مقدمة ~ ص ~ والأثار من مظايا، مع الاكتفاء بما في الصّحيحين أو أحدهما فأقول –مثلاً -: البخاري، كتاب: كذا، باب: كذا، رقم الحديث على حسب ما في النّسخة المذكورة، فإن كان في غيرهما خرجته مع ذكر درجته من حيث الصّحة؛ وفق الصناعة الحديثية مقتصراً في الغالب على تصحيحات الأئمة باختصار أقوالهم، هذا بعد ذكر من خرّجه من مشاهير دواوين السنّة، مع مراعاة الضبط والتشكيل، واقت صرت على التمثيل لط ر ق التّّجيح غالباً، مع عدم الاستطراد في المسائل الفقهية، كما قمت بتعريف المصطلحات المذكورة في البحث إمّا في متنه إن أمكن ذلك، أو أثبته في الهامش إن لم يحتمله المتن، وعزوت القول الم ق تَبس لقائله، والفِك رَة لصاحبِها أو مكايِا بقولي: "ينظر"، مع ذكر معلومات المصن فات تأليفاً ونشراً في أوّل مرّة، ثمّ لا ألتفت إلاّ للم ؤَل ف والم ؤَل ف إن تكرّرت، وأي اقتباس اقتبسته من كتاب "أحكام القرآن" فهو مشكول، ولم أترجم للأعلام في الهوامش لئلا تكون مثقلة كثيراً، وعوضّت عنها بذكر تعريف مختصر لكلّ عَلَم في فهرس الأعلام الملحق في آخر البحث إلاّ أني لم أذكر ابن العربي في الأعلام لكثرة وروده. وتسهيلاً على القارئ للوصول إلى مطلوبه ألحقت البحث بفهارس منهجيّة على التّّتيب التّالي: - فهرس الآيات. - فهرس الأحاديث. - فهرس الأثار - فهرس الأشعار. - فهرس الأعلام.
عدد الصفحات ١٨مقدمة ~ ق ~ - فهرس المصادر والمراجع - فهرس الموضوعات. وقد وقعت بعض الرموز في البحث وخاصّة في الهوامش، فرمزت بـ(ج)للمجلد، و(ص) للصّفحة، و(رقم) لرقم الحديث، و(ت) لتاريخ الوفاة. لا أبرّ ر عجزي في آلتي المعرفيّ ة، ولا تقصيري في بحثي بسب سهو وغفلة، فإن ذلك كلّ ه حاصل، ولكنّ موضوع ط ر ق التّّ جيح، موضوع غَ م ر الل ج ة، واسع الذ يول، شاقّ الطريق، بعيد المدرك، فلذلك أرجو أن أكون مقبول العذر عند وجود الخلل، م سامح عند وقوعي في الخطأ والزلل، وقلمي جاهز لرتق الفتق، وإصلاح الث لم، وتصويب الخطأ، لما يشير به علّ السّادة الأساتذة، أعضاء اللجنة المناقشة، فلهم من ي الشّ كر الجزيل، والاعتّاف الن بيل، والتّقدير العظيم، بما يقدمونه من نصح كريم. وفي الختام أحمد الله المستحق للحمد ، المحب للمدح والثناء؛ على ما أنعم به علّ من إتُام هذا البحث، فهو أهل الحمد، وأحقّ من يح مد، وأعظم من ي مجّد، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، خلقني وأخرجني من بطن أمّي لا أعلم شيئاً، وعلّمني ما لم أكن أعلم، وكان فضله علّ عظيماً. وأرفع اسمى عبارات الشكر إلى كلّ من اتّ صل فضله علّ بسبب أو نسب امتثالاً لقول الله عزّ وجلّ: ﭽ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭼ[ لقمان 4] وقوله تعالى: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [لقمان 4]
عدد الصفحات ١٩مقدمة ~ ر ~ رسول ا -صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة: «مَن لاَ يَش ك رِ الن اسَ لاَ يَش ك رِ الله َ »(٩). ولله درّ القائل: لَقَلّ امر ؤ تَلقاه للـه شاكِـراً *** وقـل امـرؤ يرضَ لـه بقضاءِ ولـلّــهِ نَع ماَء عَـلَينا عَـظيمَة *** وللـهِ إحسـان وفـضل عـطـاءِ (4) وأزف أروع عبارات الشكر والعرفان إلى كلّ من له علّ يد بيضاء؛ أثمرت هذا الجهد المتواضع، وأخصّ بال ذكر أستاذي وشيخي الفاضل الدكتور: حمَ حَامِي مخ تَار وف قَ ه الله تعالى وسدّدّ خطاه؛ الذي أتحفني بعلمه، وشملني بحسن توجيهه وحلمه، فجزاه الله عنّي خير الجزّ اء، وأجزل له المثوبة وأحسن له العطّ اء. ولا أنسى شكر القائمين على هذا الصرّح العلمي الشامخ كليّ ة العلوم الإنسانيّة والحضارة الإسلاميّة بوهران. (1)- أخرجه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، كتاب: البر والص لة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، رقم: 1991، وعل ق عليه أحمد شاكر يقوله: " حديث حسن صحيح"، وهو عند أبي داود وغيره بلفظ« لاا ياشْكُرُ اللهها مانْ لاا ياشْكُرُ النهاسا »، كتاب: الأدب، باب: في شكر المعروف، رقم: 1711. (2) – ديوان أبي العتاهية، تحقيق، عمر فاروق الطباع، (بيروت، مط: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، سنة: 0221م)، مطلعها، لعامْ رُكا، ما الد نيا بدار باقااء ، ص: 01.
عدد الصفحات ٢٠مقدمة ~ ش ~ وأختم شكري لكلّ من نفعني بفائدة، وقرّب لي شاردة، وأهدى لي عيباً، وصحح خطأً، وناولني كتاباً، ولقّم لي أفكاراً، فأحسن الله مثوبته، ورفع الله درجته، وأخلص الله عمله، وختم له ولنا بالحسنى-آمين-. والله أسال أن ينفعني بما علمني، ويعلمني ما ينفعني، وأن يجعل عمل موافقاً لما علّمني، وأن يجعل عمل خا لصاً، وعن القبول ليس قالصاً، و أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم بكلّ أسمائه الحسنى ، وصفاته الع لىّ ، وباسمه الأعظم المعظّم الذي إذا س ئِل به أعطى وإذا د عِيّ به أجاب ، أن يسدّ د خطاي إلى مرضاته، ويرزقني وكلّ من قرأه ، أو صحّحه ، أو نقده ،أو نظر فيه ، الفردوس الأعلى في جنّاته، بغير حساب ولا سابقة عذّ اب، إنّه أرحم الرّ احمين وأكرم الأكرمين، هو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٢١~ 22 ~ التمهيد وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: التعريف بالإمام ابن العربي . المبحث الثاني: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي، وبيان منهجه فيه. المبحث الثالث: تعريف ات أساسية .
عدد الصفحات ٢٢طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ المبحث الأولالتعريف بالإمام ابن العربي اسمه وكنيته: هومحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري الإشبيل المالكي، المعروف بالقاضي أبي بكر بن العربي، ف كنيته أبو بكروأبوه(أبومحمد)من فقهاءإشبيلية وزعمائها السياسيين 1)، قال ابن بشكوال: "الحافظ المستبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحُ فه اظ ها2). ويشترك ابن العربي هذا مع ابن عربي الطائي الصوفي صاحب ( الفتوحات المكي ة) في الكنية واللقب، فكل منهما يكنى أبا بكر، كما يلقب كل منهما بابن العربي ، غير أن أهل المشرق (1)-الغُنْياة، القاضي عياض ، تحقيق: ماهر زهير جرار، (بيروت، مط: دار الغرب الإسلامي، ط:1، سنة 1120هـ1970م) ص11، سير أعلام النبلاء، الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط ورفيقه ( بيروت، مط: مؤسسة الرسالة، ط: 1، سنة1129هـ،1979م) ج:02، ص198،تاريخ قضاة الأندلس، أبو الحسن عبد الله الحسن النبهانّ(ت891هـ)، (بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع)، ص129، الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، ابن فرحون، إبراهيم بن عل المالكي(ت:899هـ)، تحقيق : د. الأحمدي (القاهرة، مط: دار النصر للطباعة) ج0، 090، طبقات المفسرين، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي(ت911هـ)، تحقيق عل محمد عمر، (القاهرة ، مط: مكتبة وهبة، ط1، سنة1191هـ1981م)، ص122، طبقات المفسرين، الحافظ شمس الدين محمد بن عل بن أحمد الداودي، تحقيق: عل محمد عمر،(القاهرة ، مط: مكتبة وهبة، ط1، سنة: 1990م)، ج0، ص110، شجرة النور الزكية في طبقات االكية،محمد بن محمد بن مخلوف، (بيروت، مط: دار الكتاب العربي) ج1، ص10. (2) - أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، المقري ، تحقيق مصطفى السق ا ورفاقه، (القاهرة، مط: لجنة التأليف والترجمة والنشر، سنة: 1910م)،ص091.
عدد الصفحات ٢٣طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ يفر قون بينهما بأل التعريف، فيطلقونعلى الإشبيل ( ابن العربي) وعلى الطائي الصوفي ( ابن عربي) بينما أهل الأندلس يطلقون على الطائي ( ابن العربي) أيضاً 1). مولده ونشأته ولد ابن العربي المالكي بإشبيلية سنة ( 117هـ)، في أسرة جمعت بين علوم الدين وبين مناصب الدنيا ، فكان أبوه عالماًفقيهاً، شاعراً ماهراً ، خطيباً مفو هاً، تقل ب في المناصب السياسي ة حتى كان وزيراً مفوضاً، ترأس وفد إشبيلية إلى المنتصر العباسي، وكان بصحبته ابنه أبو بكر، فتلطفا في القول، وأحسنا في الإبلاغ، وطلبا من الخليفة أن يعقد (لابن تاشفين) على المغرب والأندلس ، فعقد له ، وعادا إلى الأندلس ، وتبوأ مكانة سياسية مرموقة عند ( المعتمد بن عباد) أيضاً 2)،قال المحدث أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال: قرأت عليه بإشبيلية، وسألته عن مولده، فقال لي: ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربع مائة؛ وتوفي رحمه الله بالعدوة، ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة 1) .وجاء في كتاب الأعلام للزركل "أبو بكر ابن (1)- ويختلف الإشبيل عن الطائي في المولدوالوفاة مكاناً وزماناً ، فمولد ابن عربي الصوفي كان بـ : ( مرسية) من أعمال الأندلس سنة ( 912هـ) وكانت وفاته بدمشق سنة ( 117هـ) أما ابن العر بإشبيلية سنة ( 117هـ)،ينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: ج1، ص11 دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1119هـ- 1997م (2)–الكامل في التاريخ، أبو الحسن عل بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحدالشيباني، ابن الأثير(ت250هـ)، (بيروت، مط: دار الكتب العلمية، ط:5، سنة:405هـ، 45م)، ج١، ص 450. (1)- الصلة، ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك (ت998هـ)،(القاهرة، مط: الدار المصرية للتأليف، ط:1، سنة1911م)، ج0، ص992،ينظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام،
عدد الصفحات ٢٤طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ العر117- 191 هـ = 1281 - 1117 م) محمدبن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيل المالكي، أبو بكر ابن العربي: قاض، من حفاظ الحديث. ولد بإشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأ دب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين. وولي قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس،ودفن بها "2)،يقول الذهبي: "وقد وجدتُ بخطي أنه توفي سنة ستٍ وأربعين، فما أدري من أين نقلته. ثم وجدت وفاته في سنة ست في تاريخ ابن النجار، نقله عن ابن بشكوال، والأول الصحيح إن شاء الله"3). لقد نشأ ابن العربي في هذه البيئة الطيبة التي جمعت بين أصالة العلم والثقافة، وبين المكانة السياسية4)، وكان لهذه البيئة الأثر الواضح في صا قْ ل شخصيته العلمي ة والثقافي ة ، والط ابع الذي تمي ز به فكرُ ه واتجاهه وخلقه وقوة شخصيته، والتأثير عليه علماً وتعليماً، حتى غدا إماماً منأئمة عصره ، شهد له بذلك أصحابالتراجم والمؤر خون، الذين سطه روااسمه في سجل الأعلامالخالدين. إن الحياة العلمية والثقافية غالباً ما يكون لها ارتباط وثيق بالحياة السياسية، فالشعور بالاستقرار والأمن يهي ء الأجواء المناسبة للج د والاجتهاد، وإعمال الفكر والبحث، وبالتالي فهو المناخالملائم للإنتاج العلمي والثقافي،وأم ا التفكك السياسي وانعدام الاستقرار وغياب شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق، د. عمر عبد السلام تدمري،(بيروت، مط: دار الكتاب العربي، ط:1، سنة 1128هـ1978مج:18، ص 128 (2)–الأعلام، خير الدين الزركل، (بيروت، دار العلم للملايين، ط:3، سنة:44م ج2، ص450. –تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، الذهبي: ج:57، ص: ٩.(3) (4)-وخال أبي بكر بن العربي هوالحسن بن عمر الهوزني كان يجمع – أيضاً - بين التقدّ م في العلم وبين المكانة السياسية. ينظر:السفر الخامس من كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي، تحقيق إحسان عباس،(بيروت،مط: دار الثقافة، سنة: 23م.
عدد الصفحات ٢٥طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ الأمن، والظلم والاستبداد ، فكل ها عوامل تؤدي إلى ندرة وشح الإنتاج العلمي والثقافي ؛ لأن التفر غ للعمل السياسي غالباً ما يكون على حساب التفر غ للعلم والمعرفة ، وهذا في الحالة العادية، كما أن العكس قد يكون صحيحاً، و النتيجة قد تكون على خلاف التصو رالمعهود، فقد يول د الشعور بعدم الا ستقرار، وانعدام الأمن والظلم السياسي والاجتماعي وضعاً معيناً ، يفج ر بركاناً ثقافي اً و علمي اً ، يكون وسيلة للتغيير والإصلاح ، وتزدهر بالتالي الحركة العلمي ة، وتشمل النهضة جوانب متعددة من حياة الأمة. ترعرع وكبر ابن العربي في فترة حكم دولة المرابطين (117هـ- 911هـ)،وإذاما نظرنا إلى هذه الدولة التي عاش في ظلها ابن العربي نجد أن عامل الأمن والاستقرار- الذي حضيت به دولة المرابطين1)،في شتى الميادين، السياسية و الاقتصادية والاجتماعية- عامل الأمن والاستقرار فج را طاقته وطاقة العلماء المعاصرين له ، لقد حكم المرابطون الأندلس بعد عصر ملوك الطوائفبزعامة الملك الهمام والمجاهد الصالح ( يوسف بن تاشفين)الذي انتظمت بلاد الأندلس في ملكه، وتوحدت كلمتهم تحت لوائه، واتصلت هزائم النصارى على يده، وخاطب الخليفة العباسي المستنصر ببغداد ليعقد له الولاية على المغرب والأندلس فعقد له ، يقول ابن عذارى في تاريخه المعجب في تلخيص أخبار المغرب : "وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها، ولم يختلف عليه شيء منها، عد من (1)- حاول المستشرقون أن يُلط خوا دولةالمرابطين، وخصوصًا الأمير يوسف، وشن وا حملة مسعورة على جهاده إلا أنهام اصطدموا بحقائق التاريخ الناصعة الت ي دلهت على عظمة الأمير يوسف ودولته الميمونة، كما وصف المؤرخون المنصفون الأمير يوسف بأنه كان حازمًا ضابطًا للنفس ماضي العزيمة عالي الهمة، تحركه عقيدته الإسلامية وشريعته الربانية، أمها دولة المرابطين فقد أثبت التاريخ أنهها دولة حضارة وعلم وثقافة، =وما قام به أعداؤها من وصفها بالتخلف الحضاري والتعصب المذهبي فهو قول باطل لا تسعفه الأدلة، عارٍ م ن الحقائق، وما كان دافع خصومهم م ن المُواح د ين والأانْدا لُسيين الذين حملوا عليهم حملة ظالمة إلا من باب التعصب الديني أو المذهبي، أو كراهية سياسية أو قومية حاولوا النيل من دولة المرابطين السنية. ينظر فقه التمكين عند دولة المرابطين، عل محمد الصلابي، ص011.
عدد الصفحات ٢٦طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ يومئذٍ في جملة الملوك، واستحق اسم السلطنة، وتسم ى هو وأصحابهبالمرابط ، وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك؛ لأن جزيرة الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى وأم قراه، ومعدن الفضائل منه ، فعا مة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها ومعدودون منها،فهي مطلع شموس العلوم وأقمارها، ومركز الفضائل وقطب مدارها، أعدل الأقاليم هواءً، وأعذبها ماءً، وأعطرها نباتاً ... أرض يطير فؤادي من قرارته شوقاً لها ولمن فيها من الناس قوم جنيت جنى وردٍ بذكرهم فهل بلقياهم أجنى جنى آسي فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم"1). وازدهرت الحركة الأدبيةفي دولة المرابطين في عهد الأميرعل بن يوسف الذى اهتم بالشعر والأدب، وشجهع الشعراء والأدباء؛ فتوافدوا على بلاطه من أهل الأانْدالُس، وكان الشعراء يقصدون ولى عهد الدولة في زمن الأمير عل بن يوسف لمدح ابنه تاشفين، كما حظي الشعراء في عصر على بن يوسف بمكانة عظيمة لدى الأسرة الحاكمة، وكبار القادة، وعمال الدولة على الأقاليم المختلفة(1). استطاع يوسف بن تاشفين أن يفتح مدن الأانْدالُس، وأن يضم الممالك إلى دولة المرابطين، وأسر بعض ملوك الأانْدالُس الذين ثبت تعاونهم مع النصارى، ووضعهم في المغرب إلى أن توفاهم الله، وبذلك قضى على مهزلة ملوك الطوائف. وأصبحت دولة المرابطين قوية عزيزة، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ابن عذارى المراكشي، ص:447.-(1) (1)- وم ن الذين مدحوا الأمير على بن يوسف الشاعر الكبير أبو العبهاس أحمد بن عبد الله القي سي المعروف بالأعمى التطيل حيث قال: يا قريع الأيام عن كل مسجد ... يا سليل الأذواء والأقيال لك من تاشفين أو من أبي ... يعقوب ذكر مكارم وفعال الأعمى التطيل، الديوان، ص 04؛ فقه التمكين عند دولة المرابطين، عل محمد الصلابي، ص4
عدد الصفحات ٢٧طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ توحدت سياستها تحت ظل الإسلام، وغدت لها القوة والغلبة والظهور على الأعداء، حتى بسطت سيطرتها و نفوذها على كل الجزيرة في ذلك الوقت. يصف ابن خلدون تلك الدولة وما وصلت إليه بزعامة ابن تاشفين فيقول: " وكانت أيامه فيها، وادعة، ولدولته على الكفر وأهله ظهوراً، وأجاز إلى العدوة فأثخن في بلاد العدو قتلاً وسبياً "1). كانت دولة المرابطين مبنية على أسس شرعية ، ولذلك اهتمت بالعلماء والفقهاء الذين لا دوام لدولة تريد أن تحكم بشرع الله بدونهم، ولذلك كثر المُحاد ثون والفقهاء، وقامت على دعامتين: الأولى: الدينية الأخلاقي ة بغية نشر الإسلام وتثبيته بالجهاد ، والثانية: السياسية، ومهمهتها مهاجمة النظم السياسية والظلم الاجتماعي ، اللذين أرهقا الرعية بمختلف الوسائل المادية والمعنوية، وم ا يؤك د هذه المهام والتبعات التي تكف ل بحملها ابن تاشفين ما جاء في المعجب في تلخيص أخبار المغرب : "وقام بأمره من بعده ابنه عل بن يوسفبن تاشفين وتلق ب بلقب أبيه أمير المسلمين وسا مه ى أصحابه المرابطون،فجرى على سنن أبيه في الجهاد وإخافة العدو وحماية البلاد ، وكان حا سا ن السيرة، جي د الطويهة، نزيه النفس، بعيداً عن الظلم، كان إلى أن يعده في الز ه اد والمتبتلين أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغل بين، واشتده إيثاره لأهل الفقه والد ين وكان لا يقطع أمراً في جميع ملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولىه أحداً من قُ ضاته كان فيما يعهد إليه ألاه يقطع أمراً ولا يبته حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلاه بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أي امه مبلغاً عظيماً ، لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس....واتصلت حال أمير المؤمنين يوسف في إيثار الغزو،وقمع ملوك الروم، والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس إلى أن توفي في شهورسنة 191هـ"1). (2)- تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون، (بيروت، مط: دار الكتاب اللبناني)، ج ٩٩، ص543. (1)- المعجب في تلخيص تاريخ المغرب، المراكشي، ص:452ـ 423.
عدد الصفحات ٢٨طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ مها تقده م، فإنه دولةً هذه سياستها، وهذه سيرة حاكمها، لا غرابة أن يكون لأصحاب العلم والفقه حظ وافر فيها، لقد حظي أهل الفقه والعلم عنده فأكرم وفادتهم، ومكهنهم في مراكز الدولة، ليصبحوا أصحاب السيادة والسلطة، وأهل الحل والعقد نظراً لما تحلىه به هذا الأمير من صفات حسنة وأخلاق طيبة والتزام بالشريعة، قامت على أساسها دولته ، وارتكزت عليها سيرته، وما يؤك د منزلة العلم والعلماء وأهل الفقه زمن المرابطين، ما ذكره المراكشي في وصف هذا العهد الزاهر فيقول: " لقد كان هذا العهد عهد العلم والفقه، حتى غدا كعهد بني العباس في صدر دولتهم، فلم يبقاعالم من العلماء والفقهاء، ولا كاتب من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة إلا حظي عنده"(1) فاتضح جلياً كيف كان للعامل السياسي دوره الفع ال في دفع عجلة الحركة العلمية، وتنشيطها، واحترام العلماء والفقهاء، وتوليتهم سلطة التشريع والتخطيط والتنفيذ، وعكف الأندلسيون على كتب المشارقةدراسة وشرحاً ومعارضة واختصاراً، إلى جانب ما ألهفوه في مختلف العلوم من فقه وأصول ولغة ونحو ومعاجم وتاريخ وحديث وكتب تراجم وغيرها. إن هذه الحقبة الزمنية، و البيئة الصالحة،وما نعمت فيه من استقرار سياسي وعدالة اجتماعية، وما تم تع ت به من القو ة والعز ة ومهابة الجانب، لأنها ات سمت بصدق الولاء والانتماء للإسلام وسا ما ت بسُ مُ و العلماء والفقهاء، هذه الحقبة حظيت بمختلف أنواع المعارف والعلوم، والتآليف والتصانيف، وشهدت نبوغ علماء أسهموا في حضارة المسلمين بخاصة، وفي الحضارة الإنسانية بصورة عامة، حقاً إن هذه التربة الخصبة هي التي نما فيها ابن العربي وشبه وترعرع، ونال حظاً وافراً من مختلف العلوم والمعارف، وتلقىه وأخذ عن أفذاذ الشيوخ ، وأساتذة العلم، ما كان له أثر واضح ملموس في شخصيته العلمية التي أثرت في المكتبة العربية والإسلامية بمصنفات خل دت اسمه على مدار التاريخ. (1)- المصدر السابق، ص: 447.
عدد الصفحات ٢٩طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ طلبه للعلم لقد تضافرت عوامل متعددة، أث رت في شخصية ابن العربي العلمية والثقافية، وأبرزها: .1)أ- الحياة العلمية في عصره، كما سبق ذكرها ب- البيئة الخاصة: تقد م أن ابن العربي نشأ في أسرة طيبة جمعت بين المكانة العلمية والسياسية، ولا ريب، فإن هذه مفاتيح العناية بالعلوم الشرعية ، كما أولى والد ابن العربي أهمية فائقةلابنه، عندما لحظ فيه شدة الإقبال على العلم والدرس وأدرك عنده حدة الذكاء، وقوة السماع والانتباه، فاص طحبه في الرحلات العلمية، والمهمات السياسية ، مع الرعاية والتوجيه، م ا كان لذلك أثر واضح في تكوينه العلمي.2) وبجانب هذه الرعاية الفائقة الواعية، كان ابن العربي يتمت ع بمواهب وقدرات وطاقات ، دفعته لخوض هذا البحر من العلوم والثقافات المختلفة. بدأ ابن العربي التعليم في سن مبكرة، وقد أعانه على ذلك تلك المواهب والقدرات الذاتية وسعة الأفق وقوة الذكاء، ثم ما تحلىه به من أخلاق وتربية، تأد ب ببلده إشبيلية فقرأ القرآن والقراءات، والحديث واللغة والشعر والحساب، فحذق هذه العلوم منذ نعومة أظافره، وهو يعيش في كنف أبيه، وكان أو ل من تتلمذ عليه. يحد ثنا المقري عن ابن العربي عند ذكره لمشايخ القاضي عياض فيقول: "القاضي الشهير الحافظ الإمام أبو بكر محم د بن عبد الله بن محم د بن عبد الله ابن أحمد بن العربي المعافري الأشبيل، رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد، مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربع مائة، فدخل الشام، ولقي بها أبا بكر محم د بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ورحل إلى الحجاز في موسم سنة تسع وثمانين، ودخل بغداد مرتين، وصحب أبا بكر (1)- ينظر: ص: 43 ، من هذا البحث. (2)- ينظر: ابن العربي الإشبيل وتفسيره أحكام القرآن، مصطفى إبراهيم المشي، ص:01.
عدد الصفحات ٣٠طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 23 ~ الشاشي، وأبا حامد الطوسي الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، فأخذ عنهم، ثم صدر عن بغداد، ولقي بمصر والأسكندرية جماعة، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير، لم يدخل به أحد قبله، من كان له رحلة إلى المشرق.."1). يقول الشيخ صديق حسن خان في التاج المكلل: "إمام في الأصول والفروع، سمع ودرس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنف في غير فن، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كل ه"2) . ويذكر أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق: "قدم دمشق وسمع بها الفقيه أبا الفتح المقدسي وأبا البركات بن طاوس وأبا الفضل ابن الفرات وأبا محمد عبد الله بن عبد الرزاق وأبا القاسم النسيب وأبا محمد بن الأكفانّ وإبراهيم بن الصقيل وعبد الرحمن بن الحنائي وأبا عبد الله بن أبي العلاء وخرج من دمشق سنة إحدى وتسعين راجعا إلى بلده وكان قد سمع ببغداد طراد بن محمد ون صر بن أحمد بن البطر والحسين بن أحمد بن طلحة النعالي وأبابكر محمد بن طرخان وأبا عامر محمد بن سعدون وبمكة القاضي حسين بن عل الطبري وأبا نصر محمد بن هبة الله البندنيجي وتفقه على أبي بكر الشاشي وأبي حامد الغزالي وسمع ببلده خاله الفقيه أبا القاسم الحسن بن عمر بن الحسن الهوزنّ"1). وذكر الشيخ العلامة أحمد بن محمد الشهير بالمقري التلمسانّ عن ابن العربي نفسه وهو يصف سن ه حين حذق هذه العلوم فيقول: " حذقت القرآن ابن تسع سنين، ثم ثلاثاً لضبط الأحرف والقراءات، نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه، وتمرنت في العربية - أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، المقري، ج 1، ص10-11(1) (2)- التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول ، صديق حسن خان، ( الهند، مط: المطبع الصديقي)، ص 440. (1)- تاريخ دمشق، ابن عساكر(ت٩هـ)، (بيروت، مط: دار إحياء التّاث العربي، ط5)،ج34، ص44
عدد الصفحات ٣١طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 21 ~ والشعر واللغة ثم رحل إلى المشرق ... لم أرحل من الأندل س حتى أحكمت كتاب سيبويه، وكنت أحفظ بالعراق في كل يوم سبع عشرة ورقة".2) هذا وقد تنقل ابن العربي قبل رحلته إلى المشرق في حواضر الأندلس فنزل قرطبة قبلة العلم والعلماء آنذاك، وأخذ عن شيوخها وأكابر علمائها، ثم كانت الرحلة إلى المشرق. والرحلة العلمية هي من مستل زمات العلم والمعرفة، تفرضها طبيعة البحث والتحصيل العلمي، كما ذكر هذا كثير من العلماء، لذا كانت سجيهة وطبعاً لدى علماء المسلمين، بل إن بعضهم يرى وجوبها لما تشتمل عليه من فوائد وأهداف سامية، وتبرز قيمة الرحلة العلمية من خلال التزود بالمعارف والتمييز والتمحيص والترجيح، والتعرف على المذاهب والآراء والأساليب والفضائل والأخلاق وأنماط التفكير، ثم التعرف على العادات والتقاليد والأعراف، تزود المرتحل بثروة علمية ومعرفية هائلة. رحل القاضي أبو بكر للحج في سنة تسع وثمانين وأربعمائة فحجه ولاق يا كثيراً من العلماء في موسم الحج، ثم عاد إلى بغداد مواصلاً أخذه من الشيوخ بجد لا يعرف الفتور، فأخذ عن الأئمة وعلى رأسهم حُجهة الإسلام أبو حامد الغزالي، وقيهد الحديث واتسع في الرواية،وأتقن مسائل الخلاف والأصول والأحكام على أئمة العلم في بغداد(1). و ابن العر عند تتبع ترجمته من كتب السير نجد أن ه رحل إلى المشرق كأقرانه من علماء الأندلس الراحلين طلباً للعلم والمعرفة، وتنقل في حواضر المشرق الإسلامي ومراكزه العلمية، والتقى بأكابر العلماء والشيوخ على مختلف تخصصاتهم ومواقعهم، وضرب سهماً وافراً في مختلف العلوم، وحقق الهدف والغاية من رحلته، بل كان ينفرد بهذه الغاية عمهن (2)- أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، المقري، ج 1، ص10. (1)-ينظر البداية والنهاية، لابن كثير، ج4، ص444. (2)–ينظر أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، المقري، ج 5، ص24.
عدد الصفحات ٣٢طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 22 ~ شاركه في هذه الرحلة ، ويذكر المقري في كتابه أزهار الرياض نقلاً عن أبي بكر: "كل من رحل لم يأت بمثل ما أاتايْتُ به أنا والقاضي أبو الوليد الباجي، أو قال: لم يرحل غيري وغيرالباجي، وأما غيرنا فقد تعب، أو نحو هذا ، ما لم تحضرنّ عباراته الآن"2). أشهر شيوخه: أخذ ابن العربي العلم عن شيوخ كُثُر، والتقى بعلماء في حواضر العلم في المشرق الإسلامي، يقول الداودي في طبقاته: "رحل إلى المشرق مع أبيه وفي مصر: التقى بأبي الحسن الخلعي، وأبي الحسن بن مشرف، ومهدي الوارق، وأبي الحسن بن داود الفارسي، وفي الشام: لقي أبا نصر المقدسي، وأبا سعيد الزنجانّ، أبا حامد الطوسي الغزالي، وأبا سعيد الرهاوي، وأبا القاسم بن الحسن المقدسي، والإمام أبا بكر الطرطوشي وأخذ الفقه عنه وأبا محمد بن هبة الدين بن أحمد الأكفانّ وأبا الفضل بن الفرات الدمشقي، وفي بغداد: لقي أبا الحسن المبارك عبد الجبار الصيرفي- ابن الطيوري- أبن الحسن عل بن أيوب البزاز، أبا بكر بن طرخان، الشريف أبا الفوارس طراد بن محمد الزينبي، جعفر بن أحمد السراج، ابا الحسن عبد القادر، أبا زكريا التبريزي، أبا المعالي ثابت بن بندار الحمامي ونصر بن البطر وآخرين، وفي مكة: لقي عبد الله بن الحسين بن عل الطبري، ثم عاد إلى بغداد ثانية، وصحب الشاشي والغزالي والطرطوشي، وغيرهم من العلماء والأدباء، فأخذ عنهم الأصول والفقه، وقيد الش عر، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن، ثم صدر عن بغداد إلى الأندلس سنة خمسة وتسعين وأربعمائة، فقدم إشبيلية بعلم كثير لم يأت به أحد قبله".1) وذكر ابن العربي نخبة من شيوخه الذين لقيهم في المشرق في كتابه أحكام القرآن، من بينهم: الإمام أبو الفضل الجوهري، الشيخ أبو الفتح المقدسي، الإمام أبو بكر الفهري، (1)- طبقات المفسّين، الداودي،ج4، ص25.
عدد الصفحات ٣٣