65 أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم ، أما المرتدون داخل الجزيرة فبدأ بهم حتى حصدهم حصدا، أو أظهروا التوبة، وذلك يدل على أنه لا بد أن تطهر البلاد من المرتدين ابتداء، ثم بعد ذلك شرع رضي الله عنه في بقية الفتوحات، فالعمل الكبير الذي قام به أبو بكر رضي الله عنه أن طهر جزيرة العرب من المرتدين أولا، فهذا الدليل على وجوب البدء بقتال المرتدين قبل البدء بقتال الكفار غير المحاربين، أما الدليل العقلي فالعاقل يحرص على حفظ المُ كتسَ ب الذي في يده أكثر من حفظ المتوقع المأمول، فحفْ ظُ بلاد الإسلام رأس مال لا يجوز التفريط فيه ، ولذا يجب البدء بقتال المفسدين داخل بلاد المسلمين أو لا، أما توسيع رقعة الإسلام بقتال من لم يقاتِ ل من المشركين فمن زيادة إظهار الدين، لكن لا يصار إليه مع وجود من يدمِّ ر بلاد الإسلام في الداخل، لأنه لو مضت جيوش المسلمين إلى الأمام طعنهم هؤلاء في الخلف، فلابد أن تطهر بلاد المسلمين منهم ابتداء ، وقتال المرتد كما يقول الشافعي أوجب من قتال جميع الكفار. لم؟ قال:لأن الكفار يجوز أن يُ بقَ وا بالعهد، كأن توضع الحرب معهم مرة عشر سنين، يقول رحمه الله: يجوز ذلك أما المرتد فلا يجوز بتاتا أن يُ ترك إلا بالتوبة وإلا لزم قتله، فلو قال: لن أتوب لكن أعطيكم مالا. يقول: لا يجوز، فبناء على ذلك، فالبدء بقتاله أوجب من قتال أي أحد من الكفار.
عدد الصفحات ٦٥66 نص كلام ابن تيمية رحمه: (وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك ، بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب ، وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب) الشرح : قاس ضرر الباطنية هنا على ضرر الكفار الذين يقاتلوننا، فهذا مما اشتركوا فيه، الباطنية يقاتلوننا والكفار المحاربون ايضا يقاتلوننا، لكن زاد الباطنية على أولئك بالضرر في الدين بإفساد اعتقاد أهله، بالتلبيس الذي تقدم ذكره، وذلك ما لا يتمكن الكفار المحاربون منه، لأن كفرهم ظاهر للجميع. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين، ولا يحل لأحد السكوت على القيام عليهم بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم ) الشرح : وذلك لأن هذا من إنكار المنكر فالسكوت عليهم، لأنهم أصهار أو أقارب أو أصدقاء خيانة لله ورسوله، والواجب تجلية حالهم
عدد الصفحات ٦٦67 وفضحهم وألا يسكت عنهم، ليحذرهم المسلمون، ويعملوا معهم ما تقدم من الأحكام السابقة، أما أن يُ عرَ ف أنهم من الباطنية وأنهم يكيدون للمسلمين وأنهم يُ عد ون العدة ويعرف ذلك رجل من المسلمين، لكن يقول: أنا لا أريد أن أخبر بحالهم. فهذا من خيانة الله ورسوله والمؤمنين ، لا يجوز أن يسكت عليهم، بل يلزمه أن يجلي أمرهم ولو كانوا أقرب الأقربين. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين ) الشرح : العجب في النهي عن القيام بما أوجب الله ، وهذا يقع ممن لم يفقهوا، من الناس من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف كما قال تعالى في المنافقين:( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) فالنهي عن القيام بما أوجب الله في حق الباطنية هو نهي عن المعروف وأمر بالمنكر فلا يحل لأحد تحت أي ذريعة أن يحول بين إقامة حكم الله تعالى فيهم ، وهم بين حكمين - أعني: الباطنية- : إما أنهم من ذوي الكفر الجلي أو النفاق الأكبر، هذا هو حالهم ووضعهم، وقد دلت الآية السابقة على وجوب قتال الصنفين، دلت الآية على وجوب قتال الجميع : ( يا أيها النبي
عدد الصفحات ٦٧68 جاهد الكفار والمنافقينواغلظ عليهم ) فسواء قيل: بكفرهم الكفر الظاهر، أو قيل : إنهم منافقون كفرة في الباطن ، وإن أظهروا الإسلام؛ فالآية أوجبت قتال الصنفين. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم، كما قال الله تعالى( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الإسلام . فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان. فمن هداه الله سعد في الدنيا والآخرة، ومن لم يهتد كف الله ضرره عن غيره ) الشرح : هذا يبين أدبا مهما للداعي إلى الله عز وجل وللآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحرص على هداية من يأمره ويدعوه، فقد يهدي الله عز وجل منهم من يهدي ويؤوب عن غيه كما في قول أبي هريرة رضي الله عنه بيانا للآية :خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الإسلام . ما معنى ذلك ؟ يؤتى بالكفار أسرى بعد معركة انتصر المسلمون عليهم فيها، مقيدين بالسلاسل، ثم يهدي الله تعالى هؤلاء الكفار فتكون نعمة أسرهم كبيرة جدا عليهم، لأن الله تعالى جعل في أسرهم فكاكا
عدد الصفحات ٦٨69 لهم من النار، لأنهم نجوا منها بدخولهم الإسلام. فلا ينبغي أن يقنط الناس، ويقال: الباطني لا يمكن أن يتوب. لا، لا نستطيع أن نقول هذا، فمنهم ولله الحمد من قد تاب، ولا سيما إذا أُ ظهِ ر لهم مآل وحقيقة ما سيكونون عليه وما أضروا به أمة الإسلام، وأنهم يتعاونون مع أعدائها ، وبخاصة من كان في أول الأمر منهم، وحتى من أَ عْ طَ وا العهود والمواثيق لا نيأس منهم ، فدعوتهم إلى الله عز وجل متعينة ، فلا ينبغي اليأس منهم، ينبغي أن يبين لهم الأمر، فإن هداهم الله أو هدى بعضهم فهذا من الخير، وإن لم يهدهم فلا أقل من أن تكون الحجة قد قامت عليهم ويقام فيهم حكم الله تعالى. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (ومعلوم أن الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر : هو أفضل الأعمال، كما قال صلى الله عليه وسلم: " رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى " وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ، أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيله " وقال صلى الله عليه وسلم : " رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه " ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة والجهاد أفضل من الحج والعمرة ، كما قال تعالى: ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام
عدد الصفحات ٦٩71 كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين) الشرح : ختم رحمه الله بذكر ما يتعلق بفضل الجهاد من مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) فإن رأس الأمر وأعظم الأمور على الإطلاق هو الإسلام ، فهو مقدم عند ال مؤمن على كل شيء، وعمود هذا الإسلام هو الصلاة، وذروة السنام وأعلى ما في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله. وهكذا ما ذكر رحمه الله من تفضيل الجهاد على الحج وعلى غيره كما قال تعالى ( أجعلتهم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ) ليبين أن هؤلاء الباطنية يجب أن يجاهدوا، وجهادهم يكون من عدة جهات، منها الجهاد الذي يجب أن يشن عليهم من قبل الحكام إذا كان عندهم مكنة وقدرة فتباد خضراؤهم إلا أن يؤوبوا ويعودوا عما هم عليه كما تقدم في الكلام السابق، وهكذا يجاهَ دُ ون باللسان وبالبيان وبرد شبههم وأباطيلهم ولا يتركون يُ فشُ ون ما هم فيه من الزور والكذب ويغوون ويغرون الجهلة، وهم قوم
عدد الصفحات ٧٠71 يتباكون ويدعون أنهم مظلومون وأنهم يُ شوَّ ه تاريخهم ، وأن المتقدم منهم غير المتأخر، وهم كذبة في هذا كله. فإن دينهم قائم على الإخفاء وعلى ستر الحقائق وعلى الكذب الصراح . فالواجب أن يجاهدوا وأن لا يتركوا فهذا هو المتعين وجهادهم من أعظم الجهاد كما تقدم في كلام شيخ الإسلام. مجموعة من الأسئلة تذكر ما يتعلق بعدد من الطوائف الباطنية في هذه الأوقات ؟ نحن نقول: إذا عرفت الإطار العام الذي يشمل الباطنية، فسواء كانوا في مشرق أو في مغرب أو عند عرب أو عند عجم، إذا اتضحت لك الأمور الجوامع التي تجمع الباطنية عرفتهم بصفاتهم وأحوالهم، فأما التسميات فأمرها كما قلت لك يتجدد، فمجموعة من الباطنية الذين نشأوا مثلا في أمريكا، وأمريكا لم تُ عرف إلا منذ فترة محدودة، فالذين نشأوا هناك من الذين كوَّ نوا جهات باطنية يكون لهم أسماء قد لا تعرف في بلاد الإسلام وهكذا يقال في الأغاخانية، هذا لقب أطلقه الإنجليز كما قلنا على الباطنية في الهند، وهكذا تنشأ طوائف من الباطنية بين فترة وأخرى، المهم هو أن تعرف الإطارات العامة التي تجمع الباطنية، فإذا عرفت ذلك فمهما جدّ للباطنية من اسم ينسبهم إلى شخص أو إلى طائفة أو إلى بلد معين فإنهم يعرفون، فمثلا القرامطة منسوبون إلى حمدان قرمط الذي كان من أول من دعا بدعوته تلك، وهم الذين قتلوا الحجيج فهم منسوبون إلى شخص، وهكذا ينسبون في بعض الأحيان إلى زعيم الطائفة مثل البابكية نسبة إلى بابك الخرّمي، لو جدّت لهم فرقة جديدة وتسمت باسم
عدد الصفحات ٧١72 جديد، وربما تسمَّت باسم حسن كأن تنتسب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فتسمى بالمحمدية، أو الدروز مثلا يقولون : نحن الموحِّ دون، اسم التوحيد اسم جيد، لكن نقول: تسمَّ يتُ م بالموحدين أو بالمخلصين أو بالمشركين أو بالكفار أو بأي شيء تَ سَ مَّ ون به، أنتم باطنية، هذا هو المهم، وهذا الغرض من نشر الرسالة في هذا الوقت. وما ذكره إخواننا الموجودون في المسجد من سوريا، ذكروا أن لديهم جملة من الحقائق عن النصيرية وغيرها لا شك أن هذه مثل ما ذكروا، وأن الخفي أكثر مما ظهر، وأن هذه الطوائف الضالة قد أصابت الأمة في مقتل عظيم، وأنها مثل ما ذكرت: لِ م يحرص عليها أعداء الله؟ لِ م يدعمونها؟ لِ م يعينونها في القديم وفي الحديث؟ لأنهم يعرفون تاريخ الخيانة القديمة وتاريخ الخيانة الحديثة . ولهذا يتعاملون معهم تعاملا لا يتعاملونه مع غيرهم، ويخففون من الوسائل الحقيقية التي يمكن أن توقفهم عند حدهم، ويكتفون بالألفاظ وبالتهديدات ، لكن حقيقة الأمر أنهم من أشد الناس حرصا عليهم، لأنهم خدموا اليهود، وهم الذين يمكنون للصهاينة وغيرهم وللمحتلين ، وإن ادعوا أنهم الذين يريدون أن يرفعوا عن الأمة ما فيها من مذلة، كل هذا الكلام لا يجري إلا على الجهلة، فالذي يعي حقي قتهم ويعي إلحادهم ويدري بالذي هم عليه لا يروج عليه مثل هذا الباطل، إذا يقال: تَ سَ مَّ وا بأي شيء تتسمون به، فظائعكم وتاريخكم معروف، عقائدكم معروفة وهذه الدروس وأمثالها الغرض منها توعية المسلمين ، سواء ممن حضر أو ممن يسمع الآن على الشبكات أو نحوها ، المهم أن
عدد الصفحات ٧٢73 يعي المسلمون وأن يعرفوا الخطر وأن لا نستمر في النوم، وأن لا نستمر في الغفلة، فإن هؤلاء من أخطر ما يكون، إذ خطرهم داخل الأمة، العدو الكافر أمامك تعرف أنه في الموقع الفلاني، وأنه يهودي أو نصراني أو ملحد، لكن الإشكال الكبير في البلية التي تصبحك وتمسيك، وقد يخفي حقيقته عنك، هذا الذي يجب على الأمة أن تكون ع لى أكثر ما يكون من الاستعداد له والتحرز منه. نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يكبتهم وأن يمكِّ ن للسنة وأهلها ، وأن يرينا عز هذا الدين وظهور أحكامه ومنها أن نرى هؤلاء الزنادقة وقد أقيمت فيهم حدود الله تبارك وتعالى وفرقوا شذر مذر، وقتلوا تقتيلا. والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه . تم شرح هذه الرسالة يوم الخميس الموافق 31 /50 /3311هـ بعد صلاة العصر بمسجد النخيل بحي العريجاء تم تفريغ أصل الشرح من قبل الشؤون العلمية في مسجد النخيل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
عدد الصفحات ٧٣