المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 131 ~ 1- تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ–رضي الله عنه- حين بعثه إلى اليمن قاضياً، على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض(1)، م ا يدل على اعتبار الترجيح والعمل بالر اجح (0). 0- إجماع الصحابة والسلف على وجوب العمل بالن ص الر اجح، فقد رجحوا خبر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين، حيث قالت: قاالا را سُولُ اللهه صالىه اللههُ (1) – روي أانه راسُولا اللهه صالىه اللههُ عالايْ ه واسالهما لماها أاراادا أانْ يابْعاثا مُعااذًا إ لىا الْيامان قاالا : كايْفا تاقْضِ إ ذاا عاراضا لاكا قاضااء قاالا أاقْضِ ب ك تااب اللهه قاالا فاإ نْ لماْ تجا دْ في ك تااب اللهه قاالا فاب سُنهة راسُول اللهه صا لىه اللههُ عالايْه واساله ما قاالا فاإ نْ لماْ تجا دْ في سُنهة راسُول اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما والاا في ك تااب اللهه قاالا أاجْتاه دُ را أْي ي والاا آلُو فاضراابا راسُولُ اللهه صالىه اللههُ عالايْه واسالهما صادْراهُ واقاالا الحْامْدُ لله ه الهذ ي وا فهقا راسُولا راسُول اللهه لم اا يُرْضي راسُولا اللهه . أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم: 4، ؛ الترمذي في سننه عن أصحاب معاذ، كتاب الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بااب ماا جااءا في الْقااضي كايْفا ياقْضِ ، رق م:1019، وقال فيه: "هاذاا حاد يث لاا ناعْر فُهُ إ لاه م نْ هاذاا الْواجْه والايْسا إ سْناادُهُ ع نْد ي ب مُتهص لٍ "، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" [0 /088]إن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه ولعمري إن كان معناه صحيحا إنما ثبوته لا يعرف لأن الحارث بن عمرو مجهول وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون وما هذا طريقه فلا وجه لثبوته، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، عبد الرحمن بن عل بن الجوزي(ت 998هـ)، تحقيق: خليل الميس، (بيروت، مط: دار الكتب العلمية، سنة: 1121هـ ) ج0، ص899 (2) - الإحكام في أصول الأحكام، عل بن محمد الآمدي (ت٩هـ)، تحقيق: سيد الجميل (بيروت، مط: دار الكتاب العربي، ط:٩، سنة: 404هـ ج4، ص442.
عدد الصفحات ٩٨المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ عالايْه واسالهما : "إ ذاا جالاسا باينْا شُعاب هاا الأْارْباع واماسه الخْ تاانُ الخْ تاانا فاقادْ واجابا الْغُسْلُ "(1)، على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهوقوله: "إن ما الماءُ من الماء "(0) أي إن الغسل من المني؛ ووجه الترجيح: أن أزواج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعلم بفعله من الرجال الأجانب؛ فلو لم يجب الترجيح والعمل بالر اجح ما قدمت الصحابة خبر عائشة على خبر أبي سعيد. ومن صور الدليل على وجوب العمل بالراجح: أن عمر ابن الخطاب قبل خبر أبي موسى في الاستئذان حيث أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ه قال: "الاسْت ئْذاانُ ثالااثاً "(1)، ووافقه أبو سعيد الخدري في الروايةبقوله: "سمعت رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول هذا"(1). إلى غير ذلك من الوقائع التي تدل على أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يأخذون بمبدأ الترجيح والعمل به في ترجيح بعض النصوص على بعض، يقول الغزالي في المنخول: "إن الصحابة كانوا يرجحون الأدلة ويقدمون بعض المصالح على بعض (1) - البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، رقم: 444، ومسلم واللفظ له، كتاب الحيض، بَاب نَس خِ الم َاء مِن الم َاءِ وَو ج وبِ ال غ س لِ بِال تِقَاءِ الخ ِتَانَين ِ ، رقم342، وغيرهما (2) – مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ، كتاب الحيض، بَاب إنّما الماء من الماء، رقم4-١٩. (3) - البخاري من حديث أبي سعيد الخدريّ ، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، رقم: 3772، ومسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي موسى الأشعري، كتاب الآداب، بَاب الاستئذانِ ، رقم4004- ١- 0. (4) - مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ، كتاب الآداب، بَاب الاستئذانِ ، رقم4007.
عدد الصفحات ٩٩المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ ويقدمون رواية أبي بكر الصديق على رواية معقل بن يسار وغيره ولا معنى للترجيح سواه"(1). وإذا لم يعمل بالر اجح لزم العمل بالمرجوح، وفي هذا ترجيح للمرجوح على الر اجح، وذلك متنع عقلاً. وذهب أبو بكر الباقلانّ من المالكية(0)، وبعض الظاهرية، وبعض المعتزلة إ إنكار العمل بالترجيح، وقالوا يلزم عند التعارض التخيير أو التوقف(1)، وأدلتهم ع هذا قوله تعالى: { فااعْتابر ُوا ياا أُولي الأْابْصاار } [0]، ووجه الدلالة من هذه الآية، أن الله تعالى أمر بالاعتبار مطلقاً من غير تفصيل؛ وعليه فلا وجه لوجوب العمل بالراجح دون المرجوح، فالعمل بالمرجوح ضرب من الاعتبار، كما استدلوا بقوله -صلى (1) – المنخول، أبو حامد الغزالي (ت303هـ)، تحقيق محمد حسين هيتو، (بيروت، دار الفكر المعاصر، ط:5، سنة: ١٩هـ، 4م ص355. (2) - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القسم، المعروف بالباقلانّ البي المتكلم المشهور؛ كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، ومؤيدا اعتقاده وناصرا طريقته، وسكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره (1) ، وكان في علمه أوحد زمانه وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفاً بجودة الاستنباط وسرعة الجواب، وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورا بذلك، توفي سنة 121هـ، ينظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان، ج1، ص019؛ الأعلام للزركل، ج1، ص181 . (3) – ينظر منهج التوقيف والتّجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي، عبد المجيد محمد إسماعيل السوسوة، (الأردن، مط: دار النفائس للنشر والتوزيع، ط:٩، سنة: 4هـ، 7م)، ص٩؛ نثر الورود، الشنقيطي، ص:347.
عدد الصفحات ١٠٠المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ الله عليه وعلى آله وسلم-: "ناحْنُ ناحْكُمُ ب الظهاه ر والله ياتاوالىه السره ائ رُ "(1)،فإن دل ع الأخذ بالظاهر، والدليل المرجوح ظاهر فجاز العمل به(0) . واعترض على الدليل الأول، أن الآية لا تصلح دليلاً على عدم وجوب العمل بالراجح، وإن ما تفيد الأمر بالنظر والاعتبار، وم ا لاشك فيه أن النظر والاعتبار يقتضيان العمل بالراجح؛ لأن ه أقوى من غيره في نظر المرجح، أم ا عن الدليل الثانّ فقد استدلوا بحديث لا أصل له، ولو افترضنا صحته، فإن الظاهر ال ذي يجب العمل به هو ما ترجح أحد طرفيه على الآخر؛ فيكون العمل بالر اجح عملاً بالظاهر ومخالفته في العمل بالمرجوح يكون عكس الظاهر(1). (1) – كشفالخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس، العجلونّ، ص190؛الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للأمام محمد بن عل الشوكانّ (ت:1092هـ)، تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليمانّ وعبد الوهاب عبد اللطيف، (القاهرة، مط: السنة المحمدية، ط:1، سنة1172هـ،1912م)، ص022، وصح في معناه عن أُم سالاماةا قاالاتْ سام عا النهب ي صالىه اللههُ عالايْه واسالهما جالاباةا خ صاامٍ ع نْدا بااب ه فاخاراجا عالايْه مْ فاقاالا إ نه ماا أاناا باشرا واإ نههُ ياأْت ين ي الخْاصْمُ فالاعاله باعْضًا أانْ ياكُونا أابْلاغا م نْ باعْضٍ أاقْضِ لاهُ ب ذال كا واأاحْس بُ أانههُ صااد ق فامانْ قاضايْتُ لاهُ ب حاق مُسْل مٍ فاإ نهماا ه يا ق طْعاة م نْ النهار فالْياأْخُذْهاا أاوْ ل ياداعْهاا "، البخاري من حديث أم سلمة، كتاب الأحكام، باب الْقاضااءُ في قال يل المْاال واكاث ير ه ساوااء ، رقم 1117. (2) – إرشاد الفحول، الشوكاني، ج4، ص420. (3) – فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، عبد العلّ محمد بن نظام الدين الأنصاري، على هامش المستصفى لأبي حامد الغزالي، (بولاق، مط: طبعة الأميرية، ط: ٩، سنة: 544هـ ج4، ص404.
عدد الصفحات ١٠١المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ وبالتأمل فيما استدل به كلا الفريقين يظهر أن مذهب جمهور القائلين بوجوب العمل بالر اجح هو الأولى؛ وذلك لقوة أدلتهم؛ ولأن الت سوية بين الر اجح والمرجوح، أو التوقف عن العمل بهما، أمر لا يقبله عقل، ولا يقره منطق(1) . ما استدل به القائلون بعدم وجوب العمل بالر اجح لا ينهض بالحجي ة على ما ادعوه، ومذهب جمهور العلماء هو القول الذي يعتد به ولا يُصار إلى غيره. والحديث على مسألة التر جيح يت عين أن يكون هناك تعارض، فلزم أن نتحد ث عنه؛ لأن التر جيح واحد م ن مراحل دفع التعارض ، وأن ه لا بُد منه إذا لم نتمكن م ن الجمع باينْ الدليلين المتعارضين أو معرفة تاريخيهما ل نعمل بالمتأخر ناسخاً والمتقدم منسوخاً . تعريف التعارض لغةً : التعارض لغةً : مصدر تعارض م ن المعارضة ، وهي المقابلة على سبيل الممانعة والمواقعة، والتعارض على وزن تفاعل من (العُرض )، وهو الجهة أو الناحية، كأن المتعارضين يقف كل منهما في عرض الآخر؛ أيْ ناحيته وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى وجهته (0). وما تقد م يكون التعارض لغةً : التقابل والتمانع والمواقعة . تعريف التعارض اصطلاحاً : (1)- ينظر: منهج التوفيق والتّجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي، عبد المجيد محمد إسماعيل السوسوة، ص 435. (2) – ينظر القاموس المحيط، الفيروز أبادي مادة (عرض)، ص075؛ القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، (دمشق، مط: دار الفكر، ط:4، سنة: 404 هـ - 44 م)، ص447.
عدد الصفحات ١٠٢المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ عر ف الأصوليون التعارض بتعريفات عدة ، منها تقابل دليلين على سبيل الممانعة(1)، وهو تعريف الزركشي ، واختاره الشوكانّ، وقيل: تقابل الحُج تين المتساويتين على وجْه يوج ب كُله واحد منهما ضد ما توج به الأخرى : كالح ل والحرمة ، والنفي والإثبات (0) . فالتعارض هو عبارة عنتدافع حجتين وتقابلهما، على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه، عند الأصوليين، أم ا مفهوم الت عارض عند المفسرين، فهو أشمل وأوسع من مفهومه عند الأصوليين؛ لأن موضوع التعارض عندهم هو الأدل ة الشرعي ة، أم ا عند أهل التفسير- موضوع مجال بحثي- فهو الأقوال المختلفة في التفسير، خلاف تضاد، أو خلاف تنوع من باب حمل الآية على أولى الوجوه، وأقوى الأقوال.(1) والترجيح لا بُد فيه م ن طرفين متقابلين أو متعارضين حتى نرج ح بايْناهُماا ، وهذا لا يكون إلا بحصول التعارض أو تاوهم ه ، والعكس ليس كذلك؛ أي أن التعارض قد لا يحتاج إلى الترجيح ، خاصة إذا كان باينْ الأدل ة وتم دفعه بالجمع بايْناهُماا أو بالعمل بالن اسخ وترك المنسوخ، كما هو معلوم، فالتعارض أساس ل لترجيح وأصْل له لا يو جد إلا به ، فهو مبني عليه، ل ذلك أصبح التعارض والترجيح، متقابلينْ تماماً كالمنطوق والمفهوم، والمطلق والمقيد، والعام والخاص ، ونحوها . استقراء ترجيحات المفسّين (1) - البحر المحيط، في أصول الفقه، الزركشي، ج4، ص407؛ إرشاد الفحول، الشوكاني، ج4، ص434. (2) - أصول السّخسي، السّخسي، ( بيروت، مط: دار الكتاب العلمية، ط:٩، سنة: 4 هـ- 5 م)، ج4، ص4. (3) - ينظر قواعد التّجيح عند المفسّين، حسين الحربي، ج٩، ص54.
عدد الصفحات ١٠٣المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ إن المتتبع لأقوال أهل التفسير يجد ترجيحاتهم واختياراتهم مبنية على تعليلات علمية واستدلالات نص ية معينة على الفهم الصحيح لمدلول الآية المبحوث فيها، صالحة أن تكون طُرقاً سلكوها وقواعداً قع دوها، فجعلوا الضابط، والأمر الكل المنطبق على جميع جزئياته، مابعثهم على الترجيح بين الأقوال، فتارة يرج ح المفسر قولاً يذكر بعده الس بب الموجب للترجيح عنده، فيقول مثلاً ": الأصل حمل الن ص على ظاهره إلا بدليل، أو العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلى غير ذلك، من ذكره للقواعد والضوابط والطُرق الأغلبية التي توص ل بها لمعرفة الر اجح في كلام الله تعالى (1) . فإنْ باحاثْنا في تفسير عميد المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- على سبيل المثال، نجد كما ً هائلا من القواعد التي أشار إليها إما بنص ها، أو معناها، أو مرجحا بمقتضاها (0). وكذلك الشأن عند ابن كثير، الذي سلك طُرقاً كثيرة في ترجيحاته(1)، وكذا ابن تيمية(0)، والبغوي(1)، والشوكا(1)، والشنقيطي(9) وغيرهم (1)- ينظر قواعد التّجيح عند المفسّين، للحربي، ج٩، ١؛ دراسات في قواعد التّجيح المتعلقة بالنص القرآني في ضوء ترجيحات الرازي، عبد الله بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي ، ج٩، ص434 (2)- هناك رسالة دكتوراه من إعداد عبد الحميد السحيباني، بعنوان "ترجيحات الإمام الطبري في تفسيره"، مقتسما الموضوع مع حسين الحربي، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين.
عدد الصفحات ١٠٤المبحث الثالث تعريف ات أساسية ~ 132 ~ إن هذه القواعد المستخرجة من استقراء لترجيحات المفسرين، بالنص عليها تارة، أو بالعمل بمقتضاها تارة أخرى، لهي خير دليل على الطريق الذي سلكوه في ترجيحهم لقول ما، أو اعتمادهم عل حكم ما، وفي هذه الرسالة بعض الإشارات على طُرق وأوجه ترجيحات ابن العربي التي سلكها في ترجيحاته، من خلال كتابه أحكام القرآن، والله المستعان وعليه الت كلان. (1)- ترجيحات الحافظ ابن كثير لمعاني الآيات في تفسير، رسالة دكتوراه، لعبد الله العواجي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كلية القرآن الكريم. (2)- اختيارات ابن تيمية في التفسير، من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الأنبياء، رسالة لنيل درجة الدكتوراه، لمحمد هندي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين (3)- ترجيحات البغوي في تفسيره، رسالة لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام، من إعداد فهد الدوسي. (4)- اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير، رسالة دكتوراه، من إعداد عل السناني، من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (5)- ترجيحات الشنقيطي في تفسيره، رسالة لنيل درجة ماجيستّ، من إعداد تركي الهويمل، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين.
عدد الصفحات ١٠٥~ 132 ~ الباب الأول طُرق ترجيح متعلقة بالنص القرآني الفصل الأول: طُرق ترجيح متعلقة بالقراءات ورسم المصحف. الفصل الثاني: طُرق ترجيح متعلقة بالسياق القرآني.
عدد الصفحات ١٠٦~ 113 ~ الفصل الأول طُرق ترجيح متعلقة بالقراءات ورسم المصحف المبحث الأول: القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة. المبحث الثاني: معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى الشاذة. المبحث الثالث: التفسير الموافق لرسم المصحف أولى من المخالف له.
عدد الصفحات ١٠٧طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 111 ~ علم القراءات علم جليل القدر عظيم المنزلة، له فوائد جم ـة لا تحصىـ ولا تعـد، ولعـل أبرز فوائده: التيسير والتخفيف في حفظ القرآن وفقه معانيه، مع حفظ كتاب الله تعـالى من التحريف والتبديلباشتماله على الأوجه المتعـددة للقـراءات، بالإضـافة إلى أن قـراءة القرآن والتعبد بتلاوته كما أمر الله تعالى لا تتحقق على الوجه الأكمل إلاه بمعرفة كيفيـة النطـق بالألفـاظ والوقـوف عـلى أداء الكلـمات القرآنيـة، لـيحفظ الـن ص مـن الل حـن والانحراف عن مقتضياتها ومدلولاتها، ناهيك على الإبانة عن الإعجـاز بتنـوع وجـوه التلاوة، فإن الاختلاف في الحرف رب ما دل عـلى معـانّ مـن العلـم لا توجـد في الحـرف الآخر، فتكون الكلمة الواحدة تؤد ى على صورتين أو أكثر مـن الن طـق تـدل عـلى كـل صورة منها على معنى غير الذي دل ت عليه الأخرى. يقول الزرقانّ: "تنـوع القـراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز، أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات مـن البراهـين السـاطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله -صـلى الله عليه وعلى آلهوسلم-، فإن هذه الاختلافـات في القـراءة عـلى كثرتهـا، لا تـؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد، ولا إلى تهافت وتخاذل، بـل القـرآن كل ـه عـلى تنـو ع قراءاتـه يصد ق بعضه بعضاً ، ويبين بعضه بعضاً ، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحـد في علـو الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم"(1). (1)- مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقانّ، (بيروت، مط: دار المعرفة، ط:1، سنة: 1102هـ، 1999م)، ص111-110.
عدد الصفحات ١٠٨طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 112 ~ لم ا كانت هذه الأهمية لهذا العلم بهذه المرتبة فلا عجب أن يكون عُـدهة المفسر ـ ، فبـه يُتاواصل إلى مراد الله، و تا تا حقق أغراض ومقاصد كثيرة من التفسير، سواء ما تعل ق منهـا بالأحكام،أو المعانّ، أو الدلالات، أو جميع أغراض التفسير. والقراءات لغـةً : جمـع قـراءة، مصـدر قـرأ في اللغـة،وقا را أْ تُ الشياـ ء قُرْآنـاً أي: جمعتُـه وضممتُ بعضه إلى بعض(1)،وسمي القرآن قرآناً ؛ لأنه جمع القصص والأمـر والنهـي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضـها إلى بعـض، أاو لأانهـه جـامع ثمـرة كتـب الله المنزلة، أاو لجمعه ثمرة جميع العلوم(0). أم امعناها الاصطلاحي: العلم بكيفيات أداء كلمات القرآن الكريم، أو مذاهب العلـماء في النطق بالقرآن الكريم(1)،والمذاهب والكيفيات المختلفة، بحيث يذهب كل إمام من أئمـة القر اء مذهباً يختلف عن غيره ، وهذه القراءات ثابتة بأسانيدها عـن النبـي صـلى الله عليـه وسلم فالالتزام بها حكم شرعي ثابت بالسـنة النبويـة، أي بالنقـل لا بالعقـل، فضـابطها ثبوت صحتها سماعاً وليس قياساً(القواعد النحوية ، والصرفية)، فعلـم القـراءات:علـم يبحث في كيفيـة النطـق بألفـاظ القـرآن، وكتابتهـا، ومواضـع اتفـاق نقلتهـا، ومواضـع (1)– تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، ج1، ص11. (2)- مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، (بيروت، مط: مؤسسة الرسالة، ط:19، سنة: 1117هـ، 1997م)، ص111-110 (3) –البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت891هـ)، (بيروت، مط: دار الفكر، بدون ط، سنة: 1101هـ، 0229م)، ج1، ص199-191؛ مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقانّ، ص111.
عدد الصفحات ١٠٩طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 112 ~ اختلافهم، مع عزوا ذلك إلى ناقله، وتمييز متواتره من آحاده، وصـحيحه مـا لم يصـح مـا روي على أنه قرآن، أو هي مذهب من مذاهب الن طق في القرآن يذهب به إمام مـن القـر اء مذهباً يخالف غيره، مع الموافقة لرسم المصحف، وثبوت الإسناد للنهبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم(1). ما يهمنا في هذا البحث، أن ماقدمه ابن العربي في مجال القراءات يدل دلالة واضحة ع عُلُو كعبه في هذا العلم، الذي لا غنى لأحد عنه في مجال التفسير، فلـم يقتصرـ دوره عـلى العالم المبين والمفسر فحسب، وإنما كان بجانب ذلك موجهـاً ومرشـداً، لمعرفـة القـراءات وأنواعها، وطرق توجيهها على المعانّ وترتيب الأحكـام، حيـث سـأبين في هـذا الفصـل الطُرق التي تتبعها ابـن العـربي في تـرجيح المسـائل التـي لهـا علاقـة بـالقراءات ورسـم المصحف، و ذلك بتتبُعه لقواعد أساسية، وضوابط واضحة بي نة تمثلت فيما يأتي. (1)– انظر المقد مات الأساسية في علوم القرآن، عبد الله بن يوسف الجُ دا يْ ع، (بيروت، مط: مؤسسة الري ان، ط:1، سنة: 1108هـ، 0221م)، ص181.
عدد الصفحات ١١٠المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ المبحث الأول: القراءة الثابتة لا ت رَد وهي كآية مستقلة. موقف ابن العربي من القراءات الصحيحة الثابتة، موقف واضح بينّ ، حيث وضّح القراءات التي يقرأ بها، وهي الصحيحة التي أجمعت عليها الأمة، وقرأ بها جمهور القراء، ثم أشار إلى الحكمة من كتابتها بالأوجه المختلفة فذكر أيّ ا لم تكتب عبثاً، وإنّ ما كتبت حتى ي قرأ بها جميعاً على سبيل التخفيف والتوسعة والتيسير، فلا يتعين على أحد الالتزام بقراءة واحدة، بل يقرأ بجميعها، ولكن ليس في آية واحدة لئلا يكون ذلك باعثاً على الل بس والخلط فيؤدي إلى المنازعة والجدال، بل كلّ ماثَب ت جازت القراءة به (٩). كما أبدى عنايةً فائقة ًواهتماماً بليغاً بالقراءات الصحيحة، وهي التي ثبتت بالتواتر عن المعصوم عليه السلام من مبدئها إلى منتهاها، وقرأ بها القرّ اء السّ بع، ومن شهد لهم جمهور الأمة من مشاهير القرّ اء، فاختلاف القراءات من باب اختلاف التّنوع، لا اختلاف التّضاد، وحيث تصح القراءة، كقراءات القرّاء السّبع؛ فإنّ لها من المعاني شيئاً عظيمَ الأثر، توقن معه نفس العارف أنّ هذا القرآن بجميع وج وه قراءاته من عند لله. و تقررت هذه العناية في اعتماد هذه القراءات والتأكيد على التمسك بها والتعويل عليها وعدم الالتفات لغيرها من القراءات، وهي المعتمدة في التلاوة والأحكام الشرعية؛ لأيا سنّ ة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحّ ة سندها وتواترها. (1) – ينظر: أحكام القرآن ، ابن العربي، ج0، ص111،
عدد الصفحات ١١١المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ فإذا صحت قراءة ما، فلا يجوز لأحد أن يطعن فيها أو يردّ ها، لأيّـ ا قـرآن وهـي بمثابـة الآية المستقلة التي تدل على معنى أو حكم آخر، ويشتّط في ثبوت وصحة القراءة ثلاثـة شروط: ٩- صحة الإسناد إلى النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسـلم: أي أن يـروي تلـك القـراءة العدل الضابط عن مثلة حتى تنتهي إلى رسول الله، وتكون مع ذلك مما عرفت واشتهرت عند أئمة الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم. 4- موافقتها للعربية ولو بوجه سواء كان الوجه فصيحا أم أفصح مجمعا عليه أم مختلفـا فيـه، ولا يوجــد في قــراءة القــراء الم عـروفين مــا هــو خــارج عـن العربيــة، يقــول ابــن الجزري(٩):" ولا يصدر مثل هذا إلا على وجـه السـهو والغلـط وعـدم الضـبط، ويعرفـه الأئمة المحققّ ون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جداً بل لا يكاد يوجد"(4). 5- موافقتها لرسم أحد المصاحف العثمانية ولو احـتمالاً ، فمـن شرط صـحّة القـراءة أن تكون موافقة لرسم واحدٍ من هذه المصاحف التي عليها قراءات الأئمـة المعتمـدين، أو محتملة تقديرا.على سبيل القطع واليقين. (1) - محمد بن محمد بن محمد بن عل بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين، العمريالدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، الشهير بابن الجزري نسبته إلى (جزيرة ابن عمر) : شيخ الاقراء في زمانه، من حفاظ الحديث، ولد ونشأ في دمشق، وابتنى فيها مدرسة سماها (دار القرآن) ورحل إلى مصر مرارا، ودخل بلاد الروم، وسافر مع تيمورلنك إلى ما وراء النهر، ثم رحل إلى شيراز فولي قضاءها، ومات فيها سنة: (455 هـ- ١ م). الأعلام ، الزركل، ج7، ص43. (2) - النشر في القراءات العش، ابن الجزري، تحقيق: عل محمد الضباع، (بيروت، مصورة دار الفكر)، ج1، ص18.
عدد الصفحات ١١٢المبحث الأول القراءة الثابتة لا ترد وهي كآية مستق لة ~ 112 ~ فهذه الشروط الثلاثة، لابـدّ مـن اجتماعهـا كـي تكـون القـراءة صـحيحة معـدودة مـن القرآن(٩). ثم تَصَد ى ابن العربي للإجابة عن تساؤلات مهم ة في هذا الموضوع، مثـل السـؤال عن حكم القراءة بالقراءات المختلفة في القرآن؟ (4) وما الحكمة من ذلـك؟ (5) ثـمّ حكـم القراءة بغير الألفاظ الواردة في الآية، وإنّـما بـما يسـاويها في المعنـى كقـراءة "إن شـجرة الزقوم طعام الفاجر" بدل "الأثيم"(4). (1) - البرهان في علوم القرآن، الزركشي ج1، ص199-191؛ مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقانّ، ص111؛ مباحث في علوم القرآنن من اع القطان، ص197- 112؛المقد مات الأساسية في علوم القرآن، عبد الله بن يوسف الجُدايْع، ص181-181. (2) – ينظر: أحكام القرآن، ابن العربي، ج0، ص111. (3) – المرجع نفسه، ص110-111. (4) – ذكر ابن العربي في المسألة الثانية عند قوله تعا{ إن شَجَرَةَ الز ق ومِ طَعَام الأ َثِيمِ } (الدخان، 45،44) : " ر وِيَ أَن اب نَ مَس ع ودٍ أَق رَأَ رَج لاً طَعَامَ الأ َثِيمَ فَلَم يَف هَم هَا ؛ فَقَالَ لَه : طَعَام ال فَاجِرِ ، فَجَعَلَهَا الن اس قِرَاءَةً ، حَت ى رَوَى اب ن وَه بٍ عَن مَالِكٍ قَالَ : أَق رَأَ اب ن مَس ع ودٍ رَج لاً إن شَجَرَةَ الز ق ومِ طَعَام الأ َثِيمِ فَجَعَلَ الر ج لَ يَق ول : طَعَام ال يَتِيمِ ، فَقَالَ لَه عَب د الله ِ ب ن مَس ع ودٍ : طَعَام ال فَاجِ رِ ، فَق ل ت لمَِالِكٍ : أَتَرَى أَن يَق ولَ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَم ....فَإِن قِيلَ : فَفِي الم ص حَفِ الأ َص لِ قِرَاءَات وَاخ تِلاَفَات فَبِأَي ي ق رَأ ؟ ق ل نَا: وَهِيَ : الم َس أَلَة الث الِثَة بِجَمِيعِهَا بِإِجم َاعٍ مِن الأ م ةِ ، فَماَ و ضِعَت إلا لحِِف ظِ ال ق ر آنِ ، وَلاَ ك تِبَت إلا لِل قِرَاءَةِ بهَِا ، وَلَكِن لَي سَ يَل زَم أَن ي عَين َ الم َق ر وء بِهِ مِن هَا ، فَي ق رَأَ بِحَر فِ أَه لِ الم َدِينَةِ ، وَأَه لِ الش ام ، وَأَه لِ مَك ةَ ، وَإِن ماَ يَل زَم ه أَلا يََ ر جَ عَن هَا ، فَإِذَا قَرَأَ آيَةً بِحَر فِ أَه لِ الم َدِينَةِ ، وَقَرَأَ ال تِي بَع دَهَا بِحَر فِ أَه لِ الش امِ كَانَ جَائِزًا ، وَإِن ماَ ضَبَطَ أَه ل ك ل بَلَدٍ قِرَاءَتََ م بِنَاءً عَلىَ م ص حَفِهِم ، وَعَلىَ مَا نَقَل وه عَ ن سَلَفِهِم ، وَال ك ل مِن عِن دِ الله ِ . أحكام القرآن، ابن العربي، ج4، ص ١٩٩ -40.
عدد الصفحات ١١٣