المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شرح رسالة عن النصيرية للإمام ابن تيمية رحمه الله

عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

صفحة ٢ من ٥

17 سليمان هو الاسم ، وآصف هو المعنى القادر المقتدر . ويقولون : سليمان عجز عن إحضار عرش بلقيس ، وقدر عليه آصف لأن سليمان كان الصورة ، وآصف كان المعنى القادر المقتدر . وقد قال قائلهم : هابيل شيث يوسف يوشع آصف شمعون الصفا حيدر ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : محمد هو الاسم ، وعلي هو المعنى ، ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا . فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليا هو الرب ، وأن محمدا هو الحجاب ، وأن سلمان هو الباب ، وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور سنة سبع مائة فقال : أشهــــد أن لا إلـــه إلا حيدرة الأنـزع البطيــن ولا حجــاب عليـــه إلا محمـد الصـادق الأمين ولا طريـــق إليــــه إلا سلمان ذو القوة المتين ويقولون: إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال، وكذلك الخمسة الأيتام، والاثنا عشر نقيبا ، وأسماؤهم مشهورة عندهم ، ومعلومة من كتبهم الخبيثة ، وأنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار ، ويقولون : إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ ويليه في رتبة

عدد الصفحات ١٧

18 الأبليسية أبو بكر رضي الله عنه ، ثم عثمان ــ رضي الله عنهم أجمعين وشرّفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين والمفسدين ــ فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من الترت يب . ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة . وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام، وهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب ، وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم ، ومن عامة الناس أيضا في هذا الزمان ، لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الافرنج المخذولين على البلاد الساحلية ، فلما جاءت أيام الإسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم . والابتلاء بهم كثير جدا . فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوج منهم ؟ وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا ؟ وما حكم الجبن المعمول من أنفحة ذبيحتهم ؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم ؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا ؟ وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم ؟ أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من رجال المسلمين الكفاة . وهل يأثم إذا أخر طردهم ؟ أم يجوز له التمهل مع أن في عزمه ذلك ؟ وإذا استخدمهم وأقطعهم أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم؟ وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ولي الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين أو أرصده لذلك : هل يجوز له فعل هذه الصور ؟ أم يجب عليه ؟ وهل دماء النصيرية

عدد الصفحات ١٨

19 المذكورين مباحة وأموالهم حلال أم لا ؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله تعالى بإخماد باطلهم ، وقطعهم من حصون المسلمين ، وحذر أهل الإسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم ، وألزمهم بالصوم والصلاة ، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل وهم الذين يلونه من الكفار : هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدي والترصد لقتال التتار في بلادهم وهدم بلاد سيس وديار الافرنج على أهلها ؟ أم هذا أفضل من كونه يجاهد النصيرية المذكورين مرابطا ؟ ويكون أجر من رابط في الثغور على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكبر أجرا ؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم وإظهار الإسلام بينهم ، فلعل الله تعالى أن يهدي بعضهم إلى الإسلام وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم أم يجوز التغافل عنهم والإهمال ؟ وما قدر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه ، والمرابط له والملازم عليه ؟ ولتبسطوا القول في ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى إنه على كل شيء قدير ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ] الشرح/ هذا السؤال الضافي أورد فيه صاحبه إحدى عشرة مسألة ، أَََ بَ ان فيها حال النصيرية بحسب الحال الذي كانوا عليه، فسأل عن جملة من عقائدهم التي أجملنا الكلام عنها - وسيأتي إن شاء الله شرح لها في كلام شيخ الإسلام رحمه الله - من ذلك: أن النصيرية يقولون باستحلال الخمر، وهذا كما قدمنا ناشئ عن إسقاطهم جميع أحكام الشرع من الواجبات والمحرمات، فهم كما

عدد الصفحات ١٩

21 تقدم يرون حرمة الخمر ولا الزنا ولا غيرها ، بل بعضهم يقدس الخمر ويرى أن لها نوع قداسة، فضلا عن كونه يستحلها. الأمر الثاني : اعتقادهم تناسخ الأرواح، وهو مذهب عفن أخذوه من كفرة الهند وأصحاب الديانات الشرقية، حاصله أن الروح تخرج من الجسد فتحل في جسد آخر، وذلك أنهم لا يؤمنون بأمر القبور وما يكون فيها، ولا بأمر البعث والحشر والجزاء والحساب والجنة والنار فيرون أن الروح تنتقل إلى جسد آخر، وأنه إذا كان هذا الجسد طيبا فإن هذا هو النعيم وإذا كان هذا الجسد خبيثا فإن هذا هو العذاب. ومن ذلك قولهم عياذا بالله بقدم العالم وهي مقولة زنادقة الفلاسفة القدامى من اليونان الذين يزعمون أن العالم لا خالق له - عياذا بالله – ولما كانت النصيرية تعتقد أن الآخرة أمر باطل فقد قررت أن الثواب والعقاب إنما يكون بالطريقة التي تقدمت في أمر التناسخ، ومما اعتقدوه أن الصلوات الخمس ليست هي الصلوات التي يصليها المسلمون، وإنما هي خمسة أسماء ذكرها هنا :(علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة ) قالوا: هذه هي الصلوات ا لخمس، فذِ كْ رُ هذه الأسماء بزعمهم يجزي عن الغسل من الجنابة ، ويجزيهم عن الوضوء وعن بقية الصلوات الخمس كلها، ومما ذكره عنهم أيضا : زعمهم أن الصيام عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعد ونهم في كتبهم، يقولون : من قال هذه الأسماء فهو صائم، فإذا جاء شهر رمضان فليأكل وليشرب، لأن الصوم معناه كذا . وهذا كما قلنا لأنهم على الطريقة الباطنية يزعمون أن لهذه الألفاظ معاني باطنة يعرفونها، ويضللون أهل الإسلام بأدائهم لهذه الأركان بطريقة عملية، كما هو الشأن في حقيقة الصلاة وحقيقة الصيام وغيرها.

عدد الصفحات ٢٠

21 ومن ذلك : أن معبودهم ال ذي يعبدونه ويزعمون أنه خلق السماوات والأرض هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وأجلَّ الله وأكرم مقامه عن عَ قْ د هؤلاء المفسدين - فهو عندهم عياذا بالله هو الإله في السماء، وهو الإمام في الأرض، فقالوا: إنه هو الإله في السماء، لكنه صار في الأرض لأن اللاهوت - يعني : الجانب المتعلق بالإله - نزل إلى الأرض ليكون على هيئة الناسوت - يعني : الناس - ليؤنس عبيده : يعتقدون أن الخلق عبيد لعلي رضي الله تعالى عنه ويعلمهم كيف يعبدونه . والمسألة الثامنة التي ذكر عنهم: أن النصيرية دينهم دين أسرار، فالرجل عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يُ جَ الَ س ويُ شرَ ب معه الخمر ويُ طلَ ع على الأسرار ويُ زوَّ ج من النساء النصيريات حتى يخاطبه المعلِّ م، وهو كبيرهم وشيخهم. وحقيقة الخطاب عندهم أن يُ حلََِ فوه على كتمان دينه - وهي المرحلة التي قلنا إن الباطنية يمشون عليها حتى يصلوا إلى مرحلة العهود والأيمان- فيأخذون عليه أيمانا ويعاهد على أن لا يفشي هذه الأسرار وأن يعرف مشايخ مذهبه وأكابرهم وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره، فيعرف انتقال الاسم والمعنى كما سيأتي تفصيله؛ فيقول هناك اسم ظاهر للإله وهناك معنى هو حقيقة الإله - زعموا أن الإله يحل في هذا الاسم في الظاهر والمعنى الحقيقي هو في غيره - وضربوا على هذا أمثلة متعددة فقالوا: الإله الاسم الذي كان في أول الأمر كان باسم آدم والمعنى الحقيقي كان في شيث، وهكذا يعقوب كان هو مجرد اسم، والمعنى الحقيقي للإله هو يوسف؛ ثم عبثوا بآية من آيات

عدد الصفحات ٢١

22 القرآن وحرفوها التحريف القذر القبيح الذي عليه الباطنية فقالوا: إن يوسف لما طلب منه إخوته أن يصفح عنهم قال: ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) قالوا: لأنه هو المعنى ، أما يعقوب فإنه لم يقل (يغفر الله لكم)، قال:(سوف استغفر لكم ربي) ومرادهم - أخزاهم الله - أن يوسف هو رب يعقوب، فالمعنى في يوسف ، لأنه عندهم هو الرب - عياذا بالله - ، أما يعقوب فهو مجرد الاسم، مع أنهم - أخزاهم الله - يعرفون أن يوسف عليه السلام قال : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ). فهو يذكر مغفرة الله عز وجل لهم ، ثم إنه يُ رد عليهم بقوله : في آخر السورة: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة ) وهذا الذي لا شك فيه أن رب يوسف ورب الجميع هو الله فيوسف يدعوه ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة ) ماذا يريد أن يدعو به؟ (توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) وهذا دعاء العبد يدعو به ربه تعالى، لكنهم كما قلنا يلعبون بهذه النصوص هذا اللعب. وهكذا قالوا: إن موسى كان مجرد اسم وفتى موسى - وهو يوشع الوارد في سورة الكهف: ( وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ) قالوا : يوشع هو المعنى يعني أنه أفضل من موسى - مع أن الله سمى يوشع بالفتى التابع لموسى عليه الصلاة والسلام - قالوا: يوشع ردت له الشمس، وهل ترد الشمس إلا لربها ؟ ومرادهم ما ورد في الحديث من: أنه غزا وكانوا منهيين عن العمل يوم السبت ، وكان غزوه يوم الجمعة ، فأراد أن ينهي

عدد الصفحات ٢٢

23 الغزو قبل أن يأتي السبت فدعا بهذا الدعاء : ( اللهم احبسها علينا ) - يعني : الشمس - فحُ بِ ست حتى فتح الله عليه. فكيف يكون هو الرب وهو يدعو ( اللهم احبسها علينا )؟! لكنهم كما قلنا : يتلاعبون بهذه النصوص ليظهروا للطغام والجهلة أن عندهم أدلة من القرآن على مذهبهم، وهكذا يجعلون سليمان هو الاسم ويجعلون آصف هو المعنى - مع أن آصف على قول كثير من المفسرين : رجل صالح، وليس نبيا - فجعلوا الرجل الذي ليس نبيا هو الأفضل من النبي! فجعلوه هو المعنى وجعلوا سليمان مجرد اسم؛ وقالوا : إن سليمان لم يأت بعرش بلقيس، وإنما أتى به آصف، لأن سليمان كان مجرد اسم وصورة، والحقيقة كانت في آصف. مع علمهم بأن آصف قد دعا الله ربه ورب كل شيء، فأمكنه الله تعالى من الإتيان به. فلهذا لما جعل بين يدي سليمان قال: ( هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ). ثم ذكر قول شاعرهم ، هذا القول الفظيع، وقال : إنهم يعدون الأنبياء واحدا واحدا على هذا النمط ، إلى أن يصلوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،فيجعلون محمدا هو مجرد الاسم والصورة، والحقيقة هي علي رضي الله عنه -نسأل الله العافية والسلامة- وهذا لا شك أن فيه تفضيلا صريحا لعلي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم ، والحق أن تفضيل علي على الأنبياء موجود عند الاثني عشرية الرافضة؛ حيث ذكر عبدالله شبر : أن الرافضة مجمعون ولاسيما المتأخر ين منهم على أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم، بل إن بعضهم فضّل عليّا رضي الله

عدد الصفحات ٢٣

24 عنه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكره أصحاب مقالات الفرق، كالشهرستاني وغيره. فهذه الضلالات وهذا التعظيم والمبالغة الذي كانت تقوله الاثنا عشرية في علي رضي الله عنه هو الذي مهد لهؤلاء الغلاة أن يقولوا في علي ما قالوا، وذلك أنهم أعني الاثني عشرية كانوا يبالغون في وصف علي ومدحه رضي الله عنه، ويحيلون إليه جملة من المبالغات أنه: يقدر على كذا، ويتمكن من كذا، فجاءت النصيرية لاحقا فقالوا : هذا الدليل على أن عليا هو الله بسبب مبالغات الرافضة قبلهم، كقولهم إن عليا رضي الله عنه قلع باب خيبر بقوة ربانية لا جسمانية وكان ذاك الباب لا يقلعه خمسمائة رجل تقول هذا الشيعة، فقالت النصيرية: أرأيتم؟ هل يفعل هذا إلا الرب ؟ ففتح كلام الشيعة ومبالغاتهم للنصيرية مثل هذه الأبواب. ومن ذلك ما يقوله الشيعة في رواياتهم من أن عليا رضي الله عنه لما ضرب مرحبا اليهودي بالسيف قطعه نصفين - وهذا انتهينا منه قطعه نصفين - ثم قالوا :إن سيف علي نزل إلى الأرض فشق الأرض الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة بسيفه فقال الله لجبريل: الحق الأرض لايقلبها سيف علي. فأتى جبريل وحمل سيف علي على كتفه قال: فوجدت سيف علي أثقل على جناحي من مدائن قوم لوط !

عدد الصفحات ٢٤

25 قال النصيرية: أرأيتم يا شيعة هذا الدليل على أن عليا رب، هذا تصرف رب الذي يفعل هذا الفعل ويشق الأرض شقا بمجرد سيفه ليس بشرا. فالحقيقة أن مبالغات الشيعة الشنيعة في علي رضي الله عنه فتحت الباب لهؤلاء، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النصيرية دخلوا من باب الشيعة؛ وذلك أن مرويات الشيعة التي بالغوا فيها هذه المبالغة الشديدة فتحت للغلاة لاحقا أن يقولوا مثل هذه المقولات الفظيعة . وثمت نماذج كقول بيان بن سمعان من غلاة الباطنية ونحوه استدلوا بنفس أدلة الرافضة. هنا يقول في السؤال: إنهم يرون أن عليا هو الرب - عياذا بالله - وأن محمدا هو الحجاب الذي يحجب الحقيقة فلا يعيها إلا أهل العلم بالباطن وسلمان هو الباب ولكن الحقيقة هي في علي وأنشدوا هذا الشعر - نسأل الله العافية الذي ينضح بالزندقة والكفر يقول قائلهم: أشهد أن لا إلــه إلا حيدرة ( يعني: عليا ) الأنزع البطين ( البطين يعني: ذو البطن) ولا حجاب عليه إلا محمد الصــادق الأميـن ولا طريــق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين ويقولون: إن ذلك على هذا الترتيب، لم يزل ولا يزال يعني في الأئمة، قالوا: فالأئمة لهم حقيقة ، ولهم حُ جُ ب، ولهم أبواب . الحجاب لعلي هو فلان والباب لعلي هو فلان وهكذا.

عدد الصفحات ٢٥

26 وكذلك(الأيتام الخمسة) يقصدون بهم خمسة، منهم أربعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم: عثمان بن مظعون و المقداد واب و ذر وعبدالله بن رواحة والخامس قنبر مولى علي رضي الله عنه ، فجعلوا هؤلاء هم المسمّين بالأيتام الخمسة، وزعموا أن هؤلاء هم الذين يُ صرِّ فون الكون - عياذا بالله - . ننبه إلى مسألة ترد في كلام شيخ الإسلام وفي كلام غيره ذكرها السائل هنا يقول: ( وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم ) هذه النسبة خاصة بهم تعادل كلمة (أحد الفضلاء عندهم) السائل لا يقول: أحد الأفاضل. بل يقول: أحد أفاضلهم؛ يعني: أحد أهل الفضل بالنسبة لهم. وهذا قيد مهم كما قال صلى الله عليه وسلم في رسالته لملك الروم[ :من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم] ولم يقل هرقل العظيم، لكن قال: عظيم الروم . وهذا وصف صحيح فإنه عظيم لكن عند الروم، وليس عظيما عند الله عز وجل. مما ذكر أيضا أنهم يبغضون عمر رضي الله عنه بغضاء شديدة جدا، ولهذا يبدأون به في البغضاء والمسبة أكثر من أبي بكر رضي الله عنه، حتى قالوا فيه هذه الكلمة الخبيثة: إنه إبليس الأبالسة . لماذا يحقدون على عمر بالذات؟ إن كان بسبب تولي الخلافة فإن أبا بكر قد تولى قبله.

عدد الصفحات ٢٦

27 فلماذا الحقد على عمر بشكل خاص؟ السبب: وجود حقد فارسي دفين عندهم وعند الشيعة عموما. نقل الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله بيت شعر لأحد الفرس يقول فيه ما ترجمته: إن عمر كسر ظهور أسود العرين المفترسة واستأصل جذور آل جمشيد - جمشيد هذا أحد ملوك الفرس المعظمين عندهم - ثم يقول الشاعر - طبعا هذه ابيات مترجمة وليس نص الابيات - يقول: ليس الجدال أن : عمر - غصب الخلافة من علي ، بل المسألة قديمة يوم فتح إيران، فيقول: إنا نبغض عمر لا لقضية علي ولا لآل بيت ولا لغيره. يقول: لكن نحن نبغض عمر لأن عمر رضي الله عنه فتحت جيوشه إيران، وقصمت ظهر ما سماه بأسد العرين وهي (الأسرة الفارسية التي كانت تحكم ذلك الوقت ) وانتهى ملك الفرس في ذلك الحين ولهذا يبغضون عمر رضي الله عنه بغضاء شديدة ، لا انتصارا لعلي وحبا لال البيت كما يزعمون، فهذا كلام غير صحيح، لكنهم جعلوا أمر آل البيت مجرد شعار يرفعونه، وكأن عندهم قضية ، وإلا فبغضهم لعمر رضي الله عنه ناشئ من هذا ، ولهذا قالوا إن أبا بكر بعد عمر في البغضاء، وهكذا عثمان رضي الله تعالى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أن لمقالاتهم التي تقدمت تفاصيل كثيرة تعود إلى هذه الأصول المذكورة، ومراده أنهم فرَّ عوا على هذه العقائد فروعا تتناسب معها في السوء، لكن المذكور هنا من أهم ما يذكر عنهم. ماذا يريد السائل الآن؟ السائل بدأ

عدد الصفحات ٢٧

28 الآن بالسؤال بعدما فعلت هذه الطائفة من الخيانات العظيمة في الشام وفي غيرها بدأ السؤال بقوله: هل يجوز أن يزوجهم المسلم أو يتزوج منهم؟ وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه؟ وما حكم الجبن المعمول من أنفحة ذبيحتهم؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟ وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم؟ إلى آخره. هذه الأسئلة الجواب عنها واحد يتضح من خلال الحكم عليهم، فإن حُ كِ مَ بأنهم كفار لم يحلَّ أن يزوجهم المسلم، ولا أن يتزوج من نسائهم ولا أن يأكل من ذبائحهم، ولا أن يدفنهم في مقابر المسلمين إلى آخره، فهذه المسائل كلها راجعة إلى بيان الحكم عليهم من حيث الشرع: هل يكفرون أو لا يكفرون. وهذا سيرد إن شاء الله في كلام شيخ الإسلام، وسنأخذ كلام شيخ الإسلام الآن فقرة فقرة السؤال جعلناه جملة واحدة لأن شيخ الإسلام سيعيد فقراته وأيضا بعض الفقرات التي في السؤال قدمنا لها بمقدمة ، لكن أجوبة شيخ الإسلام بحاجة إلى أن تذكر في كل فقرة مستقلة وسنجعلها واحدة واحدة إن شاء الله. نص كلام ابن تيمية رحمه الله: (فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: الحمد لله رب العالمين. هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم

عدد الصفحات ٢٨

29 وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين) الشرح: هذا الموضع الأول في الجواب بدأ ببيان خروجهم من الملة، فأجاب بذلك على كثير من الأسئلة التي مرت ، لأنها كما قلنا مرتبة على هذا الحكم، فإن الحكم بالردة يقتضي منع الزواج ومنع أكل الذبائح وعدم الدفن بمقابر المسلمين ، إلى غير ذلك من أحكام المرتد، لكنه ذكر أن كفرهم - أعني: النصيرية - ليس مثل كفر غيرهم بل هو أشد حتى من الكفار الأصليين كاليهود والنصارى المجمع على أنهم كفار، كما قال تعالى: ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ) فاليهود والنصارى كفار وهم في نار جهنم وهم شر البرية كما قال تعالى: ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب وال مشركين في نار جهنم خالدين فيها أولائك هم شر البرية ) ومع ذلك يقول شيخ الإسلام: إن هؤلاء أشر منهم. وسيتبين السبب في كونهم شرا من اليهود والنصارى في ثنايا هذه الرسالة إن شاء الله. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم فإن هؤلاء يتظا هرون عند جهال المسلمين بالتشيّع وموالاة أهل

عدد الصفحات ٢٩

31 البيت، وهم في الحقيقة يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولا بملة من الملل السالفة بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها علم الباطن، من جنس ما ذكره السائل، ومن غير هذا الجنس) الشرح : نعم ذكر هنا السبب في كونهم أخطر من ا لكفار المحاربين كالتتار والإفرنج الذين كان بين المسلمين وبينهم إذ ذاك حروب طاحنة، والسبب في ذلك : أولا: أن أمر الكفار متضح وكفرهم لا يلتبس على أحد، أما الذين يدَّ عون حب آل البيت ويصيحون بنصرتهم، فإنهم يلتبس أمرهم على كثير من الجهال وقد يحبهم ويميل إليهم الجاهل إذا أظهروا له حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته، هذا هو الوجه الأول في كون النصيرية والباطنية عموما أخطر من اليهود والنصارى. الوجه الثاني: في خطورتهم/ أنهم يُ عطُ ون الجاهل معاني للنصوص خطيرة ويدَّ عون أن هذه المعاني هي المعاني الصحيحة، فيظن الجاهل الذي يتبعهم أنه لم يخالف القرآن؛ وأن قول الباطنية قد دل عليه القرآن، فيستمسك - عياذا بالله - بهذا المذهب الباطني، ويظن أن القرآن قد دل عليه، وأن الذي أطلعه على هذا العلم هو رجل من أهل المعرفة والفهم والبصيرة من طائفة النصيرية، بينما لا يطمع اليهودي

عدد الصفحات ٣٠

31 والنصراني أن يضل المسلم من خلال الاستشهاد على كفره بالنصوص، أما النصيري فيدّعي أنه من المؤمنين بالقرآن ، ولكن لهذا القرآن معنى - مع أنهم كما سيأتي لا يؤمنون بالقرآن ولا بالكتب ولا بالرسل في واقع الأمر - هنا يروج كلام النصيرية والباطنية عموما على الجاهل ما لايروج كلام أهل الكفر المحاربين الذين اتضح شركهم وكفرهم. فمن هذين الوجهين يتضح أن شر النصيرية أخطر من شر الكفرة الأصليين، وثمت وجوه أخرى لكن من أهمها هذان الوجهان. نص كلام ابن تيمية رحمه الله : (فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ، وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه، إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل، ومن جنس قولهم : إن "الصلوات الخمس" معرفة أسرارهم، "والصيام المفروض " كتمان أسرارهم، "وحج البيت العتيق" زيارة شيوخهم، وأن (يدا أبي لهب) هما أبو بكر وعمر، وأن (النبأ العظيم) والإمام المبين هو علي بن أبي طالب) الشرح : نعم هذه نماذج من تلاعبهم بالنصوص وبمعانيها، وهي تدل على أنهم لا يُ قدِّ رون القرآن ولا يوقرونه . هذا العبث واللعب

عدد الصفحات ٣١

32 بهذه المعاني وبهذه الطريقة هو استهزاء بالقرآن، ولا يمكن أن يكون تفسيرا له، وقد تقدم ذكر نماذج من لعبهم بالآيات، والحق أن بعضا من هذه التأويلات موجود عند الشيعة، ولهذا قلنا إن الشيعة فتحوا الباب لكثير من هذه الطوائف، فما أشبه تأويلاتهم هذه بقول الشيعة في المراد بقول الله عز وجل فيما ذكر عن خبر بني إسرائيل وقول موسى لهم:(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قال الشيعة : المقصود بالبقرة عائشة . هذا من التأويل الباطني الذي يلعب بالنص، موسى عل يه السلام زمن بني إسرائيل يأمر قومه أن يذبحوا بقرة معناها عائشة ! - سبحان الله عما يقولون علوّا كبيرا - هذا لا شك أنه لعب بالنصوص ، وهو عند الشيعة ثم صعَّ ده الباطنية من النصيرية ومن غيرهم. لكن كما قلنا وذكرنا كلام ابن القيم أكثر من مرة هم بمثابة الصبيان الذين تعلموا من الشيوخ: نقَّ طتموا لهم وهم خط وا على نُ قَ ـط لكـم كمعلِّ ـــم الصبيـــان فالذي فتح الباب بالتلاعب بنصوص القرآن على هذا النحو هم الشيعة، فلما قال الشيعة مثلا في الآية السابقة ما قالوا قالت النصيرية: إذا معنى قوله تعالى ( تبت يدا أبي لهب ) المراد بيدي أبي لهب: أبو بكر وعمر. ماذا بقي من الاستهزاء بالقرآن؟ ماذا بقي من العبث بكتاب الله إذا كانت الآيات سيلعب بها هذا اللعب؟

عدد الصفحات ٣٢