المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ وبالإجابة عن هذهالتساؤلات أراح ابن العربي الباحث، أو طالب العلم، مـن كثـير ممـا يدور في خلده من أسئلة محتملة، وهذا من محاسن العلم ومن صفات العلـماء، فبـدا مـن صنيعه هذا إلمام قارىء تفسيره بهذه الفوائد، وهضم هذه المصطلحات، فبفهمهـا تـدرك إشارات المؤلف التي أوردها في طيّات تفسيره. و يمكن حصر أوجه ترجيحاته للقراءة الصحيحة في النقاط التالية: أ- ذكر القراءات الصحيحة الواردة في اللفظ القرآني وتوجيهها على المعاني، والتنبيه على أيّ ا قراءة صحيحة لا ترد، ومن الأمثلة على ذلك، عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِي أَن يَغ ل وَمَن يَغ ل ل يَأ تِ بِماَ غَل يَو مَ ال قِيَامَةِ } [٩]، ذكر ابن العربي القراءات الواردة في اللفظ القرآني " يَغ ل " وبين أن ما ورد فيه من القراءات فهو ثابت صحيح، ثم وجه هذه القراءات على المعاني التي تدلّ عليه وتبي نه فقال: "..قَرَأَ اب ن كَثِيرٍ وَأَب و عَم رٍو وَعَاصِم يَغ ل بِضَم ال غَين ِ، وَفَتَحَهَا ال بَاق ونَ، وَهم َا صَحِيحَتَانِ قِرَاءَةً وَمَع نًى ...فَأَم ا مَن قَرَأَهَا بِضَم ال غَين ِ فَمَع نَاه : مَا كَانَ لِنَبِي أَن يََ ونَ فيِ مَغ نَمٍ فَإِن ه لَي سَ بِم ت هَ مٍ. وَلاَ فيِ وَح يٍ، فَإِن ه لَي سَ بِظَنِينٍ وَلاَ ضَنِينٍ، أَي لَي سَ بِم ت هَمٍ عَلَي هِ وَلاَ بِخَي لٍ فِيهِ، فَإِن ه إذَا كَانَ أَمِينًا حَرِيصًا عَلىَ الم ؤ مِنِينَ فَكَي فَ يََ ون وَه وَ يَأ خ ذ مَا أَحَب مِن رَأ سِ ال غَنِيمَةِ وَيَك ون لَه فِيهِ سَه م الص فِي ؛ إذَا كَانَ لَه أَن يَص طَفِيَ مِن رَأ سِ ال غَنِيمَةِ مَا أَرَادَ، ث م يَأ خ ذَ الخ م سَ وَتَك ونَ ال قِس مَة بَع دَ ذَلِكَ؟ فَماَ كَانَ لِيَف عَلَ ذَلِكَ كَرَامَةَ أَخ لاَقٍ وَطَهَارَةَ أَع رَاقٍ، فَكَي فَ مَعَ مَر تَبَةِ الن ب و ةِ وَعِص مَةِ الر سَالَة . وَمَن قَرَأَ ي غَل بِنَص بِ ال غَين ِ فَلَه أَر بَعَة مَعَانٍ: الأ َو ل : ي وجَد غَالاا، كَماَ تَق ول : أَحم َد ت ف لاَنًا . الث انيِ: مَا كَانَ لِنَبِي أَن يََ ونَه أَحَد ، وَقَد ر وِيَ أَن هَ ذَ ا ت لَِ عَلىَ اب نِ عَب اسٍ ، وَفَسّ َ بهَِذَا عَ لِي وَاب ن مَس ع ودٍ. فَقَالَ : نَعَم وَيَق ت ل . وَهَذَا لاَ يَصِح
عدد الصفحات ١١٤المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ عِن دَنَا ؛ فَإِن بَاعَه فيِ ال عِل مِ وَالت ف سِيرِ لاَ يَب وعَه أَحَد مِن الخ َل قِ، فَإِن ه لَي سَ الم َع نَى بِقَو لِهِ: وَمَا كَانَ لِنَبِي أَن ي غَل بِفَت حِ ال غَين ِ، أَن يََ ونَه أَحَد و ج ودًا، إن ماَ الم رَاد بِهِ أَن يََ ونَه أَحَد شرَ عًا، نَعَم يَك ون ذَلِكَ فِيهِم ف ج ورًا وَتَعَد يًا، وَخَص الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ بِالذ ك رِ تَع ظِيماً لِقَد رِهِ، وَإِن كَانَ غَير ه أَي ضًا لاَ يجَ وز أَن يََ ونَ، وَلَكِن ه وَ أَع ظَم ح ر مَةً.الث الِث : مَا كَانَ لِنَبِي أَن ي ت هَمَ فَإِن ه م برَ أ مِن ذَلِكَ، وَهَذَا يَد ل عَلىَ ب ط لاَنِ قَو لِ مَن قَالَ: إن شَي طَانًا لَب سَ عَلىَ الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ ال وَح يَ وَجَاءَه فيِ ص ورَةِ مَلَكٍ، وَهَذَا بَاطِل قَط عًا... الر ابِع : مَا كَانَ لِنَبِي أَن ي غَل بِفَت حِ ال غَين ِ، وَلاَ ي ع لَم ، وَإِن ماَ ي تَصَو ر ذَلِكَ فيِ غَير ِ الن بِي صَ لى الله عَلَي هِ وَسَل مَ ؛ أَم ا الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ فَإِذَا خَانَه أَحَد أَط لَعَه الله س ب حَانَه عَلَي هِ.وَهَذَا أَق وَى و ج وهِ هَذِهِ الآ يَةِ ؛ فَقَد ثَبَتَ فيِ الص حِيحِ {أَن الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ كَانَ عَلىَ ثَقَلِهِ رَج ل ي قَال لَه كَر كَرَة فَماَتَ، فَقَالَ الن بِي عَلَي هِ الس لاَم : ه وَ فيِ الن ارِ }(٩) فَذَهَب وا يَن ظ ر ونَ إلَي هِ فَوَجَد وه قَد غَل عَبَاءَةً. .."(4). في هذا المثالالذي أورده ابن العربي وبينّ فيه دلالة اللفظ القرآني، بـما فيـه مـن قـراءات صحيحة ثابتة، يلحظ مايل: ٩- ذكر القراءات الواردة في اللفظ القرآني (يَغ ل ) مع استعراض القراء الذين قرؤوا بها. 4- التنبيه على نوع القراءات،وهي قراءات صحيحة قرأ بها القرّ اء المشهورون مثل: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. (1) – أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الجهاد والسير، باب القليل من الغلول، رقم:0719. (2) – أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص190-191.
عدد الصفحات ١١٥المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ 5- توجيه القراءات على المعا 4- بسط الأحكام المتّتبة عن معاني الآيات 3- ترجيح المعاني المتّتبة على القراءة بالدليل من الحديث الصحيح ب-ضرورة التمسك بالقراءات الواردة في اللفظ القرآني مع التنبيه على أيا قراءة الجمهور، وهي واجبة الاتباع والاعتماد، وعليها المعوّ ل في المعاني والأحكام وغيرها، لأيّ ا صحيحة ثابتة . ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى:{وَال ب د نَ جَعَل نَاهَا لَك م مِن شَعَائِرِ الله ِ لَك م فِيهَا خَير فَاذ ك ر وا اس مَ الله ِ عَلَي هَا صَوَاف فَإِذَا وَجَبَ ت ج ن وبه َا فَك ل وا مِن هَا وَأَط عِم وا ال قَانِعَ وَالم ع تَّ كَذَلِكَ سَخ ر نَاهَا لَك م لَعَل ك م تَش ك ر ونَ } [52]، يقول ابن العربي في المسألة الرابعة: فِيهَا ثَلاَث قِرَاءَاتٍ : صَوَاف بِفَاءٍ م ط لَقَةٍ ، قِرَاءَة الج م ه ورِ . صَوَافِنَ بِن ونٍ ، قِرَاءَة اب نِ مَس ع ودٍ . صَوَافي بِيَاءٍ م ع جَمَةٍ بِاث نَتَين ِ مِن تحَ تِهَا ، قِرَاءَة أ بيَ ب نِ كَع بٍ. فَأَم ا قَو ل صَوَاف فَمِن صَف يَص ف إذَا كَانَت جم لَةً ؛ مِن مَقَامٍ أَو ق ع ودٍ ، أَو م شَـاةٍ ، بَع ض ـهَا إلىَ جَانِبِ بَع ضٍ عَلىَ الاِس تِوَاءِ ، وَيَك ون مَع نَاهَا هَاه نَا صَف ت قَوَائِمَهَا فيِ حَالِ نَح رِهَـا ، أَو صَف ت أَي دِيهََا قَالَ مج َاهِد . وَأَم ا صَوَافِن فَالص افِن ه وَ ال قَائِم . وَقِيلَ : ه وَ ال ذِي يَث نِـي إح ـدَى رِ ج لَي هِ . وَأَم ا صَوَافي فَه وَ جمَ ع صَافِيَةٍ ، وَهِيَ ال تِي أَخ لَصَت للهِ ِ نِي ةً وَجَلاَلاً، وَإِش عَارًا وَتَق لِيدًا ..."(٩) . (1) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص091.
عدد الصفحات ١١٦المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 123 ~ ويقول عند تفسير قوله تعا: {وَال ذِينَ ي ؤ ت ونَ مَـا آتَـو ا وَق ل ـوبه م وَجِلَـة أَي ـم إِلىَ رَبه ِـم رَاجِع ونَ أ ولَئِكَ ي سَارِع ونَ فيِ الخ َير َاتِ وَه م لهََا سَابِق ونَ } [20-٩] . "..رَوَى عَطَاء قَالَ: دَخَل ت مَعَ ع بَي دِ ب نِ ع مَير ٍ عَلىَ عَائِشَةَ ، فَقَالَ لهََا: كَي فَ كَان وا يَق رَء ونَ، { ي ؤ ت ونَ مَا آتَو ا }؟ قَالَت : يَ أ ت ونَ مَا أَتَو ا، فَلَما خَرَج نَا مِن عِن دِهَا قَالَ ليِ ع بَي د ب نَ ع مَـير ٍ: لأََن يَك ونَ كَماَ قَالَت أَحَب إليَ مِن حم رِ الن عَمِ يَع نِي بِقَو لهَِا: يَأ ت ونَ مَا أَتَو ا مِـن الم َجِـيءِ أَي يَـأ ت ونَ الذ ن وبَ وَه م خَائِف ونَ (٩) . الم َس أَلَة الث الِثَة : عَو ل وا عَلىَ قِرَاءَةِ الج م ه ورِ ، وَلاَ تَتَعَ ل ق وا بِأَع ضَاءِ ال كَسِيرِ ، إن ماَ كَانَ ال قَو م إذَا غَلَبَ عَلىَ أَع ماَلهِِم الإ ِخ لاَص وَال ق ر ب خَاف وا يَو مَ ال فَزَعِ الأ َك برَِ، وَهِيَ مَس أَلَة كَبِيرَة ، وَهِيَ (1) – أخرجه أحمد من رواية أبي خالاف ماوْلىا بان ي جمُاحٍ ، ولم أجده عن عطاء كما ذكر ابن العربي، فرواية أحمد قال:" عانْ أبي خالافٍ ماوْلىا بان ي جمُاحٍ ، انههُ داخالا ماعا عُبايْد بْن عُمايرٍْ عالىا عاائ شاةا أم المُْؤم ن ينا في ساق يفاة زامْزاما لايْسا في المْاسْج د ظ لٌّ غايرْهاا ، فاقاالاتْ: مارْحابًا وااهْلاً ب ابي عااص مٍ ياعْن ي عُبايْدا ابْنا عُمايرٍْ ، ماا يمْناعُكا أانْ تازُوراناا أوْ تُل ما ب ناا ؟ فاقاالا : أخْشاى أانْ ام لهك ، فاقاالاتْ: ماا كُنْتا تافْعالا ؟ قاالا : ج ئْناا ل ناسْ ألاك عانْ آياةٍ في ك تااب الله عازه واجاله كايْفا كاانا راسُولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ياقْراؤُهاا ؟ فاقاالاتْ: آيهةُ آياةٍ ؟ فاقاالا : ( الهذ ينا ياؤْتُونا ماا أتاوْا ) أو ( الهذ ينا يااْتُونا ماا أتاوْا ) فاقاالاتْ : أيهتُهُماا أحاب إ لايْكا ؟ قاالا : قُلْتُ : واالهذ ي نفْسي ب ياد ه . لإ حْدااهمُاا أحاب إ لياه م نا الد نْياا جما يعًا ، أو الد نْياا واماا ف يهاا ، قاالاتْ : أيهتُهُماا ، قُلْتُ : ( الهذ ينا يااْتُونا ما اتاوْا ) قاالاتْ : اشْهادُ أانه راسُولا الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كاذاال كا كاانا ياقْراؤُهاا واكاذال كا أُ نْز لاتْ. أوْ قاالاتْ : اشْهادُ لاكاذاال كا أُ نْز لاتْ واكاذاال كا كاانا راسُولُ الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ياقْراؤُهاا والاك نه الهْ جااءا حارْف . مسند الإمام أحمد، مسند عائشة، رقم: 01179، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين عل بن أبي بكر الهيثمي، (بيروت، مط: دار الفكر، سنة: 1110هـ)، ج8، 181.
عدد الصفحات ١١٧المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 121 ~ أَن الأ َف ضَلَ لِل م ت قِينَ أَن يَغ لِبَ عَلَي هِم مَقَام الر جَاءِ ، أَو يَغ لِبَ عَلَي هِم مَقَام الخ َو فِ ؛ فَهَذِهِ الآ يَة تَش هَد بِفَض لِ غَلَبَةِ مَقَامِ الخ َو فِ لِقَو لِهِ تَعَالىَ : { إن ال ذِينَ ه م مِن خَ ش يَةِ رَبه ِم م ش فِق ونَ وَاَل ذِينَ ه م بِآيَاتِ رَبه ِم ي ؤ مِن ونَ وَاَل ذِينَ ه م بِرَبه ِم لاَ ي شر ِك ونَ وَاَل ذِينَ ي ؤ ت ونَ مَا آتَو ا وَق ل وبه م وَجِلَة أَي م إلىَ رَبه ِم رَاجِع ونَ أ ولَئِكَ ي سَارِع ونَ فيِ الخ َ ير َاتِ وَه م لهََا سَابِق ونَ } [١-٩].. قَالَ ال قَاضيِ : لَي سَ يح تَاج فيِ هَذِهِ الآ يَةِ إلىَ اخ تِلاَفِ ال قِرَاءَةِ بَين َ يَأ ت ونَ وَي ؤ ت ونَ، فَإِن قَو لَه : { ي ؤ ت ونَ } ي ع طِي الأ َم رَي نِ، تَق ول ال عَرَب : آتَي ت مِن نَف سيِ ال قَب ولَ، وَآتَي ت مِن هَا الإ ِنَابَةَ، ت رِيد أَع طَي ت ال قِيَادَ مِن نَف سيِ يَع نِي إذَا أَطَاعَ وَأَع طَي ت ال عِنَادَ مِن نَف سيِ يَع نِي إذَا عَصَ، فَمَع نَاه ي ؤ ت ونَ مَا أَتَو ا مِن طَاعَةٍ أَو مِن مَع صِيَةٍ، وَلَكِن ظَاهِر الآ يَةِ وَسِيَاق ال كَلاَمِ يَق تَضِ أَن ه ي ؤ تيِ الط اعَةَ؛ لأَِن ه وَصَفَه م بِالخ َش يَةِ لِرَبه ِ م ، وَالإ ِيماَنِ بِآيَاتِهِ ، وَتَن زِيهِهِ عَن الشر كِ ، وَخَو فِهِم عَدَمَ ال قَب ولِ مِن ه م عِن دَ لِقَائِهِ لهَ م ، فَلاَ جَرَمَ مَن كَانَ بهَِ ذِهِ الص فَةِ ي سَارِع فيِ الخ َير َاتِ، وَأَم ا مَن كَانَ عَلىَ ال عِص يَانِ م تَماَدِ يًا فيِ الخ ِلاَفِ م س تَمِراا ، فَكَي فَ ي وصَف بِأَن ه ي سَارِع فيِ الخ َير َا تِ أَو بِالخ َش يَةِ لِرَب هِ ، وَغَير ِ ذَلِكَ مِن الص فَاتِ الم تَقَد مَ ةِ فِيهِ ..وَلأَِج لِ إش كَالِ قَو لِهِ: { ي ؤ ت ونَ مَا آتَو ا } قَالَ بَع ض ه م : يَع نِي بِهِ إن فَاقَ الز كَاةِ ؛ لأَِن ه لمَ يَظ هَر إلَي هِ صَلاَحِيَة لَف ظِ ال عَطَاءِ إلا فيِ الم َالِ.وَقَد بَي ن ا أَن لَف ظَ ال عَطَاءِ يَن طَلِق فيِ ك ل مَع نًى: مَالٍ وَغَير ِهِ، وَفيِ ك ل طَاعَةٍ وَمَع صِيَةٍ، وَات ضَحَت الآ يَة ، وَاَلله أَع لَم "(٩). في هذا المثال وسابقه يسّد ابن العربي القراءات الواردة في اللفظ القرآني، مع ذكر قراءتَا ثمّ ي بينّ معانيها ودلالتها ، كما ي نَ ب ه على ضرورة التمسك بها والوقوف عندها ؛ (1) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص101- 544.
عدد الصفحات ١١٨المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ لأيّا هي القراءة المعتمدة واجبة الاتباع؛ ولأنّ اتباعها حكم شرعيّ لا ي عدل عنه إلى غيره لا سي ما وأيّ ا واردة عن المعصوم عليه الصلاة والسلام. ج- إذا ثبتت قراءات في لفظ واحد، يقوم ابن العربي بتّجيح بعضها على بعض، فالناظر في مواضع متفرقة من تفسيره، يجد عند تعرض ابن العربي للقـراءات اسـتعماله لألفـاظ التّجيح مثل: الأفصح(٩)، الأصح(4)،الأقوى(5)،وهكذا. وهنا يرجح ابن العربي القراءة الأولى (هو مولاهـا) بنـاء عـلى أيّـ ا الأفشـى في القـراءة والأشهر في الرواية والأصح في المعنى. المثال الأول: عند تفسير قوله تعالى: { فَلاَ تَت بِع وا اله َوَى أَن تَع دِل وا وَإِن تَل و وا أَو ت ع رِض وا فَإِن الله َ كَانَ بِماَ تَع مَل ونَ خَبِيرًا } [53] . يقول ابن العر"{ وَإِن تَل و وا أَو ت ع رِض وا }المعنىإن مَطَل ت م حَقاا فَلَم ت نَف ذ وه إلا بَع دَ ب ط ءٍ ، أَو عَرَض ت م عَن ه جم لَةً فَاَلله خَبِير بِعَمَلِك م . ي قَال لَوَي ت الأ َم رَ أَل وِيه لَياا وَلِي انًا ، إذَا مَطَل ته قَالَ غَي لاَن (4): (1) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص917، ص240. (2) – المرجع نفسه، ج٩، ص2، وفي نفس الجزء، ص22، قال".. وَكَذَلِكَ قَب ل فيِ قِرَاءَةِ مَن قَرَأَ ه وَ م وَل يهَا ؛ إن الم َع نَى أَي ضًا أَن الم صَل َ ه وَ م تَوَج ه نَح وَهَا ؛ وَالأ َو ل أَصَح فيِ الن ظَرِ ، وَ أَش هَر فيِ ال قِرَاءَةِ وَالخ َ برَِ ". (3) – المرجع نفسه، ج0، ص121. (4) - هو الشاعر المشهور ذو الرمة، من فحول الشعراء واسمه غيلان بن عقبة بن بهيس، مضري النسب، قال أبو عمرو بن العلاء: افتتح الشعراء بامرئ القيس، وختموا بذي الرمة،مات بأصبهان كهلا سنة سبع عشرة ومئة (7هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء، ج3، ص427، الأعلام للزركل، ج5، ص55.
عدد الصفحات ١١٩المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ ت طِيلِينَ لَي انيِ وَأَن تِ مَلِي ة وَأ ح سِن يَا ذَاتَ ال وِشَاحِ الت قَاضِيَا (٩) وَقَرَأَ حمَ زَة وَالأ َع مَش : وَإِن تَل وا، وَالأ َو ل أَف صَح ، وَأَك ثَـر ، وَقَـد ر د إلىَ الأ َو لِ بِوَج ـهٍ عَـرَبيِ ؛ وَذَلِكَ أَن ت ب دِلَ مِن ال وَاوِ الآ خِرَ ةِ همَ زَةً فَتَك ونَ تَل و وا ، ث م ح ذِفَت اله َم ـزَةِ وَأ ل قِيَـت حَرَكَت هَـا عَلىَ ال وَا وِ ، وَال عَرَب تَف عَل ذَلِكَ. وَقِيلَ: إن مَع نَاه تَل وا مِن ال وِلاَيَةِ، أَي اس ـتَق لَل ت م بِـالأ َم رِ أَو ضَع ف ت م عَن ه فَاَلله خَبِير بِذَلِ كَ "(4). يلحظ من هذا المثال، ترجيح ابن العربي القراءة الأولى (تلووا) لأيّ ا الأفصح، ثـم وج ه القراءة الثانية وبين وجهها في العربية . المثال الثاني: عند تفسير قولـه تعـالى: {أ ذِنَ لِل ـذِينَ ي قَـاتَل ونَ بِـأَي م ظ لِم ـوا وَإِن الله َ عَـلىَ نَصر ِهِم لَقَدِير } [١]، استعرض القراءة الواردة ( ي قَـاتَل ونَ )، ورجّـح قـراءة الكسّفقال: "ق رِئَ ي قَاتِل ونَ بِكَسّ ِ الت اءِ وَفَت حِهَا، فَإِن كَسَّ ت الت اءَ كَـانَ خَـبرًَا عَـن فِع ـلِ الم َأ ذ ونِ لهَ م ، وَإِن فَتَح تَهَا كَانَ خَبرًَا عَن فِع لِ غَير ِهِم بهِِم ، وَإِن الإ ِذ نَ وَقَعَ مِن أَج لِ ذَلِكَ لهَ م ، فَفِي فَت حِ الت اءِ بَيَان سَبَبِ ال قِتَالِ، وَقَد كَانَ ال ك ف ار يَتَعَم د ونَ الن بِـي صَـلى الله عَلَي ـهِ وَسَـل مَ وَالم ؤ مِنِينَ بِالإ ِذَايَةِ، وَي عَ امِل ويَ م بِالن كَايَةِ: لَقَد خَنَقَه الم شر ِك ونَ حَت ى كَادَت نَف س ـه تَـذ هَب ، فَتَدَارَكَه أَب و بَك رٍ، وَقَالَ: { أَتَق ت ل ـونَ رَج ـلاً أَن يَق ـولَ رَبي الله }، [غـافر : 44]، وَقَـد بَلَـغَ بِأَص حَابِهِ إلىَ الم َو تِ ؛ فَقَد قَتَ لَ أَب و جَه لٍ س مَي ةَ أ م عَما رِ ب نِ يَاسٍِ ، وَقَد ع ذ بَ بِلاَل ، وَمَا بَع ـدَ هَذَا إلا الاِن تِصَار بِال قِتَالِ . (1) – مطلع القصيدة: عفا الدهحلُ منْ مي فمحهتْ منازلهُ ، ينظر ديوان ذي الرمة، ص911. (2) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص119- 112.
عدد الصفحات ١٢٠المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ وَالأ َق وَى عِن دِي قِرَاءَة كَسّ ِ الت اءِ ؛ لأَِن الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ بَع دَ و ق وعِ ال عَف وِ وَالص ف حِ عَما فَعَل وا أَذِنَ الله لَه فيِ ال قِتَالِ عِن دَ اس تِق رَارِهِ بِالم َدِينَةِ ، فَأَخ رَجَ ال ب ع وثَ ، ث ـم خَـرَجَ بِنَف سِـهِ ، حَت ى أَظ هَرَه الله يَو مَ بَد رٍ ، وَذَلِكَ قَو ل ه : { وَإِن الله َ عَلىَ نَصر ِهِم لَقَدِير }(٩). هنا ي رجّ ح ابن العربي بين القراءتين الواردتين في اللفظ القرآني (يقاتلون) فيرجّ ح قراءة الكسّ(4)، و يقول: هي الأقوى، وقد بنى ترجّ يحه هذا على الدليل العقل الذي اقتضى النظر في السيرة العطرة والأيام النّ ضرة كم سَ و غ حَكَم على القراءة . د- ذكر القراءات الواردة في اللفظ القرآني وتوجيهها على المعاني، ثم بيان ما يتّتب عليها من أحكام شرعية، ومن أمثلة ذلك: - يقول ابن العربي في الم َس أَلَة الس ابِعَة : قَو له تَعَـالىَ: {لاَ ي ؤَاخِـذ ك م الله بِـالل غ وِ فيِ أَي ماَنِك ـم وَلَكِن ي ؤَاخِذ ك م بِماَ عَق ـد ت م الأ َي ـماَنَ } [ : ١]، ".. فِيـهِ ثَـلاَث قِـرَاءَاتِ: عَق ـد ت م بِتَش دِيدِ ال قَافِ، وَعَقَد ت م بِتَخ فِيفِ ال قَافِ، وَعَاقَد ت م بِالأ َلِفِ. فَأَم ا الت خ فِيف فَه وَ أَض ـعَف هَا رِوَايَةً وَأَق وَاهَا مَع نًى؛ لأَِن ه فَعَل ت م مِن ال عَق دِ، وَه وَ الم َط ل وب .وَإِذَا ق رِئَ عَاقَد ت م فَه وَ فَـاعَل ت م ، وَذَلِكَ يَك ون مِن اث نَين ِ ، وَقَد يَك ون الث انيِ مِن حَلَفَ لأَِج لِهِ فيِ كَلاَمٍ وَقَعَ مَعَـه ، وَقَـد يَع ـود ذَلِكَ إلىَ الم َح ل وفِ عَ لَي هِ فَإِن ه رَبَطَ بِهِ ال يَمِينَ، وَقَد يَك ون فَاعَلَ بِمَع نَى فَعَلَ، كَقَو لِك: طَارَقَ الن ع لَ ، وَعَاقَبَ الل ص ، فيِ أَحَدِ ال وَج هَين ِ فيِ الل ص خَاص ةً.وَإِذَا قَرَأَ عَق د ت م بِتَش دِيدِ ال قَـافِ (1) – المرجع السابق، ج1، ص122-121. (2) – قرأ نافع ، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، بالنصب (يُقااتالُونا)، وقرأ الباقون بالكسر(يُقاات لُونا)، ينظر: القراءات العشر المتواترة، محمد كريم راجح، (المدينة المنورة، مط: دار المهاجر، ط:1، سنة: 1111هـ، 1991م)، ص118.
عدد الصفحات ١٢١المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ فَقَد اخ تَلَفَ ال ع لَماَء فيِ تَأ وِيلِهِ عَلىَ أَر بَعَةِ أَق وَالٍ: الأ َو ل : قَـالَ مج َاهِـد : تَعَم ـد ت م .الث انيِ: قَـالَ الح َسَن : مَع نَاه مَا تَعَم د ت بِهِ الم َأ ثَمَ فَعَلَي ك فِيهِ ال كَف ارَة . الث الِث : قَـالَ اب ـن ع مَـرَ: الت ش ـدِيد يَق تَضِ الت ك رَارَ ، فَلاَ تجَِب عَلَي هِ ال كَف ارَة إلا إذَا كَر رَ ال يَمِينَ. الر ابِع : قَـالَ مج َاهِـد : الت ش ـدِيد لِلت أ كِيدِ، وَه وَ قَو ل ه : وَاَلله ِ ال ذِي لاَ إلَهَ إلا ه و. قَالَ اب ن ال عَرَبيِ : أَم ا قَو ل مج َاهِدٍ: مَـا تَعَم ـد ت م فَه وَ صَحِيح يَع نِي مَا قَصَد ت م إلَي هِ اح تَِّازًا مِن الل غ وِ. وَأَم ا قَو ل الح َسَنِ مَا تَعَم د ت م فِيهِ الم َـأ ثَمَ فَيَع نِي بِهِ مخ َالَفَةَ ال يَمِينِ ، فَحِينَئِذٍ تَك ون ال كَف ارَة وَهَذَانِ ال قَو لاَنِ حَسَنَانِ يَف تَقِرَانِ إلىَ تحَ قِيقٍ، وَه وَ بَيَان وَج هِ الت ش ـدِيدِ، فَـإِن اب ـنَ ع مَـرَ حمََلَـه عَـلىَ الت ك ـرَارِ، وَه ـوَ قَـو ل لمَ يَصِـح عَن ـه لِضَع فِهِ.فَقَد قَالَ الن بِي صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ {وَإِ وَاَلله ِ إن شَـاءَ الله لاَ أَح لِـف عَـ لىَ يَمِـينٍ فَأَرَى غَير َهَا خَير ًا مِن هَا إلا أَتَي ت ال ذِي ه وَ خَير وَكَف ـر ت عَـن يَمِينِـي }(٩).فَـذَكَرَ و ج ـوبَ ال كَف ارَةِ فيِ ال يَمِينِ ال تِي لمَ تَتَكَر ر . وَأَم ا قَو ل مج َاهِدٍ : إن الت ش دِيدَ فيِ الت أ كِيدِ محَ م ول عَلىَ تَك رَارِ الص فَاتِ ؛ فَإِن قَو لَنَا : " وَاَلله ِ " يَق تَضِ جمَِيعَ أَس ماَءِ الله ِ الح س نَى وَصِفَاتِهِ ال ع ل يَا ، فَـإِذَا ذَكَـرَ شَي ئًا مِن ذَلِكَ فَقَد تَضَم نَه قَو ل ه : وَاَلله ِ. فَإِن قِيل: فَماَ فَائِدَة الت غ لِيظِ بِ الأ َل فَاظِ؟ ق ل نَا: لاَ تَغ لِيظَ عِن دَنَا بِالأ َل فَاظِ.. (1) – أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، كتاب الذبائح والصيد، باب: لحم الدجاج، رقم: 9199، وكتاب الأيمان والنذور، رقم: 1019، 1081، 1120، 1112، 1110؛ ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري أيضاً ، باب: نادْب مانْ حالافا يام ينًا فاراأاى غايرْاهاا خايرًْا م نْهاا أانْ ياأْت ىا الهذ ى هُوا خايرْ وايُكاف را عانْ يام ين ه ، رقم: 1191
عدد الصفحات ١٢٢المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ وَاَل ذِي يَتَحَص ل مِن ذَلِكَ أَن الت ش دِيدَ عَلىَ وَج هٍ صَحِيحٍ ؛ فَإِن الم َر ءَ يَع قِد عَلىَ الم َ ع نَى بِال قَص دِ إلَي هِ ، ث م ي ؤَك د الح َلِفَ بِقَص دٍ آخَرَ ، فَهَذَ ا ه وَ ال عَق د الث انيِ ال ذِي حَصَلَ بِهِ الت ك رَار أَو الت أ كِيـد ، بِخِلاَفِ الل غ وِ فَإِن ه قَصَدَ ال يَمِينَ وَفَاتَه الت أ كِيد بِال قَص دِ الص حِيحِ إلىَ الم َح ل وفِ عَلَي هِ (٩) . في هذا المثال استعرض ابـن العـربي القـراءات الـواردة في اللفـظ القـرآني (عق ـدتم)(4)، (وعاقدتم)(5)،ثمّ يشرع في توجيهها على المعاني المحتملة، ومـا ب نِـي عليهـا مـن أحكـام اليمين، والكفارة المتّتبة على ذلك. ثم أخذ يناقش المعاني المحتملة ويرجّ ح بينها بالدليل، وفي ياية ذكر محصلة هذه المناقشات وهي ترجيح قراءة التشديد، وعليها يتّتب الحكـم الشرعي وهو يقتض المؤاخذة على اليمين المنعقدة التي تنعقد بقصدين الأول القصـد إلى المعنى المعقود عليه، الثاني تأكيده بالحلف - وهو القصد الآخر-، بخـلاف اللّ غـو فإيّـ ا يمين مقصودة لكنّ ها خالية عن التّ أكيد بالقصد الصحيح إلى المحلوف عليه. - ومن ذلك أيضاً ، عند تفسير قول الله عزّ وجلّ : {وَال ذِينَ آمَن وا وَات بَعَت ه م ذ ر ي ت ه م بِإِيماَنٍ أَلح َق نَا بهِِم ذ ر ي تَه م وَمَا أَلَت نَاه م مِن عَمَلِهِم مِن شيَ ءٍ ك ل ام رِئٍ بِماَ كَسَبَ رَهِين } [ ٩]. قال ابن العربي: "وَق رِئَ: وَأَت بَع نَاه م ذ ر ي ـاتَِِم بِـإِيماَنٍ. فِيهَـا ( مَس ـأَلَة ): ال قِرَاءَتَـانِ لمَِع نَيَين ِ: أَم ا إذَا كَانَ ات بَعَت ه م عَلىَ أَن يَك ونَ ال فِع ل لِلذ ر ي ةِ فَيَق تَضِ أَن يَك ونَ الذ ر ي ـة م س ـتَقِل ةً بِنَف سِ هَا تَع قِل الإ ِيماَنَ وَتَتَلَف ظ بِهِ. وَأَم ا إذَا كَانَ ال فِع ل وَاقِعًا بهِِم مِن الله ِ عَز وَجَل بِغَير ِ وَاسِطَةٍ (1) – أحكام القرآن، ابن العربي، ج0، ص192-191. (2) – (عاقادْتُمُ ) قراءة: شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف، وقرأ الباقون، (عاقهدْتُمُ )، ينظر: القراءات العشر، كريم راجح، ص100. (3) - قراءة ابن ذكوان، ينظر: المصدر نفسه، ص100.
عدد الصفحات ١٢٣المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ نِس بَةً إلَي هِم فَيَك ون ذَلِكَ لمَِن كَانَ مِن الص غَرِ فيِ حَد لاَ يَع قِل الإ ِس لاَمَ، وَلَكِـن جَعَـلَ الله لَـه ح ك مَ أَبِيهِ لِفَض لِهِ فيِ الد ن يَا مِن ال عِص مَةِ وَالح ر مَةِ.فَأَم ا إت بَاع الص غِيرِ لأَِبِيهِ فيِ أَح كَامِ الإ ِس لاَمِ فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ . وَأَم ـا تَبَعِي ت ـه لأِ م ـهِ فَـاخ تَلَفَ فِيـهِ ال ع لَـماَء وَاض ـطَرَبَ فِيـهِ قَـو ل مَالِـكٍ. وَالص حِيح فيِ الد ينِ أَن ه يَت بَع مَن أَس لَمَ مِن أَحَدِ أَبَوَي هِ، لِل حَدِيثِ الص حِيحِ عَن اب ـنِ عَب ـاسٍ قَالَ: ك ن ت أَنَا وَأ م ي مِن الم س تَض عَفِينَ مِن الم ؤ مِنِينَ، وَذَلِكَ أَن أ م ه أَس لَمَت وَلمَ ي س لِم ال عَب اس فَات بَعَ أ م ه فيِ الد ينِ، وَكَانَ لأَِج لِهَا مِن الم ؤ مِنِينَ "(٩). في هـذا المثـال سد ابـن العـربي القـراءات الـواردة في اللفـظ القـرآني ( واتبعــتهم ذريتهم)(4) ثم وجه هذه القراءات على المعاني، ليرتب الأحكام الشرعية وفق ذلك، فعـلى قراءة (وَات بَعَت ه م ذ ر ي ت ه م ) لهم حكم المسلمين لأيّـ ا تـدل عـلى أيـم عقلـوه ونطقـوا بـه فاعتبره حق اً لهم. وعلى القراءة الثانية (وَ أت بَعَتَ اه م ذ ر ي اتَِِ م ) إسناد الفعـل (أَ ت بَ ع نَـاه م) إلى الله، وعـلى هذه الحالة يكون في حالة الصغر الذي لا يعقل معـه الإسـلام، ويلحـق حكـم الصـغير بحكم أبيه لفضله في الدنيا من العصمة والحرمة. هذا ومما تناوله ابن العربي في موضوع القراءات الثابتـة- التـي اعتمـدها كطريـق لتّجيح مسألة عن أختها- الحكمة المتّتبة على تعدد القراءات واختلاف القر اء، وعـ دم الالتزام بقراءة قارئ بعينه، فأشار إلى أن هذا من رحمة الله بعباده بغية التيسـير والتوسـعة (1) – أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص118. (2) - قرأ بن عامر، ويعقوب، (وااتهباعاتْهُمْ ذُر ي اتهُُمْ)، وقرأ أبو عمرو (واأتباعاناهُمْ ذُر يااتهمْ)، وقرأ الباقون (وااتهباعاتْهُمْ ذُر يهتُهُمْ)، ينظر: القراءات العشر، كريم راجح، ص901.
عدد الصفحات ١٢٤المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ عليهم في حفظ القرآن، وتلاوته بالقراءة على هذه الوجوه المتعـددة مـا دامـت صـحيحة ثابتة، من غير ارتباط بشيء مخصوص منها، أو الالتزام بالقراءة على حـرف واحـد، لأنّ الكلّ قرآن كريم. فصر ح بهذا فقال: "إذَا ثَبَتَت ال قِرَاءَات ، وَتَقَي دَت الح ر وف فَلَي سَ يَل زَم أَحَدًا أَن يَق رَأَ بِقِرَاءَةِ شَخ صٍ وَاحِدٍ، كَنَافِعٍ مِث لاً، أَو عَاصِمٍ؛ بَل يجَ ـوز لَـه أَن يَق ـرَأَ ال فَاتحَِـةَ فَيَت ل و ح ر وفَهَا عَلىَ ثَلاَ ثِ قِرَاءَاتٍ مخ تَلِفَاتٍ؛ لأَِن ال ك ل ق ر آن ، وَلاَ يَل ـزَم جمَ ع ـه ؛ إذ لمَ ي نَظ م ـه ال بَارِي لِرَس ولِه ، وَلاَ قَامَ دَلِيل عَلىَ الت عَب دِ، وَإِن ماَ لَزِمَ الخ َل قَ بِالد لِيلِ أَلا يَتَعَد و ا الث ابِتَ إلىَ مَا لمَ يَث ب ت ، فَأَم ا تَع يِين الث ابِتِ فيِ الت لاَوَةِ فَم س تَّ سِل عَلىَ الث ابِتِ ك ل هِ ، وَاَلله أَع لَم "(٩). ثم أجاب ابن العربي عن مسألة عما إذا كان في المصـحف الأصـل قـراءات واختلافـات فبأيّ يقرأ؟ فقال: "فَإِن قِيلَ: فَفِي الم ص حَفِ الأ َص لِ قِـرَاءَات وَاخ تِلاَفَـات فَبِـأَي ي ق ـرَأ ؟ ق ل نَا: وَهِيَ: الم َس أَلَة الث الِثَة بِجَمِيعِهَا بِإِجم َاعٍ مِن الأ م ةِ، فَـماَ و ضِـعَت إلا لحِِف ـظِ ال ق ـر آنِ، وَلاَ ك تِبَت إلا لِل قِرَاءَةِ بهَِ ا، وَلَكِن لَي سَ يَل زَم أَن ي عَين َ الم َق ر وء بِهِ مِن هَا، فَي ق رَأَ بِحَر فِ أَه لِ الم َدِينَـةِ، وَأَه لِ الش ام ، وَأَه لِ مَك ةَ، وَإِن ماَ يَل زَم ه أَلا يََ ر جَ عَن هَا، فَإِذَا قَرَأَ آيَةً بِحَر فِ أَه لِ الم َدِينَةِ، وَقَـرَ أَ ال تِي بَع دَهَا بِحَر فِ أَه لِ الش امِ كَانَ جَائِزًا، وَإِن ماَ ضَبَطَ أَه ـل ك ـل بَلَـدٍ قِـرَاءَتََ م بِنَـاءً عَـلىَ م ص حَفِهِم ، وَعَلىَ مَا نَقَل وه عَن سَلَفِهِم ، وَال ك ل مِن عِن دِ الله ِ"(4). وبهذا البيان الشافي، أوضح ابن العربي القـراءات التـي يقـرأ بهـا، وهـي القـراءات الصحيحة التي أجمعت عليها الأمة، وقرأ بها جمهور القـراء، ثـم أشـار إلى الحكمـة مـن كتابتها بالأوجه المختلفة فذكر أيّ ا لم تكتب عبثاً، وإنما كتبت حتى يقـرأ بهـا جميعـاً عـلى (1)- أحكام القرآن، ابن العربي، ج0، ص111. (2) – المرجع نفسه، ج1، ص 119-102.
عدد الصفحات ١٢٥المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 122 ~ سبيل التخفيف والتوسعة والتيسير، فلا يتعين على أحدالالتزام بحرف واحد، بل يقـرأ بحرف أهل المدينة وأهل الشام وأهل مكة، ولكن ليس في آية واحدة لـئلا يكـون ذلـك باعثاً على اللبس والخلط فيؤدي إلى المنازعة، وذلك لاختلاف القر اء لدى كل أهـل بلـد تبعاً لضبط مصاحفهم، فلكل أهل بلد قراءة خاصة بهم، بنيت على ضبط مصحفهم وما تلقوه من القراء مشافهة من أسلافهم، فإذا قرأ آية بحرف أهل المدينة، وقرأ التي بعـدها بحرف أهل الشام أو بحرف آخر جاز ولا حرج في ذلك. من خلال هذا التوضيح والبيان نـدرك أهميـة نـزول القـرآن عـلى سـبعة أحـرف والقراءة بها(٩)، والحكمة المتّتبة على ذلك من توسعة وتفيف وتيسـير عـلى الخلـق، كـما (1) - أخرج البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، أن ه قال: سام عْتُ ه شااما بْنا حاك يم بْن ح زاامٍ ياقْراأُ سُوراةا الْفُرْقاان في حايااة راسُول اللهه صالىه اللههُ عالايْه واساله ما فااسْتاماعْتُ ل ق رااءات ه فاإ ذاا هُوا ياقْراؤُهاا عالىا حُرُوفٍ كاث يراةٍ لماْ يُقْر ئْن يهاا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما فاك دْتُ أُسااو رُهُ في الصهلاا ة فاانْتاظارْتُهُ حاتهى سالهما فالابابْتُهُ فاقُلْتُ مانْ أاقْراأاكا هاذ ه الس وراةا الهت ي سام عْتُكا تاقْراأُ قاالا أاقْراأان يهاا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما فاقُلْتُ لاهُ كاذابْتا فاوااللهه إ نه راسُولا اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما لهاُوا أاقْراأانّ هاذ ه الس وراةا الهت ي سام عْتُكا فاانْطالاقْتُ ب ه إ لىا راسُول اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما أاقُودُهُ فاقُلْتُ ياا راسُولا اللهه إ نّ سام عْتُ هاذاا ياقْراأُ سُوراةا الْفُرْقاان عالىا حُرُوفٍ لماْ تُقْر ئْن يهاا واإ نهكا أاقْراأْتان ي سُوراةا الْفُرْقاان فاقا الا ياا ه شاامُ اقْراأْهاا فاقاراأاهاا الْق رااءاةا الهت ي سام عْتُهُ فاقاالا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما هاكاذاا أُنْز لاتْ ثُمه قاالا اقْراأْ ياا عُمارُ فاقارا أْتهُاا الهت ي أاقْراأان يهاا فاقاالا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما هاكاذاا أُنْز لاتْ ثُمه قاالا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما إ نه الْقُرْآنا أُنْز لا عالىا سابْعاة أاحْرُفٍ فااقْراءُوا ماا تاياسرها م نْهُ ، البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم: 1127؛ ومسلم، كتاب، صلاة المسافرين وقصرها، بااب: باياان أانه الْقُرْآنا عالىا سابْعاة أاحْرُفٍ واباياان ماعْنااهُ ، رقم: 1191.
عدد الصفحات ١٢٦المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 123 ~ نجد ابن العربي يوجب الأخذ بالقراءة الصحيحة ويعدّها قرآنا لكويّا داخلـة في إجمـاع الأمة، ويرج ح بمضمون هذه القاعدة، التي قد تتعاضد مع غيرها من أصول في التفسـير نحو: الأصل توافق القراءات في المعنى واتفاقها وعدم تضـادّها، كـما يـذهب إلى أنّـه لا يجوز الاحتجاج بالقراءة الشاذة كما سيأتي بيانه.
عدد الصفحات ١٢٧طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 121 ~ المبحث الثامعنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى الشاذة. التنبيه على القراءات الشاذة،والإشارة إلى بطلانها، ميزة امتاز بها كتاب الأحكـام لابـن العربي، وهذا التنبيه واجب شرعي، وضرورة حتمية لما يترتب على ذلك من عدم جواز التلاوةبالقراءة الشاذة في الصلاة وخارجها، ولا يعـو ل عليهـا ولا يُ بنـى عليهـا حكـم شرعي؛ لأنه ا باطلة وليس لها حظ من الثبوت أو صحة السـند، وهـي مخالفـة لجمهـور القراء، وما انعقد عليه إجماعهم. والشاذ من القراءات: ما لم يصح سنده(1)،فلا يقرأ به ولا يعوهل عليه. وعر فها بعضهم: "كل قراءة لم تتحقق فيها الأركان الثلاثة- ضوابط القراءة الصحيحة- كل ها أو بعضها فهي قراءة شاذة مردودة"(0).وهذا هو الصحيح المشهور واعتبر قوم الشاذ من القراءة: ما خـالف مصـحف عـثمان المجمـع علـيهم ماه صـح مـن القراءات المروية عن الصحابة- رضي الله عـنهم – أو المسـندة إليـالنبي صـلى الله عليـه وسل م، (1) - كل ما لم يثبته قراء الأمصار، لا يسمى قرآناً، ويعتبر من شاذ القراءة، ينظر:المفتاح في القر اء السبع، لأبي القاسم عبد الوهاب بن محمد القرطبي(ت111هـ)، تحقيق فهد بن مطيع المغزوي ، ( المدينة النبوية، مط: الجامعة الإسلامية، ط: 1، سنة:1108هـ ج1، ص191؛ مباحث في علوم القرآن، من اع القط ان، ( بيروت، مط: الرسالة، ط: 19، سنة:1997م، 1117هـ)، ص199. (2)–القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب،القاضي عبد الفتاح، (بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، سنة: 1121هـ)، ص8.
عدد الصفحات ١٢٨طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ مع موافقتهاللعربيهة ، وعلى هذا فيمكن تعريف القـراءة الشـاذة بأنه ـ ا مـا صـح سـنده، ووافقت العربيهة ولو بوجه وخالفت رسم المصحف(1) . موقف ابن العربي من هذا النوع من القراءات جعله يرجح بين أدلة، وينفي غيرها، كـما يثبت أحكاماً، ويزدري بأخرى، وحاصل ما قام به –رحمه الله- يتمثل فيما يل: 1- قام بالتعرض للقراءة الشاذة الواردة في اللفظ القرآنّ، ونب ه على أنه ـ ا مـردودة غـير مقبولة فلا يتلى بها، حتى لو رواها العدل عن مثله، والأمثلة التالية تبين ذلك: عند تفسير سورة المسد، قال: "المْاسْأالاةُ الثهال ثاةُ مارهتْ في هاـذ ه الس ـوراة ق رااءاتاـان : إحْـدااهمُاا قاوْلُهُ : " واأانْذ رْ عاش يراتاك الأْاقْراب ينا.واراهْطاك م نْهُمْ المُْخْلاص ـينا ".واالثهان ياـةُ قاوْلـه تاعاـالىا: " تابهتْ ياداا أابي لهاابٍ واقادْ تابه ".واهمُاا شااذهتاان ، واإ نْ كاانا الْعادْلُ راوااهمُاا عانْ الْعادْل ، والاك نههُ كاـماا بايهنها لاا يُقْراأُ إلاه ب ماا باينْا الدهفهتاينْ وااتهفاقا عالايْه أاهْلُ الإْ سْلاام "(0). - عند ذكره لقراءة ابن مسعودطاعاامُ الْفااج ر ) قال ابن العربي: "...واراواى الْباصرْ ي ونا عانْهُ أانههُ لاا يُقْـراأُ في الصهـلااة ب ـماا يُـرْواى عاـنْ ابْـن ماسْعُودٍ. (1)- وهذا التعريف هو الذي اعتمده ابن تيمية وابن الجزري- رحمهما الله - وغيرهما .ينظر : مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 11/191 ،191 ، والمنجد لابن الجزري ص11 ،18 ، ينظر القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد عمر بازمول 1/111 . (2)– أحكام القرآن ، ابن العربي، ج1، ص118.
عدد الصفحات ١٢٩