1 بسم الله الرحمن الرحيم شرح رسالة عن النصيرية للإمام ابن تيمية رحمه الله شرحها الشيخ د . عبدالله بن عبدالعزيز العنقري مقدمة الشرح الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن هذه الرسالة التي صنّفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في زمنه تحكي حالا لفرقة من فرق الضلال، ابتلي المسلمون بها في دهور كثيرة من أعصارهم، وتفاقم شرهم في سنوات مضت، ولا تزال بلاياهم ومحنهم تتجدد - نسأل الله أن يجعل حصدهم عاجلا غير آجل وأن يكفي المسلمين شرهم - ولما كان الحال على ما يُعلم في بلاد الشام من المُصاب العظيم والفجيعة الكبيرة من هذه الطائفة الخبيثة رأى الإخوة - وفقهم الله - في هذا المسجد أن تُنتقى رسالة لشيخ الإسلام تتعلق بالنصيرية في زمنه رحمه الله، ورأينا أن هذا من المناسب ليُربط الماضي بالحاضر، وليُعلم أن طوائف الضلال ما هي إلا
عدد الصفحات ١2 خنجر في خاصرة هذه الأمة يتجدد نزفه على مدار السنين، وأن على الأمة أن تعي خطورة هذه الفرق الضالة وما تسببه من إشكالات، وبناء على هذا فإنا سنضع بإذن الله تعالى مقدمة نرجو أن تكون موضحة حال هذه الفرقة وحال فرق مماثلة لها وُجدِتْ ولا تزال توجد، وشرها مستطير في هذه الأمة منها ما ظهر وتجلّى، ومنها ما خفي وبطن ويتربص بالأمة الدوائر. قبل قراءة هذه الرسالة سنضع مقدمة تعريفية لطائفة الباطنية عموما التي تنحدر منها هذه الطائفة المارقة حتى يُعرف حال هذه الطوائف مجتمعة، وسن جعل الكلام على هذه المقدمة في فقرات ثمان، وبعدها نبدأ إن شاء الله تعالى في القراءة والشرح: الفقرة الأولى / في سبب قراءة هذه الرسالة في هذا الوقت: لا شك أن السبب هو الحاجة البينة لإيضاح حال هذه الفرقة، حيث تفاقم شرها في السنين الأخيرة بعد تسلطهم على سوريا منذ أكثر من أربعين سنة، وما ألحقوا بالمسلمين هناك من النكبات التي تعد ممارساتهم اليوم فيها امتدادا لمظالم سابقة اشتهرت بها بلدان في سوريا؛ كحماة وتدمر، كما اشتهرت بها سنوات كالعام 2041هـ وما كان قبله من سنوات استيئهم على سوريا، إلى هذه الفجيعة الكبيرة التي بدأت العام الماضي ولا تزال إلى اليوم. ومن أسباب قراءة هذه الرسالة أيضا توضيح جملة من الأحداث التي استعظمها المسلمون في سوريا، من مثل إلزام أتباع هذه الطائفة للناس بتعظيم زعيم النظام إلى حد السجود له من دون الله تعالى؛ بل - والعياذ بالله - إلزام الناس
عدد الصفحات ٢3 بالجهر بأنه هو الإله،في أحداث تعود إلى اعتقاد يوجد لدى هذه الطائفة بتعظيم البشر وجعلهم مؤلهين معبودين من دون الله، وفي هذا ربط للحاضر المعاصر بالماضي الغابر الذي كثيرا ما يتناول الإعلام بعض أحداثه بعيدا عن هذا الربط جهلا أو تجاهلا، مما يؤدي إلى غبش في فهم كثير من الأحداث التي تضيع حقائقها في مناقشات عقيمة يكثر فيها التخليط وعدم الدقة في تحديد الأسباب من جهة وتحليل الواقع الراهن من جهة أخرى؛ فضلا عن القدرة على وضع الحلول السليمة له، وذلك أن صوت أهل العلم الشرعي بكل أسف هو آخر الأصوات التي تُسمع في مثل هذه الأحداث، وقد حذّرنا في هذا المسجد العام الماضي2 من هذه التجاوزات الإعلامية وحذّرنا عموم المسلمين من أخذ مواقفهم مما يُبث في وسائل الإعلام، لما فيها من جهل بحقائق الأمور تارة ، وتعمد التلبيس وقلب الحقائق تارات أخرى. الفقرة الثانية/ هذه الطائفة النصيرية لا يمكن الحديث عنها إلا بعد مقدمة عن الباطنية التي تنحدر منها هذه الطائفة؛ حتى تعرف المنطلقات العامة التي تشترك فيها طائفة النصيرية مع غيرها مما هو داخل في تيار الباطنية، فعند ذلك تتضح حقيقة هذه الطائفة - أعني: النصيرية - بردّها إلى أصلها الذي نبعت منه، وهذا المنهج في توضيح التيار عموما هو الذي كان عليه المتقدمون حين يعرضون لفرقة باطنية، فإنهم يتحدثون عن التيار الباطني 2- وذلك في محاضرة( المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن ) يوم الثلاثاء الموافق 12 /41 /2041هـ بمسجد النخيل.
عدد الصفحات ٣4 بعمومه كما صنع ابن تيمية هنا في الرسالة، وقد انتقد أحدُ المتأخرين شيخَ الإسلام ابنَ تيمية في عرضه للنصيرية في هذ ه الرسالة، وادّعى أنه لم يفهم هؤلاء القوم. وما ذاك إلا لجهل هذا الناقد بطريقة من كتبوا في المذاهب حين يتناولون التيار الباطني، حيث يجعلون الفرق الباطنية واجهات متعددة لمذهب واحد، كما فعل ابن الجوزي في كتابه( القرامطة )، والغزالي في( فضائح الباطنية )، والشهرستاني في( الملل والنحل ) وهلم جرا، فكل هؤلاء حين تكلموا عن الباطنية ذكروا أن لهم ألقابا ثم شرعوا يعددون الفرق المنبثقة عن هذا الفكر كالسبعية والقرامطة والبابكيّة والخرّ ميّة إلى آخره، فجعلوا كل هذه الفرق المتعددة ألقابا للتيار الباطني العام لأنّ جميع ه ذه الفرق تلتقي في القول بالباطن الذي سنذكر إن شاء الله تعريفا موجزا به، وعليه فصنيع ابن تيمية رحمه الله هنا صنيع المتقدمين الذين يحرصون على التركيز على الأسس والركائز الكبيرة التي تلتقي عندها فرق الضلال، وهذا هو الأسلوب السليم لعرض هذه الطوائف لتتسع مدارك الناس في الأمر الجامع الذي تشترك فيه، وذلك من خلال النظر في المنطلقات العامة التي إذا وجدت في طائفة ما في أي وقت أو مكان، ومهما تجدد لها من الأسماء عُرِفَ أنها فرقة باطنية ضمن الاتجاه الباطني العام ، مما يعطي للناس حصانة دقيقة من كل فرقة تنشأ وتتلبس باسم جديد يكون مربوطا بأشخاص أو ببلدان أو غيرها كما سيأتي في توضيح كلام الشيخ رحمه الله. الفقرة الثالثة/ في تعريف موجز بالباطنية:
عدد الصفحات ٤5 الباطنية لقب عام ينظوي تحته طوائف كثيرة ظلت تخرج على مدار القرون، وانتشرت في بلدان عدة، ولذا أطلق اسم الباطنية على هذه الطوائف جميعا لالتقائها في جملة من الأمور التي من تلبّس بها صُنِّف في عداد التيار الباطني - وإن وجد بينه وبين طوائف أخرى داخل هذا الاتجاه فروق جزئية - سأعرض هنا بعون الله أهم الملامح التي ميزت الباطنية جميعا ليتضح لقارئ هذه الرسالة جملة من الأمور الواردة فيها، ويتضح له أيضا الملمح العام للباطنية مهما نشأت لهم فرق جديدة ، كما نشأت فرقهم في أمريكا وغيرها من البلاد التي دخلها الإسلام، متأخرة عن غيرها من البلدان، فإن فيها فرقا باطنية ولها أسماء تسمت بأشخاص هناك، وهكذا الفرق التي نشأت على أنقاض طائفة من نفس التيار الباطني كالأغاخانية التي ظهرت في القرن الثالث عشر الهجري القريب، وإليك أهم هذه الملامح للتيار الباطني وهي ملامح عامة: أ . التزام السرية في عقائدهم وإخفا ؤها عن الناس ، لما تتضمنه من فظيع الأمور التي لا يرون الجهر بها إلا لنوعية مخصوصة من أتباعهم، ومن هنا فإنهم يظهرون في الغالب أنهم لا يعتقدون أي عقيدة تخالف ما عليه المسلمون، وقد بنوا هذا كله وفق مبدأ التقية ليبرروا لأتباعهم انتهاج هذا المسلك الذي تخالف حقيقته الباطنة ما يظهرون، ولذا فإن الباطنية قد يعيشون بين الناس سنين عددا ولا يُعرفون لعدم إظهارهم طوامهم؛ لأنهم لا يُظهرون هذه الطوام إلا في حال تمكنهم وتغلبهم فإنهم
عدد الصفحات ٥6 يجهرون بها ب حياء لأن غرضهم إسقاط الشرع كما سيأتي إن شاء الله. ب - تسعى الباطنية إلى إبطال العقيدة الإسلامية كلها وإلى إبطال الشرع أيضا بما في ذلك أركانه المشهورة من صلاة وصيام وزكاة وحج، وقد ادعوا أن لهذه الأركان معاني باطنة تخالف ما يعتقده المس لمون ويطبقونه منها من معانيها المعروفة، فالصوم عند الباطنية هو الإمساك لا عن المفطرات التي يمسك عنها المسلمون في الصيام ، ولكن مرادهم بالصوم هو الإمساك عن إفشاء أسرار دعوتهم، فهذا هو الصيام عندهم ، والحج قد يفسرونه بأنه زيارة الإمام ، والصلاة ليست خمسة الفروض المعروفة، بل هي عبارة عندهم عن خمسة أسماء هي: (علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة رضي الله عنهم) إلى غير ذلك من التفسيرات الباطلة التي أرادوا بها هدم الشريعة في جانب الواجبات حتى لا يكون هناك أركان وشعائر ظاهرة ، مع ملاحظة أنهم قد يختلفون في تفسير هذه الفرائض فيما بينهم ، لكن الأمر المتفق عليه عندهم أن هذه الأركان العظام ليست على ظاهرها، بل لها معاني باطنة ، ويتبع الواجبات المحرمات فاستحلوا المحرمات ال معلومة من الدين بالضرورة كالخمر فقد استحلوها، بل قد كان بعضهم يقدسها، وهكذا الزنا عياذا بالله استحلوه، بل استحلوا نكاح المحارم -أخزاهم الله- ورأوا عدم الفرق بين النساء الأجنبيات والمحارم القريبات، كما قال أحد قدماء الباطنية، وهو علي بن الفضل في شعر خطب به
عدد الصفحات ٦7 لما دخل مدينة الجند واستولى عليها عام191هـ ، فكان فيما خطب به على المنبر شعرا قوله صراحة: ولا تمنعي نفسكِ الم عرِ سين من الأقربين ومن أجنبي فكيف حللـتِ لهذا الغريــــب وصرتِ محرمــــــة للأبِ أي: أنه لا يرى فرقا -عياذا بالله - بين الأبِ وبين الأجنبي بالنسبة لبنته! نسأل الله العافية والسلامة. ومعلوم أن نكاح المحارم كان عند المجوس حتى هدمه المسلمون حين فتحوا بلادهم، فكتب عمر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري:( أن فرقوا بين كل ذي رحم من المجوس ) والباطنية كما هو معلوم لمن درسها قد جمعت ف ي مباد ئها حثالات متنوعة من الأفكار الزائغة، ومن أشهرها الفكر الباطني الموجود لدى اليهود والنصارى ، إضافة إلى الفلسفة اليونانية النتنة الملحدة ، وكذا المؤثرات الباطنية لدى من يُسمَّون بالعرفانيين كالصابئة والثنوية وا لمانوية والديصانية ، مما يعد وليدة للفلسفات الشرقية القديمة القائمة على تنظيم الجمعيات السرية، ولذا ظهرت عند الباطنية أفكار شنيعة كالقول بالتناسخ ونحوه من الطوام التي ولدتها تلك المذاهب الضالة أو بعضها، وبناء عليه كَفَرَ الباطنية بالبعث والجزاء والحساب في ا ليوم الآخر وما فيه من جنة و نار ، وثمت اعتقادات وبلايا فظيعة تركت ذكرها اختصارا، وهي موجودة في الكتب التي تحدثت عن الباطنية وسيرد إن شاء الله بعض منها في هذه الرسالة.
عدد الصفحات ٧8 الفقرة الرابعة/ في التنبيه إلى طريقتهم في الدعوة: لما كانت الباطنية حركة سرية وكانوا يريدون نشر أفكارهم الضالة رسموا لدعوتهم أسلوبا يعتمد اصطياد الجهال الذين يمكن أن تجري عليهم ضلالتهم ، ومن ثم يُ جسّ نبض هذا المدعو، فإن قبل بدأوا بإظهار عقائدهم له بالتدريج، ومن أشهر طرق القرامطة وهي من الفرق الباطنية اعتماد ثمان مراحل ينقّلون من خلالها المدعو بالتدريج، إلى أن يفصحوا له بالأمر على جليته وهذه الوسائل الثمان على النحو الآتي باختصار: أولا / التفرس: أي: أنهم يتفرسون في الشخص الذي يريدون اصطياده ؛ هل يناسب الدعوة للفكر الباطني أم لا؟ ثانيا / التأنيس: من الأُنس؛ يؤنّسون هذا المدعو. ثالثا/ التشكيك: بتشكيكه في الاعتقاد الذي يحمله من خلال إلقاء شبه عليه لا يستطيع حلها، فيهيم في مرحلة الشك. رابعا/ الربط: بحيث يرتبط هذا المدعو بالداعي الباطني بعد وقوعه في الحيرة. خامسا/ التدليس والتأسيس. سادسا / المواثيق بالأيمان والعهد:
عدد الصفحات ٨9 أي: بأخذ اليمين وإعطاء العهد على أن يكتم الأمر ولا يظهره. سابعا / الخلع. ثامنا / السلخ: أي: سلخه من دينه بالكلية . فهذه الوسائل تبدأ باختيار الجاهل الذي يراد اصطياده، وبعد هذه المراحل يصلون إلى سلخه من الدين بالكلية ودخوله في الفكر الباطني القائم على نبذ العقيدة والشريعة كما تقدم. الفقرة الخامسة / في نكبة الأمة الإسلامية بهم على امتداد العصور:- تاريخ الباطنية مليء بجرائم شنيعة أوقعوها في الأمة في كل مرة يستشعرون فيها القوة فأما في مراحل ضعفهم هم فإنهم يلازمون الكُ مُ ون وعدم الظهور ، وقد تسلطوا على الأمة عبر تاريخها وقتلوا من أبنائها ما لا يحصى ، وروعوا الطريق وقطعوها على الناس حتى تعطل السفر والحج في عدد من السنين، ونعطي نموذجا واحدا على إجرامهم ، لأن إجرامهم اليوم في سوريا واضح للعيا ن وبطريق ة تجاوزت فظاعتها الحدود، ولكن نعطي نموذجا قديما، لنربط حاضرهم بماضيهم: هذا النموذج في صنيع القرامطة الباطنية بالحجاج عام 713هـ: حيث اتجهوا إلى مكة في موسم الحج فقتلوا في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة خلقا كثيرا من
عدد الصفحات ٩11 الحجاج ومن أهل مكة ، وجلس عدو الله أميرهم أبو طاهر الجنابي على باب الكعبة والناس يقتلون من حوله وهو يقول : أنــا للـــه وباللــــه أنــــا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ثم لما قتل الناس أمر بدفن القتلى في بئر زمزم وفي المسجد الحرام، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها ثم قلع الحج ر الأسود وأخذه إلى بلاده في (البحرين) وكان أمير مكة تبعه فيما بعد وتشفع عند أبي طاهر هذا وبذل له جميع أمواله ، ليرد الحجر الأسود فأبى، فقاتله أمير مكة فقتل أميرَ مكة وأكثر أهل بيته وقتل كثيرا من أهل مكة، واستمر ذاهبا معه أموال الحجيج الذين قتلهم واستلب أموالهم، ومعه الحجر الأسود ومكث عندهم في بلدتهم ثنتين وعشرين سنة، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية) وكثير من المؤرخين الذين تناولوا هذا العام، وكان غرض القرامطة من قتل الحُ جّ اج أن يبطلوا الحج، لأنهم لا يرونه ، فينفذوا اعتق ادهم الخبيث في إنكار الحج وشعائر الإسلام بطريقة عملية، وجرائمهم عبر التاريخ كثيرة وقعت نماذج لها في دولة العبيديين المسمَّينَ خطأ بالفاطميين ، وهذه التسمية تسمية خاطئة ينبغي أن يكف عنها ، لأنهم ليسوا من فاطمة رضي الله عنها بسبيل، بل هم العبيديون نسبة إلى جدهم عبيد القداح الذي ذكر غير واحد من المؤرخين أنه يرجع إلى اليهود أخزاه الله ، ذكر هذا ابن كث ير وابن تيمية والباقلاني وغيرهم، وأوضحوا أنهم ليسوا من آل البيت بسبيل ، وشنائع العبيديين كثيرة يطول وصفها ، إذا أردتها وجدتها في فترة استيلائهم على مصر وعلى الشام ، وكذا استيلائهم على المغرب.
عدد الصفحات ١٠11 الفقرة السادسة/ في مناصرة أعداء الإسلام للباطنية ومناصرة الباطنية لأعداء الإسلام :- ظهرت مناصرة الباطنية لأعداء الإسلام في مواطن حرجة جدا كانت الأمة فيها غاية في اضطراب الأحوال، وقد ذكر ابن تيمية نماذج عجيبة من نصرتهم للصليبيين في حملاتهم على المسلمين فيما عرف بالحملات الصلي بية، وقد أظهروا الفرح الشديد لهزيمة المسلمين في عدة مواطن ، إبّ ان تلك الحملات، حتى إنهم حملوا راية النصارى مستبشرين أن حَ لَّ بالمسلمين ذلك الكرب، وذكر ابن تيمية أن المسلمين حين هزمهم النصارى في إحدى المواقع وقتل عدد من المسلمين في بعض المعارك اتجه الباطنية نحو نساء المسلمين وذرياتهم و أخذوهم إلى قبرص وباعوهم لنصارى قبرص . وأظهر أول ئك ال مفسدون في تلك السنوات حقيقة ما أبطنوه من قبيح عقائدهم وشنيع حقدهم على هذه الأمة، حيث دخل بعضهم في صفوف الصليبيين، وبسببهم استولى الصليبيون على سواحل الشام والقدس وغيرها من البلاد الشامية ، أما تعاملهم مع التتار فقد حثوا تيمورلنك على قتل المسلمين بالجملة وتخريب دمشق وأقاموا الأفراح حين ذبح التتار المسلمين، وسيرد في أثناء كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جملة من شنائعهم وف ظائعهم التي تحدث عنها . أما فيما يتعلق بمناصرة أعداء الإسلام للباطنية فإن أعداء الإسلام لما رأوا ما صنعته الباطنية لهم ردوا عليهم بأن صاروا يعينونهم ويمكنونهم في بلاد الإسلام ، لعلمهم بحقدهم الدفين على هذه الأمة واستعدادهم لأن يكونوا من أخس أنواع العملاء للمحتلين،
عدد الصفحات ١١12 وإليك بعض النماذج مربوطة بتواريخ وببلدان وقع فيها هذا التآخي بين أهل الكفر جميعا من الملاحدة الباطنيين ومن أعداء الله من النصارى المحتلين: ففي عام 2449هـ لما احتل الفرنسيون سوريا تعامل معهم النصيريون وتعاونوا مع هم غاية التعاون فكاف أهم الفرنسيون بتكوين دولة لهم خاصة سموها دولة العلويين ، حينما قسموا سوريا إلى دويلات صغيرة ، وظلت تلك الدولة الن صيرية منفصلة حتى توقيع المعاهدة السورية الفرنسية التي وحدت البلاد لاحقا ، واحتج عليها عدد من النصيريين إلى أن جاءت النكبة بالنصيريين قبل نحو أربعين عاما على يد الهالك حافظ الأسد والد هذا الشرير بشار، قبل نحو من أربعين عاما استولوا على سوريا، وساموا الناس سوء العذاب. من نماذج مناصرة الأعداء للباطنية : مناصرة الإنجليز للطائفة الباطنية المعروفة بالأغاخانيّة ، فقد اتصلوا بحسن علي شاه ومنَّ وه بحكم فارس ، فقام هذا الشقي بثورة في عام 2121هـ- والتواريخ التي أذكر كلها بالهجري، وهي موجودة في المراجع بالتاريخ النصراني الميلادي فقلبناها إلى التاريخ الهجري لأنه هو الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون - قام هذا الهالك بثورة عام 2121هـ ولكنه فشل في مراده وقبض عليه هناك، عندها تدخل الإنجليز وضغطوا حتى أفرج عنه، فلما أفرج عنه أغروه بالذهاب إلى أفغانستان ليحدث فيها فتنة ويكون صنيعة للإنجليز هناك ، لكن الأفغان كشفوا هويته واضطروه للرحيل إلى الهند فذهب إلى الهند واتخذ من (بومباي) مقرّ ا له فأراد الإنجليز الاستفادة منه ومن عمالته لهم
عدد الصفحات ١٢13 فاعترفوا به إماما للباطنية هناك وخلعوا عليه لقب أغاخان واجتمع عليه باطنية الهند، وأنت ترى الآن كيف أن هذا الوضع الحاصل في سوريا يتلاعب به أعداء الأمة، مكتفين بتهديدات كلامية أو مقاطعة اقتصادية ونحو ذلك، بينما سارعوا للتدخل بالقوة في بلدان أخرى وضغطوا على أنظمة أخرى حتى نحَّ وا زعماءها، أما في سوريا فالتواطؤ واضح وإن تعالت تهديداتهم بأنهم سيفعلون وسيفعلون ، ومهما تعالت مطالباتهم باتخاذ إجراءات عقابية فإنما يقصدون منها شيئا واحدا : أن تكون بمثابة خط الرجعة ، بحيث لو زال الحكم هناك في سوريا لأظهروا لأهل البلد لاحقا أنهم كانوا معهم وأنهم ضغطوا على النظام حتى سقط، وأنهم كانوا ممن يسعون إلى إزالة الظلم عن المسلمين في سوريا، أما إن بقي الحكم هناك - نسأل الله أن لا يبقيه - إن بقي الحكم هناك فهذا ما يحبذه أعداء الله، وإن زعموا أنهم لا يريدون بقاءه، ولكنها ألاعيبهم بقضايا هذه الأمة، كما تلاعبوا قبلها بقضية فلسطين وغيرها. الفقرة الثامنة / في علاقة الشيع ة الاثني عشرية بالباطنية الغلاة: الباطنية يظهرون أنهم قائلون بقول الرافضة ، وحقيقة أمرهم أنهم على خلاف قول الرافضة ، فإنهم يُ نقِّ لون المدعوَّ حتى الشيعي من التشيع إلى الفكر الباطني ، ولهذا رد عليهم بعض الشيعة القدامى كيحيى بن حمزة في كتابه : ( الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام ) وكذا أصحاب المقالات من الرافضة كالنوبختي وغيره، لكن ما الذي تراه الآن؟
عدد الصفحات ١٣14 الذي تراه الآن تحالف الشيعة المعاصرين بدأ بشيعة إيران مع هؤلاء الباطنية وغير شيعة إيران ما هو إلا مجرد تابع لهم . ويظهر هذا كما في الحلف المعروف بين إيران وسوريا وحزبهم العميل المسمى بحزب الله ، مع أن هؤلاء النصيريين معدودون حتى عند الشيعة في ضمن الفرق المتفق على كفرهم فلماذا تحالف الشيعة الاثنا عشرية معهم إذا ؟ السبب دقيق جدا وهو أن التشيع نفسه تطور، بحيث صار حكم متقدمي الشيعة على بعض العقائد بالغلو أمرا مرفوضا عند الشيعة المتأخرين، لأن ذلك الغلو الذي كان يحكم عليه متقدمو الشيعة صار ضمن ضرورات المذهب الشيعي في الأعصار المتأخرة، وإليك الدليل على ذلك من كلام أحد أشهر المعتنين بالرجال من الشيعة الاثني عشرية وهو: المامقاني الشيعي، فإنه قال في كتاب له مشهور هو: ( تنقيح المقال ) في المجلد الثالث في الصحيفة 104 : يقول[:بيّنّا غير مرة أن رمي القدماء - يعني قدماء الشيعة - أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد ع ليه، ولا يركن إليه ، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم غُ لوَّ ا - يعني : مراتب أئمة الشيعة - غلوَّ ا عند القدماء ، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع - تأمل العبارة - وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوا عند هؤلاء - يعني : المتقدمين - وكفاك عدَّ هم إثبات قدرة الأئمة على العلم بما يأتي - يعني : من الغيب - بتوسط جبريل والنبي غلوا ] يقول: كان من المتقدمين من الشيعة من يقول : إن اعتقاد أن جبريل يأتي بالعلم للإمام يعد ضربا من ضروب الغلو فيهم يقول: أما اليوم
عدد الصفحات ١٤15 فلا يعد هذا عند المتأخرين غلوَّا ، بل إنه أصبح من ضروريات المذهب الآن ] ما معنى ذلك ؟ معناه: أن الغلو عند المتقدمين من الشيعة اختلف ميزانه عن المتأخرين، ولذا صار الغلو عند السابقين معدودا من ضروريات المذهب لدى المتأخرين، مع أن عند المتقدمين من الشيعة بلايا كثيرة، لكن التشيع يتطور إلى الأسوأ، وهذا يدلك على أن التشيع يتدرج حتى اقترب المذهب الشيعي من المذهب الباطني، فصار الغلو عند المتقدمين من الشيعة جزءا من ضروريات المذهب كما قلنا عند المتأخرين، وهذا سر التحالف بين الشيعة المتأخرين وبين الفرق الباطنية. هذه مقدمة أحببنا أن نذكرها في بدء الكلام عن الرسالة، لأن في الرسالة مواضع تحتاج إلى شرح وبيان، فإذا بدأنا بها هذا البدء ووصلنا إلى تلك المواضع اكتفينا إن شاء الله تعالى بما ذكرناه في هذه المقدمة . نص السؤال الموجه لابن تيمية رحمه الله: ( وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ،رضي الله عنهم أجمعين ،وأعانهم على إظهار الحق المبين ، وإخماد شعب المبطلين في " النصيرية " القائلين باستحلال الخمر وتناسخ الأرواح ، وقدم العالم ، وإنكار البعث والنشور والجنة والنار في غير الحياة الدنيا ، وبأن " الصلوات الخمس " عبارة عن خمسة أسماء ، وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة
عدد الصفحات ١٥16 .فذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزيهم عن الغسل من الجنابة ، والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمس وواجباتها . وبأن " الصيام " عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا ، واسم ثلاثين امرأة ، يعدونهم في كتبهم ، ويضيق هذا الموضوع عن إبرازهم ، وبأن إلههم الذي خلق السموات والأرض هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو عندهم الإله في السماء ، والإمام في الأرض ، فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أن يؤنس خلقه وعبيده ، ليعلمهم كيف يعرفونه ويعبد ونه . وبأن النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ، ويشربون معه الخمر ، ويطلعونه على أسرارهم ، ويزوجونه من نسائهم : حتى يخاطبه معلمه . وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلفوه على كتمان دينه ، ومعرفة مشايخه وأكابر أهل مذهبه ، وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه ، وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره ، فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كل حين وزمان . فالاسم عندهم في أول الناس آدم والمعنى هو شيث ، والاسم يعقوب ، والمعنى هو يوسف . ويستدلون على هذه الصورة كما يزعمون بما في القرآن العظيم ح كاية عن يعقوب ويوسف ــ عليهما الصلاة والسلام ــ فيقولون : أما يعقوب فإنه كان الاسم ، فما قدر أن يتعدى منزلته فقال : (سوف أستغفر لكم ربي ) وأما يوسف فكان المعنى المطلوب فقال : ( لا تثريب عليكم اليوم ) فلم يعلق الأمر بغيره ، لأنه علم أنه الإله المتصرف ، ويجعلون موسى هو الاسم ، ويوشع هو المعنى ، ويقولون : يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره ، وهل ترد الشمس إلا لربها ؟ ! ويجعلون
عدد الصفحات ١٦