المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١١ من ٢٥

161 جائع ولا عطشان، وأن يشاور أهل العلم ويأخذ بقولهم، وألا يقبل الهدية إلا من المقربين لا يهدونه لأجل القضاء، وأن يتجنب مخالطة الناس ومشيه معهم إلا لحاجة، وأن يترك الضحك والمزاح، وأن يعدل بين الخصمين في مجلسهما منه، ولا يخلو بأحدهما دفعاً للتهمة، إلى آخر ما ذكروه1. ـ هذا بالإضافة ما ورد من وعيد شديد في حق من يتولى القضاء، وهو غير أهل له، فيجور في حكمه من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة،: رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاضٍ لا يعلم، فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق، فذلك في الجنة»2. وقوله«من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره، فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار»3. بل إن الوعيد ليمتد حتى يشمل من قلد القاضي هذه الولاية، وهو غير أهل لها وكذا سائر الولايات: «من ولي من أمور المسلمين شيئاً، فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم »4. 4 ـ ضمانات العدل ما يتعلق بالمتهم: يقصد بالمتهم: كل من يدَّعي عليه فعل محرم يوجب عقوبته أو حق يلزم تأديته 5. 1 الكافي في فقه الإمام أحمد4 /442). 2 سننالترمذي، ك الأحكام، الحديث رقم: 1322م 3 سنن أبو داود، ك الأقضية، الحديث رقم: 3575. 4 مسند أحمد، الحديث رقم: 21. 5 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /243).

عدد الصفحات ١٦١

162 وقد عني الإسلام بالمتهم عنايته بالمظلوم، وشرع له من الحقوق ما يحفظ عليه كرامته كإنسان حتى حال ثبوت التهمة واستحقاقه العقوبة، ولعل أول ما يقابلنا من هذه الحقوق: ما أوجبه الإسلام على ولي الأمر من توفير سلطة قضائية يختار أصحابها بعناية لضمان الحيرة وتحرى الحق والعدل، فيما يصدر عنهم من أحكام. ثم أوجب عليه إلى جوار ذلك، مسؤولية مراقبة عماله، أو قضاته حتى لا يحدث منهم تجاوز مع الرعية، أو استغلال لسلطاتهم في إهدار كرامتهم والسطو على حقوقهم، وهو ما نبّه إليه عمر بن الخطاب رعيته: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: بلغني أنك تتكئ في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر الناس1. بل إن القضاء الإسلامي عرف في فترة مبكرة جدا ا من تاريخه، ديوان المظالم الذي يشبه في اختصاصه: اختصاص مجلس الدولة في التشريعات الحديثة. وهو عبارة عن مؤسسة متكاملة، عملها ينحصر في الوقوف ضد الظلم إذا وقع في أي صاحب مسؤولية تجاه الأمة الإسلامية سواء أكان هذا الظلم صادراً من الحاكم، أم من وزرائه أم من ولاة الأقاليم والقضاة ونحو ذلك، فولاية المظالم نوع من القضاء الإسلامي، مقصود به إنصاف المتظلمين وزجر المتنازعين في سرعة وحسم، ولا يستطيعها القضاء العادي2. أو كما قال أبو يعلي الفراء: ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، منافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في 1 كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية، أحمد شوقي الضجري، ص: 252. 2 موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر2 /373).

عدد الصفحات ١٦٢

163 نظره إلى سطوة الحماة، وتثبت القضاة 1وقد تعددت اختصاصات هذه الولاية حتى حصرها الماوردي وأبو يعلى الفراء في عشرة اختصاصات، تختص جلها بحماية الأمة من ذوي السلطان فيها2 وهذا في حد ذاته يعد شكلاً من أشكال حماية حقوق المتهم في الإسلام؛ لأنه إذا وقعت المظلمة ممن يفترض فيهم أن يكونوا هم أهل العدالة والنص، كان ذلك أدعى إلى شيوع الظلم، وضياع الحقوق، فتحتم وجود سلطة عُليا يتحاك م إليها الناس للانتصاف لهم من أهل السلطان، فكان هذا الديوان. ثم يأتي دور التثبت من إدانة المتهم، وأنه فعل ما يوجب أن توقع عليه العقوبة المقدرة شرعاً وقد اتخذت الشريعة في هذا عدداً من الإجراءات الوقائية، حتى يطمأن تماماً إلى إدانة المتهم، ثم عدالة الحكم الموقع عليه بعد ذلك3. 5 ـ تحريم أخذ الناس بالظن والشبهة فالشريعة الإسلامية تود أن يسود المجتمع جواً من الثقة والطمأنينة، وأن يحسن الناس الظن ببعضهم البعض، لا العكس. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا" (الحجرات ، آية : 12.) قال علماؤنا: الظن في الآية هو التهمة، ومحل التحذير والنهي: إنما هو تهمة لا يسبب لها بوجبها قال: ودليل كون الظن هنا هو التهمة قوله تعالى: "وَلاَ تَجَسَّسُوا" وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء، ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر، 1 الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء، ص: 91. 2 الأحكام السلطانية للماوردي، ص101 إلى104. 3 عناية القرآن بحقوق الإنسان1/244).

عدد الصفحات ١٦٣

164 ويستمع؛ لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة، قال القرطبي: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر، كان حراماً واجب الاجتناب1. فالإسلام ـ كما يقول الشيخ أبو زهرة ـ يعاقب على الجرائم الشخصية إذا أعلنها صاحبها، وكشف أمره فيها، لأن العقوبة حينئذ تكون على الإعلان والارتكاب ويكون في الإعلان تحريض على الرذيلة؛ ودعوة إليها، ومن حق النظام العام الفاضل أن يتتبع هذه الجرائم في مواقعها، حتى لا يغري أحد بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»2. وعلى هذا: فما يحدث في كثير من النظم القمعية من تسلط على حريات الناس وتتبع لسقطاتهم، أو من اختلاف للأسباب للزج بهم في السجون والمعتقلات، تحت دعوى حماية الأمن العام، ونحو ذلك، كل هذه الأمور لا يقرها الشرع، خاصة إذا ارتكبت ضد أفاضل الناس أو ضد من ليسوا من أهل الريبة والتهمة. بل إن هؤلاء يجب أن يعاملوا على نحو خاص مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود»3. فالحديث يأمر بالعفو عن زلات ذوي الهيئات أي: المروءات والخصال الحميدة، إلا إذا ارتكبوا ما يوجب الحدود هنا تجب مؤاخذتهم4. 1 الجامع لأحكام القرآن16 /315). 2 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /245). 3 سنن أبي داود، ك الحدود، الحديث رقم: 4375. 4 عون المعبود شرح سنن أبي داود7 /402).

عدد الصفحات ١٦٤

165 وبصفة عامة: لا يرغب الإسلام في تتبع عثرات الناس، رغبة في معاقبتهم ولكنه يجنح إلى العكس من ذلك تماماً، إنه يرغب في إيجاد المخرج من العقوبة، وأن تبذل الجهود المخلصة لتسوية الأزمة التي توجبها، قبل أن تصل إلى الأمام: «أدرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»1. ذلك أن ما يصيب المخطئ من عقاب يمتد أذاه ليصيب أهله وذويه، إن لم يكن في أبدانهم ففي سمعتهم، وشرفهم، وأرزاقهم إن كان هو المعيل لهم. ومن هنا أباحت الشريعة العفو عن الجاني، والشفاعة فيه، ولكن قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم حتى لا يفتح الباب لتعطيل الحدود، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية، حين جاءه يشفع لسارق سرق رداءه: «هلا كان قبل أن تأتيني به»2. 6 ـ المتهم بريء حتى تثبت إدانته فالأصل في الإنسان براءة الذمة: كما تقول القاعدة الفقهية، وهذا الأصل يجب أن يستعجب حتى يثبت خلافه، بأن يدل الدليل القطعي على إدانة المتهم. وهذه القاعدة ـ كما يقول د: سليم العوا ـ ، هي التي تقررها النظم الجنائية الحديثة التي تجعل الأصل في الإنسان: البراءة، وذلك باعتبار الجريمة صورة من صور السلوك الشاذ الخارج عن المألوف ومن ثم يجب الاحتياط في نسبتها إلى شخص معين ثم يقول: وإذا كان المجال الذي تعمل فيه قاعدة افتراض البراءة في النظم القانونية المعاصرة هو المجال الجنائي فحسب، فإن قاعدة "الأصل براءة الذمة" المقررة في الفقه الإسلامي 1 سنن الترمذي، ك الحدود، الحديث رقم: 1424، عناية القرآن بحقوق الإنسان (1 /246). 2 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /247).

عدد الصفحات ١٦٥

166 تعمل في نطاق أوسع، إذ تدخل في كافة فروع القانون، بل في كافة صور الواجبات والتكليفات، حتى التعبدية المحصنة. ويرى د. العوا: أن هذه القاعدة ترتبط في الفقه الإسلامي بقاعدة أخرى هي: اليقين لا يزول بالشك وهي أصل شرعي عظيم، وقاعدة حاكمة في جميع الأمور من عبادات ومعاملات وعقوبات وأقضية في سائر الحقوق والالتزامات1. ومن هذا المنطلق نجد الشريعة الإسلامية تحرم إقامة الحكم على المتهم دون توفر طرق إثباته الكافية من إقرار، أو شهادة شاهدي عدل ـ وهي الوسيلة المقررة لإثبات معظم الجرائم في الفقه الجنائي الإسلامي ـ أو قرائن مثبتة2. وقداستدل ابن القيم على صحة الحكم بالقرائن بوقائع متعددة من القرآن والسنة، وعمل الصحابة والتابعين ورأى أن الحاكم إذا لم يكن له فقهه فيها أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها3. وبذا يتبين لنا مدى حرص الشريعة على التثبت وتوفر الدلائل المادية بكل أبعادها حتى لا يدان بريء، ولا يعاقب غير مستحق للعقوبة4. 7 ـ تحريم تعذيب المتهم أو إهانته لإجباره على الإقرار قال تعالى: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" (الأحزاب ، آية : 58.) 1 أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص121ـ125. 2 قرائن: جمع قرينة وهو ما يدل على المراد. 3 الطرق الحكمية لابن القيم، ص4. 4 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /248).

عدد الصفحات ١٦٦

167 والآية تتناول كل أذى، ولو بالكلمة الجارحة وفي الحديث«إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»1. وقداتفق الفقهاء على أنه لا يجوز تعذيب المتهم لحمله على الإقرار، وأنه إن أقر مكرهاً ، فإن إقراره يكون باطلاً، لقوله تعالى: "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ"، فإذا أسقط الإكراه عقوبة الكفر بعد الإيمان، فبالأولى أن يسقط ما عداه. أما وسائل التعذيب التي ابتدعها زبانية العصر الحديث والتي لا تكاد تخلو منها دول العالم المتحضر، والمتخلف على السواء ـ وللأسف أتقنها المسلمون وأشيعت في مجتمعاتهم على نحو خاص، حتى بلغوا فيها الغاية ـ هذه الوسائل ليست حراماً فقط ولكنها كبيرة من الكبائر باعتبارها ضد إنسانية الإنسان وكرامته التي أوجبها الله له، وبالطبع، فإن كل إقرار معها باطل، ولا يعترف به الشرع2. 8 ـ المساواة بين الجميع في الحكم وفي مجلس القضاء فلا يتحيز القاضي لأهله وأصدقائه، وذوي النفوذ والسلطان على حساب الحق، وقد ضرب صلى الله عليه وسلم من نفسه المثل الأعلى في سبيل تحقيق هذا المبدأ، حين رفض شفاعة أسامة بن زيد حبه وابن حبه ـ في امرأة مخزومية سرقت قائلاً: «أتشفع في حد من حدود الله»، ثم قام فخطب الناس فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها»3. 1 صحيح مسلم، ك البر والصلة، الحديث رقم: 2613، سنن أبي داود، الحديث رقم: 3045. 2 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /250). 3 صحيح البخاري، ك أحاديث الأنبياء، الحديث رقم: 3475.

عدد الصفحات ١٦٧

168 ومن المساواة أيضاً عدم التمييز بين الناس في مجلس القضاء وفي هذا يقول الفاروق عمر رضي الله عنه في رسالته إلى قاضيه أبي موسى الأشعري وهي الرسالة التي ضمتها معظم أحكام القضاء: «آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك»1. وقد غدت هذه الرسالة دستوراً من دساتير القضاء، لما تضمنته من قيم قضائية عادلة2. والرسالة العمرية أكدت التأكيد على العدل الإجرائي، وأي انحراف عن هذه المبادئ في التحقيق والمراجعة وكل ما يدخل في الإجراءات الضرورية لرفع الدعوى أمام المحاكم لا يعرض صاحبه "القاضي" إلى المساءلة الدنيوية فقط، بل يعرضه لسخط الله تعالى أيضاً: لأنه قبل أن يكون خ طأً إجرائياً أو قانونياً هو خطيئة دينية 3. إن المساواة أمام القانون أصبح حقاً من حقوق الإنسان. لقد جاء في المادة 7) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: الناس جميعاً سواء أمام القانون وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز4. ومعنى الحق في المساواة أمام القانون أن تخلو القوانين من التمييز وأن يبتعد القضاة والموظفون عن تطبيق القانون على أي نحو يميز بين إنسان وآخر، والحق في المساواة في التمتع بحماية 1 تبصرة الحكام لابن فرحون1 /28). 2 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /251). 3 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، أبو بكر علي، ص188. 4 المصدر نفسه، ص183.

عدد الصفحات ١٦٨

169 القانون يحظر التمييز نصاً أو تطبيقاً في أي مجال تتولى السلطات العامة تنظيمه أو تحميه1. فجميع الأشخاص متساوون أمام القانون ومن حقهم التمتع دون أي تمييز وبالتساوي بحمايته ويحرم القانون في هذا المجال أي تمييز ويكفل لجميع الأشخاص حماية متساوية وفعالة ضد أي تمييز: سواء كان ذلك على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو صفة الولادة أو غيرها2. وهذا المبدأ نابع من سيادة القانون، ويقتضي أن يكون لكل إنسان حق مساو في اللجوء إلى المحاكم وأن تعامل المحاكم جميع الناس معاملة متساوية دون تمييز وأن يعامل أمام المحكمة معاملة مساوية مع غيره من المتهمين بارتكاب جرائم مماثلة وأن يتمتع بكل الضمانات الموجودة للتمتع بالمحاكمة العادلة3. والشريعة الإسلامية تقرر نظرية المساواة وتفرضها فرضاً بنصوص صريحة و اضحة لا لبس فيها منها: ـ قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات ، آية : 13.) وهنالك أحاديث كثيرة تؤكد المعنى نفسه4، ويلاحظ من هذه النصوص أنها فرضت المساواة بصيغة مطلقة فلا قيود ولا استثناءات5. 1 المصدر نفسه، ص183. 2 الإسلام صراع العدالة والظلم، ص183. 3 المصدر نفسه، ص184. 4 المصدر نفسه، ص184.. 5 المصدر نفسه، ص184.

عدد الصفحات ١٦٩

170 والمساواة هي للناس جميعاً أي على العالم كله، فلا فضل لفرد على فرد، ولا لجماعة على جماعة ولا جنس على جنس، ولا للون على لون، ولا لسيد على مسود، ولا لحاكم على محكوم1. الناس أمام الشريعة سواء، وإن العقوبات في الشريعة الإسلامية تنطبق على جميع مرتكبيها ما دامت شروط وجود العقوبة متحققة فيهم، لا فرق بين حاكم ومحكوم2. إذ الشريعة تسوي بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون ومسؤولية الجميع عن جرائمهم ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون على غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها، كما يعاقب أي فرد3. أي لا تقبل باستثناءات التي قبلت بها القوانين الوضعية وفي مجال القانون الجنائي واجه الإسلام التفاضل والتمايز الذي كان موجوداً بين الناس فمثلاً كانت دية ا لقتيل من الأشراف السادة أضعاف دية الشخص العادي، وكان هؤلاء لا يرضون أحياناً بقصاص من القاتل إلا أن يشمل كل قبيلته4. 9 ـ تقرير مبدأ: "ألا تزر وازرة وزر أخرى فكل إنسان مسؤول عن نفسه ولا يؤخذ أحد بجريرة الآخر، عملاً. بقوله: "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى" (فاطر ، آية : 18.) وقال تعالى: "كُل امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِين " (الطور ، آية : 21.) 1 المصدر نفسه، ص184. 2 الإسلام صراع العدالة والظلم، ص184. 3 المصدر نفسه، ص184. 4 المصدر نفسه، ص185.

عدد الصفحات ١٧٠

171 فالإسلام يرفض مساءلة أهل الجاني، أو أخذ أقاربه بجريرة قريبهم، كما يرفض هذا الأسلوب الشائع الآن من وسائل الضغط على المتهم، أعني تهديده في أولاده وزوجته، في أنفسهم وأعراضهم؛ لحمله على الاعتراف، أو الإقرار، وهذا الأسلوب فوق أنه من الظلم البين، فإن إقرار المتهم تحت تأثيره يعتبر باطلاً ولا يعتد به، لأنه يمثل حالة من حالات الإكراه، إن لم تكن أشدها أثراً. وبذا يتبين لنا أن الإسلام بريء من كل ما تمارسه النظم القمعية الباطشة، التي لا تقف عند حد ممارسة أبشع أنواع الإكراه والضغط على المتهمين، باستخدام أهليهم ولكنها تتعدى ذلك إلى إلصاق التهم بهؤلاء الأهل، ومحاكمتهم على جرائم هم برءاء، سوى جريمة واحدة هي قرابتهم من المتهم1. 10 ـ منح المُ تهم الحق في الدفاع عن نفسه: فهذا الحق من أهم الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للإنسان وإذا كان الإنسان لا يحسن الدفاع عن نفسه، كان له الحق في أن يوكل غيره للدفاع عنه، ممن هو أكثر معرفة بالقانون منه وألحن حجة، وهو ما يعرف بنظام المحاماة أو الدفاع، بل إن للمتهم الحق في أن يوكِّ ل من يدافع عنه، حتى وإن كان يحسن الدفاع عن نفسه. وكما شرع الإسلام حق الدفاع عن النفس إن تعرض الإنسان لضيم، فكذا الحال بالنسبة للدفاع عن الغير، واعتبر هذا من النصرة الواجبة للمسلم على أخيه المسلم: «المُ سلم أخو المُ سلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»2. 1 عناية القرآن بحقوق الإنسان1/252). 2 صحيح البخاري، ك المظالم، الحديث رقم: 2442.

عدد الصفحات ١٧١

172 بل من النصرة الواجبة للإنسان على أخيه الإنسان حتى إن من موسوعات مشروعية القتال عندنا في الإسلام: نصرة المظلومين والمضطهدين من أرباب العقائد أينما كانوا1. ولا شك أن المحاماة هي رسالة الدفاع المشروع، شريطة أن لا تعيش إلا في ظلال الحق، ولا تنمو إلا في رحاب العدل، ولا تعمل إلا تحت سيادة القانون2. هذه أهم الضمانات التي كفلها الإسلام لتحقيق العدالة والحيرة التامة فيما يصدر عن القاضي من أحكام، أو لتحقيق مبدأ، حق الفرد في محاكمة عادلة، وهو المبدأ الذي نصَّ ت عليه الدساتير الحديثة الدولية منها والإقليمية، كما نصت هذه الدساتير على ما يتصل بهذا المبدأ من مبادئ أخرى جاء بها الإسلام مثل مبدأ: المساواة أمام القانون، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وشخصية الجرائم والعقوبات، والحق في عدم التعذيب والمعاملة المهينة للمتهم3. ولكن يبقى أن للإسلام فضل السبق في إرساء هذه المبادئ، كما أنها من الواجبات في الإسلام، وليست حقوقاً فقط، هذا بالإضافة إلى ما رتبه الشارع من عقوبات أخروية رادعة ضد كل من يظلم الناس، أو يعين عليهم ظالماً 4. الخامس عشر: العدل الاجتماعي: وضعت الشريعة الإسلامية لمصالح العباد في الدارين، ولطالما أمر الإنسان بالعدل والإحسان ومنه العدل الاجتماعي، فالعدل ليس إدراكاً عقلياً شاملاً في تمييزه عدالة 1 عناية القرآن بحقوق الإنسان1/253). 2 عناية القرآن1/253). 3 المصدر نفسه1 /253). 4 المصدر نفسه1 /254).

عدد الصفحات ١٧٢

173 الشيء، أو ظلمه وإنما هو أحكام عملية تهدف إلى إصلاح الأمة بأفرادها ومؤسساتها، قال تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهَُّ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهَُّ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَْرْضِ إِنَّ اللهََّ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص ، آية : 77.) لأن الإسلام جاء لإتمام مكارم الأخلاق والأعمال، ومنها العدل، فلقد دعا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قبائل العرب إلى الإسلام، فقال أحدهم: إلام تدعونا أخا قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِن اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ » (النحل، آية: 90.) فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك1. والعدلالاجتماعي بوصفه جزءاً من مفهوم العدل الشامل هو من الأوامر الموجبة الارتباط بالسلوك الاجتماعي، فالعدل الاجتماعي مرتبط بالقيم الاجتماعية التي تحدد صنع أداء فعاليات الحياة في أي مجتمع، إلا أن المؤكد هو انعدام العدالة الاجتماعية بجميع أشكالها تلحق أضراراً جسيمة بالدول والمجتمعات. فالعدالة الاجتماعية مقصد شرعي، وقيمة أخلاقية مهمة في نهضة المجتمعات وبناء الدول الراشدة، والعدالة الاجتماعية تول د التوازن الاجتماعي على مستوى النظام السياسي والاقتصادي و الاجتماعي، أي إنها صيانة للنفس البشرية ضمن التكوين الاجتماعي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين يوماً »2. 1 تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور14 /259.) 2 سنن البيهقي،8/161.

عدد الصفحات ١٧٣

174 والعدالة الاجتماعية يمكن تحقيقها إذا توفرت الظروف الصحية لتوزيع عادل للدخل على المستوى الاقتصادي، ويمكن كذلك تحقيق هذه العدالة إن لم تكن ممكنة عن طريق التوزيع العادل للدخل، عن طريق الصدفة1. 1 ـ تكافؤ الفرص إن تكافؤ الفرص في الرؤية الإسلامية يرجع إلى: ـ التمكين: " وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" (الأعراف ، آية : 10.) ـالقسمة: "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَ هُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِياا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْر مِّمَّا يَجْمَعُونَ" (الزخرف ، آية : 32.) أي إنَّ التمكين للجميع في المعايش في ما هو جاهز أو ما هو محصل بنشاط أو عمل، أما القسمة فهي مرهونة بمقدرة البشر وسعيهم في الحياة الدنيا، ولما كانت الخاصية الأساسية للاقتصاد الإسلامي هي تحقيق العدل وعمارة الأرض، فإن هذه الخاصية ستنبثق من تفاوت القدرات من خلال وضع الإنسان بشكل متكاف ىء أمام الفرص، فالحرية الفردية مضمونة طالما في إطار ما حدده الشارع، والشيء المؤكد أن تفاوت القدرات يؤدي إلى تفاوت مشروع في الدخول والثروات وفي السعي والمنافسة بين الجماعة، والمنافسة هنا كونها مفهوماً إسلامياً لها دلالاتها الأخلاقية وفق سياق القيم الشرعية، فهي على العكس من المفهوم الغربي لها، إذ هي السعي دونما رادع لتعظيم 1 عدالة التوزيع والتنمية، د. أحمد إبراهيم منصور، ص138.

عدد الصفحات ١٧٤

175 الأرباح والمنافع، في حين هي إسلامياً مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بها من غير إدخال ضرر على غيره1. والمنافسة في هذا السياق هي لحيازة حق تدعمه الشريعة أو تثميره أو تكثيره طالما هو نتاج جهد وعمل مقر شرعاً وهو كسب حلال، إلا أن النفس البشرية تواقة للشهوات، ومن أدرى بالنفس البشرية أكثر من خالقها: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُّ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (آل عمران ، آية : 14.) وفي كثير من الأحيان تصل هذه الشهوات إلى مرتبة الحب للمال المقرون بالبخل: "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد " (العاديات ، آية : 8.) وبناءً على ذلك ـ ولضبط سلوك النفس البشرية ـ لا بدَّ من بيئة يهيمن على سلوك أفرادها الشارع حيث تتحول الملكية إلى الاستئثار إلى وظيفة اجتماعية. إن مبدأ الاستخلاف يوفر بيئة عقيدية تعمل على اتساق المصالح عبر التوازن الاجتماعي الذي يقرّ التفاوت المشروع في الدخو ل والثروات، على أن يحصل كل فرد من الأمة على جانب من منافع الثروات التي خلقها الله للناس كافة2. والنظام الاقتصادي الإسلامي، بإقراره بنزوع النفس البشرية إلى الاستئثار عبر الخلل الذي قد يحصل في مبدأ تكافؤ الفرص، بظهور تفاوت كثير أو قليل في توزيع الدخول والثروات، وما لهذا التفاوت من آثار سلبية في النشاط الاقتصادي الاجتماعي، فقد أعطى للمسؤولية الاجتماعية من خلال قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المكانة التي 1 المفردات في غريب القرآن، ص 51 للأصفهاني 2 عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية، ص141.

عدد الصفحات ١٧٥

176 تضمن استمرار التوازنالاجتماعي1، الذي يشكل تحقيق المصلحةالاجتماعية أحد مقوماته. إن المصلحة لا تخرج عن كونها جلب المنافع ودفع المضار، وما المنافع إلا عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقاً إليها، والمضر عبارة عن الألم أو ما يكون طريقاً إليه 2. وحتى لا تسود المفاسد، يجب مراعاة المصالح والعمل على تحقيقها وفي عالم الاقتصاد تسود المفاسد عندما تتراكم الثروة وتتركز بيد القلة من أفراد المجتمع، مع عدم مراعاة الحقوق الشرعية في الأموال، فينقسم المجتمع إلى طبقات متنافرة من جراء سوء توزيع الدخول والثروات3. 2 - الحفاظ على التوازنالاجتماعي: خصَّ الإسلام مسألة الملكية ب اهتمام كبير، وعلى الرغم من احترام الشريعة لحق التملك إلا أن الملكية في الإسلام هي صيغة استخلاف، قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُور رَّحِيم " (الأنعام ، آية : 165.) كون الله سبحانه وتعالى، المالك الأصلي لكل شيء، يقول البارىء عز وجل: " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى" (طه ، آية : 6.) وقد شرع الاستخلاف لمصلحة عباده، وعلى مقتضى منهجه4. 1 النظم الإسلامية،صبحي الصالح، ص:438. 2 عدالة التوزيع والتنمية، ص141. 3 المصدر نفسه ضـ141. 4 مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي أبو الفتوح، ص28.

عدد الصفحات ١٧٦