المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شرح رسالة عن النصيرية للإمام ابن تيمية رحمه الله

عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

صفحة ٣ من ٥

33 لكن من الذي بدأ اللعب ؟ الذي بدأ اللعب هو الذي فتح لهم الباب وهم الحقدة من الشيعة الذين أعماهم الحقد، ولما لم يجدوا في القرآن إلا جملة من الآيات العظيمة التي تمدح الصحابة وتترضى عنهم وتخبر بأنهم من أهل الجنة تكلفوا آيات حتى يذموا بها الصحابة فضاقت بهم الحيلة حتى قالوا : إن المراد بالبقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها عائشة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره، وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد ، الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام . وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء في وصفهم ) الشرح : نعم هذه نماذج ، وقد تقدم ذكر بعضها في المقدمة ، فلا نعيده كقتل الحجيج وغيره. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هنا نماذج من معاداتهم للإسلام ، ووقائعهم في هذا مشهورة، نضيف إلى ما ذكره شيخ الإسلام أيضا طرفا، من ضمنها ما أشار إليه من أنهم

عدد الصفحات ٣٣

34 يعمدون الى الاغتيالات وقتل علماء المسلمين أو القواد من ذوي النجابة والقوة؛ فيدخلون في عسكر المسلمين ثم يغتالون القائد، ولا شك أن ذلك يحدث زعزعة كبيرة في الجيش. فلما وقعت الحرب بين المسلمين والصليبيين في عام 241هـ زحف المسملون على الصليبيين حتى بلغوا (طبريا) فدخلت الباطنية فاغتالوا قائد عسكر المسلمين ويدعى مودودا - وكان من القواد الأقوياء جدا ومن الذين تهابهم النصارى - فاغتالوه عندما كان يدخل المسجد لصلاة الجمعة فخلصوا النصارى من ذلك القائد وأراحوا النصارى، النصارى لا يستطيعون أن يغتالوه فدخلوا هم على أنهم من ضمن المسلمين فلما جاء ليصلي الجمعة اغتالوه. سعوا لاغتيال صلاح الدين الأيوبي رحمه الله؛ ودخلوا في جيشه، وكانوا قرب خيمته يريدون أن يغتنموا فرصة غفلة حتى يقتلوه، لكن اكتشف أمرهم وعرفوا. لما انتصر نور الدين زنكي وألحقَ الهزيمة بالصليبيين انتصر الباطنية للصليبيين فباغت زعيم الحشاشين من الصليبيي ن ويدعى (علي بن وفا ) باغت نور الدين زنكي بهجوم مفاجئ بالقرب من انطاكيا، انتصارا للنصارى. فاغتيال خصومهم طريقة سعوا إليها، وفيها توطيد لقوة أعداء الإسلام كالصليبيين ونحوهم، وإضعاف وتوهين لجماعة المسلمين، مجمل الكلام في مثل هذه الأمور كما قال شيخ الاسلام هنا : ما ذكره السائل قليل من كثير . يعني أن الأشياء المذكورة في السؤال هنا هي أشياء قليلة ، بالنسبة لمن قرأ تاريخهم. وإذا قرأت في تاريخهم مثلا في (البداية والنهاية) لابن

عدد الصفحات ٣٤

35 كثير وجدت العجائب وتفاصيل هائلة مما ذكر من دلالات ما انطوى عليه هؤلاء القوم من الزندقة والإل حاد العظيم، وهكذا من صنفوا، ومن ضمن المصنفات التي خرجت في الباطنية في السنوات الأخيرة : كتاب للشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله كان كتبه وهو على قيد الحياة ثم اغتالوه في الباكستان، وخرج الكتاب بعده لاحقا وفيه عجائب، ومن المصنفات في الباطنية ايضا مصنف محمد الخ طيب حول الباطنية وتكلم عنها كثير ممن صنفوا في التشيع وغيره: كالدكتور أحمد جلي في كتابه عن الشيعة والخوارج ذكر شيئا كثير يتعلق بالباطنية بسائر طوائفهم وفرقهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائما مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل ، وانقهار النصارى، بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار . ومن أعظم أعيادهم إذا استولى ــ والعياذ بالله تعالى ــ النصارى على ثغور المسلمين ، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين ، حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب ، وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين ( عثمان بن عفان ) رضي الله عنه فتحها " معاوية بن أبي سفيان " رضي الله عنه إلى أثناء المائة الرابعة .

عدد الصفحات ٣٥

36 فهؤلاء المحادونورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى على الساحل ، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره ، فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك ) الشرح : ذكر أيضا رحمه الله أمثلة أخرى لكونهم اشد ما يكونون بغضا لانتصار الإسلام وأهله، و أشد ما يكونون فرحا بانكسار المسلمين وانتصار أعدائهم عليهم، ثم نبه شيخ الإسلام إلى أمر وهو: أن السواحل لما اقترب منها هؤلاء الباطنية وكثروا عندها تعاونوا مع النصارى في تسليم تلك المدن التي على السواحل للنصارى، وهذا يدل على خطورة تجمعهم في موضع واحد كما سيأتي في آخر الرسالة، فاجتماعهم في موضع واحد يجعل لهم قوة وشوكة، ويجعل لهم اتصالا بالعدو، ولا سيما في الأطراف، قبرص فتحت زمن عثمان - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - لأن في زمن عثمان بدأ الجهاد البحري، فوصل المسلمون إلى مواضع كان يحول بينهم وبينها البحر، فدخلوا في قتال بحري مع النصارى ، وفتحت قبرص وامتدت الفتوحات في زمن عثمان رضي الله عنه إلى أن بلغت مواضع نائية، مثل خراسان وأرمينيا فكانت رقعة الدولة الإسلامية كبيرة جدا فكيف صارت الدولة الإسلامية تُ قضَ م بين فترة وأخرى؟ أولا : بسبب عصيان المسلمين، ثم بسبب وجود هؤلاء المفسدين الذين يتعاونون مع أعداء الإسلام ليمكنوهم من أهل الإسلام، وهذا يؤكد على خطورة وجودهم في موضع واحد، فإنهم يكون

عدد الصفحات ٣٦

37 لهم قوة وشوكة يتمكنون بها من إحداث الزعزعة- كما سيأتي في آخر الرسالة إن شاء الله تعالى -. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى " كنور الدين الشهيد ، وصلاح الدين " وأتباعهما ، وفتحوا السواحل من النصارى ، وممن كان بها منهم ، وفتحوا أيضا أرض مصر ، فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة ) الشرح : يقصد رحمه الله بالذين استولوا على مصر ملوك الدولة العبيدية التي تقدم أن تسميتها بالدولة الفاطمية خطأ، وأن انتسابهم ليس إلى فاطمة رضي الله عنها ، وإنما انحدروا من المغرب ، والمعروف عنهم في ال تاريخ أنهم يعودون إلى اليهود فجدهم عبيد القداح، فاسمهم الصحيح العبيديون وليس الفاطميين، وقد قلبوا الإسلام في مصر رأسا على عقب، وأرسوا فيها كثيرا من ضلالاتهم، وتسلطوا على الناس تسلطا شنيعا جدا، وتاريخهم مليء بالشناعات التي سجلها عليهم المؤرخون، وقلنا إنك تجد شيئا كثيرا من أخبارهم في (البداية والنهاية ) لابن كثير، و(المنتظم) لابن الجوزي، وابن الأثير وغيرهم ممن صنفوا في ذكر تلك الحقبة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله :

عدد الصفحات ٣٧

38 (واتفقوا هم والنصارى، فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإ سلام بالديار المصرية والشامية ) الشرح : يعني لما أسقطت دولة العبيديين؛ لأنه غزاها صلاح الدين وغزاها المسلمون وأخرجوا العبيديين تماما من مصر، وانتهت بذلك دولة الباطنية العبيديين في مصر، مكثوا فيها هذه المد ة الطويلة أكثر من مائتي سنة. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ثم ان التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم، فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو "النصير الطوسي" كان وزيرا لهم بالألموت، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء ) الشرح : ذكر شيخ الإسلام هنا ما يتعلق بالعراق وكيف أن التتر لما دخلوها وأفسدوا فيها ذلك الفساد الذريع وقتلوا أهل الإسلام فيها مقتلة هائلة عظيمة لم يكد يُ سمَ ع بمثلها كان ذلك من آثار تآمر اثنين من هذه الطائفة البغيضة، سواء نُسِبا إلى الاثني عشرية أو الباطنية، وهما الوزير ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي؛ وكانوا بكل أسف مقربين من الخليفة، فالمستعصم بالله وهو آخر خلفاء بني العباس وضع الثقة في غير موضعها، كان هذان من

عدد الصفحات ٣٨

39 الحاقدين على الإسلام وأهله. ابن العلقمي الذي تقدسه الشيعة اليوم أغرى الخليفة وكان وزيرا له بتسريح الجنود قال: سرِّ ح الجنود العدد كبير . فلم يبق من جند الخلافة إلا عشرة آلاف، فلما كان عدد جيش الخلافة بهذا القدر الهزيل الضعيف كتب ابن العلقمي لهولاكو زعيم التتار الأجلاف ليقدم إلى بغداد، لأنه لم يعد بها إلا عشرة آلاف لا يُ سمِ نون ولا يغنون من جوع، حاصر التتار بغداد، وجاءت النبال من كل صوب، فأشار ابن العلقمي على الخليفة أن يذهب ويجمع معه العلماء وقراء القرآن ووجوه أهل العلم في بغداد ويتجه إلى هذا الجلف العفن (هولاكو) لما وصلوا وكان عددهم سبعمائة عزلوا سب عة عشر منهم وأبادوا الجميع، ثم إن الخليفة طلب منه (هولاكو) أن يأتي بالأموال الموجودة في الخزانة في بغد اد، فأتى بالأ موال وهي أموال عظيمة جدا لما أتى بالأموال أشار الوزير ابن العلقمي وأشار الطوسي على هولاكو أن يقتل الخليفة، فقتلوا الخليفة رفسا، وقيل: قتلوه خنقا، وقيل: إغراقا، وقتلوا أبناءه ومن معه، مع أن الخليفة من آل البيت - من آل بيت النبوة - فهو من بني العباس، فاتضحت حقيقة دعواهم بأنهم يناصرون آل البيت! واتضح أنها مجرد شعار فارغ يرفعونه. لم يقف الأمر عند هذا، دخل التتار إلى بغداد، وأعملوا السيوف بالناس، واستباحوا بغداد مدة أربعين يوما، وقتل مئات الألوف من صبيان وشيوخ ونساء، حتى إن الوباء لاحقا انتشر بسبب كثرة القتلى وتعفن جثثهم، ولم يسلم إلا من؟ اليهود والنصارى، فإن هؤلاء استُ ثنُ وا وكذا من لجأ إليهم وآووه. وهذه عاقبة من يثق بهؤلاء الخونة، فإنهم أغدر الناس وأبعدهم

عدد الصفحات ٣٩

41 عن الثقة. من المؤرخين من يقول : إن عدد القتلى بلغ ألفي ألف يعني بلغ مليونين ومنهم من يقول: بلغوا مليونا وثمانمائة ألف. يقول ابن القيم رحمه الله : فغدا على سيف التتار الألف في مثــل لهــا مضروبـــة بـــــوزان وكذا ثمــان مئِينـــها في أ ل فِ هــــا مضروبــــــة بالعــد والحسبـــان يعني مليون وثمانمائة ألف، (فغدا على سيف التتار الألف في مثل لها) يعني الألف في ألف تساوي مليون (وكذا ثمان مئينها في ألفها ) يعني ثمانمائة مضروبة في ألف تساوي مليونا وثمانمائة ألف. واستباحوا بغداد استباحة تامة، فضلا عن فعلهم الفظيع بالمحارم والزنا وغيره والقتل الذريع في الناس ولهذا يقول الذهبي وغيره وابن كثير: إن الناس بعد أن أعلن عن رفع استباحة بغداد بعد أربعين يوما خرجوا من المواضع التي اختبأوا فيها؛ حتى إن بعضهم اختفى في الآبار وفي المقابر، يقول: خرجوا كأنهم موتى من الإجهاد والجوع والخوف والرعب، ثم إن عددا منهم مات لاحقا بسبب كثرة الجثث وما أصابها من الأمطار حتى تعفنت ، حين يقتل قريب من مليوني إنسان ولا يدفنون، لا شك أن الوباء ينزل ، ولهذا يقول : مات أعداد غفيرة من الذين خرجوا بسبب الوباء فهذه من علامات كونهم يكونون كمائن داخل الأمة الإسلامية ، يُ علِ مون العدو بمواضع الضعف، ويشيرون على ولاة الأمر بالإشارة الزور، حيث أشار ابن العلقمي على الخليفة بأن يسرِّ ح أكثر أفراد الجيش، فإذا بقي عشرة آلاف ماذا يفعلون ؟ لا شك أن هذا من دلائل ما عندهم من الخيانة، ومن دلائل خطورة الثقة بهم،

عدد الصفحات ٤٠

41 وجعلهم في الموضع الذي هم فيه موضع الاستشارة وهم ليسوا لها بأهل. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (ولهم "القاب" معروفة عند المسلمين تارة يسمون "الملاحدة"، وتارة يسمون "القرامطة"، وتارة يسمون "الباطنية"، وتارة يسمون "الاسماعيلية"، وتارة يسمون "النصيرية"، وتارة يسمون "الخرّميّة"، وتارة يسمون "المحمرة"، وهذه الأسماء منها ما يعمهم، ومنها ما يخص بعض أصنافهم، كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه : إما لنسب ، وإما لمذهب ، وإما لبلد ، وإما لغير ذلك ). الشرح : هذا نبهنا عليه وقلنا إن أحد المتأخرين من مناصري المذهب الوجودي ممن كتب في الديانات وخدم النصارى كثيرا وأخبرهم بثغرات المسلمين أيضا من خلال مؤلفاته جازاه الله بما يستحق، وقد هلك قبل سنوات، نقد شيخ الإسلام، قال: كلام ابن تيمية هنا مخلَّ ط ما يعرف النصيرية، فيقول تارة يسمون بالقرامطة، وتارة يسمون بكذا . وهذا من جهله هو - أعني هذا المتأخر -، فإن الشهرستاني وابن الجوزي والغزالي والمتقدمين جميعا يتحدثون عن التيار عامة، ويخبرون أن لهم ألقابا خاصة، فهذا الكلام من شيخ الإسلام له نظائر في كلام من قبله؛ لأن المقصود التيار عموما، لكن أن يقال: الباطنية في سوريا هم الدروز، والباطنية

عدد الصفحات ٤١

42 في الهند هم الأغاخانية، والباطنية في اليمن هم كذا، والباطنية في مصر هم كذا، ليست العبرة في هذا أن اسمهم مثلا في مصر العبيديون، واسمهم في سوريا مثلا النصيرية، واسمهم في الجولان ونحوها وجهات من سوريا أيضا ولبنان: الدروز العبرة ما هي؟ العبرة بالأمر الجامع الذي يجمعهم. يقول وهو مثل ما أن المسلمين مع الفرق العظيم يعمهم اسم الإسلام، ثم يقال هذا المسلم من المالكية ، وهذا المسلم من الحنابلة ، وهذا المسلم من الشافعية، وهذا المسلم من الحنفية يقول: هم جميعا مسلمون، لكن هذه النسبة إما إلى بلد أو إلى مذهب أو نحوه، يقول: فكذلك الباطنية ، الأمر العام الذي يعمهم هو ما قدمناه، والتفاصيل الداخلية التي تخص كل فرقة تعد بالنسبة للأمر الذي اتفقوا عليه شيئا جزئيا، بالنسبة لعموم ما اتفقوا عليه، وصاروا بسببه يُ دْ عون بالباطنية أما كونهم في مصر يمارسون كذا وكذا من الشعارات، وفي سوريا يمارسون كذا وكذا، هذه تفاصيل داخلية. فنقول: هذا الوضع هو الذي كان عليه المتقدمون حين ينظرون إلى الباطنية نظرة دقيقة من حيث العموم، أما التفاصيل الداخلية فأمرها يسهل. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وشرح مقاصدهم يطول، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض ) الشرح :

عدد الصفحات ٤٢

43 معنى قوله(ظاهر مذهبهم الرفض) أي: أنهم يظهرون أنهم من الروافض من الشيعة، يقول : وباطن مذهبهم وحقيقة مذهبهم الكفر المحض الصريح لأنهم كما قلنا يأتون للشيعي مثلا فيَ دْ خلون عليه من باب حبهم لعلي رضي الله عنه ولآل البيت، فإذا أنس لذلك بدأوا يقولون لكن عليا فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا؛ وهي مرحلة التشكيك، فيبدأ يتشكك، ويتركونه بلا أجوبة، فتبدأ المرحلة التي قلنا، وهي مرحلة الربط؛ يبدأ يسألهم ما حل الشبهة التي ألقيتم علي؟ فيبدأون يُ نقِّ لونه حتى يأخذوا عليه الأيمان والعهود أن لا يفصح بمذهبهم، ثم يظهرون له المذهب الباطني على طريقته م، وتتفاوت الفرق الباطنية في بعض الوسائل، تتفاوت مثلا في القوة والضعف، تتفاوت في الدعوة، وتتفاوت في عدد الأتباع، لكن الإطار العام الذي يجمع الباطنية هو ما قدمناه من مثل: السرية في الدعوة، ودعواهم أنه لا يوجد شرائع كصوم وصلاة وزكاة، ولا يوجد اعتقاد كملائكة وكتب ويوم آخر وجنة ونار ونحو ذلك. هذا هو الأمر الذي يجمعهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن . ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه، ولا بأن له دينا أمر به، ولا أن له دارا يجزى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار.

عدد الصفحات ٤٣

44 وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الآلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور، ويضمون إلى ذلك الرفض ) الشرح : تقدم إيضاح هذا في أول الكلام على الحثالات التي جمعتها الباطنية، وأنهم يعودون إلى مثل هذه المدراس ، بيّ نّ ا هذا عند الكلام على أول فقرة أو ثاني فقرة في الدرس. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( ويحتجون لذلك من كلام النبوات: إما بقول مكذوب ينقلونه، كما ينقلون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أول ما خلق الله العقل" والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، ولفظه "إن الله لما خلق العقل، فقال له: أقبل، فأقبل فقال له: أدبر فأدبر" فيحرفون لفظه فيقولون "أول ما خلق الله العقل" ليوافقوا قول المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل. وإما بلفظ ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحرفونه عن مواضعه، كما يصنع أصحاب "رسائل إخوان الصفا" ونحوهم، فإنهم من أئمتهم) الشرح : يريد الشيخ رحمه الله بيان أن طريقتهم حينما يذكرون النصوص ويحتجون بها كما تقدم؛ يراد بها ادعاء أن عندهم مستندا من النصوص، وإلا فالأمر كما قال رحمه الله تعالى: هم لا يقرون

عدد الصفحات ٤٤

45 بأصول الاعتقاد التي ذكرنا أصلا ، ولهم اعتقاد بيّ نّ ا جزءا منه في أول الكلام . لك أن تعلم مثلا حتى تعلم دقة كلام شيخ الإسلام: أن النصيرية الآن عندهم كتاب بديل عن القرآن يسمونه (المجموع) مكون من ست عشرة سورة؛ تدور كلها حول تأليه علي رضي الله عنه . لولا أني لا أريد أ ن أنشر الباطل الموجود في ذلك من كفرهم الموجود في هذا الكتاب الخبيث لنقلت بعض ترهاتهم التي يسمونها سورا . أما ما ذكر الشيخ عن رسائل إخوان الصفا فهي : رسائل كتبها أناس مجهولون لا يعرف من هم، وبثوها في الوراقين الذين يبيعون الكتب، خلطوا فيها ما بين الفلسفة والشرع وجعلوها في خمسين رسالة، وفيها نفس باطني ظاهر تماما ؛ فمصنف هذه الرسائل لا شك أنه من أئمة الباطنية، وقد قدسها الإسماعيلية المتأخرون حتى ساووها بالقرآن في الفترات الاخيرة؛ هذه المسماة برسائل إخوان الصفا، وهي رسائل باطنية لا إشكال في كونها قد كتبها أناس منهم. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : ( وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين، وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ) الشرح : هنا أنبه كل طالب علم في أي فن من فنون الشريعة في الفقه في الأصول في مصطلح الحديث : إلى ضرورة التفطن لضبط

عدد الصفحات ٤٥

46 العقيدة، والحذر م ما يبثه أتباع الضلالة؛ سواء من أهل البدع القديمة او من أهل المذاهب المعاصرة التي راجت أفكارها على بعض طلبة العلم للأسف، ممن لم يضبطوا ا لإعتقاد واكتفوا بالتركيز على بعض أبواب العلم كالأحكام الفقهية مثلا أو المبالغة في دراسة المصطلح والمبالغة في الإلمام بأصول الفقه مع التقصير في ضبط العقيدة وهذا نبه عليه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى ، وبيّ ن أنه موجود في طلبة العلم للأسف، هنا لماذا تروج بعض الأفكار على طالب العلم مع وجود خلل اعتقادي فيها؛ إما من أهل البدع أو من أهل الإلحاد في بعض الأحيان؟ الجواب : السبب هو الجهل بحقيقة منبع القول ومقصده، وبسبب عدم ضبط الاعتقاد الصحيح ، خاصة إذا سُ مِّ يت هذه الأفكار بأسماء لها نوع من البريق؛ كأن تسمى بأفكار التنويريين وما ماثلها من أفكار تروج على الجاهلين بحقيقة الاعتقاد وخطورة المنبع للقول، بعض الأقوال لا يدري من قالها وتبناها لايدري بمآلها، يعني إلى أي شيء توصل عقديا ، ولا يدري بمنبعها . فجاء في الوسط وتبنى قولا لا يدري باللازم الذي سيترتب عليه، ولا يد ري من ابتدأ هذا القول الباطل، فجاء في الوسط وأخذ هذا القول وظن أنه من الأقوال الصحيحة، وبسبب الجهل بضبط الاعتقاد الصحيح، راجت الأفكار الاشتراكية في فترة سبقت وألبست بلبوس الشرع وسمي الإسلام كما قلنا بالدين الاشتراكي1، سقطت الاشتراكية ، فظهر أنصار الديمقراطي ة 1- انظر تفصيل ذلك في محاضرة بعنوان( الديمقراطية في ميزان الإسلام ) ألقاها فضيلة الشيخ في يوم الجمعة الموافق 7 /2 / 2041هـ بمسجد النخيل.

عدد الصفحات ٤٦

47 وألبسوها بلبوس الشرع، وروجوا لها بنفس الأسلوب، وتصدى للدفاع عنها بعض من لم يضبط أمر الاعتقاد ولم يعرف حقيقة المذهب الذي تبنى أفكاره، قد يكون له عناية كما قلنا بالفقه أو ببعض أبواب العلم، لكن للأسف الشديد: الأصل الذي ينبغي أن يبني عليه الفقه والمصطلح والأصول غفل عنه وهو الاعتقاد، والواجب أن يربَّ ى طلبة العلم دائما على ضبط الاعتقاد في المقام الأول حتى إذا وصلت الأفكار الباطلة الضالة استطاعوا أن يردوها ويعرفوا ما فيها من خطل، أما إذا اعتنى طالب العلم بباب وأغفل باب العقيدة فقد قلب الأمر قلبا، هنا كلام ابن تيمية يذكِّ ر بوضعنا اليوم ، يذكر شيخ الإسلام أن بعض الأفكار الباطنية راجت على بعض المنسوبين للعلم، كيف ذلك؟ لما قلناه من أنه لم يدر أن هذه المقولة مقولة باطنية، استحسن المقولة مع أنه يعادي الباطنية ويلعنهم وير د عليهم، لكن تبنى بعض أقوالهم، لأنه لم يضبط أمر الاعتقاد ولم يتفطن إلى أن هذا القول الذي نصره وأيده قول لهؤلاء الأعداء من الباطنية. فالحاصل أن القصور في ضبط الأساس العقدي يدخل على طالب العلم بلايا لا يدري بمنبعها الذي نبعت منه، ولا بمآلها الذي توصل إليه، ويدافع عنها للأسف ، وربما اجتهد وبحث لها في الأدلة عن مستند أيضا ، فهذا يعطي طالب العلم وجوب التنبه إلى أمر الاعتقاد وأن عليه أن يضبطه وأن يتفطن لأمر الأفكار والبدع والضلالات التي قد تدخل عليه وهو لا يشعر، فإن طائفة كما يقول شيخ الإسلام هنا من المنسوبين للعلم دخلت عليهم بعض مقولات الباطنية مع أنهم لا يوافقون الباطنية على أصل المقولة الكفرية؛ لكن دخلت عليهم هذه الأقوال بسبب الخلل في أولويات العلم.

عدد الصفحات ٤٧

48 نص كلام ابن تيمية رحمه: (فإن هؤلاء لهم في إظهار دعوتهم الملعونة التي يسمونها "الدعوة الهادية " درجات متعددة، ويسمون النهاية "البلاغ الأكبر والناموس الأعظم" ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى، والاستهزاء به، وبمن يقر به ، حتى قد يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رجله، وفيه أيضا جحد شرائعه ودينه وماجاء به الأنبياء، ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة، فمنهم من أ حسن في طلبها، ومنهم من أساء في طلبها حتى قتل، ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول، ويجعلون المسيح من القسم الثاني . وفيه من الاستهزاء بالصلاة، والزكاة والصوم، والحج ومن تحليل نكاح ذوات المحارم، وسائر الفواحش: ما يطول وصفه. ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضه م بعضا . وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم ). الشرح : تقدم شيء من هذا وأنهم ينقلون المدعو بالتدريج إلى أن يفصحوا له بالإلحاد وجحد الشرائع والحط من جانب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم -كما سمعت - وهدم الشريعة في أحكامها الظاهرة المعروفة، وهذا الكتاب الخبيث المسمى بالبلاغ الأكبر يتم من خلاله تدريج الدعوةمع المدعو ليصل في النهاية إلى الإلحاد العام نسأل الله العافية والسلامة وذلك أنهم

عدد الصفحات ٤٨