المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شرح رسالة عن النصيرية للإمام ابن تيمية رحمه الله

عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

صفحة ٤ من ٥

49 يرون أن الاعتقاد الذي عليه المسلمون من الإقرار بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالإسلام دينا يرون أن هذا كله من الباطل، وإنما يصح ما قرروه من الكفريات التي أخذوا بها كما تقدم نقل ذلك عن عدة مصادر لهم، على رأسها الفلسفة اليونانية في الجانب الإلحادي منها، وكذا في الديان ات الوثنية الشرقية، فلذا ينكرون ما عند أهل الإسلام من الاعتقاد المقرر في ربهم ورسله وكتبه واليوم الآخر، ويزعمون أن لهذه معاني كما قلنا تختلف عن المعنى الذي عرفه جميع المسلمون، ولهذا يوجد فيما بينهم إشارات ومخاطبات معينة بمثابة الشفرات التي لا يفكها إلا من فهم رموزها؛ يوجد في بعض الطوائف لبس خاتم معين يعرف الفرد منهم أن ذاك صاحبه بلبسة معينة للخاتم أو من خلال إشارات يشير هذا إلى ذاك بإشارة معينة سرية فيما بينهم فيعرف أنه من طائفته؛ لأنهم يحوطهم كما قلنا الغموض وانتهاج السرية، ولهذا ذكر شيخ الإسلام أنهم قد يَ خفون في بعض الأحيان، لكن إذا ميز أمرهم مثل ما يتحدث عنهم الآن، وأفصح عنهم، تبينت أحوالهم وسرائرهم، لا شك أن هذا يجلي أمرهم بما يجعل المسلم يحذر منهم ومن تصرفاتهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم )

عدد الصفحات ٤٩

51 الشرح : كما تقدم هذه الأحكام كلها مترتبة على الحكم بكفرهم، المرتد لا يجوز تزويجه لكفره وكذا لا يجوز الزواج بالمرأة المرتدة ، ومثل ذلك أكل الذبائح ، فالمرتد لا تؤكل ذبيحته ، وهكذا بقية أحكام المرتد، لأنه إذا حكم بأن الباطنية من الكفار فجميع أحكام المرتد تشملهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (وأما "الجبن المعمول بأنفحتهم " ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة، وكأنفحة ذبيحة المجوس، وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم أنهم لا يذكون الذبائح: فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن، لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول، لأن الانفحة لا تموت بموت البهيمة، وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا ينجس. ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : أن هذا الجبن نجس لأن الا نفحة عند هؤلاء نجسة، لأن لبن الميتة وانفحتها عندهم نجس. ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة رضي الله عنهم، فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس. وأصحاب القول الثاني نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى. فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين )

عدد الصفحات ٥٠

51 الشرح : هذه المسألة مسألة فقهية مترتبة على خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذا الموضوع. ما المراد بالأنفحة؟ الأنفحة ما يستخرج من معدة الرضيع من العجول أو الجدي من أولاد المعز، هذه الأنفحة فيها خميرة تُ جبِّ ن اللبن ؛ أي: يصير اللبن بها كالجبن. المسألة / هل يجوز أخذ الأنفحة من الميتة التي ذبحوها؟ تقدم أن الذبيحة التي ذبحوها لا يجوز أكلها ، لأنها في حكم الميتة. انتهينا من هذه. لكن تبقى مسألة الأنفحة هذه/ قال بعضهم: إن الصحابة رضي الله عنهم أكلوا من الجبن الذي كان يصلحه المجوس، والمجوس ذبيحتهم لا تحل، قالوا: السبب أن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة، فهي طاهرة، وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا ينجِّس. أما الآخرون فقالوا : لا يجوز أكل هذا الجبن، لأن الأنفحة نجسة، إذا عدم الأكل من ذبيحتهم أمر متفق عليه، قالوا: فيتبعها أمر الأنفحة. فأصحاب القول الأول وأصحاب القول الثاني احتجوا بآثار، ولهذا قال : إن هذه المسألة مسألة اجتهاد . من أهل العلم من يراها طاهرة ومن أهل العلم من لا يراها طاهرة، والمقام الآن ليس مقام ترجيح بين القولين؛ بل هو مقام تبيين لهذه الطائفة.

عدد الصفحات ٥١

52 نص كلام ابن تيمية رحمه: (وأما "أوانيهم وملابسهم " فكأواني المجوس وملابس المجوس، على ما عرف من مذاهب الأئمة. والصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها، فإن ذبائحهم ميتة، فلابد أن يصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتنجس بذلك فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم، أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها، وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جرة نصرانية ) الشرح : هذه المسألة أيضا من مسائل الفقه، الأواني كالصحون والقدور التي يستعملها الباطنية كالنصيرية وغيرهم هل يلزم المسلم إذا استعملها بعدهم أن يغسلها؟ من أهل العلم من ألزم بذلك في حق كل من لا تحل ذبيحته من الباطنية ومن المرتدين وغيرهم، لأن حكم ذبيحته حكم الميتة، والميتة نجسة ، لذا قالوا : تُ غسَ ل الأواني التي استعملوها أو استعملها من حُ كِ م بأن ذبيحته في حكم الميتة، أما الأواني التي لا تصل إليها النجاسة عادة كأواني اللبن التي لا يستعمل فيها المطبوخ عندهم، أو الأواني التي يغسلونها قبل وضع اللبن فيها فلايلزم غسلها عند طائفة من أهل العلم، واستدلوا بأن عمر رضي الله عنه توضأ من جرة نصرانية، لمَ توضأ من جرة نصرانية وضوءا؟

عدد الصفحات ٥٢

53 لأن العادة أن النجاسة من قبل النصارى وغيرهم لا تكون في الموضع الذي يكون فيه الماء فلا ينجسون المحل الذي فيه الماء، لأنه يراد أن يكون ماء نظيفا، وإذا اتسخ فإنهم يغسلونه، قالوا: فهذا دليل على أن الأواني على هذا الحد الذي ذكرناه ، وأنها يُ فرَّ ق فيها بين ما فيه طبيخ يعني مطبوخ، وبين ما كان فيه مجرد اللبن ونحوه. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( فما شك في نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك ) الشرح : هذه قاعدة، ما كان أمر نجاسته مجرد شك لا يُ حكَ م بأنه نجس، بل يحكم بنجاسة ما عُ لِ م أنه نجس ، وتفصيل هذه المسائل في كتب الفقه. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يصلى على من مات منهم، فإن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين : كعبد الله بن أبي ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام و الجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام، لكن يسرون ذلك، فقال الله:

عدد الصفحات ٥٣

54 (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد ) الشرح : كما قلنا، عدم دفنهم في مقابر المسلمين حُ كْ م مرتَّ ب أيضا على القول بكفرهم، فإن مقابر المسلمين خاصة بالمسلمين، دون غيرهم، فإذا مات الكافر من اليهود والنصارى أو المرتدين لم يحل أن يدفن مع المسلمين، بل يدفن مع أمثاله في دينه، استدل رحمه الله تعالى على ما قرره هنا بنهي الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين ، مع كون المنافقين يُ سر ون نفاقهم ويظهرون إقام الصلاة و إيتاء الزكاة والصيام ونحوه ، فكيف بهؤلاء الذين يظهرون الكفر؟ من باب أولى ألا يجوز دفنهم مع المسلمين. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر، فإن المخامر قد يكون له غرض. إما مع أمير العسكر وإما مع العدو. وهؤلاء مع الملة

عدد الصفحات ٥٤

55 ، ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين، وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته ) الشرح : جعل رحمه الله تعالى استعمال الباطنية وأضرابهم من الخونة في المواضع الخطرة من عظائم الذنوب ومن كبائرها؛ لأنهم أحرص الناس على نشر الإضرار بالأمة، فإذا مُ كِّ نوا من موضع يضرون به الأمة كان هذا من أعظم الغش للمسلمين، ويفتح ذلك لهم الباب، ليضربوا الناس في مقتل؛ فإنهم يتحينون الفرص وهم بعيدون عن مثل هذه المواضع. فكيف إذا جعلت هذه المواضع تحت أيديهم؟ فعرفوا مواضع الأسرار التي إذا أفشيت للعدو كاد الأمة عن بصيرة وعلم، بما فيها من نقاط الضعف فيستغلها، أو نقاط القوة فيحذرها، ويسعى في إضعافها، فكما أن من انتظر من الذئب أن يرعى الأغنام فإنه سفيه، فكذا من جعل هؤلاء محل الثقة، وأطلعهم على ما يتمكنون به من الإضرار بالناس، وذلك أن هدفهم كما تبين بكل ما تقدم من تاريخهم القبيح وعقائدهم الفاسدة يدل على حقد دفين عظيم على أمة الإسلام وعلى نبيها وولاة أمورها وعلمائها وعموم المسلمين، والمثالان اللذان ذكرنا من الوزير ابن العلقمي ومن الطوسي وما فعلا بالمسلمين في بغداد وما أوصل إليه من الضرر البالغ على يد التتر دليل على أن استخدام هؤلاء الخونة في المواضع التي لا يجوز أن يستعمل فيها إلا الأمناء الأتقياء الذين يضعون مصلحة الإسلام في المقام الأعلى، دليل على أن استخدام هؤلاء الخونة من الباطنية ونحوهم من أعظم الغش لله ورسوله ولأئمة

عدد الصفحات ٥٥

56 المسلمين وعامتهم، وأنه لا يجوز أن يُ مكَّ نوا، وأما قوله رحمه الله (المخامر) هنا فالظاهر أن مراده المخالط، لأن المخامرة في اللغة تعني المخالطة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر، ولا في غير ثغر فإن ضررهم في الثغر أشد، وأن يستخدم بدلهم من ي حتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام، وعلى النصح لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مس لما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم ؟ ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه ، بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك ) الشرح : يقول رحمه الله استخدامهم في القتال وفي مواضع حراسة الثغور، وهي المعبر عنها : بالحدود التي بين المسلمين وأعدائهم، لا شك أنه أشد ضررا ، لأنهم يهيئون للعدو اقتحام بلاد الإسلام بهذه الطريقة، في حين يُ نتظَ ر من القائم على الثغر أبلغ ما يكون من التنبه والأمانة، ولهذا أوجب شيخ الإسلام رحمه الله أن يزالوا فورا عن الحدود، وأن لا يتأخر في ذلك، وأن يستبدلوا بأهل الأمانة، وسيجد ولاة الأمور في أهل الإسلام بحمد الله من يحمل الأمانة ممن هو محل الثقة في دينه لرعاية الثغر واستشعار عظيم المسؤولية في ذلك.

عدد الصفحات ٥٦

57 نبّه رحمه الله إلى أنهذا الواجب على ولي الأمر مربوط أيضا بالقدرة، بحيث قد يحتاج إلى بعض الوقت، ليستبدل من وُ ضِ عوا في هذه المواضع الخطيرة بمن هم من أهل الأمانة، فقد يحتاج إلى شيء من الوقت، لكن يلزمه العجلة بحيث إذا تمكن لزمه ساعة يقدر أن يستبدلهم فورا بمن هم من أهل الأمانة والثقة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (وأما إذا است خدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وإما أجرة المثل، لأنهم عوقدوا على ذلك. فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى، وإن كان فاسدا وجبت أجرة المثل، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الاجارة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم، فالعقد عقد فاسد، فلا يستحقون إلا قيمة عملهم فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم ) الشرح : هذه أيضا مسألة فقهية في إمضاء العقد الذي أمضي معهم وتم في السابق. هذه الأمة أمة وفاء، فمع أن استعمالهم خطأ في الاعمال إلا أن العقد على عمل إذا كان عقدا صحيحا وجب لهم ما ات فِ قَ عليه وحُ دّ د في العقد، أما إن كان العقد فاسدا فلهم أجرة المثل بما عملوه، لكن لا يحل استعمالهم مرة أخرى ، أما إن لم يعملوا عملا له قيمة فليس لهم شيء، لأن إعطاءهم يكون مقابل عمل، والعمل الذي لا قيمة له في حكم ما لم يُ عمَ ل أصلا.

عدد الصفحات ٥٧

58 نص كلام ابن تيمية رحمه: ( لكن دمائهم وأموالهم مباحة ) الشرح : هذا مرتب على القول بردتهم كما قلنا عدة مرات، فإن المرتد يحل دمه وماله ، لكن يكون ماله في ئا لبيت مال المسلمين كما سيأتي، لا أنه يحل لمن انتهبه منه. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء: فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم. ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم ، فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال ) الشرح : هذه المسألة عائدة إلى خلاف بين أهل العلم رحمهم الله في قبول توبة الزنديق: فمالك رحمه الله وأهل المدينة يرون أنها لا تقبل توبة الزنديق، وأنه لابد أن يقتل على كل حال، الشافعي وكثير من أهل العلم رحمهم الله يرون قبول توبة الزنديق. ولذا اختلف حكم مالهم هنا تبعا لحكم توبتهم:

عدد الصفحات ٥٨

59 فمنقبل توبتهم من أهل العلم أقر أموالهم في أيديهم؛ لأنهم أظهروا الإسلام فيحكم لهم بالظاهر. أما من لم يقبل توبتهم فإنه يجعل المال الذي بأيديهم فيئا ، ولا يورث هذا المال أبدا، لأن المسلم من أقاربهم لا يجوز أن يرثهم لأنهم كفار، والذي هو من جنسهم في دينهم حكمه حكمهم، لا يجوز أن يكون المال منتقلا إليه، ولذا لا تنقل الأموال لهم، بل تكون فيئا يجعل في بيت مال المسلمين. هذا مجمل كلام أهل العلم فيما يتعلق بمالهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة، لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم ) الشرح : هكذا حالهم إذا عُ رِ فوا ادعوا أنهم تائبون وأنهم نادمون وأنهم لن يعودوا، هكذا طبيعة مذهبهم مذهب المخاتلة والنفاق، فهو مبني على الكتمان وعلى الأسرار إذا كانوا قلة مستضعفين، فإذا تمكنوا بطشوا بالعباد ودمروا البلاد. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (وفيهم من ي عرف، وفيهم من قد لا ي عرف. فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم، فلا يتركون مجتمعين، ولا يمكنون من حمل

عدد الصفحات ٥٩

61 السلاح، ولا أن يكونوا من المقاتلة، ويلزمون شرائع الإسلام: من الصلوات الخمس وقراءة القرآن، ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام، ويحال بينهم وبين معلمهم ) الشرح : اختار رحمه الله تعالى أن يُ حتاط في أمرهم بما يدفع شرهم، من أول الاحتياط في أمرهم أن يُ فرَّ قوا ولا يجعلوا في موضع واحد، حتى لا يكون لاجتماعهم قوة لهم على باطلهم، بل يشتتون في البلاد، لأنهم بذلك ينقطع اتصالهم ببعضهم وينحصر شرهم، أيضا السلاح يتفطن له لا يكون معهم، هذا إذا تابوا، حتى بعد التوبة؛ لأنهم خونة قد يفتكون بالناس في حين غفلة، ومع ذلك إذا قالوا إنا تبنا يجب أن يلتزموا إظهار شعائر الإسلام، فيلتزمون بناء المساجد وإظهار الصلاة، ومما يلتزمونه أيضا أن لا يتصلوا بمعلمهم وهو شيخهم الذي يعلمهم الطريقة الباطنية، شيخهم هذا لماذا لا يقتل؟ لأنه قال أيضا: أنا تبت. فالذين قبلوا التوبة يقبلونها من الجميع، لكن يقال: لا تتصلوا بهذا المعلم الذي علمكم الكفر، وإن ادعى أنه مسلم، وفي الوقت نفسه يُ جعل فيهم من يعلمهم، لعل الله أن يهديهم أو يهدي أبناءهم وبناتهم ، قد يهتدي بعض شبابهم وصبيانهم فيبدل الله عز وجل حالهم، إذا يشتتون في البلاد، ولا يمكنون من سلاح، ولا تبقى لهم مدارس، ولا يعود لهم شيوخ ومجالس ودروس يلقونها . يقال لهم: ألم تتوبوا ؟ ما لكم ولهذا الشخص الذي تدعون أنه شيخ؟ شيخ بالأمس لما كان معكم على الطريقة الكفرية، الآن هو عامي مثلكم لا يعي شيئا فلا تتصلوا به، فإن أقروا بهذا كله فبها؛ وإلا فحكمهم حكم المرتد.

عدد الصفحات ٦٠

61 نص كلام ابن تيمية رحمه: (فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم لما ظهروا على أهل الردة، وجاؤوا إليه، قال لهم الصديق : اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية.قالوا:يا خليفة رسول الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال :تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ونقسم ما أصبنا من أموالكم، وتردون ما أصبتم من أموالنا، وتنزع منكم الحلقة والسلاح، وتمنعون من ركوب الخيل. وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا بعد ردتكم، فوافقه الصحابة على ذلك، إلا في تضمين قتلى المسلمين فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله. يعني: هم شهداء فلا دية لهم، فاتفقوا على قول عمر في ذلك ) الشرح : استدل على ما أوجب على الباطنية من الصَّ غار هذا بفعل الصّ دّ يق مع المرتدين، حين أمكنه الله منهم خيرهم بين أمرين: إبادتهم بالحرب المجلية التي تجعلهم يجلون ويهربون، أو يحكم عليهم بهذه الأحكام في حال من السِّ لم المُ خزِ ية، وقصد بذلك قطع شرهم، وهذه الأحكام فيها إخزاء لهم وهذه الأحكام على النحو الآتي: أولا: يَ دُ ون القتلى من المسلمين، أي: يدفعون دياتهم، أما نحن فلا ندي قتلاكم.

عدد الصفحات ٦١

62 ثانيا: تشهدون على أنفسكم أن قتلاكم في النار و أن قتلانا في الجنة. ثالثا: الأموال التي غنمناها منكم نأخذها والأموال التي أصبتم منا تردونها. رابعا: ينزع منكم الأسلحة، وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل - أي: خلف الإبل - حتى يُ رِ يَ اللهُ خليفة رسوله والمؤمنين أمرا بعد ردتكم - حتى نرى منكم توبة صادقة - . فوافقه الصحابة في كل ذلك إلا في مسألة وهي: تضمين قتلى المسلمين، قال عمر رضي الله عنه: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله أجرهم على الله تعالى، فلا حاجة لأخذ الدية على الشهداء، لأنهم قتلوا في درب كريم، وهم عند ربهم يرزقون، فلا حاجة لأن يقال : هاتوا ديات ال قتلى، لكن الباقي ي لتزمونه والتزموا الصغار والذلة، قال ابن تيمية رحمه الله: فكذلك يفعل بالباطنية. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وهذا الذي اتفق الصحابة رضي الله عنهم عليه هو مذهب أئمة العلماء، والذي تنازعوا فيه تنازع فيه العلماء: فمذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن، كما اتفقوا عليه آخرا ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى هو القول الأول )

عدد الصفحات ٦٢

63 الشرح : أي: أن المسألة محل بحث حتى بين العلماء لاحقا بعد الصحابة رضي الله عنهم في مسألة دفع الدية لورثة من قتل من المسلمين، أما بقية الأمور التي ألزموا بها فمحل اتفاق. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (فهذا الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه، فيمنع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدرع التي تلبسها المقاتلة، ولا يترك في الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا ويلزمون شرائع الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر. ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم، وسير إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور . فإما أن يهدي ه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين ) الشرح : كما تقدم كل هذا لينحسر شرهم ولا يتمكنوا من العود إلى الإضرار بالمسلمين في الخفية تحت اسم التوبة، يعني حتى لا يغدروا بنا بدعوى أنهم قد تابوا، نقول: التزموا مثل هذه الأمور، ويُ بعدون تماما عن أن يضروا بالأمة فإذا التزموا هذا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يختار القول الذي يرى أصحابه جواز الإبقاء عليهم.

عدد الصفحات ٦٣

64 نص كلام ابن تيمية رحمه: ( ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين ) الشرح : لأن شر هذا الصنف من الكفار ، وهم الذين لا يقاتِ لون أخف، بعض الكفار ليس بيننا وبينهم معاهدة لكن لا يقاتِ لون فشرهم محدود، أما شر الباطنية فمؤكد لا شك فيه، وتاريخهم الخبيث دال على قبيحة دخيلتهم، فقتالهم أوجب من قتال الكفار الذين لم يقاتِ لوا، وسيدلل على هذا بأدلة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (والصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب : فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه. وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين. وحفظ رأس المال مقدم على الربح ) الشرح : دلل على الحكم السابق بالنقل والعقل، أما النقل فلأن الصدّ يّ ق رضي الله عنه بدأ بقتال المرتدين قبل عموم جهاد أهل الكتاب، إلا ما كان من إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه ، لأنه مما

عدد الصفحات ٦٤