بلا ضوابط وبلا حماية، وأخذت تقترض من البنوك الغربية ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لقد كانت القروض التي تسمى بالـ"Hot money" قروضاً قصيرة الأجل "على الأكثر سنة واحدة" وبفوائد عالية تبلغ عشرة في المائة أو أكثر، وكانت الطامة هي أنها لما لم تستطع أن تستثمر في استثمارات قصيرة الأجل جعلتها في استثمارات طويلة الأجل فعجزت عن السداد، فتراكمت خدمة الفوائد المركبة، فبلغت أضعاف المبالغ المقرضة أصلاً، وعجزت تماماً عن السداد فأصبحت تقترض فقط لسداد خدمة الفوائد، وهكذا أصبحت مرتهنة با لكامل للدول الغربية ولصناديق الا ستثمار الغربية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي فرض سياسات التحرير الكاملة والعولمة والشفافية والحرية الكاملة للمضاربين في شراء الأسهم والمستندات والعملات، وكان هؤلاء المضاربون يستندون على قدرات ائتمانية ورساميل هائلة وغير محدودة، وتقف خلفهم حكومات ومئات البنوك الكبرى. لقد نجا محمد مهاتير ونجت ماليزيا بالرغم من خسارة ما يقارب المائتين وخمسين ملياراً من الدولارات، نجت من الا نهيار الكامل والتفكك، كما حدث لأندونيسيا ـ لأنه استفاد من توصية خبير اقتصادي أمريكي باللجوء إلى حماية السوق المحلي ضد هجمات المضاربين1. 1 مفهوم العدالة، ص 120.
عدد الصفحات ١٩٢