100 ألا ما أحوج الدول الإسلامية، والجماعات الإسلامية -في بقاع الأرض- إ أن يتدبروا هذه القاعدة جيدًا، وأن يتأملوا في العواقب التي جناها مخالفوا التقوى في الأنظمة والحكم والسلوك. ومن تدبر مجيء قوله تعالى -على لسان موسى وهو يخاطب قومه المضطهدين ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ (عدة قرون-: عرف حاجة الدول والمجتمعات لتدبر ]128[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ هذه الآية جيدًا، وأن وعد الله لا يتخلف لمن اتقاه دولاً كانوا أو شعوبًا، وتأمل قول ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ (: bمَنْ عواقب الأمور كلها إليه .]41[ )ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ومن أراد أن يعرف الآثار السيئة التي لقيها العالم حين بَعُد المسلمون عن دينهم، : rوخسارة العالم لعظيم مبادئ الإسلام؛ فليقرأ كتاب الشيخ أبي الحسن الندوي (ماذا خس العالم بانحطاط المسلمين)؟! فإن الحديث فيها يحتاج إلى بسط أكثر، ولكن حسبنا أما على المستوى الفردي، في مقامنا هذا أن نشير إشارة مُذكّرة بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية: جاءت بعد قصة قارون الذي لم )ﯙ ﯚ (فإن آية القصص: يصبر على شهوة المال! وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد -رجلاً كان أو امرأة- لتدبر هذه القاعدة، ؛ bخصوصًا وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عن دين ا لتهوّن عليه الصبرَ عن الشهوات والملذات المحرمة، فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف
عدد الصفحات ١٠٠101 القاعدة الخامسة عشر التقوى، فليذكرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة وكذلك الداعية إلى الله، من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل، والمليء بالابتلاء بالخير أو بالشر، وخصوصًا إذا كان لا يجد معينًا ولا ناصرًا، بل قد يجد مناهضًا ومعاديًا! بعد أن ذكر شيئًا مما تعرض له إمام الدعاة محمد rيقول شيخنا العلامة ابن باز من أذى وابتلاء:× « يصيبني شيء؟! ليس الأمر كذلك بل لابد من الامتحان، ومن صبر حمَِدَ العاقبة، ك فالعاقبة الحميدة )ﯞ ﯟ (، )ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ (: eقال ا لأهل التقوى، متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ (: bالنفوس، فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، كما قال .)ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ فأنت -يا عبد الله- في أشد الحاجة إلى تقوى ربك ولزومها، والاستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الامتحان، ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ، واذكر الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، واذكر أتباعهم بإحسان؛ فقد أوذوا، واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنهم صبروا؛ .)1(فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر ).289 /2 مجموع فتاوى ابن باز)1(
عدد الصفحات ١٠١102 ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقيًا في أحواله، أو أفعاله، فلا عاقبة له حسنة، وإن أُمهل زمانًا، أو تُركَ دهرًا، وهذه سنة الله في خلقه، وقد )ﯙ ﯚ(كان شيخ الإسلام ابن تيمية يستدل بهذه القاعدة القرآنية: وبأمثالها -إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام- وكان يقسم بالله أن التتار لن يُنصروا، واعلموا -أصلحكم الله- أن النصرة «بل سيخذلون وينكسون، وكان مما قاله حينها للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته، .)1(وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العا اللهم ارزقنا تقواك، واجعلنا من عبادك المخلصين. ).419 / 28)، و125 /3 ينظر: مجموع الفتاوى)1( ) ل تحُزنك مشقةُ البدايات..فلذّاتُ الخواتيم ستنسيك كل أ 1 ﱹ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ) 2 .]197،196[ﮎ ﮏ ﮐ ﱸ ) مصارع الأمم والدول والطغاة تعلّمك بالحدث صدق قاعدة: العاقبة للمتقين.3 ) اجعل نعيم العاقبة حاديًا لك ومؤنسًا كلما تعثّرت بك هذه الدنيا 4 مفكّرة
عدد الصفحات ١٠٢103 )1( )ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ( هذه قاعدة قرآنية عظيمة، يحتاجها الإنسان في مقام التمييز بين الأقوال والأفعال، والسلوكيات والمقالات. والخبيث: ما يُكره بسبب رداءته وخساسته، سواء كان شيئًا محسوسًا، أو شيئًا معنويًا، فالخبيث إذًا يتناول: كل قول باطلٍ ورديء في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح من الفعال، فكل خبيث: لا يحبه الله ولا يرضاه، بل مآله إلى ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ (: bجهنم، كما قال .]37[ )ﮜ ﮝ وإذا تبين معنى الخبيث ههنا؛ فإن الطيب بعكسه فيدخل فيه الواجب والمستحب والمباح -من الأقوال والأفعال والصحيح من المعتقدات- فدخل في هذه القاعدة كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الواجبات والمستحبات والمباحات. .100 المائدة)1( القاعدة السادسة عشر
عدد الصفحات ١٠٣104 فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، .)1(ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ (وهذه القاعدة القرآنية هي صدر الآية الكريمة: ، ]100[ )ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ والتي سيقت في معرض الحديث عن أنواع من المطاعم والمشارب والصيد، وتفصيل الحرام والحلال فيها. ولا ريب أن الغرض من الآية ليس مجرد الإخبار بأن الخبيث لا يستوي هو والطيب، فذلك أمرٌ مركوز في الفِطَر، بل الغرض: الحث والترغيب في تتبع كل طيب من القول والعمل والاعتقاد والمكسب، والتنفير من كل خبيث من القول والعمل والاعتقاد والمكسب. ولما كان في بعض النفوس ميلٌ إلى بعض الأقوال أو الأفعال أو المكاسب الخبيثة، وكان كثيرٌ من الناس يؤثر العاجل على الآجل، والفاني على الباقي؛ جاء التحذير من الخبيث بأسلوب عجيب يقطع الطريق على من قد يحتج بكثرة من يتناول هذا وذلك أن في بعض الخبائث شيءٌ من )ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ(: bالخبيث، فقال اللذة الحسية أو المعنوية، كالحصول على مالٍ كثير لكن من طريق حرام، أو الوصول إلى اللذة الجسدية عن طريق الزنا، أو الخمر أو غيرهما من الملذات المحرمة، فهذه قد تغري الإنسان، وتعجبه، إلا أنه مع كثرة مقداره، ولذاذة متناوله، وقرب وجدانه، )، وتفسير ابن جزي والسعدي لهذه الآية.272 ينظر: مفردات الراغب)1(
عدد الصفحات ١٠٤105 القاعدة السادسة عشر سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السمدية التي إليها الإشارة بقوله ، وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ]46[ )ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ( -ولو أعجبك كثرته- يمتنع أن يكون مساويًا للطيب الذي أعظمه: معرفة الله من استقام على bومحبته، وطاعته، فتلك هي -والله- الحياة الطيبة التي وعد بها ﮉ ﮊ ﮋ (أمره، بأن يطيب عيشه في الدنيا والبرزخ والآخرة، قال تعالى: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ هؤلاء هم الذين طابت أقوالهم وأفعالهم وحياتهم، ]97[ )ﮚ ﮛ [ )ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ(: bفطاب مماتهم ورجوعهم إلى الله، كما قال نسأل الله الكريم المنان من فضله الواسع العظيم.]32 ولعظيم موقع هذه القاعدة وما دلّت عليه، فإن المتأمل للقرآن يجد عجبًا من كثرة التأكيد على العمل بما دلّت عليه هذه القاعدة! ومن ذلك: التأكيد على ضرورة العناية بالمكاسب الطيبة، ولم يستثن الله أحدًا من -1 عباده المؤمنين في الحث على هذا الأمر، بالإضافة إلى العمومات الآمرة بطيب ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ (المكسب، كقوله تعالى: إلا أن الله تعالى خص الرسل ]168[ )ﯱ ﯲ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ عليهم الصلاة والسلام -الذين كانوا أطيب الناس حسًا ومعنى- بخطاب خاص ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ (في هذه المسألة بالذات، فقال تعالى: .]51[ )ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ
عدد الصفحات ١٠٥106 وكلُّ هذا يؤكد ضرورة العناية بهذا الباب العظيم الذي هو طيب المكسب، ولقد كان سلفنا الصالح شديدي العناية بهذه المسألة، ولربما سافر أحدهم مئات الأميال، وتغرب عن وطنه، كل ذلك بحثًا عن لقمة طيبة حلال، حتى قال سفيان الثوري: إن طلب الحلال هو عمل الأبطال. ولقد كان من أعظم أسباب العناية بطيب المكسب عند أسلافنا أمور، من أهمها: . × أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا كما قال النبيأ- ومنها: أن هذه المكاسب مما تنبت عليها الأجساد.ب- ولهذا فإن مما يُوصَ به: كثرة الصدقة كلما كثر المال، أو قويت فيه الشبهة؛ كما - فيما رواه أهل السنن × من يتعاطون التجارة، حيث يقول×أوص بذلك النبي -ونحن نسمى × قال: خرج علينا رسول اh-: من حديث قيس بن أبي غرزة فشوبوا بيعكم يا معشر التُّجَّار! إن الشيطان والإثم يحضران البيع « السماسرة- فقال .)1(قال الترمذي: حديث حسن صحيحبالصدقة وإذا كان هذا شأن المكسب الطيب - فعلى الناصح لنفسه أن يجتهد في تحقيقه، والحذر من أي شيء يكدره، خصوصًا وقد اتسعت على الناس اليوم أنواع من المكاسب المحرمة فضلاً عن المختلطة والمشتبهة، كبعض الشركات الموجودة في أسواق الأسهم المحلية والعالمية. ).1208 الترمذي ح)1(
عدد الصفحات ١٠٦107 القاعدة السادسة عشر ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: أنه لا يصح - أبدًا - أن نجعل -2 الكثرة مقياسًا لطيب شيءٍ ما، وصحته وسلامته من المحاذير الشرعية، وهذا أمرٌ يصدق على الأقوال والأفعال والمعتقدات، بل يجب أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبمدى موافقتها للشرع المطهر. ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ (تأمل -مثلاً- في قلة أتباع الرسل وكثرة أعدائهم: ، وهذا مما يؤكد على الداعية أهمية العناية ]116[ )ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ بالمنهج وسلامته، وأن لا يكون ذلك على حساب كثرة الأتباع! وهذا موضعٌ لا يفقهه إلا من وفقه الله تعالى، ولا يصبر عليه إلا من أعانه الله وسدده؛ لأن في الكثرة فتنة، وفي القلة ابتلاء. وإليك مثالاً ثالثًا يجلي لك معنى هذه القاعدة بوضوح، وهو أن تتأمل في كثرة المقالات والعقائد الباطلة وكيف أن المعتقد الحق هو شيء واحدٌ فقط، ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ (: bقال .]153[ )ﮆ ووالله ما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيّب مثلها وأحسن، مع أمْنٍ من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والعاقل حين يتحرر من هواه، ويمتلئ قلبه من التقوى ومراقبة الله تعالى؛ فإنه لا يختار إلا الطيب، بل إن نفسه ستعاف الخبيث،
عدد الصفحات ١٠٧108 ولو كان ذلك على حساب فوات لذات، ولحوق مشقات؛ فينتهي الأمر إلى الفلاح ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ (في الدنيا والآخرة، مسليًّا نفسه بقوله تعالى: .]77[ )ﯙ ﯚ اللهم جعلنا من الذين طابت أقوالهم وأفعالهم، فطاب منقلبهم ومآلهم. ) كما أن العمل الخبيث ل يستوي مع الطيب؛ فكذلك الشخص الخبيث ل 1 يستوي مع طيب الأخلاق والنفس ) من رافق شيئًا غلب عليه..فاحذر من مرافقة الأعمال الخبيثة أو الرفقة الفاسدة.2 ) بريق الكثرة وإغراؤها ل يمكن أن تستزل طيب الفكر والنفس والعمل3 ) كلما سوّلت لك نفسُك بعملٍ أو كسبٍ أو خُلُقٍ خبيثٍ فتذكّر أن الطيب 4 سبحانه ل يقبل إل طيبًا مفكّرة
عدد الصفحات ١٠٨109 )1( )ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ( هذه قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة في أبواب المعاملات، والعلاقات بين الناس. وهذه القاعدة القرآنية جاءت في سياق قصة موسى مع صاحب مدين -في سورة القصص-، والذي كان عاجزًا عن طلب الماء فخرجت ابنتاه للسقيا، بيد أنهما تأخرتا انتظارًا لصدور الناس عن البئر، إلا أن مروءة موسى وشهامته حملته على أن يبادر -من غير أن ينتظر سؤالهما- بقضاء حاجتهما، والسقيِ لهما، فأعجبَ هذا الفعلُ الفتاتين، فذكرتاه لوالدهما المقعد عن العمل، فأرسل في طلبه، فلما جاء وحدثه بخبره، ﮫ (قالت له إحداهما -وهي العالمة بعجز والدها عن القيام بمهام الرجال-: ﮮ ﮯ ( فقولها: ]26[ )ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ في أدائه على والأمانة: في العمل، فالقوة: تعليل لطلبها، )ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ الوجه المطلوب. .26 القصص)1( القاعدة السابعة عشر
عدد الصفحات ١٠٩110 وهذا التنصيص على هذين الوصفين هو من وفور عقل هذه المرأة التي رأت اكتمال هاتين الصفتين في موسى، فإنهما من المطالب التي يتفق عليها عقلاء البشر في جيع الأمم والشرائع. وقد أخذ العلماء -رحمهم الله- هذه الآية مأخذ القاعدة فيمن يلي أمرًا من الأمور، وأن الأحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان، وكلما كانت المهمة والمسؤولية أعظم، كان التشدد في تحقق هاتين الصفتين أكثر وأكبر. إن من تأمل القرآن الكريم وجد تلازمًا ظاهرًا وبيّنًا بين هاتين الصفتين (القوة والأمانة) في عدة مواضع، ومن ذلك: ما وصف الله به مبلِّغ الوحي والرسالات إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة * ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ( : bوالسلام: جبريل، في قوله فانظر كم وصفًا وصف الله به هذا الرسول الملكي ]21 -19[ )ﮥ ﮦ ﮧ الكريم! ومن ذلك وصفه بالقوة والأمانة، وهما من أعظم عناصر النجاح والكمال فيمن يؤدي عملاً من الأعمال. ﭵ ﭶ (قول يوسف -عليه الصلاة والسلام- للملِك: الموضع الثاني هو * .]55[ )ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ « والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جيع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصًا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد .)1(عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه ).400 تفسير السعدي)1(
عدد الصفحات ١١٠111 القاعدة السابعة عشر ولا يخفى أن إدارة أموال مجموعة من الأيتام تحتاج إلى هاتين الصفتين، فكيف بإدارة أموال تتعلق بجماعة؟! أم كيف بإدارة أموال دولة بأكملها؟! ولهذا أبرزَ يوسفُ -عليه الصلاة والسلام- هاتين الصفتين، ومدح نفسه بهما، لا لذات المدح، بل لأن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك يقتضي مبادرة في ضبط إدارة أموالها، خصوصًا وقد كانت مقبلة -بحسب الرؤيا- على سنين عجاف مجدبات، تحتاج إلى حكمة وتعقل في الصرف. أما الموضع الثالث فهو:* ما جاء في قصة سليمان -عليه الصلاة والسلام-، وهو يعرض على من كان ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ (عنده أمرَ إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ: )ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭹ ﭺ .]39 -38[ معلقًا على هذه المواضع الثلاثة بكلام نفيس، rقال شيخ الإسلام ابن تيمية أنقل منه ما يناسب المقام: « والقوة في كل ... )ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ (والأمانة كما قال تعالى: ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب فالقوة في إمارة الحرب: ولية بحسبها والمخادعة فيها، فإن الحرب خَدْعَةٌ، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن ترجع إلى العلم بالعدل والقوة في الحكم بين الناس وضرب وركوب وكر وفر... الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.
عدد الصفحات ١١١112 خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلاً، وتركِ خشية الناس، والأمانة ترجع إلى وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حَكم على الناس في قوله تعالى: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ( »]44[ )ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ يقول: h« اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوةً، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر في هذا الباب: × مبينًا منهج النبيrثم قال يستعمل الرجل لمصلحةٍ مع أنه قد كان يكون مع الأمير ׫ من هو أفضل منه في العلم والإيمان في هذا الباب- -«ثم لخص كلامه الطويل في تعليقه على هذه الآية بقوله معرفةُ الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا .)1(عُرِفَتْ المقاصد والوسائل تَمَّ الأمر ) باختصار وتصرف.63-42 ينظر: السياسة الشرعية - مع تعليق شيخنا العثيمين عليها ص)1(
عدد الصفحات ١١٢113 القاعدة السابعة عشر قد قال كلمة تكتب بماء الذهب، وهيrوكان « والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله، ويذهب ماله، وفي ذلك الحكاية المشهورة، أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك؟ فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين أقفرتْ أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم -وكان في مرض موته- فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم، وهم بضعةَ عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بَنَيّ! والله ما منعتكم حقًا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني! قال هذا العالم -الذي يحكي هذه القصة-: فلقد رأيت بعض بنيه، حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها. قلت (والكلام لابن تيمية): هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصى المشرق بلاد الترك، إلى أقصى المغرب، بلاد الأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص، وثغور الشام والعواصم، إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحدٍ من أولاده، من تركته شيئًا قال -أي هذا العالم الذي يحدث بهذه القصة يسيرًا، يقال: أقل من عشرين درهمًا -! وحضرتُ بعض الخلفاء، وقد اقتسم تركتَه بنوه، فأخذ ويعظ ذلك الخليفة العباسي-: . )1(كلُّ واحدٍ منهم ستّمائة ألف دينار، ولقد رأيتُ بعضهم، يتكفف الناس يتكفف الناس: أي يسألهم بكفه.)1(
عدد الصفحات ١١٣114 قال شيخ الإسلام ابن تيمية .)1(في الزمان والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب أن يتوسع في فهم معاني هذه القاعدة القرآنية العظيمة، فليراجع ما ومن أراد كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اللهم ارزقنا فهمَ كتابك والعمل به، واجعلنا ممن يقوم بحق ما ولاه الله عليه. )، وسيرة عمر بن 31-29 ينظر: السياسة الشرعية - مع تعليق شيخنا العثيمين عليها - ص )1( .)338عبد العزيز . ما أجمل أن تكون ذِكرًا حسنًا في أفواه الناس بحسن أخلاقك. 1 . طوبى لمن اجتمعت فيه القوةُ مع حفظ الأمانة! فلم تحمله قوتُه على ظلم العباد2 . من إتقان العمل: حسن اختيار العامل3 . اعلم أن بركة أخلاقك ستجني ثمرتها أنت وذريتُك من بعدك4 مفكّرة
عدد الصفحات ١١٤115 )1( )ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ( تأتي هذه القاعدة القرآنية المحكمة لتبين سنة من سنن الله تعالى في تعامل الخلق مع بعضهم، وقد جاءت هذه القاعدة القرآنية في سياق آيات في سورة فاطر، يحسن ﮧ ﮨ ﮩ (: )2(ذكرها ليتضح معناها، يقول تعالى عن طائفة من المعاندين ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯜ ]43 - 42[ )ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ومعنى هذه القاعدة باختصار: أن هؤلاء الكفار المعاندين أقسموا من عند الله يخوِّفهم عقاب الله ليكونُنَّ أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود ما زادهم ذلك إلا بُعْدًا عن الحق ونفورًا ×والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد لقَصْد حسن وطلبًا للحق، وإنما هو استكبارٌ في الأرض على وليس إقسامهم منه، ، ول يحيق المكر السيئ إل بأهلهالخلق، يريدون به المكر السيِّئ، والخداع والباطل، فهل ينتظر المستكبرون الماكرون إلا العذاب الذي نزل بأمثالهم الذين سبقوهم، .43 فاطر)1( .)73/12 ينظر في بيان صفاتهم: التحرير والتنوير)2( القاعدة الثامنة عشر
عدد الصفحات ١١٥