المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرؤية في ضوء القرآن الكريم دراسة موضوعية

بثينة عدنان مطر

صفحة ٦ من ١٣

69‌ كالجكاب :‌ىذا‌التَّرتيب‌في‌غاية‌الحسف،‌كذلؾ‌لأفَّ‌‌الانقياد‌لأمر‌المَّو‌تعالى‌كتكميفًوً‌‌أىـُّ‌‌ الأشياءً‌‌لكىثرىةً‌‌إنعامًوً‌‌كألطافًوً‌‌في‌حؽّْ‌‌العبدً‌‌فقكليوي‌:‌مىعاذى‌‌المَّوً‌‌إًشارةه‌‌إًلى‌أفَّ‌‌حؽَّ‌‌المَّو‌تعالى‌ يمنعي‌‌عف‌ىذا‌العمؿ،‌كأيضنا‌حقكؽي‌‌الٍخمؽً‌‌كاجبةي‌‌الرّْعاية،‌فممَّا‌كاف‌ىذا‌الرَّجؿي‌‌قد‌أنعـ‌في‌ حقّْي‌يقبيحي‌‌مقابمةي‌‌إنعامًوً‌‌كا ًحسانًوً‌‌بالإساءة،‌كىأىيٍضنا‌صىكٍفي‌ ‌النَّفٍسً‌‌عىفً‌‌الضَّرىرً‌ ‌كىاجًبه، ‌كىىىذًهً‌‌ المَّذَّةي‌‌لىذَّةه‌‌قىمًيمىةه‌‌يىتٍبىعييىا‌خًزٍمه‌‌فًي‌الدُّنٍيىا،‌كىعىذىابه‌‌شىدًيده‌ ‌فًي‌الآٍخًرىةً، ‌كىالمَّذَّةي‌‌الٍقىمًيمىةي‌‌إًذىا‌لىزًمىيىا‌ضىرىره‌ ‌ شىدًيده، ‌فىالٍعىقٍؿي‌‌يىقٍتىضًي ‌تىرٍكىيىا ‌كىالاًحٍتًزىازى‌ ‌عىنٍيىا‌فىقىكٍليوي‌ :‌إًنَّوي‌‌لاى‌‌ييفٍمًحي‌‌الظَّالًميكفى‌‌إًشىارىةه‌‌إًلىيٍوً،‌فىثىبىتى‌‌ أىفَّ‌‌ىىذًهً‌ ‌الٍجىكىابىاتً‌ ‌الثَّلبىثىةى‌ ‌ميرىتَّبىةه‌‌عىمىى‌أىحٍسىفً‌ ‌كيجيكهً‌‌الترتيب (1).‌ 4- كيقكؿ‌الأستاذ‌سيد‌قطب:‌"الذم‌خطر‌لي‌أف‌قكلو‌تعالى:‌﴿ وَىَلَؽْ ٍٍَّْخْ ثِِّ وًٍََّْ ثَِٓة لَْٔلََ نْ َ أ ى َ رَأ ثُؿَْْةنَ ‌﴾‌ىك‌نياية‌مكقؼ‌طكيؿ‌مف‌الإغراء، ‌بعد‌ما‌أبى‌يكسؼ‌في‌أكؿ‌الأمر‌ كاستعصـ ،‌كىك ‌تصكير‌كاقعي ‌صادؽ‌لحالة‌النفس‌البشرية ‌الصالحة‌في‌المقاكمة‌كالضعؼ ‌ ثـ‌الاعتصاـ‌بالمٌو‌في‌النياية‌كالنجاة .‌كلكف‌السياؽ‌القرآني ‌لـ‌يفصؿ‌في‌تمؾ‌المشاعر‌ البشرية ‌المتداخمة‌المتعارضة ‌المتغالبة‌لأف‌المنيج‌القرآني ‌لا‌يريد ‌أف‌يجعؿ‌مف‌ىذه‌ المحظة‌معرضان‌‌يستغرؽ ‌أكثر‌مف‌مساحتو‌المناسبة‌في‌محيط‌القصة،‌كفي‌محيط‌الحياة‌ البشرية ‌المتكاممة‌كذلؾ،‌فذكر‌طرفي ‌المكقؼ‌بيف‌الاعتصاـ‌في‌أكلو‌كالاعتصاـ ‌في‌ نيايتو،‌مع‌الإلماـ‌بمحظة‌الضعؼ‌بينيما،‌ليكتمؿ‌الصدؽ‌كالكاقعية ‌كالجك ‌النظيؼ‌ جميعا"(2). كقكلو:‌﴿لَْٔلََ نْ َ أ ى َ رَأ ثُؿَْْةنَ رَبِِّّ ﴾.‌‌‌ "الرُّؤيةي‌ :‌ىنا‌عًممًيَّةه‌ ‌لأفَّ‌‌البرىافى‌‌مف‌المعاني‌الَّتي‌لا‌تيرل‌بالبصر،‌كالبرىاف :‌الحيجَّة،‌كىذا ‌ البرىاف ‌مف‌جيممتًوً‌‌صرفيوي‌‌عفً‌‌اليىـّْ‌‌بيا،‌كلكلا ‌ذلؾ‌لكاف‌حاؿي‌‌البشريَّةً‌‌لا‌يىسٍمىـي‌ ‌مفى‌‌اليـّْ‌‌بميطاكعتًيىا‌ في‌تمؾى‌‌الحالة‌لتىكىفُّرً‌‌دكاعي ‌اليـّْ‌‌مف‌حيسنًيىا،‌كرىغٍبتًيا‌فيو،‌كاغٍتًبىاطً‌‌أمثالوً‌‌بطاعتًيا،‌كالقيرب‌ منيا،‌كدكاعي ‌الشَّباب‌الميسكّْلىةً‌‌لذلؾ،‌فكاف‌بيرىافي‌‌المَّو‌ىك‌الحائًؿ‌بينوي‌‌كبيف‌اليـّْ‌‌بيا‌دكف‌شيءو‌‌ آخر"(3).‌ ‌ (1)‌انظر:‌مفاتيح‌الغيب،‌ج36/247. (2)‌في‌ظلبؿ‌القرآف ،‌ج4/44.‌ (3)‌التحرير‌كالتنكير ،‌ابف‌عاشكر،‌ج32/232.

عدد الصفحات ٨١

70‌ قاؿ‌الثعالبي‌في‌تفسيره كاختمؼ ‌في‌البيرٍىىاف‌الذم‌رآه ‌يكسيؼي‌:‌ فقيؿ:‌ناداه‌جبريؿي‌:‌يا‌يكسيؼي، ‌تىكيكفي‌‌في‌ديكافً‌‌الأنبياءً،‌كتفعؿي‌‌فًعٍؿى‌‌السفياءً‌.‌ كقيؿ:‌رأىل ‌يعقكبى‌‌عىاضِّا‌عمىى‌إًبيامو،‌كقيؿ‌غير‌ىذا.‌ كقيؿ:‌بؿ‌كاف‌البرىىافي‌‌فًكٍرىتىوي‌‌في‌عذابً‌‌المَّوً‌‌كىكىعًيدًهً‌ ‌عمى‌المعصية.‌ كالبرىافي‌‌في‌كلبـ‌العرب :‌الشيء‌الذم‌ييعٍطًي ‌القطٍعً‌‌كاليىقًيفى، ‌كاف‌مما‌يىعمىـي‌‌ضركرةن‌‌أك‌بخبرو‌‌ قطعيٍّ‌‌أك‌بقياسو‌‌نظرمٍّ‌"(1)‌ والذي ترجحو الباحثة في المعنى الصحيح والأصوب لميم والبرىان ىو أن لولا تفيد امتناع لوجود، فأفادت ىنا امتناع ىم يوسف لوجود البرىان 1))‌الجكاىر‌الحساف‌في‌تفسير‌القرآف ،‌ج4/424.

عدد الصفحات ٨٢

71‌ المطمب الرابع رؤى موسى  نسبو‌ىك‌مكسى‌بف‌عمراف ‌بف‌قاىث‌بف‌عازر ‌بف‌لاكم ‌بف‌يعقكب‌بف‌إسحاؽ‌بف‌ إبراىيـ ‌عمييـ‌السلبـ(1)‌ كقدتحدث‌القرآف‌الكريـ‌عف‌رؤل‌مكسى‌ ‌كىك‌ما‌ستتحدث‌عنو الباحثة‌خلبؿ‌ىذا‌المطمب:‌ أولاً : رؤيتو النار عند عودتو من مدين. مف‌الرؤل‌التي‌تحدَّث‌عنيا‌القرآف‌الكريـ‌لمكسى‌‌رؤيتوالنار‌عند‌عكدتو‌مف‌مديف‌ كفي‌ذلؾ‌يقكؿ‌تعالى: ﴿ دَةكَ ظَؽِيرُ مُٔسََ َ وََْوْ خ * ِ آنَكْخُ ْْيِِّ اٌْهُسُٔا إِنّّ َ ى َُةراً ذَلَةلَ لِْ َ إِذْ رَأَُةراً صِؽُ عَلََ الٍِّةرِ ْؽى َ وْ أ َ ِ آتِيسًُْ ٌَِِْٓة ثِلَبَفٍ أ ىَػَلّ ﴾[طو9-10] مناسبة الآيات: "لما‌عظـ‌ا﵀‌تعالى‌حاؿ‌القرآف ‌كحاؿ ‌الرسكؿ ‌فيما‌كمفو‌بو‌مف‌التبميغ،‌أتبع‌ذلؾ‌بما‌ يقكم ‌قمب‌رسكلو ‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كآلً‌و‌كسمـ‌في‌الإبلبغ‌مف‌ذكر‌أحكاؿ ‌الأنبياء‌عمييـ‌السلبـ‌ كما‌قاؿ‌تعالى:‌﴿‌وَكُلًُّ جَلُهَّ غَيَيْمَ ٌَِْ ُْجةءِ َ خ الؿَّقُوِ ٌة ُُثَجِّخُ ثِِّ ـُؤادَكَ ‌﴾[ىكد:‌120]،‌كبدأ‌بقصة‌ مكسى‌ليتأسى‌بو‌في‌تحمؿ‌أعباء‌النبكة، ‌كتبميغ‌الرسالة، ‌كالصبر ‌عمى‌مقاساة‌الشدائد،‌فإف‌ىذه‌ السكرة ‌مف‌أكائؿ ‌ما‌نزؿ، ‌ككاف‌مكسى‌أشد‌الناس‌صبرا ‌عمى‌تحمؿ‌مكاره ‌قكمو.‌كفي‌سياؽ‌ىذه‌ القصة‌تسمية‌لمنبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كآلً‌و‌كسمـ‌لما‌يلبقيو‌مف‌مشاؽ‌أحكاـ‌النبكة "(2).‌ كقكلو‌تعالى: ﴿دَةكَ ظَؽِيرُ مُٔسََ َ وََْوْ خ ﴾‌"كما‌يتجمى‌فيو‌مف‌رعاية ‌المٌو‌كىداه ‌لمف‌ اصطفاه،‌فيا‌ىك‌ذا‌مكسى‌‌في‌الطريؽ ‌بيف‌مديف‌كمصر‌إلى‌جانب‌الطكر ‌ىا‌ىك‌ذا‌عائد‌ بأىمو‌بعد‌أف‌قضى‌فترة ‌التعاقد‌بينو‌كبيف‌نبي‌المٌو‌شعيب،‌عمى‌أف‌يزكجو ‌إحدل‌ابنتيو‌في‌ مقابؿ‌أف‌يخدمو‌ثماني‌سنكات ‌أك‌عشران‌.‌ كالأرجح ‌أنو‌كفَّ‌ى‌عشران‌،‌ثـ‌خطر‌لو‌أف‌يفارؽ ‌شعيبان‌،‌كأف ‌يستقؿَّ‌‌بنفسو‌كبزكجو، ‌كيعكد‌ إلى‌البمد‌الذم‌نشأ‌فيو،‌كالذم ‌فيو‌قكمو‌بنك‌إسرائيؿ ‌يعيشكف‌تحت‌سياط‌فرعكف ‌كقيره "(3).‌ (1)‌قصص‌الأنبياء،‌ابف‌كثير،‌ج2/42.‌ (2)‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج34/365. (3)‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌قطب ،‌ج4/242.

عدد الصفحات ٨٣

72‌ إنيا‌جاذبية‌الكطف‌كالأىؿ ‌تتخذىا‌القدرة ‌ستاران‌‌لما‌تييئو‌لمكسى‌‌مف‌أدكار ،‌كىكذا ‌ نحف‌في‌ىذه‌الحياة‌نتحرؾ ‌تحركنا ‌أشكاق ان‌‌كىكاتف ان‌،‌كمطامحان‌‌كمطامعان‌،‌كآلام ان‌‌كآمالان‌،‌كا ف ‌ىي‌ إلا‌الأسباب‌الظاىرة ‌لمغاية‌المضمرة، ‌كالستار ‌الذم‌تراه ‌العيكف‌لميد‌التي‌لا‌تراىا ‌الأنظار‌كلا‌ تدركيا ‌الأبصار،‌يد‌المدبر‌المييمف‌العزيز ‌القيار،‌كىكذا ‌عاد‌مكسى‌‌،ك‌قد‌ضؿٌ‌‌طريقو ‌ في‌الصحراء ‌كمعو‌زكج تو‌ككانت‌حاملبن‌،‌ضؿٌ‌‌طريقو ‌كالميؿ ‌مظمـ،‌كالمتاىة ‌كاسعة ،‌نعرؼ ‌ىذا‌ مف‌قكلو‌لأىمو:‌﴿صِؽُ عَلََ الٍِّةرِ ْؽى َ وْ أ َ ِ آتِيسًُْ ٌَِِْٓة ثِلَبَفٍ أ ِ آنَكْخُ َُةراً ىَػَلّ اٌْهُسُٔا إِنّّ﴾‌فأىؿ‌ البادية‌يكقدكف‌النار‌عادة‌عمى‌مرتفع ‌مف‌الأرض، ‌ليراىا ‌السارم ‌في‌الصحراء، ‌فتكشؼ‌لو‌عف‌ الطريؽ، ‌أك‌يجد‌عندىا‌القرل ‌كالضيافة ‌كمف‌ييديو‌إلى‌الطريؽ (1).‌ كقكلو: ﴿صِؽُ َ وْ أ َ ِ آتِيسًُْ ٌَِِْٓة ثِلَبَفٍ أ ِ آنَكْخُ َُةراً ىَػَلّ ْْيِِّ اٌْهُسُٔا إِنّّ َ ى َُةراً ذَلَةلَ لِْ َ إِذْ رَأ عَلََ الٍِّةرِ ْؽى ﴾‌ قاؿ‌الطبرم:‌" يقكؿ‌تعالى‌ذكره‌لنبيو‌محمد‌ ‌ميسى‌مّْ‌يو‌عما‌يى‌مقى‌مف‌الشدٌة‌مف‌مشركي‌ قكمو،‌كمعرفو‌ما‌إليو‌بصائر‌ أمره‌كأمرىـ،‌كأنو‌معميو‌عمييـ،‌كمكىف‌كيد‌الكافريف،‌كيحثو‌عمى‌ الجدٌ‌في‌أمره،‌كالصبر‌عمى‌عبادتو،‌كأف‌يتذكر‌فيما‌ينكبو‌فيو‌مف‌أعدائو‌مف‌ميشركي‌قكمو‌ كغيرىـ،‌كفيما‌يزاكؿ‌مف‌الاجتياد‌في‌طاعتو‌ما‌ناب‌أخاه‌مكسى‌صمكات‌ا﵀‌عميو‌مف‌عدٌكه،‌ ثـ‌مف‌قكمو،‌كمف‌بني‌إسرائيؿ ‌كما‌لقي‌فيو‌مف‌البلبء‌كالشدة‌طفلبن‌‌صغيران‌،‌ثـ‌يافعان‌‌مترعرعان‌،‌ ثـ‌رجلبن‌‌كاملبن‌‌(وَىَلْ أَتَاكَ)‌يا‌محمد‌(حَدِيثُ مُوسَى)‌ابف‌عمراف‌ (إِذْ رَأَى نَارًا)‌ذكر‌أف‌ذلؾ‌كاف‌ في‌الشتاء‌ليلبن‌ ‌كأف‌مكسى‌كاف‌أضؿٌ‌الطريؽ؛‌فمما‌رأل‌ضكء‌النار ﴿ ْْيِِّ اٌْهُسُٔا َ كَةلَ لِْ ِ إِنّّ وْ صَؾْوَةٍ ٌََِ الٍِّةرِ ىَػَيٍّسًُْ دَىَُْئُنَ َ ِ آتِيسًُْ ٌَِِْٓة بَِِبٍَ أ آنَكْخُ َُةرًا ىَػَلّ ﴾ [القصص29] ما قاؿ"(2). كذلؾ‌أف‌مكسى‌استأذف‌شعيبان‌في‌الرجكع‌مف‌مديف‌إلى‌مصر‌ليزكر‌كالدتو‌كأخاه‌فأذف‌ لو،‌فخرج‌بأىمو‌كمالو‌ككانت‌أياـ‌الشتاء‌فأخذ‌عمى‌غير‌الطريؽ‌مخافة‌ممكؾ‌الشاـ،‌كامرأتو‌ حامؿ‌في‌شيرىا‌لا‌يدرم‌أليلبن‌ ‌تضع‌أـ‌نياران‌ ،‌فسار‌في‌البرية‌غير‌عارؼ‌بطرقيا‌فألجأه‌ المسير‌إلى‌جانب‌الطكر‌الغربي‌الأيمف،‌ك‌ ذلؾ‌في‌ليمةو‌‌مظممةو‌‌مثمجةو‌‌شاتيةو‌‌شديدة‌البرد‌لما‌أراد‌ ا﵀‌مف‌كرامتو‌فأخذ‌امرأتو‌الطمؽ‌فأخذ‌زنده‌فجعؿ‌يقدح‌فلب‌يكرل‌فأبصر‌ناران‌ ‌مف‌بعيدو‌ ‌عف‌ يسار‌الطريؽ‌مف‌جانب‌الطكر ﴿ـَلةلَ ْْيِِّ َ لِْ اٌْهُسُٔا﴾ أم‌أقيمكا ﴿ِ إِنّّ آنَكْخُ ُةراً ﴾ أم‌أبصرت‌ (1)‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌قطب‌ج 4/242،‌بتصرؼ (2)‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌ج36/253.

عدد الصفحات ٨٤

73‌ ناره‌لىعىمّْي‌آتًيكيـٍ‌مًنٍيا‌بًقىبىسو‌أم‌شعمة‌مف‌نار‌في‌طرؼ‌عكد ﴿وْ َ أ صِؽُ َ أ عَلََ الٍِّةرِ ُْؽىً ﴾ أم‌أجد‌ عند‌النار‌مف‌يدلُّ‌ني‌عمى‌الطريؽ ﴿ـَيٍٍَّة دةْة َ أ ﴾أم‌أتى‌النار‌كرأل‌شجرة‌خضراء‌مف‌أعلبىا‌ إلى‌أسفميا‌أطافت‌بيا‌ناران‌‌بيضاء‌تتقد‌كأضك‌ اء‌ما‌يككف،‌فلب‌ضكء‌ النار‌يغير‌خضرة‌الشجرة‌ كلا‌خضرة‌الشجرة‌تغير‌ضكء‌النار،‌قيؿ‌كانت‌الشجرة‌ثمرة‌خضراء‌كقيؿ‌كانت‌مف‌العكسج،‌ كقيؿ‌كانت‌مف‌العميؽ‌كقيؿ‌كانت‌شجرة‌مف‌العناب،‌ركم‌ذلؾ‌عف‌ابف‌عباس (1).‌كقاؿ‌أىؿ التفسير‌لـ‌يكف‌الذم‌رآه‌مكسى‌ناران‌‌بؿ‌كاف‌نكران‌‌ذي‌كر‌بمفظ‌النار‌لأف‌مكسى‌‌حسبو‌ناران.‌ قاؿ‌ابف‌عباس:‌ىك‌مف‌نكر‌الرب‌سبحانو‌كتعالى،‌كقيؿ‌ىي‌النار‌بعينيا‌كىي‌إحدل‌ حجب‌الرب‌تبارؾ‌كتعالى،‌يدؿ‌عميو‌ما‌ركم‌ عن أبي موسى الأشعري عن النبي  قال «حجابو النار لو كشفيا لأىمكت سبحات وجيو ما انتيى إليو بصره من خمقو »(2)‌قيؿ‌إف مكسى‌أخذ‌شيئا‌مف‌الحشيش‌اليابس‌كقصد‌الشجرة‌فكاف‌كمما‌دنا‌نأت‌عنو،‌كا ذا‌نأل‌دنت‌ منو،‌فكقؼ‌متحيران‌‌كسمع‌تسبيح‌الملبئكة‌كأي‌ لقيت‌عميو‌السكينة‌فعند‌ذلؾ‌﴿‌َُة َ ِ خ ُُٔدِيَ ية مُٔسَ إِنّّ رَبَّمَ ﴾‌قاؿ‌كىب:‌نكدم‌مف‌الشجرة‌فقيؿ‌يا‌مكسى‌فأجاب‌سريعا‌كما‌يدرم‌مف ‌دعاه‌فقاؿ‌إني‌ أسمع‌صكتؾ‌كلا‌أرل‌مكانؾ‌فأيف‌أنت؟‌فقاؿ‌أنا‌فكقؾ‌كمعؾ‌كأمامؾ‌كخمفؾ‌كأقرب‌إليؾ‌منؾ‌ فعمـ‌أف‌ذلؾ‌لا‌ينبغي‌إلا‌﵀‌تعالى‌فأيقف‌بو،‌كقيؿ‌إنو‌سمعو‌بكؿ‌أجزائو‌حتى‌إف‌كؿ‌جارحة‌ منو‌كانت‌أذنان‌(3).‌ "كفى‌التعبير‌عف‌رؤية‌النار‌بالفعؿ‌«آنست»‌الذم‌يدؿٌ‌‌عمى‌الأنس‌بيا،‌كالبشاشة ‌ بكجكدىا، ‌ما‌يشير‌إلى‌أف‌مكسى‌كاف‌في‌كحشة ‌ليؿ‌بييـ،‌في‌ىذه‌الصحراء ‌التي‌لا‌أحد‌فييا،‌ فيك‌في‌كحشة ‌الميؿ،‌ككحشة ‌الكحدة ،‌فمما‌رأل ‌النار،‌كجد ‌شيئان‌‌مف‌الأنس‌كالطمأنينة، ‌لأف‌النار‌ لا‌بد‌أف‌يككف‌عندىا‌مف‌أكقدىا،‌ككاف‌مكسى‌قادمان‌‌مف‌مديف‌إلى‌مصر‌كمعو‌زكجو ‌بنت‌ شعيب‌"(4).‌ ‌ ‌ (1)‌انظر:‌لباب‌التأكيؿ‌في‌معاني‌التنزيؿ، الخازف،‌‌ج 4/243.‌ (2)‌[‌صحيح‌مسمـ،‌مسمـ،‌كتاب‌الإيماف/‌باب‌في‌قكلو‌‌حجابو‌النار‌لك‌كشفيا‌لأىمكت‌سبحات‌كجيو‌ما انتيى‌إليو‌بصره‌مف‌خمقو،‌( 3-342)،‌حديث‌رقـ 357]‌ (3)‌انظر:‌لباب‌التأكيؿ‌في‌معاني‌التنزيؿ، الخازف،‌ ‌ج4/243. 4))‌التفسير‌القرآني‌لمقرآف، الخطيب،‌‌ج6/562.‌

عدد الصفحات ٨٥

74‌ ثانياً : رؤيتو العَصا كأنيا جآن. ‌كانت‌العصا‌معجزة‌مف‌معجزات‌سيدنا‌مكسى‌ ،‌حيث‌إنيا‌انقمبت‌إلى‌حية‌تسعى،‌ ككاف‌ليا‌أىمية‌كبيرة‌في‌نظر‌سيدنا‌مكسى‌ ،‌حيث‌إنَّ‌و‌يتككأ‌عمييا‌كييش‌بيا‌عمى‌غنمو،‌ كما‌ قاؿ‌تعالى:‌ ﴿‌كَةلَ هَِِ غَىَةيَ ُْلُّ ثَِٓة عَلََ دََِمِِ وَلََِّ ذِيَٓة ٌَآرِبُ َ غَيَيَْٓة وَأ ُ دََٔكَّأ َ خ ػْؿَى ُ أ﴾[طو18]،‌كعندما‌ضرب‌بيا‌البحر‌انفمؽ‌اثنى‌عشر‌فرقان،‌فكاف‌كؿ‌فرؽو‌كالجبؿ‌العظيـ‌‌ حيث‌قاؿ‌تعالى:﴿يَة َُة اللهٍُّ اىْػَـِيـُ الَْْهِيًُ َ مُٔسََ إٍُُِّّ خ * ىْقِ غَىَةكَ َ وَخجٍَّٓة صَةنٌّ َ ـَيٍٍَّة رَآَْة تَْٓتَََّ نَد وَلٍَّّ ٌُؽْثِؿًا وَلًَْ حُػَلِّتْ يَة ِ لََ يَََةفُ لَََيٍّ الٍُْؿْقَئُنَ مُٔسََ لََ تَََّؿْ إِنّّ ﴾‌[النمؿ9-10.]‌ قكلو‌سبحانو:‌﴿يَة َُة اللهٍُّ اىْػَـِيـُ الَْْهِيًُ َ مُٔسََ إٍُُِّّ خ ﴾‌"إعلبـ‌منو‌ لعبده‌مكسى‌بأف‌ المخاطب‌لو،‌إنما‌ىك‌ا﵀‌‌الذل‌عزَّ‌‌كؿ‌شيء‌كقيره ‌كغمبو ،‌كالذل ‌أحكـ‌كؿ‌شيء‌خمقو"(1).‌ كالمعنى أم‌يا‌مكسى،‌إف‌الذم‌يخاطبؾ‌كيناجيؾ‌ىك‌ا﵀‌ربٌؾ‌الذم‌عزٌ‌‌كؿ‌شيء‌ كقيره ‌كغمبو، ‌الحكيـ‌في‌أقكالو ‌كأفعالو "(2).‌ كقكلو: "﴿ ـَيٍٍَّة جٍَّٓة صَةنٌّ َ رَآَْة تَْٓتَََّ نَد ﴾‌فيو‌كجياف :‌‌ أحدىما:‌أف‌الجاف‌الحية‌الصغيرة ،‌سميت‌بذلؾ‌لاجتنانيا‌كاستتارىا .‌‌ كالثاني :‌أنو‌أراد ‌بالجاف‌الشيطاف‌مف‌الجف،‌لأنيـ‌يشبيكف‌كؿ‌ما‌استيكلكه ‌بالشيطاف،‌كما‌قاؿ‌ تعالى:‌﴿ ََيْػَُٓة ٍُُّّ َ نَد رُءُوسُ النٍّيَةَِيِ ﴾[الصافات:65]،‌كقد‌كاف‌انقلبب‌العصا‌إلى‌أعظـ‌ الحيات‌لا‌إلى‌أصغرىا ،‌كما‌قاؿ‌تعالى:‌﴿‌ـَإِذَا هَِِ ثُػْجَةنٌ ٌُجِيٌ ﴾[الأعراؼ :107]‌ك‌[الشعراء :‌ 32]"(3).‌ قاؿ‌سيد‌طنطاكم‌في‌تفسيره كالجاف :‌الحية‌الصغيرة ‌السريعة ‌الحركة .‌أك‌الحية‌ الكبيرة، ‌كالمراد ‌ىنا:‌التشبيو‌بيا‌في شدة‌الحركة ‌كسرعتيا ‌مع‌عظـ‌حجميا،‌كا نما ‌كلى‌مكسى‌ مدبران‌‌عنيا،‌لأنو‌لـ‌يخطر‌ببالو‌أف‌عصاه‌التي‌بيده،‌يحصؿ‌منيا‌ما‌رآه ‌بعينو،‌مف‌تحكليا‌إلى‌ حية‌تسعى‌كتضطرب ‌كتتحرؾ ‌بسرعة ‌كأنيا‌جاف،‌كمف‌طبيعة‌الإنساف‌أنو‌إذا‌رأل ‌أمران‌‌غريبان‌‌ اعتراه ‌الخكؼ‌منو،‌فما‌بالؾ‌بعصا‌تتحكؿ‌إلى‌حية‌تسعى"(4).‌ (1)‌التفسير‌الكسيط،‌طنطاكم ،‌ج34/444.‌ (2)‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج37/234.‌ (3)‌النكت‌كالعيكف ،‌الماكردم ،‌ج2/374.‌ (4)‌التفسير‌الكسيط،‌ج34/444-445.

عدد الصفحات ٨٦

75‌ ‌"فقد‌ألقى‌عصاه‌كما‌أمر‌فإذا‌ىي‌تدب‌كتسعى،‌كتتحرؾ ‌حركة ‌سريعة ‌كحركة ‌ذلؾ‌ النكع ‌الصغير‌السريع ‌مف‌الحيات‌-الجاف-،‌كأدركت ‌مكسى‌‌طبيعتو‌الانفعالية،‌كأخذتو ‌ىزة ‌ المفاجأة‌التي‌لـ‌تخطر‌لو‌بباؿ،‌كجرل ‌بعيدان‌‌عف‌الحية‌دكف‌أف‌يفكر‌في‌الرجكع !‌كىي ‌حركة ‌ تبدك‌فييا‌دىشة‌المفاجأة‌العنيفة‌في‌مثؿ‌تمؾ‌الطبيعة‌الشديدة‌الانفعاؿ.‌ ثـ‌نكدم‌مكسى‌بالنداء‌العمكم ‌المطمئف‌كأعمف ‌لو‌عف‌طبيعة‌التكميؼ‌الذم‌سيمقاه:‌﴿ يَة ِ لََ يَََةفُ لَََيٍّ الٍُْؿْقَئُنَ مُٔسََ لََ تَََّؿْ إِنّّ ﴾‌لا‌تخؼ،‌فأنت‌مكمؼ‌بالرسالة ،‌كالرسؿ ‌لا‌يخافكف‌ في‌حضرة ‌ربيـ ‌كىـ ‌يتمقكف‌التكميؼ"(1).‌ ذكر‌عصا‌مكسى‌بعد‌تحكليا‌فيو‌مف‌الفكائد‌الكيثر،‌فقد‌قاؿ‌مر‌ة‌حية،‌كمرة‌ثعباف،‌كمرة‌ جاف:‌ 1. فإذا ىي حية تسعىقاؿ‌تعالى:‌ ﴿‌كةل وٌة ديم ثيٍيِم ئٍسَ * كَةلَ هَِِ غَىَةيَ ُْلُّ ثَِٓة َ غَيَيَْٓة وَأ ُ دََٔكَّأ َ خ﴾[17-18]،إذان‌ىك‌الآف‌في‌معرض‌التجربة‌كالتييأة‌النفسية،‌ فناسب‌قكلو‌(حية)‌حتى‌لا‌يككف‌الأمر‌شديدان‌عميو. 2. فإذا ىي ثعبانٌ مبينقاؿ‌تعالى: ﴿كَةلَ ىَهَِِ اتٍََّّؾْتَ إِلًَٓة دَيِْي صْػَيٍَِّمَ لََْ ٌََِ الٍَْكْضُٔجِيَ * كَةلَ وَلَْٔ َ أ صِبْذُمَ بِشََْءٍ ٌُجِيٍ * كَةلَ تِ ْ ـَأ ثِِّ إِنْ نُِْخَ ٌََِ الىٍّةدِرِيَ * ىْقَِ َ ـَد غَىَةهُ ـَإِذَا هَِِ ثُػْجَةنٌ ٌُجِيٌ ﴾[29-32]،‌لذلؾ‌ناسب‌مكقؼ‌الرعب‌كالرىبة‌لفرعكف . 3. فمما رآىا تيتز كأنَّيا جان:‌المقصكد‌ىنا‌إظيا‌السرعة‌الرىيبة‌كالتي‌لا‌ينفع‌معيا‌ الميرب. ‌ (1)‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌قطب،‌ج 5/434.‌

عدد الصفحات ٨٧

76‌ المطمب الخامس رؤى النبي محمد  ستتحدث‌الباحثة‌حكؿ‌رؤية ‌النبي‌ ‌دخكؿ‌المسجد‌الحراـ‌كرؤيتو‌آيات‌ربو‌الكبرل كذلؾ‌خلبؿ‌صفحات‌ىذا‌المطمب‌كتتمثؿ‌فيما‌يأتي: أولاً : رؤيتو أنو يدخل المسجد الحرام ىو وأصحابو آمنين. رأل ‌النبي‌‌‌في‌المناـ‌أنو‌دخؿ‌البيت‌الحراـ‌ىك‌كأصحابو ،‌فأخبر‌ ىـ‌بذلؾ،‌ففرحكا ‌ كحسبكا‌أنيـ‌يدخمكىا‌عاـ‌الحديبية ،‌فعندما‌منعكا‌مف‌الدخكؿ‌شؽٌ‌عمييـ‌ حتى‌سأؿ‌عمر‌بف‌ الخطاب‌‌فقاؿ‌لمنبي‌‌: (أوليس كنت تحدثنا أنَّ ا سنأتي البيت فنطوف بو؟ قال: بمى، فأخبرتك أنَّ ا نأتيو العام. قال: قمت: لا. قال: فإنك آتيو ومطوف بو)(1).‌ كقد‌كرد‌الحديث‌عف‌ىذه‌الرؤيا‌في‌قكلو‌تعالى ﴿ ىَلَؽْ وَؽَقَ اللهٍُّ رَقُٔلََُ الؿَّؤْية ثِةلَْْقِّ لََِؽْػُيٍَُّ الٍَْكْضِؽَ الَْْؿامَ إِنْ مةءَ اللهٍُّ آٌِِِيَ مَُُيِّلِيَ رُؤُقَسًُْ وٌَُلَصِِِّيََ لَ تََّةـُٔنَ ذَػَيًَِ ٌ ة لًَْ تَػْئٍَُا ـَضَػَوَ ٌَِْ دُونِ ذلِمَ ذَذْعةً كَؿِيجةً ﴾[الفتح27].‌ ككرد‌في سبب‌نزكؿ‌ىذه‌الآية‌أف‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ‌رأل ‌في‌المناـ‌كىك ‌ بالمدينة‌قبؿ‌أف‌يخرج ‌إلى‌الحديبية‌أنو‌يدخؿ‌المسجد‌الحراـ ‌ىك‌كأصحابو ‌آمنيف‌كيحمقكا ‌ رؤكسيـ‌فأخبر‌بذلؾ‌أصحابو‌ففرحكا ‌كحسبكا ‌أنيـ‌داخمك‌مكة‌عاميـ‌ذلؾ،‌فمما‌انصرفكا ‌كلـ‌ يدخمكا، ‌شؽ‌عمييـ‌ذلؾ‌كقاؿ‌المنافقكف:‌أيف‌رؤياه ‌التي‌رآىا؟ ‌فأنزؿ ‌ا﵀‌ىذه‌الآية‌كدخمكا ‌في‌ العاـ‌المقبؿ(2).‌ كحكؿ‌تفسير‌الآية‌يقكؿ ‌الطبرم:‌" يقكؿ‌تعالى‌ذكره :‌لقد‌صدؽ‌ا﵀‌رسكلو ‌محمدان‌‌رؤياه‌ التي‌أراىا ‌إياه‌أنو‌يدخؿ‌ىك‌كأصحابو ‌بيت‌ا﵀‌الحراـ ‌آمنيف،‌لا‌يخافكف‌أىؿ‌الشرؾ، ‌مقصّْرا ‌ بعضيـ‌رأسو، ‌كمحمّْقا‌بعضيـ"(3).‌ ‌ ‌ (1)‌[‌صحيح‌البخارم، ‌البخارم، ‌كتاب‌الشركط/‌باب‌الشركط‌في‌الجياد‌كالمصالحة‌مع‌أىؿ‌الحرب‌ككتابة‌ الشركط،4-374،‌حديث‌رقـ:‌ 2543]‌ (2)‌لباب‌التأكيؿ‌في‌معاني‌التنزيؿ، الخازف،‌‌ج 2/353. (3)‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌ج22/235.

عدد الصفحات ٨٨

77‌ كقكلو:‌﴿ لََِؽْػُيٍَُّ الٍَْكْضِؽَ الَْْؿامَ إِنْ مةءَ اللهٍُّ آٌِِِيَ ﴾ ‌ قد‌جاء‌الاستثناء‌في‌ىذه‌الآية‌تعميمان‌‌لمعباد‌كتأديبان‌‌ليـ‌بشدة‌الافتقار‌إليو‌في‌كؿ‌كقت‌ كحاؿ ‌كتأكيد،‌فإف‌الحؽ‌إذا‌استثني‌مع‌كماؿ‌عممو‌لـ‌يكف‌لأحد‌مف‌عباده‌مع‌قصكر ‌عمميـ‌ أف‌يحكـ‌في‌شيء‌مف‌غير‌استثناء(1).‌ كقد‌كرد‌في قكلو: ﴿ذَػَيًَِ ٌة لًَْ تَػْئٍَُا ﴾‌ثلبثة‌أقكاؿ :‌‌ "أحدىا:‌عىمًـ‌أف‌الصَّلبح‌في‌الصُّمح.‌‌ كالثاني :‌أف‌في‌تأخير‌الدُّخكؿ‌صلبحان‌.‌‌ كالثالث :‌فعمـ‌أف‌يفتح‌عميكـ‌خيبر‌قبؿ‌ذلؾ"(2).‌ كقكلو:‌﴿ ذَذْعةً كَؿِيجةً ﴾‌"فقد‌اختمؼ‌في‌الفتح‌القريب :‌‌  قاؿ‌كثير‌مف‌الصحابة:‌ىك‌بيعة‌الرضكاف .  كقاؿ‌مجاىد‌كابف ‌إسحاؽ:‌أنو‌الصمح‌بالحديبية.  ‌كقاؿ‌ابف‌زيد :‌خيبر"(3).‌  "كقاؿ‌قكـ:‌فتح‌مكة،‌كىذا ‌ضعيؼ،‌لأف‌فتح‌مكة‌لـ‌يكف‌مف‌دكف‌دخكؿ‌رسكؿ ‌ا﵀‌‌ كأصحابو ‌مكة،‌بؿ‌كاف‌بعد‌ذلؾ‌بعاـ،‌لأف‌الفتح‌كاف‌سنة‌ثماف‌مف‌اليجرة ‌كيحسف‌أف‌ يككف‌الفتح‌ىنا‌اسـ‌جنس‌يعـ‌كؿ‌ما‌كقع‌مما‌لمنبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌فيو‌ظيكر ‌كفتح‌ عميو"(4)‌ "كفي‌الآية‌كما‌ىك‌ظاىر‌تأييد‌لمركايات ‌المركية‌مف‌أف‌النبي‌‌إنما‌اعتزـ ‌الخركج ‌ لزيارة ‌الكعبة‌استميامان‌‌مف‌رؤيا‌رآىا ‌في‌منامو،‌كرؤياه ‌حؽ،‌كىذا ‌الذم‌جعؿ‌بعض‌المسمميف‌ يذىمكف‌حينما‌انتيى‌المكقؼ‌بدكف‌تحقيؽ‌ىذه‌الزيارة ‌في‌ىذه‌الرحمة ،‌كقد‌استيدفت‌الآية‌ التصديؽ‌كالتثبيت ‌مع‌الكعد ‌الرباني ‌بتحقيؽ‌الرؤيا .‌ 1))‌انظر‌تفسير‌التسترم ،‌التسترم ،‌ص326‌ (2)‌زاد‌المسير‌في‌عمـ‌التفسير ،‌الجكزم ،‌ج2/346. (3)‌البحر‌المحيط‌في‌التفسير،‌أبك‌حياف،‌ج7/344. (4)‌المحرر‌الكجيز‌في‌تفسير‌الكتاب‌العزيز ،‌ابف‌عطية،‌ج3/324.‌

عدد الصفحات ٨٩

78‌ كلقد‌تحقؽ‌الكعد الرباني‌فتمٌت‌الزيارة‌في‌العاـ‌القابؿ‌حسب‌الاتفاؽ ،‌كأدٌل‌المسممكف‌ مناسكيا‌آمنيف‌مطمئنيف‌فكاف‌ذلؾ‌معجزة‌مف‌معجزات‌القرآف "(1).‌ ‌ ثانياً: رؤيتو آيات ربو الكبرى مف‌الآيات‌البينات‌كالمعجزات ‌الخارقات ‌إسراء ‌ا﵀‌بنبيو‌مف‌المسجد‌الحراـ ‌إلى‌المسجد‌ الأقصى‌حيث‌جمع‌ا﵀‌لو‌الأنبياء‌فصمٌى‌بيـ‌إمامان‌‌﴿قُجْعَةنَ الٍَِّي سَْْى َ أ ثِػَجْؽِهِ لََْلًً ٌََِّ الٍَْكْضِؽِ الَْْؿَامِ إِلََ الٍَْكْضِؽِ كْصََ َ الْ الٍَِّي ثَةرَكَِْة ظَْٔلََُ ِيَُّ ىِنُُ ٌَِْ آيَةدَِِة‌إُّ ْٔ الكٍيع الْىي ﴾‌ [الإسراء :1]،‌كمف‌ىناؾ‌عرج ‌بو‌إلى‌السماكات ‌العيمى،‌كىناؾ ‌رأل ‌مف‌آيات‌ربٌو‌الكبرل، ‌رأل ‌ جبريؿ ‌عمى‌صكرتو ‌الحقيقية‌التي‌خمقو‌ا﵀‌عمييا،‌كصعد‌بو‌إلى‌سدرة ‌المنتيى،‌كجاكز ‌السبع‌ الطباؽ‌ككمٌمو‌الرحمف ‌كقربو :‌قاؿ‌تعالى:‌﴿ذَذٍَُةرُوَُُّ َ أ عَلََ ٌَة يَؿَى * وَىَلَؽْ رَآهُ َُـْىَحً ػْؿَى ُ أ * غِِؽَ قِؽْرَةِ الٍُِْْذَهَ * غِِؽََْة صٍَِّحُ وَى ْ الٍَْأ * إِذْ حَؾْشََ الكِّؽْرَةَ ٌَة حَؾْشََ * ٌَة زَاغَ الَْْصَُِ وٌََة ََغَ * ىَلَؽْ ى َ رَأ ٌَِْ آيَةتِ رَبِِّّ اىْهُبَْى ﴾[النجـ:‌12-18](2).‌ يقكؿ‌أبك‌عمرك‌الداني (3)‌:"أنو‌رأل‌ىناؾ‌الأنبياء‌عمييـ‌السلبـ:‌آدـ،‌كا براىيـ، كمكسى،‌كعيسى،‌كا دريس،‌كفرضت‌عميو‌الصمكات‌الخمس،‌ككممو‌ا﵀‌تعالى،‌كأدخمو‌الجنة‌ كأراه‌النار‌عمى‌ما‌تكاترت‌بو‌الأخبار،‌كثبتت‌بنقمو‌الآثار" (4).‌ كقكلو‌تعالى:‌ ﴿ذَذٍَُةرُوَُُّ َ أ عَلََ ٌَة يَؿَى﴾‌أم‌أتجادلكف‌الرسكؿ‌ أييا‌المشرككف ‌عمى‌ما‌ يرل ‌مف‌صكرة ‌جبريؿ .‌ ﴿وَىَلَؽْ رَآهُ َُـْىَحً ػْؿَى ُ أ﴾:‌أم‌عمى‌صكرتو ‌مرة ‌أخرل ‌كذلؾ‌في‌السماء‌ليمة‌أسرم ‌بو.‌ ‌ 1))‌التفسير‌الحديث،‌عزت‌ دركزة ،‌ج6/432. (2)‌الرسؿ‌كالرسلبت ،‌ابف‌عبدا﵀‌العتيبي،‌ص342.‌ (3)‌ىك‌الإًمىاـي‌الحىافًظي‌الميجىكّْدي‌الميقٍرًئي‌الحىاذًؽي‌عىالًـي‌الأىنٍدىليسً‌أىبيك‌عىمٍروك؛‌عيثٍمىافي‌بفي‌سىعًيٍدً‌بفً‌عيثٍمى افى‌بفً‌سىعًيٍدً‌بفً‌ عيمىرى‌الأيمىكًمُّ‌مىكٍلاىىيـي‌الأىنٍدىليسًيُّ‌القيرٍطيبًيُّ‌ثيـَّ‌الدَّانًي‌كىييعٍرىؼ‌قىدًيٍمان‌بًابٍفً‌الصَّ‌ يٍرىفًيّْ‌ميصىنّْؼي‌"التىيٍسًيٍر"‌كى‌"جىامًع‌ البىيىافً"‌كىغىيٍر‌ذىلًؾى،‌كلد‌سنة‌ 453ق.‌انظر:‌سير‌أعلبـ‌النبلبء،‌الذىبي،‌ج34/435. (4)‌الرسالة‌الكافية‌لمذىب‌أىؿ‌السنة‌في‌الاعتقادات‌كأصكؿ‌الديانات ،‌ص372.‌ ‌

عدد الصفحات ٩٠

79‌ ﴿غِِؽَ قِؽْرَةِ الٍُِْْذَهَ ﴾ كذلؾ‌ليمة‌أسرل ‌بو‌،‌ككصفت‌ىذه‌السدرة (1)‌كىي ‌شجرة ‌النبؽ‌ بأف‌أكراقيا ‌كآذاف‌الفيمة‌كأف ‌ثمرىا ‌كقلبؿ‌ىجر‌قاؿ‌فمما‌غشييا‌مف‌أمر‌ا﵀‌تعالى‌ما‌غشييا‌ تغيرت ‌فما‌أحد‌مف‌خمؽ‌ا﵀‌تعالى‌يقدر‌أف‌ينعتيا‌مف‌حسنيا،‌كسميت‌سدرة ‌المنتيى‌لانتياء‌ عمـ‌كؿ‌عالـ‌مف‌الخمؽ‌إلييا‌أك‌لككنيا‌عف‌يميف‌العرش ‌لا‌يتجاكزىا ‌أحد‌مف‌الملبئكة.‌‌ كقكلو‌﴿غِِْؽََْة صٍَِّحُ وَى ْ الٍَْأ‌﴾‌أم‌الجنة‌التي‌تأك‌ م‌إلييا‌الملبئكة‌كأركاح ‌الشيداء،‌ كالمتيقف ‌أكلياء‌ا﵀‌تعالى(2).‌ كقكلو﴿ ى ٌَِْ آيَةتِ رَبِِّّ اىْهُبَْى َ ىَلَؽْ رَأ﴾ يقكؿ‌تعالى‌ذكره :‌لقد‌رأل ‌محمد‌‌ىنالؾ‌مف‌ أعلبـ‌ربو ‌كأدلتو ‌الأعلبـ‌كالأدلة ‌الكبرل .‌ كاختمؼ ‌أىؿ‌التأكيؿ‌في‌تمؾ‌الآيات‌الكبرل، ‌فقاؿ‌بعضيـ:‌رأل ‌رىفٍرفا‌أخضر‌قد‌سدٌ‌‌ الأفؽ"،‌(عَنْ عَبْدِ المَّوِ (3)، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّوِ الكُبْرَى﴾ قَالَ « : رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ »)(4).‌ كقاؿ‌آخركف :‌رأل ‌جبريؿ ‌في‌صكرتو . عَنْ عَبْدِ ا﵀ِ، قَالَ : ﴿ىَلَؽْ ى َ رَأ ٌَِْ آيَةتِ رَبِِّّ اىْهُبَْى ﴾، قَالَ « :رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِوِ لَوُ سِت مِائَةِ جَنَاحٍ »(5) (6.)‌ كقاؿ‌ابف‌جرير:‌ أنو‌رأل‌مف‌أعلبـ‌ربّْو‌كأدلَّتو‌الأعلبـى‌كالأدلةى‌الكبرل(7).‌ ‌ ‌ (1)‌‌السدر:‌شجر‌النبؽ‌كاحدتو‌سدرة ،‌سدر‌كسدرة‌المنتيى‌شجرة‌في‌الجنة.‌انظر:‌المعجـ‌الكسيط ،‌الزيات ‌ كآخركف ،‌ج3‌/224.‌ 2)‌)انظر:‌أيسر‌التفاسير،‌الجزائرم ،‌ج3/366-374.‌ 3)) ىك‌عبدا﵀‌بف‌معكد (4)‌[‌صحيح‌البخارم، ‌البخارم، ‌كتاب‌التفسير/‌باب‌قكلو‌(لقد‌رأل‌مف‌آيات‌ربو‌الكبرل)، ج34‌/353،‌حديث رقـ:‌ 2636].‌ (5)‌[‌صحيح‌مسمـ،‌مسمـ،‌كتاب‌الإيماف/‌باب‌في‌ذكر‌سدرة‌المنتيى‌، ‌ج3‌/336،‌حديث‌رقـ 352].‌ ‌ 6))‌انظر:‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌الطبرم ،ج22/323-322. 7)‌)انظرزاد‌المسير‌في‌عمـ‌التفسير ،‌الجكزم ،‌ج2/365.

عدد الصفحات ٩١

‌ ‌ ‌ الفصل الثاني مواطن الرؤ ى الدنيوية لمناس كما يصورىا القرآن الكريم ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌

عدد الصفحات ٩٢

81‌ المبحث الأول رؤى المؤمنين الدنيوية تتعدد‌أشكاؿ ‌رؤل‌المؤمنيف‌الدنيكية ‌كصكرىا، ‌حيث‌قامت‌الباحثة‌بتتبع‌آيات‌القرآف‌ الكريـ‌كحصرىا‌في‌المطالب‌الآتية: ‌ المطمب الأ ول رؤيتيم التجارة والميو لقد‌خاطب‌ا﵀‌ػ‌المؤمنيف‌في‌كتابو‌العزيز ‌آمران‌‌إياىـ‌بالاستجابة‌لنداء‌الجمعة،‌ناىيان‌‌ إياىـ‌عف‌البيع‌كالتجارة ‌كقت‌الصلبة،‌كعمِّ‌ؽ‌الخير‌كمو‌عمى‌تحقيؽ‌ىذه‌الاستجابة،‌فقاؿ‌تعالى:‌ ﴿‌يَة حََّٓة َ خ الٍَِّيََ آٌَُِٔا إِذَا ُُٔدِي لِيىٍّلًةِ ٌَِْ ئَْمِ الجٍُُْػَحِ ـَةقْػَْٔا إِلََ ذِنْؿِ اللهٍِّ وَذَرُوا الَْْيْعَ ذَىِسًُْ ػَيٌْ ىَسًُْ إِنْ نُِذًُْ تَػْئٍَُنَ * ـَإِذَا كٌُِيَخْ الىٍّلًةُ ـَةُتَشَُِوا فِ رْضِ َ الْ وَابْذَؾُٔا ٌَِْ ـٌَْوِ اللهٍِّ وَاذْنُؿُوا اللهٍَّ نَسِياً ىَػَيٍّسًُْ تُفْيِعُٔنَ ﴾[الجمعة9-10]،بعد‌ذلؾ‌عاتب‌ المنشغميف‌بالدنيا‌بقكلو‌تعالى : ﴿ وَإِذَا وْا َ رَأ تََِةرَةً وْ َ أ لَْٓٔاً اُفٌََّٔا إِلَََْٓة وَدَؿَكُٔكَ كَةنٍِةً كُوْ ٌَة غِِْؽَ اللهٍِّ ػَيٌْ ٌَِْ اليٍِّْٓٔ وٌََِْ الِِّضَةرَةِ وَاللهٍُّ ػَيُْ الؿٍّازِرِيَ ﴾[الجمعة:11].‌ مناسبة‌الآيات‌لما‌قبميا:‌‌ ‌‌‌‌‌‌‌"بعد‌أف‌بيٌف‌ا﵀‌تعالى‌أف‌الييكد‌يفركف ‌مف‌المكت‌حبان‌‌في‌الدنيا‌كطيباتيا،‌أراد ‌تعالى‌ أف‌يربي ‌المؤمنيف‌كيكجييـ ‌لمعمؿ‌في‌الدنيا‌كلما‌ينفع‌أيضان‌‌في‌الآخرة، ‌كىك ‌حضكر ‌ ‌الجمعة،‌لأف‌الدنيا‌كمتاعيا‌فانية،‌كالآخرة ‌كما‌فييا‌باقية،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿ وَالآْػِؿَةُ ػَيٌْ ثْقِ َ وَخ ﴾‌ [الأعمى:17]،‌ثـ‌ندٌد‌تعالى‌بترؾ ‌النبي‌‌كىك ‌عمى‌المنبر‌يخطب،‌منصرفيف ‌لمتجارة‌أك‌الميك ،‌ فمنيـ‌مف‌انفضٌ‌‌بمجرد ‌سماع‌الطبؿ‌كرؤيتو، ‌كمنيـ‌مف‌انفض‌إلى‌التجارة ‌مع‌الحاجة‌إلييا‌ كالانتفاع ‌بيا،‌ثـ‌أباح‌تعالى‌السعي‌في‌العمؿ‌كمكاسب‌الدنيا‌عقب‌انتياء‌‌ صلبة‌الجمعة،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿ـَإِذَا كٌُِيَخِ الىٍّلًَةُ ـَةُْتَشَُِوا فِ رْضِ الَْْ وَابْذَؾُٔا ٌَِْ ـٌَْوِ اللهٍِّ ﴾ [الجمعة10]"(1). 1)‌)انظرالتفسير‌المنير،‌الزحيمي،‌ ج26/374.‌

عدد الصفحات ٩٣

82‌ ككرد‌في‌سبب‌نزكليا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ المَّوِ - رضى ا﵀ عنيما - قَالَ أَقْبَمَتْ عِيرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِ يِّ  فَثَارَ النَّاسُ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فَأَنْزَلَ المَّوُ ( وَا ِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَيْوًا انْفَض وا إِلَيْيَا )(1).‌ كحكؿ‌ىذا‌المعنى‌يقكؿ ‌الطبرم:‌ يقكؿ‌تعالى‌ذكره :‌كا ذا ‌رأل ‌المؤمنكف‌عيرى‌‌تجارةو‌‌أك‌ ليكو‌‌أسرعكا ‌إلييا‌–ككانت‌زيتان‌قدـ‌بو‌دحية‌بف‌خميفة‌الكمبيٌ‌مف‌الشاـ-،‌كتركك‌ ا‌النبي‌محمدان‌‌ قائمنا‌عمى‌المنبر(2).‌ "والميو:‌ىك‌كؿُّ‌‌شيءو‌‌شىغىمؾ‌عف‌شيء،‌فقد‌ألياؾ،‌كلىيىكتي‌‌مف‌المَّيٍك،‌كلىيًيتي‌‌عف‌ الشَّيء،‌إذا‌تركتىو‌لًغيره"(3)،"والانفضاض:‌ىك‌التفرٌؽ‌في‌عجمة،‌كفى‌غير‌نظاـ"(4).‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ كالمعنى‌الاجمالي‌للآية أم:‌خرجكا ‌مف‌المسجد‌حرصان‌‌عمى‌تمؾ‌التجارة ‌كالميك، ‌ كترككا ‌ذلؾ‌الخير‌الحاضر،‌حتى‌إنيـ‌ترككا ‌النبي‌‌قائمان‌يخطب،‌كذلؾ‌لحاجتيـ‌لتمؾ‌العير‌ التي‌قدمت‌المدينة،‌كقبؿ‌أف‌يعممكا ‌حؽ‌العمـ‌ما‌في‌ذلؾ‌مف‌الذـ‌كسكء ‌الأدب،‌فاجتماع‌ الأمريف ‌حملبىـ‌عمى‌ما‌ذكر؛‌كا لا ‌فيـ‌رضي ‌ا﵀‌عنيـ‌كانكا ‌أرغب ‌الناس‌في‌الخير،‌كأعظميـ ‌ حرصا ‌عمى‌الأخذ‌عف‌الرسكؿ ‌،‌كعمى ‌تكقيره ‌كتبجيمو"(5).‌ كىذا ‌ىك‌التكازف ‌الذم‌يتسـ‌بو‌المنيج‌الإسلبمي،‌التكازف ‌بيف‌مقتضيات‌الحياة‌في‌ الأرض، ‌مف‌عمؿو‌‌ككدو‌‌كنشاطو‌‌ككسبو‌،‌كبيف‌عزلة ‌الركح ‌فترةن‌‌عف‌ىذا‌الجك‌كانقطاع ‌القمب‌ كتجرده ‌لمذكر،‌كىي ‌ضركرة ‌لحياة‌القمب‌لا‌يصمح‌بدكنيا‌للبتصاؿ‌كالتمقي ‌كالنيكض ‌بتكاليؼ‌ الأمانة‌الكبرل ،‌كذكر‌المٌو‌لا‌بد‌منو‌في‌أثناء‌ابتغاء‌المعاش،‌كالشعكر ‌بالمٌو‌فيو‌ىك‌الذم‌يحكؿ‌ نشاط‌المعاش‌إلى‌عبادة،‌كلعؿ‌ىذا‌الإدراؾ ‌الجاد‌الصريح ‌البسيط‌ىك‌الذم‌ارتقى ‌بتمؾ‌ المجمكعة ‌إلى‌مستكاىا ‌الذم‌بمغت‌إليو،‌مع‌كؿ‌ما‌كاف‌فييا‌مف‌جكاذب ‌الجاىمية،‌كىذا ‌الحادث‌ يكشؼ‌عف‌مدل‌الجيد‌الذم‌بذؿ‌في‌التربية ‌كبناء‌النفكس‌حتى‌انتيت‌إلى‌إنشاء‌تمؾ‌الجماعة‌ الفريدة ‌في‌التاريخ ،‌كيمنح‌القائميف‌عمى‌دعكة ‌المٌو‌في‌كؿ‌زماف ‌رصيدان‌‌مف‌الصبر‌عمى‌ما‌ يجدكنو‌مف‌ضعؼ‌كنقص‌كتخمؼ‌كتعثر‌في‌الطريؽ ،‌فيذه‌ىي‌النفس‌البشرية ‌بخيرىا ‌كشرىا ،‌ (1)‌‌[صحيح‌البخارم،‌البخارم،‌كتاب‌التفسير/‌باب‌قكلو:‌(كا ذا‌رأكا‌تجارةن)،ج 34‌/226،‌حديث‌رقـ 2677.]‌ (2)‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌الطبرم،‌ج 24/464،‌بتصرؼ ‌ 3))‌معجـ‌مقاييس‌المغة،‌ابف‌فارس،‌ج 3/234.‌ (4)‌التفسير‌القرآني‌لمقرآف،‌الخطيب،‌ج 32/734. 5))‌تيسير‌المطيؼ‌المناف‌في‌خلبصة‌تفسير‌القرآف،‌أبك‌عبدا﵀‌بف‌حمد،‌ج 3‌/65.‌

عدد الصفحات ٩٤

83‌ كىي ‌قابمة‌أف‌تصعد‌مراقي ‌العقيدة‌كالتطير ‌كالتزك ي‌بلب‌حدكد،‌مع‌الصبر‌كالفيـ ‌كالإدراؾ ‌ كالثبات ‌كالمثابرة، ‌كعدـ ‌النككص‌مف‌منتصؼ‌الطريؽ (1).‌ كحكؿ دلالة‌تقديـ‌التجارة ‌كالميك ‌مرة ‌كتأخيرىا ‌مرة ‌أخرل؟ ‌‌ قاؿ‌الدكتكر‌فاضؿ‌السامرائي ‌مجيبان‌عنو:‌"ىذه‌حادثة‌كاقعة ‌جاءت‌عير‌المدينة‌فكاف‌ في‌يكـ‌الجمعة‌كالرسكؿ ‌‌يخطب‌كالتجارة ‌كاف‌ييضرىب‌ليا‌بالدفكؼ‌إشعاران‌‌بمجيئيا‌فانفض‌ معظـ‌الناس‌كترككا ‌الخطبة‌كترككا ‌الصلبة‌كالرسكؿ ‌‌يخطب،‌إذف‌التجارة ‌التي‌كانت‌سبب‌ الإنفضاض‌كليس‌الميك‌لأف‌ضرب ‌الدفكؼ‌كاف‌بسبب‌التجارة ‌كا شعاران‌ ‌بأنيا‌جاءت‌الميك‌ىنا‌ ىك‌ضرب ‌الدفكؼ"(2).‌ كيستفاد‌مف‌ىذه‌الآية‌الكريمة النيى‌عف‌البيع‌كالشراء، ‌بعد‌نداء‌الجمعة،‌كتحريـ ‌ذلؾ،‌ كما‌ذاؾ‌إلا‌لأنو‌يفكت‌الكاجب ‌كيشغؿ‌عنو،‌فدؿَّ‌‌ذلؾ‌عمى‌أف‌كؿ‌أمر‌كلك‌كاف‌مباحنا ‌في‌ الأصؿ،‌إذا‌كاف‌ينشأ‌عنو‌تفكيت‌كاجب، ‌فإنو‌لا‌يجكز ‌في‌تمؾ‌الحاؿ،‌كما‌أنو‌ينبغي‌لمعبد‌ المقبؿ‌عمى‌عبادة‌ا﵀،‌كقت‌دكاعي ‌النفس‌لحضكر ‌الميك‌كالتجارات ‌كالشيكات، ‌أف‌يذكرىا ‌بما‌ عند‌ا﵀‌مف‌الخيرات، ‌كما‌لمؤثر‌رضاه ‌عمى‌ىكاه (3).‌ (1)‌في‌ظلبؿ‌القرآف‌، قطب،‌‌ج7/244-242،‌بتصرؼ .‌ 2))‌لمسات‌بيانية‌لسكر‌القرآف‌الكريـ ،‌ج3‌/34.‌ ‌ (3)‌انظر:‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف ،‌السعدم،‌ص644.‌

عدد الصفحات ٩٥

84‌ المطمب الثاني رؤية النبي  والمؤمنين أعداءَىم قميلاً مف‌الرؤل‌الدنيكية‌التي‌تخص‌المؤمنيف رؤية‌النبي‌‌كالمؤمنيف‌لأعدائيـ‌قميلبن، كفي‌ ذلؾ‌يقكؿ تعالى: ﴿إِذْ يُؿِيسًَُُٓ اللهٍُّ فِ ٌََِةمِمَ كَيِيلًً وَلَْٔ رَانًَُْٓ َ أ نَسِيًا ىَفَنِيْذًُْ وَلَََِِةزَخْذًُْ فِ مْؿِ الَْْ وَىَسٍَِّ اللهٍَّ قَيًٍَّ إٍُُِّّ غَيِيًٌ ثِؾَاتِ الىَّؽُورِ * وَإِذْ يُؿِيسًٍُُُْْٔ إِذِ الَِْلَيْذًُْ فِ خْيُِِسًُْ َ أ كَيِيلًً وَيُلَيِّيُسًُْ فِ خْيًُِِِْٓ َ أ لََِلْضَِِ اللهٍُّ مْؿًا َ أ كََنَ ٌَفْػُٔلًَ وَإِلََ اللهٍِّ دُؿْصَعُ مُٔرُ الُْْ ﴾[الأنفاؿ:43-44.]‌ فيذه‌الآيات‌تبيف‌رؤية‌النبي‌أعدائو‌في‌منامو‌قميلبن،‌ككذلؾ‌رؤية‌المؤمنيف‌أعداءىـ‌ في‌المعركة‌قميلبن،‌فحكؿ‌رؤية‌النبي‌ ‌يقكؿ‌:﴿إِذْ يُؿِيسًَُُٓ اللهٍُّ فِ ٌََِةمِمَ كَيِيلًً وَلَْٔ رَانًَُْٓ َ أ نَسِيًا ىَفَنِيْذًُْ وَلَََِِةزَخْذًُْ فِ مْؿِ الَْْ وَىَسٍَِّ اللهٍَّ قَيًٍَّ إٍُُِّّ غَيِيًٌ ثِؾَاتِ الىَّؽُورِ ﴾‌ "‌قيؿ‌أراه ‌إياىـ‌في‌نكمو‌بكصؼ‌القمٌة،‌كأخبر ‌أصحابو‌بذلؾ‌فازدادكا ‌جسارة ‌عمييـ.‌ كقيؿ‌أراه ‌في‌منامو‌أم‌في‌محؿ‌نكمو‌أم‌في‌عينيو،‌فمعناه‌قمٌميـ‌في‌عينيو‌لأنيـ‌لك‌ استكثركىـ ‌لفشمكا ‌في‌قتاليـ،‌كلانكسرت ‌بذلؾ‌قمكب‌المسمميف.‌‌‌‌ كفى‌الجممة‌أراد ‌ا﵀‌جرياف ‌ما‌حصؿ‌بينيـ‌مف‌القتاؿ‌يكـ‌بدر،‌كا فٌ‌ ‌ا﵀‌إذا‌أراد ‌أمران‌‌ىيٌأ‌ أسبابو‌فقمٌؿ‌الكفار‌في‌أعيف‌المسمميف‌فزادكا ‌جسارة، ‌كقمٌؿ‌المسمميف‌في‌أعيف‌الكفار‌فازدادكا -‌ عند‌نشاطيـ‌إلى‌القتاؿ-‌صغرا ‌في‌حكـ‌ا﵀‌كخسارة ‌"(1).‌ كفي‌ذلؾ‌يقكؿ‌الطبرم :‌"يقكؿ‌تعالى‌ذكره :‌كا فَّ‌ ‌ا﵀‌يا‌محمد،‌سميع‌لما‌يقكؿ‌أصحابؾ،‌ عميـ‌بما‌يضمركنو،‌إذ‌يريؾ ‌ا﵀‌عدكؾ‌كعدكىـ ‌في‌نكمؾ‌قميلبن‌‌فتخبرىـ ‌بذلؾ،‌حتى‌قكيت‌ قمكبيـ،‌كاجترأكا ‌عمى‌حرب ‌عدكىـ ،‌كلك‌أراؾ ‌ربؾ ‌عدكؾ‌كعدكىـ ‌كثيران‌،‌لفشؿ‌أصحابؾ،‌فجبنكا ‌ كخا فكا، ‌كلـ‌يقدركا ‌عمى‌حرب ‌القكـ،‌كلتنازعكا ‌في‌ذلؾ،‌كلكف‌ا﵀‌سمَّ‌ميـ‌مف‌ذلؾ‌بما‌أراؾ ‌في‌ منامؾ‌مف‌الرؤيا،‌إنو‌عميـ‌بما‌تي‌خفيو‌الصدكر، ‌ك‌لا‌يخفى‌عميو‌شيء‌مما‌تضمره ‌القمكب"(2).‌ "ففي‌غزكة ‌بدر‌الكبرل ‌كاجو ‌المسممكف‌المشركيف ‌في‌أكؿ‌كاقعة ‌حربية ‌حاسمة،‌ككاف‌ المشرككف ‌ضعفي‌عدد‌المسمميف،‌كقد‌كقعت‌رؤيا ‌لرسكؿ ‌ا﵀‌‌شاىد‌فييا‌المشركيف ‌قمة‌قميمة‌ (1)‌لطائؼ‌الإشارات ،‌القشيرم ،‌ج3/426.‌ 2))‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿالقرآف ،‌ج34/237-254.

عدد الصفحات ٩٦