المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرؤية في ضوء القرآن الكريم دراسة موضوعية

بثينة عدنان مطر

صفحة ١٠ من ١٣

133‌ الأشجار‌فميس‌عمييا‌ما‌يسترىا، ‌فيككف‌جميع‌الخمؽ‌ضاحيف‌لربيـ ‌لا‌تخفى‌عميو‌خافية‌مف‌ أمرىـ ‌كىذا ‌ىك‌المراد ‌مف‌قكلو:‌﴿ ٌْذًة َ لََ دَؿَى ذِيَٓة غَِٔصًة وَلََ أ ﴾ [107]"(1). ‌ كقكلو ﴿وَظَشََُْةًُْْ ـَيًَْ ُُؾةدِرْ ًٌُِِْْٓ ظَؽاً َ أ﴾‌"أم‌كجمعنا ‌الأكليف‌كالآخريف ‌لمحساب‌بعد‌ أف‌أقمناىـ‌مف‌قبكرىـ، ‌فمـ‌نترؾ ‌منيـ‌أحدان‌‌لا‌صغيران‌‌كلا‌كبيران‌‌كما‌قاؿ:‌﴿كُوْ إِنٍّ وٍّىِيَ الَْْ وَالآْػِؿِيََ * لٍََضٍُْٔغُٔنَ إِلَ ٌِيلةتِ ئَْمٍ ٌَػْئُمٍ ﴾[الكاقعة 49-50]‌كقاؿ:‌﴿ذلِمَ ئَْمٌ مٍََُْٔعٌ لََُ الٍِّةسُ وَذلِمَ ئَْمٌ مَنُْٓٔدٌ ﴾[ىكد103]"(2).‌ قاؿ‌سيد‌قطبإنو‌مشيد‌تشترؾ ‌فيو‌الطبيعة‌كيرتسـ ‌اليكؿ‌فيو‌عمى‌صفحاتيا‌كعمى ‌ صفحات‌القمكب،‌مشيد‌تتحرؾ ‌فيو‌الجباؿ‌الراسخة ‌فتسير،‌فكيؼ‌بالقمكب،‌كتتبدل‌فيو‌الأرض ‌ عارية، ‌كتبرز ‌فيو‌صفحتيا‌مكشكفة‌لا‌نجاد(3)‌فييا‌كلا‌كىاد (4)،‌كلا‌جباؿ‌فييا‌كلا‌كدياف،‌ككذلؾ‌ تتكشؼ‌خبايا‌القمكب‌فلب‌تخفى‌منيا‌خافية،‌كمف‌ىذه‌الأرض ‌المستكية‌المكشكفة‌التي‌لا‌تخبئ‌ شيئا‌كلا‌تخفي‌أحدان‌"(5).‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ (1)‌تفسير‌المراغي ،‌ج33/334.‌ 2))‌المرجع‌الساب ؽ،ج33/335.‌ 3))‌ىـ‌حمائؿ‌السَّيؼ‌لأنو‌يعمك‌العاتًؽ.‌معجـ‌مقاييس‌المغة‌لابففارس‌ج 3‌/472. 4))‌الكىاد‌جمع‌كىدة،‌كالكىىٍدىةي:‌المطمئفُّ‌مف‌الأىرض‌كىالٍمىكىافً‌الٍمينٍخىفًضً‌كأىنو‌حيفٍرىةه.‌لساف‌العرب ،‌ابف‌نظكر‌ ج4‌/253. 5))‌في‌ظلبؿ‌القرآف ،‌قطب،‌ج4/243.

عدد الصفحات ١٤٥

134‌ المبحث الثاني رؤى أىل الجنة نعـ‌ا﵀‌عمى‌عباده‌في‌الجنة‌لا‌تعد‌كلا‌تحصى،‌يعيش‌المؤمف‌فييا‌حياتو‌الخالدة‌كيجد‌ فييا‌كؿ‌ما‌يتمنى،‌فمممؤمنيف‌في‌الجنة‌رؤل‌عديدة‌سكؼ‌تتحدث‌الباحثة‌حكؿ‌ما‌كرد‌منيا‌في‌ القرآف‌الكريـ ‌مف‌خلبؿ‌المطالب‌الآتية:‌ المطمب الأول رؤية المؤمنين والمؤمنات و نورىم يسعى بين أيدييم. ‌ييرم‌ا﵀‌  المؤمنيف‌كالمؤمنات‌نكرىـ‌يسعى‌بيف‌أيدييـ،‌كالنكر‌عبارة‌عف‌أعماليـ الصالحة‌التي‌قدمكىا‌في‌دنياىـ،‌كيسعى‌نكرىـ‌بيف‌أيدييـ‌في‌ظممات‌يكـ‌القيامة‌عمى‌ الصراط‌المضركب‌فكؽ‌متف‌جينـ،‌قاؿ‌تعالى:‌ ﴿ئَْمَ دَؿَى الٍُْؤٌِِِْيَ وَالٍُْؤٌَِِْةتِ يَكْعَِ ُُٔرًُُْْ بَيَْ يْؽِيًِْٓ َ خ حٍَْةًُِِْٓ َ وَبِد بُشََْازًُُ الََْْٔمَ صٍَِّةتٌ تََْؿِي ٌَِْ تََْذَِٓة جَْٓةرُ الَْْ ػَةلَِِيََ ذِيَٓة ذَلِمَ َُْٔ اىْفَْٔزُ اىْػَظِيًُ ﴾[الحديد12] "كىك ‌نكر ‌يعطى‌لممؤمنيف‌كالمؤمنات ‌بقدر‌أعماليـ‌الصالحة،‌كيككف‌لذلؾ‌ النكر ‌مطارح ‌شعاع‌يمشكف‌فييا‌كالنكر ‌يسعى‌بيف‌أيدييـ،‌كيحيط‌جميع‌جياتيـ"(1).‌ "فالمؤمفي‌مىفٍ‌‌يمشي‌في‌الدنيا‌بنكرً‌‌عممًو‌كا يمانًو، ‌كا ذا ‌أيطفئتً‌‌الأنكاري‌‌يكـى‌‌القيامة:‌مشىى‌ بنكرهً‌‌عمى‌الصراطً‌‌حتى‌يجكزى‌‌بو‌إلى‌دارً‌‌الكرامةً‌‌كالنعيـً، ‌ككذلؾى‌‌رتَّبى‌‌المغفرةى‌‌عمى‌الإيمافً، ‌ كمف‌غيفرتٍ‌‌سيئاتوي‌‌سمًـى‌‌مفى‌‌العقابً، ‌كناؿى‌‌أعظـى‌‌الثكابً‌"(2).‌ كقكلو﴿ئَْمَ دَؿَى الٍُْؤٌِِِْيَ وَالٍُْؤٌَِِْةتِ يَكْعَِ ُُٔرًُُْْ بَيَْ يْؽِيًِْٓ َ خ حٍَْةًُِِْٓ َ وَبِد ﴾‌"أم‌ليـ‌الأجر‌ الكريـ ‌حيف‌ترل ‌المؤمنيف‌كالمؤمنات ‌يسعى‌بيف‌أيدييـ‌ما‌يككف‌السبب‌في‌نجاتيـ‌كىدايتيـ ‌إلى‌ سبيؿ‌الجنة‌مف‌العمكـ‌التي‌كممكا ‌بيا‌أنفسيـ‌في‌الدنيا‌كالاعتقاد‌بالتكحيد ‌كخمع ‌الأنداد‌كالأكثاف ‌ ،‌كالأعماؿ ‌الصالحة‌التي‌زكُّ‌كا‌بيا‌أنفسيـ‌،‌كبيا‌أخبتكا ‌لربيـ ‌كأنابكا ‌إليو‌مخمصيف‌لو‌الديف‌،‌ كبأيمانيـ‌تككف‌كتبيـ‌كما‌جاء‌في‌آيةو‌‌أخرل ،‌قاؿ‌ ‌:﴿ ٌٍّة َ ـَأ ٌََْ وتََِ ُ أ نِذةثَُّ بِيٍَِيِِِّ ـَكَْٔفَ يَُةقَتُ ظِكةثةً يَكِياً وَيَِْلَيِتُ إِلَ ْْيِِّ َ أ مَسَُْوراً ‌﴾ [7-9]"(3)‌.‌ 1))‌لطائؼ‌الإشارات ،‌القشيرم ،‌ج4/345. (2)‌الكاضح‌في‌أركاف‌الإيماف ،‌الشحكد،‌ص343.‌ 3))‌تفسير‌المراغي ،‌المراغي ،ج25/347.

عدد الصفحات ١٤٦

135‌ "كا نما ‌قاؿ‌﴿بَيَْ يْؽِيًِْٓ َ خ يٍْةًُِِْٓ َ وَبِد﴾‌لأفٌ‌‌السعداء‌يؤتكف‌صحائؼ‌أعماليـ‌مف‌ىاتيف‌ الجيتيف،‌كما‌أف‌الأشقياء‌يؤتكنيا‌مف‌شمائميـ‌كمف‌كراء ‌ظيكرىـ، ‌فجعؿ‌النكر ‌في‌الجيتيف‌ شعاران‌‌ليـ‌كآية، ‌لأنيـ‌ىـ‌الذيف‌بحسناتيـ‌سعدكا ‌كبصحائفيـ‌البيض‌أفمحكا، ‌فإذا‌ذىب‌بيـ‌إلى‌ الجنة‌كمركا ‌عمى‌الصراط ‌يسعكف:‌سعى‌بسعييـ‌ذلؾ‌النكر ‌جنيبان‌‌ليـ‌كمتقدمان‌.‌كيقكؿ‌ليـ‌ الذيف‌يتمقكنيـ‌مف‌الملبئكة.‌بيشٍراكيـي‌‌الٍيىكٍـى‌ "(1).‌ كقكلو﴿ بُشََْازًُُ الََْْٔمَ صٍَِّةتٌ تََْؿِي ٌَِْ تََْذَِٓة جَْٓةرُ الَْْ ػَةلَِِيََ ذِيَٓة ذَلِمَ َُْٔ اىْفَْٔزُ اىْػَظِيًُ ﴾‌"أم‌ كتقكؿ‌ليـ‌الملبئكة‌:‌أبشركا ‌بجناتو‌‌تجرل ‌مف‌تحتيا‌الأنيار‌جزاءن‌‌كفاقان‌‌لما‌قدمتـ‌مف‌صالح‌ الأعماؿ‌،‌كجاىدتـ ‌بو‌أنفسكـ‌في‌ترؾ ‌الشرؾ ‌كالآثاـ ‌،‌ككنتـ‌تذكركف ‌المٌو‌بالميؿ‌كالناس ‌نياـ‌،‌ فطكبى‌لكـ‌كىنيئان‌‌بما‌عممتـ،‌كنحك‌الآية‌قكلو:‌﴿وَالٍَْلًنِهَحُ يَؽْػُئُنَ غَيَيًِْْٓ ٌَِْ ِ كُُّ ثةبٍ قَلًمٌ غَيَيْسًُْ ثٍِة وَبَْتًُْ ـَِِػًَْ خُلْبَِ الٍَّارِ ﴾"(2).‌ "دلت‌ىذه‌الآية‌عمى‌أفَّ‌‌المؤمنيف‌لا‌ينالييـ‌أىكاؿ ‌يكـ‌القيامة‌لأنَّو‌تعالى‌بيَّف‌أفَّ‌‌ىذه‌صفتييـ‌ يكـ‌القيامة‌مف‌غير‌تخصيص"(3).‌ يقكؿ‌سيد‌قطب فنحف‌الذيف‌نقرأ ‌القرآف ‌المحظة‌نشيد‌مشيدان‌‌عجيبان‌،‌ىؤلاء ‌ىـ‌ المؤمنكف‌كالمؤمنات ‌نراىـ ‌كلكننا‌نرل ‌بيف‌أيدييـ‌كبأيمانيـ‌إشعاعان‌‌لطيفان‌‌ىادئان‌،‌ذلؾ‌نكرىـ ‌ يشع‌منيـ‌كيفيض‌بيف‌أيدييـ،‌فيذه‌الشخكص‌الإنسانية‌قد‌أشرقت ‌كأضاءت ‌كأشعت ‌نكران‌‌يمتد‌ منيا‌فيرل ‌أماميا‌كيرل ‌عف‌يمينيا،‌إنو‌النكر ‌الذم‌أخرجيا ‌المٌو‌إليو‌كبو‌مف‌الظممات،‌كالذم ‌ أشرؽ ‌في‌أركاحيا ‌فغمب‌عمى‌طينتيا،‌أـ‌لعمو‌النكر ‌الذم‌خمؽ‌المٌو‌منو‌ىذا‌الككف‌كما‌فيو‌ كمف‌فيو،‌ظير‌بحقيقتو‌في‌ىذه‌المجمكعة ‌التي‌حققت‌في‌ذكاتيا ‌حقيقتيا،‌ثـ‌ىا‌نحف‌أكلاء ‌ نسمع‌ما‌يكجو ‌إلى‌المؤمنيف‌كالمؤمنات ‌مف‌تكريـ ‌كتبشير: ﴿بُشَْازًُُ الََْْٔمَ صٍَِّةتٌ تََْؿِي ٌَِْ تََْذَِٓة ُْٓةرُ الَْْ ػةلَِِيََ ذِيٓة ذلِمَ َُْٔ اىْفَْٔزُ اىْػَظِيً﴾"(4).‌ (1)‌الكشاؼ‌عف‌حقائؽ‌غكامض‌التنزيؿ ،‌ال زمخشرم، ‌ج2/253؛‌ك انظر:‌صفكة‌التفاسير ،‌ال صابكني،‌ ج4/433. (2)‌تفسير‌المراغي ،‌المراغي ،ج25/347. (3)‌مفاتيح‌الغيب:‌لمرازم ،‌ج27/234. (4)‌في‌ظلبؿ‌القرآف ،‌ج7/276.

عدد الصفحات ١٤٧

136‌ المطمب الثاني رؤية الولدان المخمدون و النعيم والممك الكبير أعدَّ‌‌ا﵀‌‌نعمان‌عظيمةن‌في‌الآخرة‌لمميتٌقيف،‌كىي‌نعـ‌ليست‌كنعـ‌الدنيا،‌ىذه‌النعـ‌كرد ذكرىا‌في‌القرآف‌الكريـ‌لتككف‌حافزان‌كميشجٌعان‌لمعباد‌للئقباؿ‌عمى‌الطاعات،‌كالبيعد‌عف‌المعاصي‌ كالآث اـ‌التي‌تغضب‌كجو‌ا﵀‌تعالى ،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿وَصَـاًُْْ ثٍِة وَبَُوا صٍَِّحً وَظَؿِيؿاً *ٌُذٍّهِهِيَ ذِيٓة عَلََ رانِمِ الَْْ لَ يَؿَوْنَ ذِيٓة مٍَْكةً وَلَ زَمَْٓؿِيؿاً * وَداجِيَحً غَيَيًِْْٓ ظِلًىُٓة وَذُىِّيَخْ رُُُٔـُٓة دَؾْلَِلًً * وَيُُةفُ غَيَيًِْْٓ ثِآجِيَحٍ ٌَِْ ـٌٍِّحٍ زْٔابٍ َ وَأ كََُخْ كَٔارِيؿَا * كَٔارِيؿَا ٌَِْ ـٌٍِّحٍ كَؽٍّرُوْة تَلْؽِيؿاً * وَيُكْلَْٔنَ ذِيٓة قةً ْ نَأ كَنَ مِـاصُٓة زَنََْجِيلًً *خَيِْةً ذِيٓة تُكَمٍِّ قَيْكَبِيلًً * وَئَُُفُ غَيَيًِْْٓ وِلَْانٌ مَُِلٍَُّّونَ إِذا حْذًَُْٓ َ رَخ ظَكِبْذًَُْٓ لُؤْلُؤاً ٌَِْسُٔراً * وَإِذا يْخَ َ رَخ ثًٍَّ يْخَ َ رَخ َُػِيٍةً وَمُيْكًَ نَجِياً * علًََُِْٓ ثِيةبُ قُِؽُسٍ ػُضٌَّْ وَإِقْتَبَْقٌ وَظُئَّا قةوِرَ َ أ ٌَِْ ـٌٍِّحٍ وَقَلةًُْْ رَبًَُّْٓ شَْاثةً ََُٓٔراً * إِنٍّ ْؾا كَنَ ىَسًُْ صَـاءً وَكَنَ قَػْيُسًُْ مَنْهُٔراً ﴾[الإنساف:12-22]‌ مناسبة الآيات لما قبميا "بعد‌بياف‌طعاـ‌أىؿ‌الجنة‌كلباسيـ،‌ذكر‌ا﵀‌تعالى‌أكصاؼ‌مساكنيـ‌ككيفية‌جمكسيـ‌ فييا‌كأشربتيـ ‌كأكانييـ ‌كخدميـ ‌كاعتداؿ ‌ىكائيـ، ‌ثـ‌أشار‌إلى‌تجمميـ‌بمحاسف‌الثياب‌كالحمي، ‌ كذكر‌في‌النياية‌أف‌ىذه‌النعـ‌جزاء ‌عمميـ"(1).‌ ‌كقد‌تعمدت‌الباحثة‌ذكر‌بعض‌الآيات‌التي‌تظير‌النعيـ‌الكبير،‌حتى‌تبيف‌لمناس‌صفة‌ أىؿ‌الجنة‌كنعيميـ‌الذم‌يتنعمكف‌بو‌مف‌مأكؿو‌كمشربو‌ك‌ ممبسو‌ كحميو‌كمباخرو‌ ‌كالحكرً‌العيف،‌ حيث‌أنيـ‌يدخمكف‌الجنة‌عمى‌أكمؿ‌صكرة‌كأجميا ،‌عمى‌صكرة‌النبي‌آدـ‌ ،‌كتتحقؽ‌أمانييـ في‌مدة‌قصيرة‌مف‌الزمف. ‌ ‌‌حيث‌يخبر‌ا﵀‌‌عف‌أكضاع‌أىؿ‌الجنة‌كما‌فييا‌مف‌نعيـ،‌فقاؿ‌تعالى﴿وَصَـاًُْْ ثٍِة وَبَُوا صٍَِّحً وَظَؿِيؿاً *ٌُذٍّهِهِيَ ذِيٓة عَلََ رانِمِ الَْْ لَ يَؿَوْنَ ذِيٓة مٍَْكةً وَلَ زَمَْٓؿِيؿاً ﴾‌أم‌كافأىـ‌ عمى‌ما‌صبركا ‌مف‌الجكع ‌كمقاساتو‌جنٌة‌كحريران‌،‌متكئيف‌عمى‌أريكة‌كىي‌السرير‌في‌الحجاؿ،‌ لا‌يتأذكف‌فييا‌بحرٍّ‌أك‌بردو‌ (2).‌ (1)‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج27/274. (2)‌انظر:‌لطائؼ‌الإشارات ،‌القشيرم ،‌ج4/442.

عدد الصفحات ١٤٨

137‌ كقكلو‌تعالى ﴿ وَداجِيَحً غَيَيًِْْٓ ظِلًىُٓة وَذُىِّيَخْ رُُُٔـُٓة دَؾْلَِلًً ﴾‌أم:‌" كذلّْمت‌سخٌرت‌ كقرٌبت‌قطيكفييا‌ثمارىا ‌تذليلبن‌‌يأكمكف‌مف‌ثمارىا ‌قيامان‌‌كقعكدان‌‌كمضطجعيف‌ينالكنيا‌كيتناكلكنيا‌ كيؼ‌شاءكا ‌عمى‌أم‌حاؿ‌كانكا "(1).‌ ثـ‌أخبر‌ا﵀‌عف‌شرابيـ‌كالأكاني‌التي‌يشربكف‌بيا،‌فقاؿ ﴿ وَيُُةفُ غَيَيًِْْٓ ثِآجِيَحٍ ٌَِْ ـٌٍِّحٍ زْٔابٍ َ وَأ كََُخْ كَٔارِيؿَا* كَٔارِيؿَا ٌَِْ ـٌٍِّحٍ كَؽٍّرُوْة تَلْؽِيؿاً ﴾‌كالأككاب ‌ىي‌الأباريؽ ‌التي‌ لا‌خراطيـ ‌ليا،‌ك‌لىيىا‌صفاء‌الٍقىكىارًير‌كىبىيىاض‌الٍفضة،‌كتككف‌مقدرىة‌عمى‌قدر‌الرٌمٌ‌‌لاى‌‌زًيىادىة‌كىلاى‌‌ نيقٍصىاف.‌‌‌‌ كعف ‌ابف‌عباس:‌أنو‌لك‌أخذت‌قطعة‌مف‌فضة‌كجعمت ‌في‌الرقة ‌كجناح‌ذيبىاب‌لـ‌ير‌ مف‌داخمو،‌كفضة‌الجنَّة‌يرل ‌مف‌داخميا،‌فيك‌في‌صفاء‌القكارير ‌عمى‌ىذا‌المعنى(2).‌ ثـ‌كصؼ‌مشركبيـ‌قائلبن ﴿ وَيُكْلَْٔنَ ذِيٓة قةً ْ نَأ كَنَ مِـاصُٓة زَنََْجِيلًً ﴾‌أم‌كيسقى‌ الأبرار‌أيضا‌في‌ىذه‌الأككاب‌في‌الجنة‌ خمران‌‌ممزكجةن‌‌بالزنجبيؿ،‌فتارة‌يمزج‌ليـ‌الشراب‌ بالكافكر‌كىك‌بارد،‌كتارة‌بالزنجبيؿ‌كىك‌حار،‌ليعتدؿ ،‌أما‌المقرٌبكف‌فإنيـ‌يشربكف‌مف‌كؿٌ‌ منيما‌صرفان‌(3)‌–‌أمأف‌المقربكف‌يشربكف‌التسنيـ‌ (‌كىك‌ عيف‌مف‌تحت‌العرش)‌غير‌ممزكجة‌ بالخمر،‌كىذا‌كرـه‌زائدي‌ليـ،‌أما‌أصحاب‌اليميف‌تنمزج‌ليـ‌مزجان‌مع‌الرحيؽ‌المختكـ‌ -أم‌مع‌ الخمر-.‌ كقكلو:‌﴿ خَيِْةً ذِيٓة تُكَمٍِّ قَيْكَبِيلًً ﴾‌سميت‌سمسبيلبن‌‌لأنَّيا‌تسيؿ‌عمييـ‌في‌الطُّرؽ‌كفي‌منازليـ ‌ تنبع‌مف‌أصؿ‌العرش ‌مف‌جنَّة‌عدفو‌‌إلى‌أىؿ‌الجناف‌كشرابي‌‌الجنَّة‌عمى‌برد ‌الكافكر ‌كطعـ‌ الزَّنجبيؿ‌كريح ‌المسؾ.‌قىاؿى‌‌الزَّجَّاجي‌:‌سميت‌سمسبيلبن‌‌لأنَّيا‌في‌غاية‌السَّلبسة‌تتسمسؿ‌في‌ الحمؽ(4).‌ ثـ‌كصؼ‌خدميـ‌بقكلو ‌سبحانو‌كتعالى : ﴿وَئَُُفُ غَيَيًِْْٓ وِلَْانٌ مَُِلٍَُّّونَ إِذا حْذًَُْٓ َ رَخ ظَكِبْذًَُْٓ لُؤْلُؤاً ٌَِْسُٔراً ﴾ أم:‌"أنو‌يطكؼ‌عمى‌أىؿ‌الجنة‌لمخدمة‌كلداف،‌ليـ‌صفة‌الخمكد،‌لا‌ يتغيركف‌عف‌تمؾ‌الحاؿ،‌مف‌الشباب‌كالطراكة‌كالنضارة،‌كلا‌ييرمكف‌كلا‌يمرضكف‌كلا‌يمكتكف،‌ 1))‌الكشؼ‌كالبياف‌عف‌تفسير‌القرآف ،‌النيسابكرم، ج34/342. (2)‌انظر:‌تفسير‌القرآف ،‌السمعاني،‌ج4/336.‌ (3)‌انظر:‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج27/275-276. (4)‌انظر:‌معالـ‌التنزيؿ‌في‌تفسير‌القرآف ،‌البغكم ،‌ج3/374.‌

عدد الصفحات ١٤٩

138‌ إذا‌رأيتيـ‌في‌قضاء‌الحكائج‌رأيتيـ‌في‌صباحة‌الكجكه،‌كحسف‌الألكاف‌كجماؿ‌الثياب‌كالحمي كأنيـ‌المؤلؤ‌المنثكر "(1). كقكلو﴿وَإِذا يْخَ َ رَخ ثًٍَّ يْخَ َ رَخ َُػِيٍةً وَمُيْكًَ نَجِياً ﴾ ككرد‌في‌سبب‌نزكليا:‌عف‌عكرمة‌قاؿ‌دخؿ‌عمر‌بف‌ الخطاب‌عمى‌النٌبي‌،‌كىك ‌راقد ‌ عمى‌حصير‌مف‌جريد، ‌كقد‌أثٌر‌في‌جنبو،‌فبكى‌عمر‌فقاؿ:‌ما‌يبكيؾ؟‌قاؿ:‌ذكرت ‌كسرل ‌ كممكو،‌كىرمز، ‌كصاحب‌الحبشة‌كممكو،‌كأنت ‌رسكؿ ‌ا﵀‌‌عمى‌حصير‌مف‌جريد، ‌فقاؿ‌ رسكؿ ‌ا﵀‌‌:أما‌ترضى ‌أف‌ليـ‌الدنيا،‌كلنا‌الآخرة، ‌فأنزؿ ‌ا﵀‌تعالى:‌﴿وَإِذا يْخَ َ رَخ ثًٍَّ يْخَ َ رَخ َُػِيٍةً وَمُيْكًَ نَجِياً ﴾(2).‌ يقكؿ‌الطبرم يقكؿ‌تعالى‌ذكره ‌لنبيو‌محمد‌‌:كا ذا ‌نظرت ‌ببصرؾ ‌يا‌محمد،‌كرميت ‌ بطرفؾ ‌فيما‌أعطيتي‌‌ىؤلاء ‌الأبرار ‌في‌الجنة‌مف‌الكرامة ،‌كعيني‌بقكلو:‌( ثىـَّ‌)‌الجنة‌(رىأىيٍتى‌‌ نىعًيمنا)،‌كذلؾ‌أف‌أدناىـ‌منزلة ‌مف‌ينظر‌في‌ميمكو‌فيما‌قيؿ‌في‌مسيرة ‌ألفي‌عاـ،‌ييرل‌أقصاه،‌ كما‌يرل ‌أدناه"(3). ‌ كقكلو:‌﴿وَمُيْكًَ نَجِيًا﴾‌يقكؿ:‌كرأيت ‌مع‌النعيـ‌الذم‌ترل ‌ليـ‌ثىـَّ‌‌ميمٍكان‌‌كبيران‌،‌كقيؿ:‌إف‌ ذلؾ‌الممؾ‌الكبير:‌تسميـ‌الملبئكة‌عمييـ،‌كاستئذانيـ ‌عمييـ(4).‌ كتاء‌الخطاب‌في‌قكلو‌تعالى:‌﴿وَإِذا يْخَ َ رَخ ثًٍَّ ﴾‌ىك‌لكؿ‌مستمع‌ليذه‌الآيات،‌أك‌تاؿو‌‌ ليا،‌كفى‌ىذا‌ما‌يبعث‌أشكاقو ‌إلى‌الجنَّ‌ة،‌كيشدٌ‌‌عزمو ‌عمى‌العمؿ‌ليا،‌ليككف‌مف‌أىميا،‌ المنعميف‌بنعيميا،‌لا‌أف‌يككف‌مف‌المشاىديف‌ليذا‌النعيـ‌مف‌بعيد،‌كما‌يشيد‌أصحاب‌النار‌ أصحاب‌الجنة!!‌ كىذ ا‌أكلى‌مف‌القكؿ‌بأف‌ىذا‌الخطاب‌لمنبي‌،‌‌لأف النبي‌‌مخاطب‌ بالقرآف ‌كمو،‌ثـ‌إنو‌‌قد‌رأل ‌الجنَّ‌ة‌كنعيميا،‌كما‌رأل ‌أكثر‌مف‌الجنَّ‌ة‌كنعيميا،‌في‌مسراه ‌‌ كفى‌عركجو ‌إلى‌الملؤ‌الأعمى:‌قاؿ‌تعالى:‌﴿لىقىدٍ‌‌رىأل‌مًفٍ‌‌آياتً‌‌رىبّْوً‌‌الٍكيبٍرل﴾[النجـ18](5).‌ ثـ‌كصؼ‌ملببسيـ‌كحمييـ‌بقكلو ﴿علًََُِْٓ ثِيةبُ قُِؽُسٍ ػُضٌَّْ وَإِقْتَبَْقٌ وَظُئَّا قةوِرَ َ أ ٌَِْ ـٌٍِّحٍ وَقَلةًُْْ رَبًَُّْٓ شَْاثةً ََُٓٔراً ﴾‌"أم‌أف‌ىؤلاء ‌الأبرار، ‌يطعمكف‌أطيب‌المطاعـ،‌كيشربكف ‌ألذ‌ (1)‌التفسير‌الكسيط،الزحيمي،‌‌ج 4/2574. (2)المرجع‌السابؽ ،‌‌ج4/2574‌ (3)‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌ج22/333.‌ (4)‌المرجع‌السابؽ ،‌ج22/332.‌ (5)‌انظر:‌التفسير‌القرآني‌لمقرآف، الخطيب،‌ج33/3453.‌

عدد الصفحات ١٥٠

139‌ كأمرأ ‌المشارب، ‌كىـ ‌في‌حاؿ‌اتكاء‌كاستركاح، ‌كبيف‌أيدييـ‌المؤلؤ‌المنثكر ‌مف‌الغمماف‌يقكمكف‌ عمى‌خدمتيـ،‌كا ذ ‌يفيض‌عمييـ‌مف‌ىذا‌النعيـ،‌ما‌تشرؽ ‌بو‌كجكىيـ التفسير‌مف‌رضا ‌ كرضكاف -‌تراىـ ‌كقد‌ألبسكا ‌أفخر‌الثياب،‌كحمٌكا‌بأثمف‌الحمي،‌كأكرميا ،‌فيذا‌مما‌يتـ‌بو‌النعيـ،‌ كتكمؿ‌بو‌المسرات ،‌كالسندس، ‌ضرب ‌مف‌نسيج‌الحرير ‌الرقيؽ، ‌كالإستبرؽ ‌نسيج‌أغمظ‌مف‌ نسيج‌السندس،‌أم‌أف‌السندس‌يككف‌شعاران‌،‌كالإستبرؽ ‌يككف‌دثاران‌"(1).‌ كقكلو﴿إِنٍّ ْؾا كَنَ ىَسًُْ صَـاءً وَكَنَ قَػْيُسًُْ مَنْهُٔراً ﴾‌"أم‌يقاؿ‌ليـ‌بعد‌دخكليـ‌الجنة‌ كمشاىدتيـ‌نعيميا،‌ىذا‌مقابؿ‌أعمالكـ‌الصالحة‌في‌الدنيا‌﴿وَكََنَ قَػْيُسًُ ٌٍّنْهُٔراً ﴾‌أم‌ككاف‌ عممكـ‌مقبكلان‌مرضيان،‌جكزيتـ‌عميو‌أحسف‌الجزاء،‌مع‌الشكر‌كالثناء"(2).‌ (1)التفسير‌القرآني‌لمقرآف، الخطيب‌،‌ج33/3453-3452. (2)‌صفكة‌التفاسير ،‌الصابكني،‌ج4/253.‌

عدد الصفحات ١٥١

140‌ المطمب الثالث رؤ ية الملائكة حافين من حول العرش ‌أخبر‌ا﵀‌ ‌في‌كتابو‌أف‌الملبئكة‌حافيف‌مف‌حكؿ‌العرش،‌يسبحكف‌بحمد‌ربيـ كيعظمكنو‌كينزىكنو‌عف‌النقائص،‌قاؿ‌ا﵀‌  :﴿ وَدَؿَى الٍَْلًَنِهَحَ ظَةـِّيَ ٌَِْ ظَْٔلِ اىْػَؿْشِ يُكَجِّعُٔنَ بٍَِِْؽِ رَبًِِّْٓ وَكُضَِِ ثَحًَُِْْٓ ثِةلَْْقِّ وَرِيوَ الٍَْْْؽُ للهٍِِّ رَبِّ اىْػَةلٍَِيَ ﴾[الزمر 75.]‌ مناسبة الآية "لما‌ذكر‌ا﵀‌حكمو‌في‌أىؿ‌الجنة‌كالنار، ‌كأنو ‌أنزؿ ‌كلب‌في‌المحؿ‌الذم‌يميؽ‌بو‌ كيصمح‌لو‌كىك ‌العادؿ‌في‌ذلؾ‌الذم‌لا‌يجكر، ‌أخبر‌عف‌ملبئكتو‌أنيـ‌محدقكف‌مف‌حكؿ‌ العرش ‌المجيد‌محيطكف‌بو‌مف‌كؿ‌جانب،‌يسبحكف‌بحمد‌ربيـ ‌كيمجدكنو‌كيعظمكنو‌،‌كيقدسكنو‌ كينزىكنو ‌عف‌النقائص‌كالجكر، ‌كقد‌فصؿ‌في‌قضايا‌الخمؽ‌كقضى‌الأمر‌كحكـ ‌بالعدؿ،‌كليذا‌ قاؿ‌-‌عىزَّ‌‌كىجىؿَّ‌ ‌-{‌:كىقيضًيى ‌بىيٍنىييـٍ‌‌بًالٍحىؽّْ‌ }أم:‌حكـ‌بيف‌الخلبئؽ‌بالعمؿ،‌ثـ‌قاؿ{‌:كىقًيؿى‌الٍحىمٍدي‌ ‌ لًمَّوً‌‌رىبّْ‌‌الٍعىالىمًيفى‌}أم:‌نطؽ‌الككف‌جميعو:‌الحمد‌﵀‌رب‌العالميف‌الذم‌عدؿ‌في‌حكمو"(1).‌ أم‌كترل ‌أييا‌السعيد‌المؤمف‌جماعات‌الملبئكة‌محيطيف‌محدقيف‌بالعرش ‌المجيد،‌ يسبٌحكف‌ا﵀،‌(ينزىكف ‌ا﵀‌عف‌كؿ‌نقص‌كجكر )‌كيمجدكنو‌كيعظمكنو‌كيقدسكنو،‌كيحمدكنو‌ كيشكركنو ‌عمى‌أفضالو‌كنعمو،‌قائميف:‌سبحاف‌ا﵀‌كبحمده(2).‌ يقكؿ‌الخازف‌في‌تفسيره أم‌محدقيف‌محيطيف‌بحافتو‌كجكانبو ‌ييسىبّْحيكفى‌‌بًحىمٍدً‌ ‌رىبّْيًـٍ‌‌كقيؿ‌ ىذا‌تسبيح‌تمذذ‌لا‌تسبيح‌تعبد‌لأف‌التكميؼ‌يزكؿ‌في‌ذلؾ‌اليكـ‌﴿وَكُضَِِ ثَحًَُِْْٓ ثِةلَْْقِّ ﴾‌بيف‌أىؿ‌ الجنة‌كأىؿ ‌النار‌بالعدؿ‌﴿وَرِيوَ الٍَْْْؽُ للهٍِِّ رَبِّ اىْػةلٍَِيَ ﴾‌أم‌يقكؿ‌أىؿ‌الجنة‌شكران‌‌حيف‌تـٌ‌‌كعد ‌ ا﵀‌ليـ،‌كقيؿ‌ابتدأ‌ا﵀‌ذكر‌الخمؽ‌بالحمد‌في‌قكلو:‌﴿الٍَْْْؽُ للهٍِِّ الٍَِّي ػَيَقَ الكٍٍّةواتِ رْضَ وَالَْْ ﴾[انعاـ:1]‌كختـ ‌بالحمد‌في‌آخر‌الأمر‌كىك ‌استقرار ‌الفريقيف ‌في‌منازليـ ‌فنبو‌بذلؾ‌ عمى‌تحميده‌في‌بداءة‌كؿ‌أمر‌كخاتمتو ‌كا﵀ ‌تعالى‌أعمـ‌بمراده ‌كأسرار ‌كتابو(3).‌ (1)‌التفسير‌الكسيط،‌مجمع‌البحكث‌الاسلبمية،‌ج6/442. (2)‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج22/42.‌ (3)‌لباب‌التأكيؿ‌في‌معاني‌التنزيؿ ،‌ج2/44.

عدد الصفحات ١٥٢

141‌ قكلو﴿ وَدَؿَى الٍَْلًَنِهَحَ ظَةـِّيَ ٌَِْ ظَْٔلِ اىْػَؿْشِ ﴾ "إشارة‌إلى‌أنو‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌في‌مقعد‌ صدؽ‌عند‌مميؾ‌مقتدر‌بناء‌عمى‌أف‌العرش‌لا‌يتحكؿ "(1). كالضمير‌في:‌{بَيْنَيُم}‌يجكز ‌أف‌يرجع ‌إلى‌العباد‌كميـ،‌كأف ‌إدخاؿ‌بعضيـ‌النار‌ كبعضيـ‌الجنة‌لا‌يككف‌إلا‌قضاء‌بينيـ‌بالحؽ‌كالعدؿ، ‌كأف ‌يرجع ‌إلى‌الملبئكة،‌عمى‌أف‌ ثكابيـ _كا ف ‌كانكا ‌معصكميف‌جميعنا_لا‌يككف‌عمى‌سنف‌كاحد، ‌كلكف‌يفاضؿ‌بيف‌مراتبيـ ‌عمى‌ حسب‌تفاضميـ‌في‌أعماليـ،‌فيك‌القضاء‌بينيـ‌بالحؽ(2).‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ ‌ (1)‌ركح‌المعاني ،‌الألكسي،ج32/272.‌ (2)‌انظر:‌فتكح‌الغيب‌في‌الكشؼ‌قناع‌الريب ،‌الطيبي،ج34/227.

عدد الصفحات ١٥٣

142‌ المبحث الثالث رؤى أىل النار المطمب الأ ول رؤية الظالمين موقوفين عند ربيم بيف‌ا﵀‌‌لرسكلو ‌الأعظـ‌ما‌سيككف‌عميو‌يكـ‌القيامة‌حاؿ‌الأتباع‌كالمتبكعيف، ‌ كالرؤساء ‌كالمر‌ ؤ‌كسيف،‌الضاليف‌منيـ‌كالمضميف، ‌كىـ ‌يتبادلكف‌الاتياـ‌كالملبـ، ‌كيتراشقكف ‌ القكؿ(1)،كذلؾ‌قكلو‌تعالى: ﴿وَكةلَ الٍَِّيََ زَفَؿُوا ىََْ ُُؤٌََِْ ثِٓؾَا اىْلُؿْآنِ وَلَ ثِةلٍَِّي بَيَْ يَؽَيِّْ وَلَْٔ دَؿَى إِذِ اىظٍّةلٍُِٔنَ مَْٔكُٔـُٔنَ غِِْؽَ رَبًِِّْٓ يَؿْصِعُ بَػًٌُُْْٓ إِلََ بَػْيٍ اىْلَْٔلَ حَلُٔلُ الٍَِّيََ اقْذٌُْػِفُٔا لِلٍَِّّيََ اقْذَهْبَُوا لَْٔلََ جْذًُْ َ خ ىَهٍُِّة مُؤٌِِِْيَ ﴾[سبأ:31]. مناسبة‌الآيات‌لما‌قبميا‌ "بعد‌بياف‌الأمكر ‌الثلبثة‌مف‌التكحيد ‌كالرسالة ‌كالحشر ‌التي‌كفركا ‌بيا‌كميا،‌ذكر‌تعالى‌ إنكار‌جماعة‌مف‌المشركيف ‌القرآف ‌كالكتب ‌السماكية‌القديمة،‌كما‌فييا‌مف‌إثبات‌البعث‌كالحشر ‌ كالحساب ‌كالجزاء، ‌ثـ‌ذكر‌صكرة ‌مف‌الحكار ‌الحادٌ‌‌بيف‌الرؤساء‌المضميف‌كالأتباع ‌الضاليف،‌ كأكضح ‌كصفان‌‌لمجزاء ‌الذم‌يمقكنو‌عمى‌أعماليـ‌في‌الدنيا"(2).‌ كقدبدأت‌الآيات‌بحكاية‌قكؿ‌لمكفار،‌كىك ‌تككيدىـ‌القاطع‌بعدـ‌تصديقيـ‌كا يمانيـ ‌ بالقرآف ‌كلا‌بما‌جاء‌قبؿ‌القرآف ‌مف‌الكتب‌السماكية،‌كأعقبت ‌حكاية‌قكليـ‌بسرد ‌ما‌سكؼ‌يككف‌ مف‌أمرىـ ‌في‌الآخرة ‌حينما‌يقفكف‌أماـ‌ا﵀‌كيركف‌يقيف‌ما‌أكعدكا ‌بو‌مف‌حساب‌كعذاب ‌كأغلبؿ ‌ في‌الأعناؽ‌حيث‌يستشعركف ‌الندامة‌عمى‌ما‌كاف‌منيـ،‌كحيث ‌تقع‌محاكرة ‌بيف‌المستضعفيف‌ كالمتكبريف ‌أك‌التابعيف‌مف‌العامة‌كالمتبكعيف ‌مف‌الزعماء ‌فيقكؿ‌الأكلكف‌للآخريف ‌لكلا ‌أنتـ‌لكنا‌ آمنا‌كصدَّ‌قنا‌كيردٌ‌‌الآخركف ‌منكريف ‌منعيـ‌عف‌اليدل‌كممقيف‌تبعة‌ضلبليـ‌عمييـ‌كمقرريف ‌أنيـ‌ كانكا ‌مجرميف ‌ضالّْ‌يف‌بطبيعتيـ‌كيردٌ‌‌التابعكف‌مرة ‌أخرل ‌عمى‌الزعماء ‌مذكٌريف‌بما‌كاف‌منيـ‌مف‌ تحريض ‌كتآمر‌كاجتماعات ‌في‌الميؿ‌كالنيار ‌كحثٌ‌‌عمى‌التمسؾ‌بالشركاء ‌كالكفر ‌با﵀‌كرسكلو ،‌ 1))‌انظرالتيسير‌في‌أحاديث‌التفسير،‌المكي،‌ج3/374. 2))‌التفسير‌المنير،الزحيمي،‌ ج22/365.‌

عدد الصفحات ١٥٤

143‌ كقد‌انتيت‌الآيات‌بسؤاؿ ‌إنكارم ‌فيو‌معنى‌التنديد‌كالتقرير ‌بأنيـ‌إنما‌يجزكف ‌بما‌كانكا ‌ يعممكف"(1).‌ كالخطاب‌ىنا‌لمحمد‌،‌أك‌لكؿّْ‌‌مف‌يصميح‌لو،‌كمعنى‌﴿مَْٔكُٔـُٔنَ غِِْؽَ رَبًِِّْٓ ﴾:‌ محبكسكف‌في‌مكقؼ‌الحساب‌يتراجعكف ‌الكلبـ‌فيما‌بينيـ‌بالمَّكـ‌كالعتاب ‌بعد‌أف‌كانكا ‌في‌الدنيا‌ متعاضديف‌متناصريف ‌متحابيف،‌ثـ‌بيَّف‌سبحانو‌تمؾ‌المراجعة ‌فقاؿ:‌﴿حَلُٔلُ الٍَِّيََ اقْذٌُْػِفُٔا ﴾‌ كىـ ‌الأتباع‌لمذيف‌استكبركا ‌كىـ ‌الرؤساء‌المىتبيكعكفى‌‌لكلا ‌أنتـ‌صددتمكنا‌عف‌الإيماف‌بالمٌ‌و،‌ كالاتباع ‌لرسكلًوً‌‌‌لكنَّا‌مؤمنيف‌بالمَّو‌مصدّْقيف‌لرسكلًوً‌‌‌ككتابو‌﴿كةلَ الٍَِّيََ اقْذَهْبَُوا لِلٍَِّّيََ اقْذٌُْػِفُٔا مَُِيبِيَ غَيَيًِْْٓ مُكْتَِْهِؿِيََ لٍَِة كَةلُٔهُ نَََُْ َ خ وَؽَدُْةزًُْ غََِ الُْٓؽى﴾‌أم:‌منعناكـ‌عف‌ الإيماف‌بعد‌إذ‌جاءكـ‌اليدل،‌قالكا ‌ىذا‌منكريف ‌لما‌ادَّعىكه‌عمييـ‌مف‌الصدّْ‌‌ليـ،‌كجاحديف ‌لما‌ نسبيكهي‌‌إلييـ‌مف‌ذلؾ،‌ثـَّ‌‌بيَّنكا‌أنَّيـ‌الصَّادُّكف‌لأنفسيـ،‌الممتنعكف‌مف‌اليدل‌بعد‌إذ‌جاءىـ‌ فقالكا :‌﴿ثَوْ نُِْذًُْ مَُْؿٌِِيَ ‌﴾‌أم:‌مصرّْيف‌عمى‌الكفر،‌كثير‌الإجراـ، ‌عظيمي‌الآثاـ‌﴿وَكةلَ الٍَِّيََ اقْذٌُْػِفُٔا لِلٍَِّّيََ اقْذَهْبَُوا ﴾‌رىدِّا‌لًمىا‌أىجىابيكا‌بًوً‌عىمىيٍيًـٍ‌كىدىفٍعنا‌لًمىا‌نىسىبيكهي‌إًلىيٍيًـٍ‌مًفٍ‌صىدّْىًـٍ‌لأًىنٍفيسًيًـٍ‌ ﴿ثَوْ ٌَهْؿُ اليٍّيْوِ وَالٍِّٓةر﴾‌ك‌تبيَّنت‌النَّدامة‌في‌أسرَّة‌كجكىًيًـ،‌ك‌ جعمت‌الأغلبؿ‌مف‌الحديد‌في‌ أعناؽ‌ىؤلاء ‌في‌النَّار(2). كفي‌قكلو﴿ وَلَْٔ دَؿَى إِذِ اىظٍّةلٍُِٔنَ مَْٔكُٔـُٔنَ غِِْؽَ رَبًِِّْٓ ﴾ "أخبر‌عف‌عاقبة‌أمرىـ ‌كمآليـ‌ في‌الآخرة ‌فقاؿ‌لرسكؿ ‌ا﵀‌‌أك‌لممخاطب‌كلك‌ترل ‌في‌الآخرة ‌مكقفيـ‌كىـ ‌يتجاذبكف‌أطراؼ ‌ المحاكرة ‌كيتراجعكنيا ‌بينيـ‌لرأيت ‌العجب"(3).‌ يقكؿ‌القشيرم‌في‌تفسيره لك‌رأيتيـ ‌يكمذاؾ‌لرأيت ‌منظران‌‌فظيعان‌‌يرجع ‌بعضيـ‌إلى‌ بعض‌القكؿ،‌كيحيؿ‌بعضيـ‌عمى‌بعض‌الجرـ ‌يقكؿ‌الذيف‌استضعفكا ‌لمذيف‌استكبركا :‌أنتـ‌ أضممتمكنا،‌كينكر‌الذيف‌استكبركا ‌كيقكلكف:‌بؿ‌أنتـ‌اتبعتمكنا،‌كىكذا ‌أصحاب‌الزلاَّ‌ت‌الأخلبء‌في‌ الفساد،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿بَػًٌُُْْٓ لَِْػْيٍ غَؽُوٌّ ﴾[الزخرؼ 67]،ككذلؾ‌الجكارح ‌كالأعضاء ‌غدان‌‌يشيد‌ بعضيا‌عمى‌بعض‌فاليد‌تقكؿ‌لمجممة‌أخذت،‌كالعيف ‌تقكؿ‌أبصرت، ‌كالاختلبؼ ‌في‌الجممة‌ (1)‌التفسير‌الحديث،‌دركزة ،‌ج6/342. (2)‌انظر:‌فتح‌القدير،‌الشككاني،‌ج2/454-456.‌ (3)‌مدارؾ‌التنزيؿ‌كحقائؽ‌التأكيؿ ،‌النسفي،‌ج4/42.

عدد الصفحات ١٥٥

144‌ عقكبة،‌كمف‌عمؿ‌بالمعاصي‌أخرج ‌ا﵀‌عميو‌كؿ‌مف‌ىك‌أطكع ‌لو،‌كلكنيـ‌لا‌يعممكف‌ذلؾ،‌كلك‌ عممكا ‌لاعتبركا، ‌كلك‌اعتبركا ‌لتابكا ‌ككفٌقكا،‌كلكف‌ليقضي‌ا﵀‌أمران‌‌كاف‌مفعكلان‌"(1).‌ كيقكؿ‌سيد‌قطب ذلؾ‌كاف‌قكليـ‌في‌الدنيا:‌﴿ىََْ ُُؤٌََِْ ثِٓؾَا اىْلُؿْآنِ وَلَ ثِةلٍَِّي بَيَْ يَؽَيِّْ ﴾‌فمك‌ترل ‌قكليـ‌في‌مكقؼ‌آخر،‌لك‌ترل ‌ىؤلاء ‌الظالميف‌كىـ ‌مكقكفكف‌عمى‌غير‌إرادة ‌ منيـ‌كلا‌اختيار‌إنما‌ىـ‌مذنبكف‌بالكقكؼ‌في‌انتظار‌الجزاء ‌«غِِْؽَ رَبًِِّْٓ »،ربيـ ‌الذم‌يجزمكف ‌ بأنيـ‌لف‌يؤمنكا ‌بقكلو‌ككتبو،‌ثـ‌ىاىـ‌أكلاء ‌مكقكفكف‌عنده!‌لك‌ترل ‌يكمئذ‌لرأيت ‌ىؤلاء ‌الظالميف‌ يمكـ‌بعضيـ‌بعضان‌،‌كيؤنب‌بعضيـ‌بعضان‌،‌كيمقي‌بعضيـ‌تبعة‌ما‌ىـ‌فيو‌عمى‌بعض:‌﴿يَؿْصِعُ بَػًٌُُْْٓ إِلَ بَػْيٍ اىْلَْٔلَ ﴾ فماذا‌يرجعكف ‌مف‌﴿حَلُٔلُ الٍَِّيََ اقْذٌُْػِفُٔا لِلٍَِّّيََ اقْذَهْبَُوا لَْٔلَ جْذًُْ َ خ ىَهٍُِّة مُؤٌِِِْيَ ﴾‌فيمقكف‌عمى‌الذيف‌استكبركا ‌تبعة‌الكقفة‌المرىكبة ‌الميينة،‌كما‌يتكقعكف‌بعدىا‌مف‌ البلبء!‌يقكلكف‌ليـ‌ىذه‌القكلة‌الجاىرة ‌اليكـ‌كلـ‌يككنكا ‌في‌الدُّ‌نيا‌بقادريف ‌عمى‌مكاجيتيـ ‌ىذه‌ المكاجية ‌كاف‌يمنعيـ‌الذؿ‌كالضعؼ ‌كالاستسلبـ، ‌كبيع‌الحرية ‌التي‌كىبيا ‌المٌو‌ليـ،‌كالكرامة ‌التي‌ منحيا‌إياىـ،‌كالإدراؾ ‌الذم‌أنعـ‌بو‌عمييـ،‌أما‌اليكـ‌كقد‌سقطت‌القيـ‌الزائفة، ‌ككاجيكا ‌العذاب‌ الأليـ،‌فيـ‌يقكلكنيا‌غير‌خائفيف‌كلا‌مبقيف!﴿«لَْٔ جْذًُْ َ خ ىَهٍُِّة مُؤٌِِِْيَ ﴾"(2).‌ (1)‌لطائؼ‌الاشارات ،‌ج4/362. (2)‌في‌ظلبؿ‌‌القرآف ،‌ج6/342.‌

عدد الصفحات ١٥٦

145‌ المطمب الثاني رؤية الكافرين أعماليم حسراتٍ عمييم كمف‌ضمف‌رؤل‌الكافريف‌يكـ‌القيامة‌رؤية‌الكافريف‌أعماليـ‌حسراتو‌عمييـ،‌كفي‌ذلؾ‌ يقكؿ‌تعالى:‌﴿نَؾَلِمَ يُؿِيًُِٓ اللهٍُّ خٍَْةلًَُْٓ َ أ ظَسَََاتٍ غَيَيًِْْٓ وٌََة ًُْْ بَِِةرِصِيَ ٌََِ الٍِّةرِ ﴾[البقرة 167].‌‌ بيف‌ا﵀‌تعالى‌ما‌يظيركنو ‌مف‌الندـ‌باتباع‌مالا‌يغنى‌عنيـ‌مف‌ا﵀‌شيئان‌‌كينسييـ‌مالا‌ يجرم ‌نفعان،‌كقكلو:‌أعماليـ‌دخؿ‌فييا‌الأعماؿ‌التي‌فعمكىا ‌كلـ‌يريدكا ‌كجو ‌ا﵀‌بيا،‌فضمت‌ عنيـ،‌كقكلو‌تعالى:‌﴿الٍَِّيََ زَفَؿُوا وَوَؽَّوا خََْ قَبِيوِ اللهٍِّ ًَوٍّ َ أ خٍَْةلًَُْٓ َ أ﴾[1]‌كقكلو:‌ ﴿وَالٍَِّيََ زَفَؿُوا خٍَْةلًُُْٓ َ أ نَسَََابٍ ثِلِيػَحٍ ﴾[النكر39]،‌كدخؿ‌فييا‌الأعماؿ‌التي‌فرضت ‌عمييـ،‌ فأحمكا ‌بيا،‌كعمى ‌ذلؾ‌ركم ‌أف‌الجنة‌ترفع ‌ليـ،‌فينظركف‌إلييا‌فيقاؿ:‌تمؾ‌مساكنكـ‌لك‌أطعتـ‌ ا﵀‌،‌كترفع ‌النار‌لأىؿ‌الجنة‌فيقاؿ‌ليـ:‌تمؾ‌مساكنكـ‌لك‌عصيتـ‌ا﵀‌(1).‌ كقاؿ‌الزحيمي مثؿ‌ذلؾ‌الذم‌رأكه ‌مف‌العذاب،‌يرييـ ‌ا﵀‌جزاء ‌أعماليـ‌حسرات ‌عمييـ،‌ أم‌أف‌ا﵀‌يظير‌ليـ‌أف‌أعماليـ‌كاف‌ليا‌أسكأ ‌الأثر‌في‌نفكسيـ،‌لما‌كرٌثتو‌فييا‌مف‌حسرة ‌ كشقاء‌كخسراف، ‌فيي‌تذىب‌كتضمحؿ،‌كلف‌يخرجكا ‌مف‌النار‌إلى‌الدنيا‌لشفاء‌كيدىـ‌كغيظيـ ‌ مف‌رؤسائيـ،‌لأف‌دخكليـ‌النار‌كاف‌بسبب‌الشرؾ ‌كحب ‌الأنداد"(2).‌ كقد‌اختمؼ‌في‌كيفية‌رؤيتيـ‌أعماليـ‌حسرات‌عمييـ ‌عمى‌قكليف:‌‌  فقاؿ‌بعضيـ:‌معنى‌ذلؾ:‌كذلؾ‌يرييـ ‌ا﵀‌أعماليـ‌التي‌فرضيا ‌عمييـ‌في‌الدنيا‌فضيَّعكىا‌ كلـ‌يعممكا ‌بيا،‌حتى‌استكجب ‌غيريىـٍ‌‌بطاعتو‌ربَّو،‌فصار‌ما‌فاتيـ‌مف‌الثكاب ‌-الذم‌كاف‌ ا﵀‌أعدَّه‌ليـ‌عنده‌لك‌كانكا ‌أطاعكه ‌في‌الدنيا،‌إذ‌عاينكه ‌عند‌دخكؿ‌النار‌أك‌قبؿ‌ذلؾ-‌ أسىن‌‌كندامةن‌‌كحسرةن‌‌عمييـ.‌  كقاؿ‌آخركف :‌كذلؾ‌ييرييـ‌ا﵀‌أعماليـ‌السيئة‌حسرات ‌عمييـ،‌لـ‌عىممك‌ا‌ب يا؟‌كىلب ‌عممكا ‌ بغيرىا ‌مما‌ييرضي‌ا﵀‌تعالى‌ذكره؟ ‌فندمكا ‌عمى‌ما‌فرط ‌منيـ‌مف‌أعماليـ‌الرديئة، ‌إذ‌رأكا ‌ جزاءىا ‌مف‌ا﵀‌كعقابيا، ‌لأف‌ا﵀‌أخبر‌أنو‌يرييـ ‌أعماليـ‌ندمنا‌عمييـ،‌كىك‌الراجح (3). 1))‌انظر:‌تفسير‌الراغب‌الأصفياني ،‌ج3/442.‌ (2)‌التفسير‌المنير،‌ج2/47.‌ (3)‌انظر:‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌الطبرم ،‌ج4/274-276.‌

عدد الصفحات ١٥٧

146‌ والذي تميل إليو الباحثة ىو الرأي الثاني؛ لأن ا﵀ أخبر الكافرين بأنو يرييم أعماليم التي مضت حسرات عمييم، ليكون ذلك عقاباً ليم فوق عقابيم بالعذاب. كيقكؿ‌أبك‌زىرة‌في‌تفسيره:‌" أم‌كاف‌ىذا‌منيـ‌كذلؾ‌ليككف‌ذلؾ‌عقابان‌‌ليـ‌فكؽ‌عقابيـ‌ بعذاب‌النار،‌كذلؾ‌العقاب‌بأف‌يرييـ ‌أعماليـ‌التي‌مضت‌عمى‌أنيا‌حسرات، ‌تكالت ‌عمييـ‌ حسرة ‌بعد‌حسرة، ‌فكاف‌جمعيا‌لمدلالة‌عمى‌كثرتيا ‌كأنيا ‌متكالية ‌حسرة ‌تخمفيا‌حسرة، ‌كا ذ ‌أعماليـ‌ كثيرة، ‌فحسراتيـ ‌كثيرة، ‌كحسرات ‌مفعكؿ‌ثاف؛‌فا﵀‌تعالى‌يرييـ ‌تمؾ‌الأعماؿ‌حسرات ‌تكبك‌ليا‌ النفكس‌بعد‌أف‌كانت‌في‌الدنيا‌مسرة ‌يفرحكف ‌بيا‌كيطربكف ‌بسكء ‌ما‌يفعمكف،‌كمع‌ىذه‌التمنيات‌ التي‌تجعؿ‌نفكسيـ‌متميفة‌عمى‌العكدة‌إف‌كاف‌ذلؾ‌ممكنان‌،‌كالحسرات ‌المتتابعة‌فيـ‌في‌النار‌ خالديف‌فييا،‌كلذا‌قاؿ‌تعالى:‌﴿وٌََة ًُْ بَِِةرِصِيَ ٌََِ الٍِّةرِ ﴾‌فنفىى‌ا﵀‌تعالى‌نفيان‌‌باتان‌‌قاطعان‌‌ خركجيـ ‌مف‌النار،‌كأكد ‌ذلؾ‌النفي‌باستغراؽ ‌النفي‌الثابت‌بالباء‌كبضمير‌الفصؿ‌كبالجممة‌ الاسمية"(1).‌ كقاؿ‌الرازم أمَّا‌قكليو‌تعالى:‌﴿وٌَة ًُْْ بِِةرِصِيَ ٌََِ الٍِّةرِ ﴾‌فقد‌احتج‌بو‌الأصحاب‌ عمى‌أفَّ‌‌أصحاب‌الكبيرة ‌مف‌أىؿ‌القبمة‌يخرجكف ‌مف‌النَّار‌فقالكا :‌إفَّ‌‌قكلىو‌﴿وَما ىُمْ ﴾‌تخصيص‌ ليـ‌بعدـ‌الخركج ‌عمى‌سبيؿ‌الحصر‌فكجب ‌أف‌يككف‌عدـي‌‌الخركج ‌مخصكصان‌‌بيـ،‌كىذه ‌الآية‌ تكشؼ‌عف‌المرادً‌‌بقكلًو:‌﴿وَإِنٍّ اىْفُضٍّةرَ ىَفىِ صَعِيمٍ * يَىْئََُْٓة ئَْمَ الَِّيَِ *وٌَة ًُْْ خَِْٓة ثِؾةنِجِيَ ﴾[الانفطار:14-‌16]‌كثبت‌أف‌المراد ‌بالفجار‌ىاىنا‌الكفار‌لدلالة‌ىذه‌الآية‌عميو"(2).‌ 1))‌زىرة‌التفاسير ،‌ج3/275.‌ (2)‌مفاتيح‌الغيب،‌ج2/362.‌

عدد الصفحات ١٥٨

147‌ المطمب الثالث رؤية المجرمين مشفقين مما في الكتاب ‌كمف‌رؤل‌أىؿ‌النار‌يكـ‌القيامة‌رؤية‌المجرميف‌مشفقيف‌مما‌في‌الكتاب،‌خائفيف‌مما‌ ىك‌مكتكبه‌فيو‌مف‌أعماليـ،‌كيصكّْر‌ا﵀‌ذلؾ‌في ‌قكلو‌:‌﴿وَوًُِعَ اىْهِذَةبُ ذَتَََى الٍُْضْؿٌِِيَ مُنْفِلِيَ مٍٍِّة ذِيِّ وَيَلُٔلُٔنَ يَة وَيْيَذََِة ٌَةلِ َْؾَا اىْهِذَةبِ لَ حُؾَةدِرُ وَؾِيَةً وَلَ نَجِيَةً إِلَ ظْىَةَْة َ أ وَوَصَؽُوا ٌَة غٍَِئُا ظَةضًِِا وَلَ حَظْيًُِ رَبَّمَ ظَؽًا َ أ﴾[الكيؼ49].‌‌ "يقكؿ‌عزٌ‌‌ذكره :‌ككضع‌ا﵀‌يكمئذ‌كتاب‌أعماؿ‌عباده‌في‌أيدييـ،‌فأخذ‌كاحد ان‌‌بيمينو‌ كأخذ ‌كاحد ان‌‌بشمالو‌﴿ذَتَََى الٍُْضْؿٌِِيَ مُنْفِلِيَ مٍٍِّة ذِيِّ ﴾‌يقكؿ‌عزٌ‌‌ذكره :‌فترل ‌المجرميف ‌ المشركيف ‌با﵀‌مشفقيف،‌يقكؿ:‌خائفيف‌كجميف ‌مما‌فيو‌مكتكب‌مف‌أعماليـ‌السيئة‌التي‌عممكىا ‌ في‌الدنيا‌أف‌يؤاخذكا ‌بيا‌﴿وَيَلُٔلُٔنَ يَة وَيْيَذََِة ٌَةلِ َْؾَا اىْهِذَةبِ لَ حُؾَةدِرُ وَؾِيَةً وَلَ نَجِيَةً إِلَ ظْىَةَْة َ أ﴾‌يعني‌أنيـ‌يقكلكف‌إذا‌قر‌ ءك‌ ا‌كتابيـ،‌كرأكا ‌ما‌قد‌كيتب‌عمييـ‌فيو‌مف‌صغائر‌ذنكبيـ‌ ككبائرىا، ‌نادكا ‌بالكيؿ‌حيف‌أيقنكا ‌بعذاب‌ا﵀،‌كضجكا ‌مما‌قد‌عرفكا ‌مف‌أفعاليـ‌الخبيثة‌التي‌قد‌ أحصاىا‌كتابيـ،‌كلـ‌يقدركا ‌أف‌ينكركا ‌صحتيا"(1).‌ كالكتاب‌ىنا،‌"ىك‌الكتاب‌الذم‌سجٌمت‌فيو‌الأعماؿ،‌كؿ‌الأعماؿ،‌الصالحة،‌كالسيئة ،‌ كما‌يقكؿ‌سبحانو:‌﴿وَإِذَا الىَّعُؿُ نُشََِت ﴾[التككير10]،‌حيث‌ينكشؼ‌لكؿ‌إنساف‌عممو،‌مف‌ خير‌أك‌شر"(2).‌ يقكؿ‌الشيخ‌عمكاف كيضًعى‌ ‌الٍكًتابي‌‌المشتمؿ‌عمى‌تفاصيؿ‌أعماليـ‌كجميع ‌أحكاليـ ‌ كأطكارىـ ‌مف‌بدء‌فطرتيـ ‌الى‌انقراضيـ ‌مف‌النشأة‌الاكلى‌المعدة‌لكسب‌الزاد ‌لمنشأة‌الأخرل ‌بيف‌ يدم‌ا﵀‌عمى‌رؤ‌ ك‌س‌الأشياد‌فىتىرىل‌أييا‌الرائي ‌الٍميجٍرًمًيفى‌ ‌حينئذ‌خائفيف‌مرعكبيف ‌ممَّا‌في‌الكتاب‌ قبؿ‌القراءة ‌عمييـ‌كىبعد‌ما‌قرئ ‌عمييـ‌كسمعكا ‌جميع‌ما‌صدر‌عنيـ‌كائنة‌مكتكبة‌فيو‌عمى‌ التفصيؿ‌الذم‌صدر‌عنيـ‌بلب‌فكت‌شيء‌يىقيكليكفى‌‌متحسريف ‌متمنيف‌المكت‌مناجيف‌في‌نفكسيـ‌ مناديف‌يا‌كىيٍمىتىنا ‌كىمكتنا ‌ادركينا ‌فيذا‌كقت‌حمكلؾ‌كنزكلؾ‌ماؿً‌‌ىذىا‌الٍكًتابً‌‌العجيب‌الشأف‌الجامع‌ (1)‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌الطبرم ،‌ج36/46. (2)‌التفسير‌القرآني‌لمقرآف، الخطيب،‌‌ج6/444.

عدد الصفحات ١٥٩

148‌ لجميع‌فضائحنا‌كقبائحنا‌بحيث‌لا‌ييغادًري‌ ‌كلا‌يترؾ ‌فضيحة‌صىغًيرىةن‌‌صادرة ‌منا‌كىلا‌كىبًيرىةن‌‌إًلاَّ‌‌ أىحٍصاىا ‌فصَّ‌ميا‌كعدَّ‌ىا‌بلب‌فكت‌خصمة‌منيا(1).‌ "فيذا‌ىك‌سجؿ‌أعماليـ‌يكضع‌أماميـ،‌كىـ ‌يتأممكنو‌كيراجعكنو، ‌فإذا‌ىك‌شامؿ‌دقيؽ،‌ كىـ ‌خائفكف‌مف‌العاقبة‌ضيقك‌ ا‌الصدكر ‌بيذا‌الكتاب‌الذم‌لا‌يترؾ ‌شاردة ‌كلا‌كاردة، ‌كلا‌تخفى‌ عنو‌كبيرة ‌كلا‌صغيرة : ﴿وَيَلُٔلُٔنَ يَة وَيْيَذََِة ٌَةلِ َْؾَا اىْهِذَةبِ لَ حُؾَةدِرُ وَؾِيَةً وَلَ نَجِيَةً إِلَ ظْىَةَْة َ أ‌ ﴾‌كىي ‌قكلة‌المحسكر ‌المغيظ‌الخائؼ‌المتكقع‌لأسكأ ‌العكاقب، ‌كقد‌ضبط‌مكشكفان‌‌لا‌يممؾ‌تفمتان‌‌ كلا‌ىربان‌،‌كلا‌مغالطةن‌‌كلا‌مداكرةن‌:‌﴿وَوَصَؽُوا ٌَة غٍَِئُا ظَةضًِِا ﴾‌كلا‌قكان‌‌جزاءن‌‌عادلان‌: ﴿ وَلَ حَظْيًُِ رَبَّمَ ظَؽًا َ أ﴾"(2).‌ كقد‌ذكر‌الجزائرم‌بعض‌مف ‌ىدايات‌الآيات‌:‌ 1- ‌"تقرير ‌عقيدة‌البعث‌كالجزاء ‌بعرضيا ‌عمى‌مسامع‌المنكريف ‌ليا. 2- يبعث‌الإنساف‌كما‌خمقو‌ا﵀‌ليس‌معو‌شيء‌،‌حافيان‌‌عاريان‌‌لـ‌يقطع‌منو‌غفمة‌الذكر. 3- تقرير ‌عقيدة‌كتب‌الأعماؿ‌في‌الدنيا‌كا عطائيا ‌أصحابيا‌في‌الآخرة ‌تحقيقان‌‌لمعدالة‌ الإليية. 4- نفي‌الظمـ‌عف‌ا﵀‌تعالى‌كىك ‌غير‌جائز‌عميو‌لغناه‌المطمؽ‌كعدـ ‌حاجتو‌الى‌شيء"(3).‌ 1))‌انظر:‌الفكاتح‌الإليية‌كالمفاتيح‌الغيبية ،‌ج3/262.‌ (2)‌انظرفي‌ظلبؿ‌القرآف ،‌قطب،‌‌ج4/243. (3)‌أيسر‌التفاسير،‌ج2/465.

عدد الصفحات ١٦٠