145 وقال الشاعر أتهز بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل نافذة ولكن لها أمد وللأمد القضاء فيمسكها إذا ما شاء ربي ويرسلها إذا نفذ القضاء الثالث عشر: تنزيه الله عن الظلم: أشار الله تعالى إلى معاني تنزيه ذاته العليا عن الظلم، في آيات كثيرة، منها: ـ قوله سبحانه: "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" (هود ، آية : 117.) فهو لا يفعل الظلم، ولا يريده: "وَمَا اللهُّ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ" (آل عمران ، آية : 108.) بل إن الله لا يريد مجرد العسر لعباده ومصداق ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: "يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(ال بقرة ، آية : 185.) فكيف يريد بهم الظلم، وإذا كان قد جعله مبغضاً في الدنيا فقد نفى وجوده أصلاً في الآخرة، حيث قال تعالى: "الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهََّ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (غافر ، آية : 17.)
عدد الصفحات ١٤٥146 وجاء في الحديثالقدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا »1. وكرر سبحانه ذلك المعنى في أكثر من آية كريمة تنفي الظلم عن ذاته العلية منها قوله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (النحل ، آية : 118.) ولما كان الكسب في أعمال الناس مظهراً لنواياهم جعله الله سبباً لثوابهم وعقابهم حتى تشعر النفوس بالعدل في الحالتين وتنزه الله عن ظلمهم، قال تعالى: "وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِّ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (البقرة ، آية : 281.) ـ وقال تعالى: " وَأَن لَّيْسَ لِلإِْنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَْوْفَى" (النجم ، آية : 39 ـ41.) وهو متفضل بإرسال الرسل، وخلق العقول التي تميز الحق من الباطل، والإثابة على طيب الكسب وإنصاف المظلومين، ولذلك نفى عن ذاته جنس الظلم، كثيره وقليله، قال تعالى: "إِنَّ اللهَّ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (ي ونس ، آية : 44.) ـ ومن تنزيهه تعالى لذاته العظيمة دقة الحساب يوم القيامة وعدله فيه بحيث لا يشك أحد في صحته ونزاهته، قال تعالى: "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَ ادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" (الكهف ، آية : 49.) وقال تعالى: " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء ، آية : 47.) 1 صحيح مسلم، ك الأدب، الحديث رقم: 2577.
عدد الصفحات ١٤٦147 أي فلا يظلم الله نفساً شيئاً ولو كان الظلم ضئيلاً وقد شبه الضآلة بحبة الخردل لصغرها الشديد، وتجاوزه في سورة النساء إلى الفتيل وهو الخيط الذي في شقَّ نواة البلح، وبه يضرب المثل في الصغر وعدم الأهمية، حيث قال: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُّ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً" (النساء ، آية : 49.) ـ وقال تعالى: " قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيل وَالآخِرَةُ خَيْر لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً" (النساء، آية : 77.) ومثله النقير، وهو النقرة في ظهر النواة يضرب بها المثل لصغرها أيضاً قال تعالى: "وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْ لَمُونَ نَقِيرًا" (النساء ، آية : 124.) وتجاوز ذلك في سورة الزلزلة إلى الذرة حيث قال تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَراا يَرَهُ" (الزلزلة ، آية : 7 ـ8.) وذلك غاية ما يمكن تصويره للناس من تنزيه الله عن الظلم، بل إن الله لا يظلم حتى الكافر ولو صغرت حسناته، فهو يجازيه عليها في الدنيا بأحسن منها، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلممؤمناً حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها»1. 1 ـ التنزيه يشمل الفرد والجماعة 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص199. صحيح مسلم، الحديث رقم2808.
عدد الصفحات ١٤٧148 وكما لا يظلم الله النفس الواحدة فأحرى أن لا يظلم الجموع، كالأمم والقرى إلا بظلمها أنفسها، وفي هذا يقول تعالى: "ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ" (الأنعام ، آية : 131.) ومن العقاب الجماعي ما لا تكون الجماعة مساهمة في سببه، ولكنهم لم يتناهوا عن منكر فعله الفاسقون منهم، فكانوا ظلمة بالمشاركة والممالأة حين ارتضوا منهم ما أقدموا عليه، ولم ينكروا عليهم ذلك أو لم يكفُّوا أيديهم عن ه، فصدق عليهم قول الله تعالى: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً " (النحل ، آية : 25.) فإن لم يشاركوهم في ظلمهم، وأنكروا عليهم ذلك نجاهم الله كما نجَّى صالحاً ونوحاً وشعيب ومن كان معهم من المؤمنين1. 2 ـ مدلول نفيالمبالغة في الظلم: ورد نفي الظلم عن الله تعالى بصيغة المبالغة "ظلاَّم" في أكثر من آية لتدل على مطلق نفي الظلم عن الله، ويبقى السؤال بعد ذلك عن السر في المبالغة والسياق الذي وردت فيه، فمن هذه الآيات: ـ قوله تعالى: "ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَّ لَيْسَ بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ" (الأنفال ، آية : 51.) ـ ومنها قوله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ" (فصلت ، آية : 46.) ـ وقوله تعالى: "مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ" (ق ، آية : 29.) وقد فسرّها بعضهم بأنه تعالى ليس بصاحب ظلم ولو مثقال ذرة، فكأن المبالغة هنا في عدم الظلم. 1 المصدر نفسه، ص200.
عدد الصفحات ١٤٨149 وفي تفسير آخر أن "صيغة "ظلام" للنسب بمعنى: لا ينسب إليهالظلم أصلاً، أو ل لمبالغة ولكن باعتبار الكمية لا الكيفية أي باعتبار آحاد من يظلم1، وكل ذلك من قبيل التنزيه لنفسه سبحانه وتعالى عن الظلم. 3 ـ نفي مطلق الظلم نفى الله تعالى مطلق وجود الظلم يوم القيامة دون تحديد لمقداره، وذلك في آيات كثيرة منها: ـ قوله تعالى: "فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (يس، آية : 54.) ـ وقوله سبحانه: " فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْم لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (آل عمران ، آية : 25.) ـ كما نفى هضم الحقوق إلى جانب نفي الظلم في قولهتعالى: "وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِن فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا" (طه ، آية : 112.) وذلك لتنتفي نية الظلم وما يمتُّ إليه من جانب الله في الدنيا والآخرة، فالهضم إنقاص الحسنات والظلم الزيادة في السيئات وإذا كان من العدل أن لا ينقص الله من الأولى، ولا يزيد في الثانية، فإن فضله يسمح بزيادة الحسنات وإنصافه يمنع مضاعفة السيئات. قال تعالى: "إِنَّ اللهَّ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء ، آية : 40.) 1 معاني القرآن الكريم، د. رفيدة وآخرون1 /272).
عدد الصفحات ١٤٩150 ولكنالظلم يأتي أيضاً بمعنى عدم النقص كقوله تعالى: "وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون" (البقرة ، آية : 272.) والمعنى لا ينقص شيء من جزاء ما أنفقتم ومن هذا المعنى قوله تعالى: "كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَ ظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا" (الكهف ، آية : 33.) أي لم تنقص منه شيئاً، ومثله في سورة الأنفال "وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِّ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ" (الأنفال ، آية : 60.) 4 ـ الظالم في الآخرة ينزّه الله عن الظلم: موقف الظالم المتو قع منه يوم القيامة هو الندم والا عتراف بالخطيئة والطمع في تجاوزها، وتفصل الآيات القرآنية هذا الموقف ابتداء من الحشر إلى إتمام الحساب والقضاء الإلٰهي لمصير الناس، وفي ذلك إنذار للإنسان ليأخذ حذره مما ينتظره، وفيه إشعار بأن الله لا يظلم أحداً، قال تعالى:"وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (يونس ، آية : 54.) وقال تعالى:"وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَاب يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (المؤمنون ، آية : 62.) ولا يبقى بعد هذا إلا طلب فرصة أخرى للاستقامة ودعوة للرحمة فات أوانها، وندم لا طائل من وراءه "يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (النحل ، آية : 111.) والمحصلةالعامة لكل ذلك محاكمة عادلة كتابها لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، وشهودها عدول وفيهم حواسس المتهم وجوارحه: "يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كـَانُوا يَعْمَلُونَ" (النور ، آية : 24.)
عدد الصفحات ١٥٠151 فلا مناص من أن ينزه المعاقب الله عن ظلمه أمام هذه الأدلة القاطعة: أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم نار وحاكمهم شديد البأس إن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى فغداً تؤديها مع الإفلاس وفي الشهود الأنبياء والرسل: "يَوْمَ نَدْ عُو كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً" (الإسراء ، آية : 71.) فلا ظلم فيها، إذن، ولا شعور بالحيف أو الغنى عند ظهور الحق المطلق: "وَأَشْرَقَتِ الأَْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (الزمر ، آية : 69.) تلك هي حكمة الله في خلقه،اقتضت أن يخلق البشر على هذه الصورة الكاملة الأهلية، لينظر في أعمالهم، وقد زوَّدهم بالعقل، وحذرهم من الظلم، وأنذرهم بالرسل، وأودع فيهم فطرة الخير، وحاسبهم على الكسب بمقتضى التكليف قال تعالى: "وَخَلَقَ اللهَُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (الجاثية ، آية : 22.) والناس فيها درجات متفاوتة "فَمِنْهُمْ ظَالِم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِد وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهَِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" (فاطر ، آية : 32.) وعلى قدر أعمالهم يكون جزاؤهم قال سبحانه: "وَلِكُل دَرَجَات مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (الأحقاف ، آية : 19.)
عدد الصفحات ١٥١152 فما زاد عن ذلك من ثواب فهو الفضل من الله ولا يظلم ربك أحداً 1. الرابع عشر: العدل في القضاء المقصود بالعدل القضائي هي القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية والكرامة والحقوق متساوون وكلهم طبقاً، لهذا متساوون أمام القانون لذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز والاعتداء على حقوقه بدون مراعاة أية اعتبارات قيمية أو اعتبارية، والتي تحول دون إعادة هذا الحق، فالعدالة بهذا المعنى هي إحقاق الحق المسلوب أو الضائع وبهذا يمكن اعتبار العدالة القضائية في مجال تنفيذ القانون أكبر من العدالة القانونية2، لأنها تشمل القانون العادل والإجراءات القضائية العادلة، أي المظهر الشكلي للعدالة. والإسلام اهتم بالقضاء اهتماماً كبيراً، وللقضاء في الشريعة الإسلامية مكانة عظيمة، فهو فرض، بل من أقوى الفرائض، وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى3. لأن المظلومين يلجؤون إليه لكي ينصفوا في مواجهة الظالمين والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام وقطع المن ازعات، والفصل في الخصومات وإسناد الحقوق إلى أصحابها4. إنه وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم وردع الظالم عن ظلمه، وإيصال الحق إلى صاحبه، والإصلاح بين الناس والحكم بالحق5، في ضوء ما تقدم وحسب ما ورد في النصوص الأصلية والمباحث الفقهية، فإن الهدف من القضاء في 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص205. 2 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص167. 3 نظام القضاء الإسلامي، إسماعيل البدوي5 /453). 4 أحكام الذميين، د. عبد الكريم زيدان، ص567. 5 نظام القضاء في الإسلام، إسماعيل بدوي، ص: 53.
عدد الصفحات ١٥٢153 الشريعة الإسلامية هو: رفع التخاصم ورد النوائب وبث الطمأنينة في نفوس الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها، ووضع الأمور في نصابها، والضرب على أيدي المفسدين في الأرض ونشر الأمن والعدل في المجتمع ومنع الظلم، بقمع الظالم ونصرة المظلوم ودفع الجور بين العباد وقطع الخصومات، والقضاء على المنازعات، وصيانة مصالح المجتمع وتفرغ الناس للأمور التي تنفعهم في معاشهم ومعادهم1. وكل هذا يتحقق بتحقيق العدل، وضمان الحقوق ووصولها إلى أصحابها والتمتع بها، لتطمئن النفوس وتنطفئ ثورة الغضب والانتقام2. وهو ما يقرره الله جل وعلا: "إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَّ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَّ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء، آية : 58.) والقضاء الإسلامي أومؤسسة العدالة هي الوسيلة الفضلى والناجحة والرئيسية في ظل نظام سياسي مستقر وعادل لأداء الأمانات خاصة ما يرتبط بإعادة الحقوق إلى أهلها وتحقيق المقصد الأعلى للشريعة الإسلامية وللرسل جميعاً على مدار التاريخ وهو العدل في المجتمع، والمساهمة الفعالة في خلق قضاء مدني وحضاري لإنشاء مجتمع يتمتع بالاستقرار والأمن على الأنفس والأموال والأعراض وتتحقق فيه الحريات لأن للقضاء دوراً مهماً وبارزاً في تجاوز عقلية الا نتقام والثقافة العشائرية، والأعراف غير اللائقة بالمجتمع الإنساني. 1 المصدر نفسه. 2 المقاصد الشرعية للعقوبات في الإسلام، د. حسني الجندي، ص44.
عدد الصفحات ١٥٣154 تصبح فاقدة للشرعية وأداة بيد سلطة تنفيذية ظالمة مستبدة تعبث بها وتستخدمها في سبيل الأغراض الدنيئة لها1. إن الأمر الإلٰهي المتكرر بالتزام العدل والاحتكام إليه وعدم تجاوزه "إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل، آية : 90.) وقال تعالى: "وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النساء ، آية : 58.) ينصرف بالدرجة الأولى إلى الفصل بين الناس في المنازعات ذات الطابع القضائي، وإبعاد الحيف والميل في عملية التحكيم والتي كانت هي آلية شعبية برضا الطرفين قبل وجود المؤسسات القضائية الرسمية أو حتى بجانبها وفي مرحلة إرساء قواعد القضاء وانفصال الجسم القضائي عن السلطة التنفيذية2. 1 ـ ضمانات المحاكمة العادلة أقرت الشريعة الإسلامية مجموعة من الضمانات لإجراء محاكمة عادلة وتوفير العدالة للجميع فيما يتعلق بالحقوق المقررة لهم شرعاً أو قانوناً ومن هنا تتطرق إلى أهم هذه الضمانات وهي: أـ الأصل براءة الذمة: والذمة وصف شرعي يصير به الإنسان أهلاً لما له وعليه من حقوق، ومعنى هذه القاعدة أن الأصل هو عدم انشغال ذمة الإنسان بحق الآخر، لأن كل شخص يولد وذمته بريئة من أي حق للغير، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ومن جاء القول بأن الشك يفسر لمصلحة المتهم3. 1ـ العدالة مفهومها ومتعلقاتها، ص168. 2 المصدر نفسه، ص169. 3 الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان، ص: 260.
عدد الصفحات ١٥٤155 لأن الأصل براءته ومع حصول الشك في إدانته يرجع جانب البراءة فيفسر الشك لمصلحته1. هذا المبدأ أصل في الشريعة الإسلامية وهو إحدى الوسائل التي يستعان بها في تحقيق العدالة للمتهم، ومقتضى هذا المبدأ أن المرء يولد على الفطرة خالياً من كل خطيئة أو أية مسؤولية وإذا اتهم شخص بجريمة وأنكر، فإنه يفترض فيه أنه بريء حتى يثبت المدعي عكس ذلك، لأن ظاهر الحال شاهد الحال له، حتى يثبت خلافه، وهذا الأمر يمتد من حالة التحقيق معه إلى المحاكمة على التهمة التي أسندت إليه ويقوم مبدأ افتراض البراءة على أمور ثلاثة لازمة تتفرع عنه هي: ـ ضمان الحرية الشخصية للمتهم في مواجهة سلطة الاتهام. ـ إلقاء عبء الإثبات كاملاً على عاتق سلطة الاتهام. ـ لا يكلف المتهم بإثبات براءته، إذ أن المفترض أن يطالب سلطة الاتهام بإثبات عكس هذه البراءة2. ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد أخرى منها ـ اليقين لا يزول بالشك: وهو ما جاء في قوله تعالى: "إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (يونس ، آية : 36.) تخص هذه القاعدة أن الشك المتبقى لا يزول بالشك الطارئ عليه بل يزول بيقين مثله3. 1 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص81. 2 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص172. 3 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص80.
عدد الصفحات ١٥٥156 وبناء على ذلك فإن قواعد الإثبات في الشريعة الإسلامية لا ترمي إلى إثبات إدانة المتهم بقدر ما ترمي إلى إثبات براءته، فصحة الادعاء في صورة مختلفة ـ جنائية كانت أو مدنية ـ لا تثبت مع الشك1. ـ البينة على منادَّعى واليمين على من أنكر: لأن ادعاء المدعي خلاف الظاهر أو أن الأصل كما مر ذكره براء الذمة، فعليه أن يثبت صحة دعواه فإذا ظهر صدقه بطريقة من الطرق حكم له وإذا عجز عن الإثبات وتقديم البينة على صدق دعواه وأنكر المدعي عليه الدعوى فإنه يحلف اليمين فإذا حلف فلا شيء عليه غير هذا، وردت دعوى المدعي لظهور صدق المدعي عليه2. وطبقاً لهذه القاعدة فإن ا دعاء المجرد بالحق لا يجعل من صاحبه صاحباً لهذا الحق، خاصة إذا كان ديناً في ذمة غيره، بل عليه الإثبات بالأدلة الثبوتية تثبت أن هذا الحق راجع له وأن الآخر مدين له بما يدعيه في دعواه3. الحكم بالظاهر أي عدماتهام نية أحد من دون أدلة أو قرينة وعدم ترتب نتيجة جرمية على اتهام النية، استناداً إلى ا لحديث الشريف: «أُمِرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السَ رائر»4. ـ شخصية العقوبةأي أن العقوبة لا تصيب إلا من ارتكب الجريمة التي تستوجب هذه العقوبة، والأصل في ذلك قوله تعالى: "أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى" (النجم، آية: 38.) والواقع أن شخصية العقوبة مما يقتضي به عدل الله فمن ظلم البين أن يؤخذ البريء بجريرة المجرم كما كان عليه في العرف العشائري وممارسة الأنظمة البوليسية 1 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص173. 2 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص81. 3 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص173. 4 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص173.
عدد الصفحات ١٥٦157 والدكتاتورية، خاصة بحق المعارضين السياسيين والتي تطاله العقوبة في حال الصراع والمنازعات في كلتا الحالتين أناساً أبرياء بسبب القرابة م ن الجاني أو المعارض1. ـ بطلان الإكراه فالإكراه لغة هو حمل الغير على أمر لا يرضاه وفي اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته2، والباحث لا يدخل في تفاصيل ما قاله الفقهاء حول نظرية الإكراه في الفقه الإسلامي3، بل يكتفي بالإشارة إلى علاقة الإكراه بمبدأ براءة الذمة، لأن "الإكراه" وسلب الاختيار من الإنسان وفقدانه لحرية التحرك والقرار والفعل، جعله مع إتيانه للفعل الجرمي بالظاهر كمن تكال له تهمة، ولا يعتد بإقرار الإكراه على نفسه4. ولإقرار مبدأ حيادية القضاء والتحقيق العملي لشعار "القضاء والحق فوق الجميع" بدون استثناء وهو مرجع لجميع الناس في المجتمع وليس فقط للمؤمنين ـ وتقديم درس عملي للصف المؤمن في تلك المرحلة التأسيسية الحاسمة، كشف القرآن عن محاولة داخل هذا الصف المسلم لتزوير الحقائق واتهام "يهودي" بريء بتهمة لم يرتكبها5، وقد مرّ معنا تلك القصة. 2ـاستقلالية القضاء وحياد القاضي: 1 المصدر نفسه، ص173. 2 نظرية الضرورة الشرعية، د. وهبة الزحيلي، ص82. 3 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص174. 4 المصدر نفسه، ص174. 5 العدالة ومفهومها ومنطلقاتها، ص174.
عدد الصفحات ١٥٧158 استقلالية القضاء، وحياد القاضي: واستقلاله هو من شروط توفير المحاكمة العادلة للمتهم، لأن حق المتهم في المحاكمة العادلة لا يمكن أن يتجسد حقيقة إلا بوجود محكمة مستقلة محايدة تعتمد على قضاة لا يمكن أن تتوجّه أصابع الشك و الاتهام وعدم النزاهة إليهم فهم يعتمدون في عملهم على الحياد والاستقلال1. يعداستقلال القضاء عنصراً رئيسياً في تحقيق المحاكمة العادلة، والشرط الضروري الأول لتنفيذ القانون بشكل عادل، ويقصد باستقلال القضاء تحرره من أية مؤشرات اضطلاعاً برسالته في تحقيق العدالة وتحرر سلطته من أي تدخل من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعدم خضوع القضاء لغير سلطان القانون2، فإذا ما أريد للقوانين أن تفسر بعدل وتطبق بنزاهة، فإن من الواجب أن يتمتع القضاة بوضع مستقل، وأن يكون القاضي متحرراً من الضغوط التي قد تتولد من ارتباطه بالسلطة التنفيذية، ومن مهمة القاضي هي تحقيق العدالة، وهذه تتطلب أن يكون القاضي متجرداً وبعيداً عن التأثير بالمصالح والعواطف الشخصية فلا يتأثر ولا يؤثر عليه3. وإذا أمعنا النظر فيما يخص النظام القضائي، والقاضي الإسلامي في ضوءما توصل إليه الفكر القانوني والأنظمة القانونية الحديثة نجد بأنه كان يتمتع باستقلال في السياق التاريخي للتجربة، فعلى صعيد الفكر النظري باستطاعة أي باحث استنباط قواعد وأسس استقلالية القضاء وحياد القاضي 4 من خلال الآيات القرآنية والتوجيهات النبوية والممارسة الراشدية، والخبرة التاريخية والمعالم الحضارية لهذه الأمة. 1 المصدر نفسه، ص177. 2 المصدر نفسه، ص177. 3 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص177. 4 المصدر نفسه، ص178.
عدد الصفحات ١٥٨159 ويمكن القول إنه بناءً على المصلحة المرسلة وسد الذرائع والا ستفادة من الخبرة التاريخية الإسلامية والضمانات والآليات التي وصل إليها الفكر القانوني الحديث القيام بتكيف قانوني جديد لمكانة القاضي وشرعية ممارسته لعمله وعدم جواز قيام السلطان بوظيفة القضاء دفعاً للتهمة عن نفسه وخوفاً من انح رافه1. 3ـ ضمانات العدل فيما يتعلق بالقاضي أول ما يقابلنا من تلك الضمانات: اتفاق العلماء على أن القيام بوظيفة القضاء من فروض الكفايات، قالوا: لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فيكون واجباً كفائياً كالجهاد والإمامة 2. كمااتفقوا على أن وظيفة القضاء من وظائف الدولة، التي هي في الأصل من مهام خليفة المسلمين قالوا: وإنما رخص له أن يقلد غيره القضاء لانشغاله بتدبير السياسة العامة للدولة، والجهاد والفتوحات3. وهذا بلا شك تشريف للقاضي ومهنته، كضمان من ضمانات حيدته وحكمه بالحق، لأن الإنسان يزداد عطاؤه وإخلاصه لمهنته، كلما استشعر شرفها وأهميتها. ثم إن الفقهاء يشترطون في القاضي مجموعة من الشروط، بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه هذه الشروط هي: الإسلام: لقوله تعالى: "وَلَن يَجْعَلَ اللهُّ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" (النساء ، آية : 141.) البلوغ والعقل والحرية: وهذه شروط متفق عليها أيضاً بين الفقهاء، فلا يجوز تقليد الصبي القضاء، وكذا المجنون ومختل النظر والتفكير، قياساً على الصبي. 1 المصدر نفسه، ص178. 2 عناية القرآن بحقوق الإنسان1 /239) زينبأبو الفضل. 3 المصدر نفسه1 /240).
عدد الصفحات ١٥٩160 العدالةوتعني عند الفقهاء: عدم التجريح، يعني أن يكون الشخص المراد تقليده ممتنعاً عن الكبائر، غير مصر على الصغائر، مجتنباً لما يخل بمروءته. وهذا شرط متفق عليه عند جمهور الفقهاء سوى الحنفية، حيث أجازوا تقليد الفاسق القضاء، وتنفيذ أحكامه إذا لم يجاوز فيها حدود الشرع والعدالة عندهم وإن كانت ليست شرطاً لتقليد القاضي ولكنها شرط كمال. سلامة الحواس: يعني: أن يكون القاضي متكلماً، سميعاً، بصيراً، على خلاف بين الفقهاء وتفضيل في هذا الشرط. الاجتهاد، وهو شرط اشترطه مالك والشافعي والحنابلة لقوله تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُّ"، وهذا يعلمه المجتهد لا المقلد وإذا كان المفتي يشترط فيه أن لا يكون مقلداً، فمن باب أولى أن يشترط هذا الشرط في القاضي. وقال فقهاء الحنفية بعدم اشتراط هذا الشرط في تقليد القاضي، ولكنه يندب ويستحب، قالوا: لأنه يمكن أن يرجع إلى فتوى غيره من العلماء فيقضي بها1. بالإضافة إلى هذه الشروط التياشترطها الفقهاء لتقليد القاضي، هناك شروط أخرى تستحب له، ذكرها صاحب المغني في قوله: ينبغي أن يكون الحاكم قوياً من غير عنف ، ليناً من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، حليماً متأنياً، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغرة، صحيح السمع والبصر، عالماً بلغات أهل ولايته، عفيفاً ورعاً بعيداً عن الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة 2 . وباضافة إلى شروط التقليد وشروط الاستحباب ذكر الفقهاء آداباً عديدة يجب أن يتحل ى بها القاضي أوصلها بعض الفقهاء إلى عشرين، منها: أن لا يقضي وهو غضبان ولا 1 المصدر نفسه1 /241). 2 المغني13 /507).
عدد الصفحات ١٦٠