المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

طرق الترجيح عند ابن العربي من خلال كتابه أحكام القرآن دراسة وتحليل

بالطير تاج

صفحة ١١ من ٢٣

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ هو جزء من السياق بعمومه في معناه العام، إلا أنّ له مكونات خاصة يتميز بها، لابد من اعتبارها فيه، وهذا ما وضّحه ابن العربي؛ إذ بينّ خصوص المقصـود مـن سـابق الكـلام المسوق لذلك أو لاحقه، وبموجبه جاءت ترجيحاته معروضة على النقاط التالية: أولاً: ما ب نِ يَ ت عليه الآية من الأغراض. من أعظم ما تُيز به القرآن تضمنه لأغراض متعددة في الآية الواحدة، ولا شك أن هذا من كمال القرآن، فإنه محتمل للوجوه بحسب اختلاف الأغراض التي تضمنتها الآية(٩)، وهذا س تعدد المعاني في الآية واختلافها، ولهذا فلابد من اعتبار هذه الخاصية في السياق القرآني. فالغرض هو أساس السياق، فإذا ما قرأ القارئ الآية سأل نفسه وتفكّر وتدبّر في مراد الله فيها والغرض الذي من أجله وردت الآية، ثمّ يبحث عماّ يؤك د هذا الغرض في الآية من الألفاظ والمناسبات (4)، وهذا مسلك عظيم في فهم السياق، وهو الموصل إ فهم مراد الله. (1) - والأغراض التي تتضمنها الآية هي: أغراض القرآن ومقاصده العظمى، غرض السورة، غرض المقطع أو القصة الواردة في موضوع واحد، غرض الآية، فكل هذه الأغراض لابد من اعتبارها في تفسير الآية، ولا يظهر كمال معنى الآية إلا بها، وهي متآلفة متكاملة مبنية على بناء واحد. (2) - قال البقاعي: "إن معرفة مناسبات الآيات في جميع القرآن، مترتبة على معرفة الغرض أو الأغراض التي سيقت لها السورة". نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن عل بن أبي بكر البقاعي (ت: 779هـ ، ج1 ص18

عدد الصفحات ١٦٠

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ قال ابن القيم في بيان قيمة معرفة الغرض ومراد المتكلم: "والفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم، وهذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا، تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم"(٩). نجد ابن العربي في تفسير آية أو جملة من كتاب الله تعالى يحملها على معنى لا يَرجها عن سيا ق الآيات؛ لأنه أوفق للنظم، وأليق بالسياق الذي يعين أحد المحتملين ما لم توجد حجة تُنع هذا التفسير(4)، بخلاف على من يحملها على معنى يَرجها عن معا الآيات قبلها وبعدها، وفي هذا الصدد يقول رحمه الله تعالى رادّاً على من لم يراع السياق: " وَقَد جَهِلَ مَسَاقَ الآ يَةِ مَن ظَن هَذَا "(5) . من أمثلة ما ذكره ابن العربي في تفسيرهبعد النّ ظر والتأمل في غرض الآية وسابقها ولاحقها ما جاء في المسألة الثانية عند قوله تعالى: {وَمَن لمَ يَس تَطِع مِن ك م طَو لاً أَن يَن كِحَ الم ح صَنَاتِ الم ؤ مِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَت أَي ماَن ك م مِن فَتَيَاتِك م الم ؤ مِنَاتِ وَالله أَع لَم بِإِيماَ نِك م بَع ض ك م مِن بَع ضٍ } [43]" الم َس أَلَة الث انِيَة : فيِ فَه مِ سِيَاقِ الآ يَةِ: اع لَم وا وَف قَك م الله تَعَالىَ أَن ال ع لَماَءَ اخ تَلَف وا فيِ سِيَاقِ هَذِ هِ الآ يَةِ؛ فَمِن ه م مَن قَالَ : إي َا سِيقَت مَسَاقَ الر خَصِ ، كَقَو لِهِ: {فَمَن لمَ يجَِد فَصِيَام شَ ه رَي نِ م تَتَابِعَين ِ }،4] وَقَو لِهِ { فَلَم تجَِد وا مَاءً فَتَيَم م وا }، [45؛ المائدة،2] وَنَح و ه .... وَ مِن ه م مَن جَعَلَهَا أَص لاً ، وَجَو زَ نِكَاحَ (1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر الزرعي ابن القي م الجوزية (ت891هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، (بيروت، مط: دار الجيل، سنة: 1981م)، ج1، ص019. (2)- قواعد الترجيح عند المفسرين ج1، ص109. (3) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص921.

عدد الصفحات ١٦١

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 123 ~ الأ َمَةِ م ط لَقًا "(٩)، ثم يشرع بالرد مح تكما إلى دلالة السياق ويبين بأنّ الله تعالى لم يبح نكاح الأَمَة إلا بشرطين: أحدهما عدم الط و ل، والثّاني خوف العنت؛ فجاء به شرطًا على شرطٍ ، ثمّ ذكر الحرائر من المؤمنات والحرائر من أهل الكتاب ذكرا مطلقا؛ فلماّ ذكر الإماء المؤمنات ذكرها ذكرا مشروطا مؤكّدا، وهذا من عزيز مراعاة السباق واللحاق، كما أنّه لا يقف عند هذا الحد بل يستّسل في الرد على من لم يراع هذه الدلالة، ويصف القول الذي جنح إليه إغراقا ً في المساق لا مفهوم له، فيرد عليه بقوله:" فَإِن قِيلَ : حَل ق ت م عَلىَ دَلِيلِ الخ ِطَابِ بِأَل فَاظٍ هَائِلَةٍ ، وَلَي سَ فيِ هَذِهِ الآ يَةِ إلا أَن الله َ تَعَالىَ ذَكَرَ فيِ نِكَاحِ الأ َمَةِ وَص فًا أَو وَص فَين ِ فَأَرَد ت م أَ ن يَك ونَ الآ خَر بِخِلاَفِهِ ، وَهَذَا دَلِيل الخ ِطَابِ (4) ال ذِي نَازَع نَاك م فِيهِ م ذ ك ن ا وَك ن ت م . فَالج َ وَاب عَن ه مِن وَج هَين ِ: أَحَد هم َا: أَن ا نَق ول: دَلِيل الخ ِ طَابِ أَص ل مِن أ ص ولِنَا ، وَقَد دَل ل نَا عَلَي هِ فيِ أ ص ولِ ال فِق هِ وَحَق ق نَاه تحَ قِ يقًا لاَ قِبَلَ لَك م بِهِ، وَمَن أَرَادَ دَرَاه . الث انيِ : أَن هَذِهِ الآ يَةَ لَي سَت مَس وقَةً مَسَاقَ دَلِ يلِ الخ ِطَابِ كَماَ بَي ن ا؛ وَإِن ماَ هِيَ مَس وقَة مَسَاقَ الإ ِب دَالِ ، وَإِن ماَ كَانَت تَك ون مَس وقَةً مَسَاقَ شِب هِ دَ لِيلِ الخ ِطَابِ لَو ق ل نَا: ان كِح وا الم ح صَنَاتِ الم ؤ مِنَاتِ بِطَو لٍ وَعِن دَ خَو فِ عَنَتٍ، فَأَ م ا وَقَد قَالَ: (1) - المرجع السابق،ج1، ص920 (2)- عرفه ابن العربي في موطن آخر من هذا الكتاب بقوله: " دال يل الخْ طااب الهذ ي هُوا تاعْل يقُ الحُْكْم ب أاحاد واصْفايْ الشيهْء ، ل يادُله عالىا أانه الآْخارا ب خ لااف ه "، أحكام القرآن ، ابن العربي، ج0، ص181، ويسم ى مفهوم المخالفة، كما ذكر ذلك الشوكانّ في إرشاد الفحول حيث قال: " مفهوم المخالفة: وهو حيث يكون المسكت عنه مخالفا للمذكور في الحكم، إثباتا ونفيا، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به، ويسم ى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه ". إرشاد الفحول، شوكانّ، ج0، ص17.

عدد الصفحات ١٦٢

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 121 ~ {وَمَن لمَ يَس تَطِع مِن ك م }؛ فَقَرَنَه بِال ق د رَةِ ال تِي رَت بَ عَلَي هَا الإ ِب دَالَ فيِ الشر ِيعَةِ وَأَد خَلَهَا فيِ بَابهَِا بِعِبَارَتََِا وَمَع نَاهَا لمَ يَق دِر أَحَد أَن يَ رِجَهَا عَن هَا "(٩). فانظر كيف قرّ ر رحمه الله تعالى غرض الآية بأيّ ا سيقت مساق الرّ خص، ثم أيّ ده وأكّ ده بنصّ الآية وما تضمنته من الألفاظ والضوابط للحكم، مع مراعاة المقصد الذي ب نِي عليه الحكم. فدليل الخطاب قد يََ ص الوَص فَ بالذّكر للت نبيه، كقوله تعالى: {فَلاَ تَق ـل لهَ ـماَ أ ف }، [45] فإن ه تن بيه على حالة الإثراء ، وقـد يََ ص ـه بـالع رف، كقولـه تعـالى: {وَلاَ تَق ت ل وا أَو لاَدَك م خَش يَةَ إم لاَقٍ }، [٩] حيث خص حالةَ الإِملاقِ بالن هي؛ لأي ـ ا هي الَتي يمكن أن يتعر ض الأب لقتل الاِب ن فيها. وقد يََ ص ه بات فاق الحال، لقولـه تعـالى: {لاَ تَأ ك ل وا الر بَا أَض ـعَافًا م ضَـاعَفَةً }، [ عمـران، 50] حيـث خـص حالـة الإكثـار والإثراء ال تِي تتعل ق بها النّفوس بالن هي. فأمّ ا إذا وقع شرط بق درة كـما هـو الحـال في هـذه الآية فهو نصّ في البدليّة والرّخصة . كما نلحظ ابن العربي في مثال آخر لا يعتبر أقوال من حدّد شهود الحدّ بعدد معينّ لعدم مراعاتَم لمقصد الآية، ويرجّ ح بعد النّ ظر والتّ أمل في غرض الآية اعتبار الجماعة لا العدد وإن كان نص الآية يصح بأقل عدد ذكروه ، وهو الواحد، حيث يسّد الأقوال المتمثلة في تحديد الطائفة ناسباً القول لقائله، فيقول: " وَاخ ت لِفَ فيِ تحَ دِيدِ الط ائِفَةِ عَلىَ خمَ سَةِ أَق وَالٍ: الأ َو ل : وَاحِد ، فَماَ زَادَ عَلَي هِ؛ قَالَ إب رَاهِيم . الث انيِ: رَج لاَنِ فَصَاعِدًا؛ قَالَه (1)- أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص 920.

عدد الصفحات ١٦٣

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ عَطَاء .الث الِث : ثَلاَثَة فَصَاعِدًا؛ قَالَه قَو م . الر ابِع : أَر بَعَة فَصَاعِدًا؛ قَالَ عِك رِمَة . الخ َامِس : أَن ه عَشر َة "(٩). فيرد الأقوال جميعاً، باعتبار مراعاة سياق الآية الذي يدل على غرض التشديد لحصول العظة والاعتبار فيقول: "وَحَقِيقَة الط ائِفَةِ فيِ الاِ ش تِقَاقِ فَاعِلَة مِن طَافَ . وَقَد قَالَ الله تَعَالىَ: {فَلَو لاَ نَفَرَ مِن ك ل فِر قَةٍ مِن ه م طَائِفَة لِيَتَفَق ه وا فيِ الد ينِ وَلِي ن ذِر وا قَو مَه م إذَا رَجَع وا إلَي هِم لَعَل ه م يحَ ذَر ونَ }.[ 44] وَذَلِكَ يَصِح فيِ ال وَاحِدِ ..إلا أَن سِيَاقَ الآ يَةِ هَاه نَا يَق تَضِ أَن يَك ون وا جمََاعَةً لحِ ص ولِ الم َق ص ودِ مِن الت ش دِ يدِ وَال عِظَةِ وَالاِع تِبَارِ . وَاَل ذِي أَشَارَ إلىَ أَن تَك ونَ أَر بَعَةً نَزَعَ بِأَن ه أَقَل عَدَدِ ش ه ودِهِ . وَالص حِيح س ق وط ال عَدَدِ ، وَاع تِبَار الج َماَعَةِ ال ذِينَ بهِِم الت ش دِيد مِن غَير ِ حَد (4). باعتبار غرض سياق الآية الذي يقتض أن يكونوا جماعة كيّ يتّعض النّاس ويعتبروا، جَنَح ابن العربي لهذا التّجيح، رغم اعتّافه بمدلول (الطائفة) الذي يصحّ في الواحد ثانياً: النظم القرآني، والأسلوب البياني المعجز. لاشك أن النّ ظم القرآني، والأسلوب البياني الذي ائتلف منه القرآن يمثل البناء المحكم المتّ سق الذي تُيّ ز به القرآن عن سائر الكلام، وهو خاصيّ ة مهمّ ة في السياق القرآني بل هو ركن فيه؛ إذ لا يمكن تفسير القرآن إلا باعتباره، وهذا ظاهر فإنّ ه حين التّ أمل في ألفاظ الآيات وما تضمّ نته من الدلائل والقرائن، والتّابط بينها، ينقدح في (1) - المرجع السابق، ج1، ص119 (2)- المرجع نفسه، ج1، ص111.

عدد الصفحات ١٦٤

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ اذهان غرض معين يتكون منه السياق، قال شيخ الإسلام:" أَك ثَر الم حَق قِينَ مِن ع لَماَءِ ال عَرَبِي ةِ وَال بَيَانِ ي ث بِت ونَ الم نَاسَبَةَ بَين َ الأ َل فَاظِ وَالم َعَانيِ (٩)، فالمعاني تنتسق في السورة من القرآن كما تنتسق الحجرات في البنيان، وتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، كي تؤدي الغرض الذي سيقت من أجله. هذه من أهم القضايا التي تطرق إليها ابن العربي في تفسيره –أحكام القرآن - وأسلوبه الذي اتّبعه : أن يأتي باللفظ القرآني ثم يذكر أصله اللغوي ثم يشرع في بيان معناه أو المعاني التي ترد عليه ،سواء أكان اللفظ مفرداً أم مضافاً ، ثم ي ذكر أغراضه وأهدافه التي أقامها على المعاني الواضحة للألفاظ والمفردات. ومعظم هذه الأغراض تصب حول ترجيحه للمسائل المختلف فيها. ومن الأمثلة على ذلك ما أورده عند قوله تعالى:{لِل ذِينَ ي ؤ ل ونَ مِن نِسَائِهِم تَرَب ص أَر بَعَةِ أَش ه رٍ فَإِن فَاء وا فَإِن الله َ غَف ور رَحِيم } [442]، حيث قال" الإ ِيلاَء فيِ لِ سَانِ ال عَرَبِ ه وَ الح َلِف ، وَال فَي ء ه وَ الر ج وع ، وَال عَز م ه وَ تجَ رِيد ال قَل بِ عَن الخ َوَاطِرِ الم تَعَارِضَةِ فِيهِ إلىَ وَاحِدٍ مِن هَا . الم َس أَلَة الث الِثَة : نَظ م الآ يَةِ : لِل ذِينَ يَع تَزِل ونَ مِن نِسَائِهِم بِالأ َلِي ةِ ، فَكَانَ مِن عَظِيمِ ال فَصَاحَةِ أَن ا خ ت صرَِ ، وَحم لَ آلىَ مَع نَى اع تَزَلَ الن سَاءَ بِالأ َلِي ةِ حَت ى سَاغَ ل غَةَ أَن يَت صِلَ آلىَ بِقَو لِك مِن ، وَنَ ظ م ه فيِ الإ ِط لاَقِ أَن يَت صِلَ بِآلىَ قَو ل ك عَلىَ، تَق ول ال عَرَب : اع تَزَل ت مِن كَذَا وَعَن كَذَا ، وَآلَي ت وَحَلَفَت عَلىَ كَذَا ، وَكَذَلِكَ عَادَة ال عَرَبِ أَن تحَ مِلَ مَعَانيَِ الأ َف عَالِ عَلىَ الأ َف عَالِ لمَِا بَي نَه ماَ مِن الاِر تِبَاطِ وَالاِت صَالِ ، وَجَهِلَت الن ح وِي ة هَذَا فَقَالَ كَثِير مِن ه م : إن ح ر وفَ الج َر ي ب دَل بَع ض هَا مِن (1) – مجموع الفتاوى ابن تيمية، ج02، ص117.

عدد الصفحات ١٦٥

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ بَع ضٍ، وَيحَ مِل بَع ض هَا مَعَانيَِ ال بَع ضِ ، فَخَفِيَ عَلَي هِم وَض ع فِع لٍ مَكَانَ فِع لٍ، وَه وَ أَو سَع وَأَ ق يَس ، وَلجَ وا بِجَه لِهِم إلىَ الح ر وفِ ال تِي يَضِيق فِيهَا نِطَاق [ ال كَلاَمِ ] وَالاِح تِماَلِ "(٩). وعند قوله تعالى: { فَلاَ تَع ض ل وه ن أَن يَن كِح نَ أَز وَاجَه ن إِذَا تَرَاضَو ا بَي نَه م بِالم َع ر وفِ } [454]، قال"الم َس أَلَة الث انِيَة : قَو له تَعَالىَ: {فَلاَ تَع ض ل وه ن } ال عَض ل يَتَصرَ ف عَلىَ و ج وهٍ مَر جِع هَا إلىَ الم َن عِ، وَه وَ الم رَاد هَاه نَا ؛ فَنَهَى الله تَعَالىَ أَو لِيَاءَ الم َر أَةِ مِن مَن عِهَا عَن نِكَاحِ مَن تَر ضَاه . وَهَ ذَا دَلِيل قَاطِع عَلىَ أَن الم َر أَةَ لاَ حَق لهََ ا فيِ م بَاشرََةِ الن كَاحِ ، وَ إِن ماَ ه وَ حَق ال وَليِ ، خِلاَفًا لأَِبيِ حَنِيفَةَ ، وَلَو لاَ ذَلِكَ لمََا يََاه الله عَن مَن عِهَا ....فَإِن قِيلَ : الس بَب ال ذِي رَوَي ت م ي ب طِل نَظ مَ الآ يَةِ ؛ لأَِن ال وَليِ إذَا كَانَ ه وَ الم ن كِحَ فَكَي فَ ي قَال لَه : لاَ تَُ تَنِع مِن فِع لِ نَف سِك، وَهَذَا مح َال . ق ل نَا: لَي سَ كَماَ ذَكَر ت م ، لِل مَر أَ ةِ حَق الط لَبِ لِلن كَاحِ ، وَلِل وَليِ حَق الم بَاشرََ ةِ لِل عِق دِ ؛ فَإِذَا أَرَادَت مَن ي ر ضَ حَال ه ، وَأَبَى ال وَليِ مِن ال عَق دِ فَقَد مَنَعَهَا م رَادَهَا ، وَهَذَا بَين (4) . وأيضاً ما ذكره في المسألة الرابعة عندقَو له تَعَالىَ: {مَا تَت ل ـوا الش ـيَاطِين }، [ 04] "اخ تَلَفَ الن اس فيِ حَر فِ " مَا ": فَمِن ه م مَن قَالَ: إن ه نَف ي ، وَمِن ه م مَن قَالَ: إن ـه مَف ع ـول ، وَه وَ الص حِيح . وَلاَ وَج هَ لِقَو لِ مَن يَق ول : إن ه نَف ي ، لاَ فيِ نِظَامِ ال كَلاَمِ، وَلاَ فيِ صِح ةِ الم َع نَى، وَلاَ يَتَعَل ق مِ ن كَو نِهِ مَف ع ولاً سِيَا ق ال كَلاَمِ بِم حَالٍ عَق لاً، وَلاَ يَم تَنِع شرَ عًا . وَتَق رِير ه : وَات بَـعَ ال يَه ود مَا تَلَت ه الش يَاطِين مِن الس ح رِ عَلىَ م ل كِ س لَي ماَنَ ، أَي نَسَـبَت ه إلَي ـهِ وَأَخ ـبرََت بِـهِ عَن ـه ، كَقَو لِهِ تَعَالىَ : {وَمَا أَر سَلَنَا مِن قَب لِكَ مِـن رَس ـولٍ وَلاَ نَبِـي إلا إذَا تََُن ـى أَل قَـى الش ـي طَان فيِ (1) - أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص010. (2) – المرجع السابق، ج1، ص081-080.

عدد الصفحات ١٦٦

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ أ م نِي تِهِ }، [34] أَي إذَا تَلاَ أَل قَى الش ي طَان فيِ تِلاَوَتِ هِ مَا لمَ ي ل قِهِ الن بِي ، يح َاكِيـهِ وَي لَـب س عَلىَ الس امِعِ ينَ بِهِ حَس بَماَ بَي ن اه "(٩). النّاظر في هذه الأمثلة، يتبينّ له الطريق الذي سلكه ابن العربي في ترجيحاته بين الأقوال، وذلك بفهمه الصحيح السليم للسياق و علمه بأصوله وقواعده، وما يستلزم الوصول إليه من القواعد والضوابط والأصول، وأوتيّ ذلك كلّه بالنظر في مفردات ألفاظ الآية و تتبع أصول معناها اللغوي، ودلالتها على الغرض . فإن النظر في الكلمة وأصلها اللغوي يدل على معان دقيقة مقصودة في الآية، كما ذكره في لفظ (الإ ِيلاَء )، (ال عَض ل )، والأمثلة على ذلك كثيرة(4). ثالثــاً: النظــر إلى الأحــوال التــي نزلــت فيهــا الآيــة، وأحــوال المخــاطبين بهــا. معرفة أسباب النزول والأحوال التي نزلت فيها الآية من أعظـم مـا يـدل عـلى تحديـد الغرض والمعنى المقصود في الآية، وهذا هو الركن الثالث للسـياق، وعليـه فلابـد مـن اعتبار هذه الخاصية في السياق القرآن؛ لأن ه معين على فهـم المعنـى، قـال السـيوطي في الإتقـان:"قـال الواحـدي: لا يمكـن تفسـير الآيـة دون الوقـوف عـلى قص ـ تها وبيــان نزولها"(1). وقد تعرض ابن العرلسبب النزول وأولاه عناية فائقة، تُثلت في كثـرة روايتـه لأسباب نزول الآيات، فقلما تعرض لتفسير آية ثبت لها سبب نزول إلا ذكره، ثم تـوخى (1) – المرجع السابق، ج1، ص11 (2) – ينظر: الأحكام، ابن العربي، ج1، ص010، 011، ص 081 . (3) - الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج1، ص11.

عدد الصفحات ١٦٧

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ في نقله صحة المصدر ودقة النّ قل، واستعمل في ذلك صيغاً مختلفـة غلـب عليهـا الـنصّ الصريح في السببية(٩)، واستعان ابن العربي بذكر أسباب نزول الآيات الكريمة، لتوضيح معاني الألفـاظ أو التّاكيـب ثـم لبيـان المـراد مـن الآيـات الكريمـة وذكـر مقاصـدها ومدلولاتَا ومراميها. فعلى سبيل المثال: عند قَو له تَعَالىَ : {يَا أَيه َا ال ذِينَ آمَن وا أَن فِق وا مِن طَي بَاتِ مَـا كَسَـب ت م وَممِ ـا أَخ رَج نَا لَك م مِنَ الأ َر ضِ وَلاَ تَيَم م وا الخ َبِيثَ مِن ه ت ن فِق ونَ وَلَس ت م بِآخِذِيهِ إِلا أَن ت غ مِض وا فِيهِ وَاع لَم وا أَن الله َ غَنِيي حمَِيد } [ : 427]، قال: " فِيهَا سِت مَسَـائِلَ: الم َس ـأَلَة الأ ولىَ: فيِ سَبَبِ ن ز ولهَِا : لاَ خِلاَفَ بَين َ أَه لِ الت ف سِيرِ أَي َا نَزَلَت فِيماَ رَوَى أَب ـو دَاو د وَغَـير ه أَن الر ج ـلَ كَانَ يَأ تيِ بِال قِن وِ مِن الح َشَفِ فَي عَل ق ه فيِ الم َس جِدِ يَأ ك ل مِن ه ال ف قَرَاء (4) ..الم َس أَلَة الث انِيَة : فيِ الم ـرَادِ بِالن فَقَةِ: وَفِيهِ قَو لاَنِ : أَحَد هم َ ا : أَي َا صَدَقَة ال فَر ضِ ؛ قَالَه عَبِي دَة الس ل ماَنيِ وَغَير ه . الث انيِ : أَي َـ ا عَام ة فيِ ك ل صَدَقَةٍ؛ فَمَن قَالَ : إي َا فيِ ال فَر ضِ تَعَل قَ بِأَي َا مَأ م ور بهَِا، وَالأ َم ر عَلىَ ال و ج وبِ ، (1) - ينظر: الأحكام، ابن العربي، ج1، ص19، ص108، ص 190، ص121، ص912، ج0، ص18، ص111، ص011، ص991، ص991، ج1، 018، ص129، ج1، ص119، ص029. (2) – أخرحه أبو داوود من رواية عوف بن مالك قال: دَخَلَ عَلَي نَا رَس ول الله ِ صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ الم َس جِدَ وَبِيَدِهِ عَصَا وَقَد عَل قَ رَج ل قَنَا حَشَفًا فَطَعَنَ بِال عَصَا فيِ ذَلِكَ ال قِن وِ وَقَالَ لَو شَاءَ رَب هَذِهِ الص دَقَ ةِ تَصَد قَ بِأَط يَبَ مِن هَا وَقَالَ إِن رَب هَذِهِ الص دَقَةِ يَأ ك ل الح َشَفَ يَو مَ ال قِيَامَة " سنن أبي داوود، كتاب الزكاة، باب: ما لايجوز من الثمرة في الصدقة، رقم: 0؛ والحاكم في مستدركه، من رواية البراء بن عازب، كتاب التفسير، باب: من سورة البقرة، رقم:42 وقال: حديث صحيح ع شرط مسلم ولم يَرجه.

عدد الصفحات ١٦٨

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ وَبِ أَن ه يَ ي عَن الر دِيءِ ، وَذَلِـكَ مخَ ص ـوص بِـال فَر ضِ . وَالص ـحِيح أَي َـا عَا م ـة فيِ ال فَـر ضِ وَالن فَلِ ؛ وَالد لِيل عَلَي هِ أَن سَبَبَ ن ز ولِ الآ يَةِ كَانَ فيِ الت طَو عِ "(٩). ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره ابن العربي عند قَو ل الله تَعَالىَ :{إِن ماَ الم ؤ مِن ونَ ال ذِينَ آمَن وا بِـالله ِ وَرَس ولِهِ وَإِذَا كَان وا مَعَه عَلىَ أَم رٍ جَـامِعٍ لمَ يَـذ هَب وا حَت ـى يَس ـتَأ ذِن وه إِ ن ال ـذِينَ يَس ـتَأ ذِن ونَكَ أ ولَئِكَ ال ذِينَ ي ؤ مِن ونَ بِالله ِ وَرَس ولِهِ فَإِذَا اس تَأ ذَن وكَ لِبَع ضِ شَـأ يِِم فَـأ ذَن لمَِـن شِـئ تَ مِـن ه م وَاس تَغ فِر لهَ م الله َ إِن الله َ غَف ور رَحِيم } [ : 24]، قال: " ِفيهَا مَس أَلَتَانِ: الم َس ـأَلَة الأ ولىَ : فيِ سَبَبِ ن ز ولِ الآ يَةِ : وَالم رَاد بِماَ فيِ ذَلِـكَ ثَلاَثَـة أَق ـوَالٍ: الأ َو ل : أَن الأ َم ـرَ الج َـامِعَ الج م عَـة ، وَال عِيدَانِ، وَالاِس تِس قَاء ، وَك ل شيَ ءٍ يَك ون فِيهِ الخ ل طَة ؛ قَالَه يحَ يَى ب ن سَلا مٍ . الث انيِ: أَن ـه ك ـل طَاعَةٍ للهِ ِ؛ قَالَه مج َاهِد . الث الِث : أَن ه الج ِهَاد ؛ قَالَه زَي د ب ن أَس لَمَ . وَقَد رَوَى أَش هَب ، وَيحَ يَى ب ـن ب كَير ، وَعَب د الله ِ ب ن عَب دِ الح َكَمِ عَن مَالِكٍ أَن هَذِهِ الآ يَةَ إن ماَ كَانَت فيِ حَر بِ رَس ولِ الله ِ صَـلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ يَو مَ الخ َن دَقِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مح َم ـد ب ـن إِس ـحَاقَ . وَاَل ـذِي بَـين َ ذَ لِـكَ أَم ـرَانِ صَحِيحَانِ: أَم ا أَحَد هم َا : فَه وَ قَو له تَ عَالىَ فيِ الآ يَةِ الأ خ رَى : { قَد يَع لَـم الله ال ـذِينَ يَتَسَـل ل ونَ مِن ك م لِوَاذًا } وَذَلِكَ أَن الم نَافِقِينَ كَان وا يَتَلَو ذ ونَ ، وَيََ ر ج ونَ عَن الج َماَعَةِ ، وَيَ تّ ك ـونَ رَس ـولَ الله ِ صَلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ فَأَمَرَ الله جمَِيعَه م بِأَلا يََ ر جَ [ أَحَد ] حَت ى يَأ ذَنَ لَه رَس ـول الله ِ صَـلى الله عَلَي هِ وَسَل مَ وَبِذَلِ كَ يَتَبَين إيماَن ه . وَأَم ا الث انيِ: فَه وَ قَو له تَعَالىَ: {لمَ يَ ذ هَب وا حَت ى يَس تَأ ذِن وه } فَأَي إذ نٍ فيِ الح َدَثِ وَالإ ِمَام يََ ط ب ، وَلَي سَ لِلإ ِمَامِ خِيَار فيِ مَن عِهِ وَلاَ إب قَائِهِ، وَقَد قَالَ: {فَأ ذَن لمَِ ن شِئ ت مِن ه م } فَبَين َ بِذَلِكَ أَن ه مخَ ص وص فيِ الح َ ر بِ ال تِي ي ؤ ثَر فِيهَا الت فَر ق أَم ا إن الآ يَةَ تَد ل بِق و ةِ مَع نَاهَا عَلىَ أَن مَن حَضرََ جمََاعَةً لاَ يََ ر ج إلا لِع ذ رٍ بَين ٍ أَو بِإِذ نٍ قَائِمٍ مِن مَالِـ كِ الج َماَعَـةِ (1)- أحكام القرآن، ابن العربي، ج1، ص110.

عدد الصفحات ١٦٩

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ وَم قَد مِهَا ؛ وَبِذَلِكَ أَن الاِج تِماَعَ كَانَ لِغَرَضٍ ، فَماَ لمَ يَتِم ال غَرَض لمَ يَك ن لِلت فَـر قِ أَص ـل ، وَإِذَا كَم لَ ال غَرَض جَازَ الت فَر ق "(٩). ي لحَظ في هذا المثال كيفية ترجيح ابن العربي عند تنازع دلالة السياق مع العموم، حيث تعارض القول بالعموم (الجماعة) مع السياق الخاص في الآية (الجهاد) عند التّجيح ، وبالنظر والتأمل تبين له القول بما يوافق السياق هو الأصل ، ولا يعارض ذلك القول بالعموم فيما هو في حكمه ، وبذلك يتفق العموم مع السياق الخاص. هذا، والمتتبع لجملة التّجيحات المتعلقة بأسباب النزول في كتابه الأحكام، يتلخص لـه ما يل: ٩- معرفة السياق عند ابن العربي مبنية على الاجتهاد وغلبة الظن، وعليه فيكون تحديـد السياق أمراً ظنياً لا قطعياً، ولهذا تجد الاختلاف في تحديد السياق في الآية الواحدة. 4- السياق عنده يأتي في المرتبة الأولى من حيث الاعتبار في معنى الآية، ويكون القول الذي يتوافق مع سياق الآية هو القول المعتمد في ترجيح معنى على آخر –كما تقدم-. 5-لا يجوز بحال إخراج الآية عن سياقها إلى عموم غير مناسب للسياق لأن ذلك يَرج الآية عن مقصودها وغرضها وسياقها ، فالقول بأنّ السياق هو المحدد للعموم والموجه له، نجده كثيراً في المسالك التي سلكها في ترجيحاته(4). 4- يستعرض الأقوال في سبب النزول، ثم يشرع في تفنيدها رواية رواية، ثم ينتهي (1)- المرجع السابق، ج1، ص107-109. (2)- المرجع نفسه، ج1، ص009، ج0، ص108، ج1، 111.

عدد الصفحات ١٧٠

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ بتّجيح الرواية التي تستند إلى ما روي في الصحاح وهذا هو السبيل إلى التّجيح عند تعدد الروايات في سبب النزول، فالمعتمد دائماً ما استند إلى ما روي في الصحيح(٩). 3- استعانته بسبب النزول في تفسير الآيات القرآنية الكريمـة وبيـان معانيهـا وكشـف دلالات ألفاظها للتّجيح بين الأحكام والمسائل الفقهية، كما تقدم في الأمثلة المذكورة. 2- اعتباره لقاعدةالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعند تفسيره لقوله تعـالى: {إِن الله َ يَأ م ر ك م أَن ت ؤَد وا الأ َمَانَاتِ إِلىَ أَه لِهَا وَإِذَا حَكَم ت م بَين َ الن اسِ أَن تحَ ك م وا بِ ال عَـد لِ إِن الله َ نِعِما يَعِظ ك م بِهِ إِن الله َ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [34]، ذكر الروايات في سـبب نزولها ثمّ قال: "الم َس أَلَة الث الِثَة : لَو فَرَض نَاهَا نَزَلَـت فيِ سَـبَبٍ فَهِـيَ عَام ـة بِقَو لهَِـا ، شَـامِلَة بِن ظ مِهَا لِك ل أَمَانَةٍ؛ وَهِيَ أَع دَاد كَثِيرَة ، أ م هَاتَ َا فيِ الأ َح كَامِ: ال وَدِيعَـة ، وَالل قَ طَـة، وَالـر ه ن ، وَالإ ِجَارَة ، وَال عَارِي ة "(4). في ختام القول تجدر الإشارة إلى اهتمام وتركيز ابن العربي على السياق باعتباره ثابت في كل آية من كتاب الله تعالى، وهو أصل في بيان معناها؛ لأنه لا يتعارض مع أي قرينة من القرائن، ولا يجوز الخروج بالآية عما دل عليه لفظها وسياقها، فاحتكم –رحمه الله- إلى السياق للخروج من الاختلافات في التفسير، وهذا يبين صلة هذه القاعدة عنده في بيان الراجح من الأقوال عند النزاع، كما يرى أنّ التفسير الذي يهمل السباق واللحاق (1) - فإن تساوت الروايات في الصحة، ينظر إذا وجد وجه من وجوه التّجيح، كحضور القصة مثلاً ، أو كون أحدهما أصّ ح اعتماداً على اعتبار الأولوية في كتب الصحاح، فيقدم البخاري على غيره لما عليه الأمة من تلقيه وترجيحه على غيره من الصحاح. (2) – أحكام القرآن، ج1، ص981.

عدد الصفحات ١٧١

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 123 ~ وينتزع الآية من نظمها، أنّه تفسير يج حِف بالقرآن الكريم؛ لأنه يقتض ورود تفسيرا لآيات لا تتعلق ببعضها البعض، مما يجعله عرضة للطعن فيه من قبل مرض القلوب. ويرى ابن العربي أنّ إدخا ل الكلام في معنى ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما إلا بدليل، يتعاضد مع غيره من قواعد جليلة نصّ عليها علماء التفسير كالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والقول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار، كما يحمي دلالة السياق من أن يَتل النظم فيه، بشخصية نقدية فذة، فيقارن بين السياق الوارد في القرآن، والسياق الوارد في غيره، ويبرز الأثر المتّتب في الأحكام الفقهية.

عدد الصفحات ١٧٢

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ المبحث الثانّ: لا يُعْدا ل عن ظاهر القرآن إلا بدليل. الأصل في نصوص القرآن، أن تحمل على حقيقتها، وتفسره على حسب ما يقتضيه ظـاهر اللفظ، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل صحيح يجـب الرجـوع إليـه، قـال ابـن تيميـة: "..فاإ نه الْكالااما إذاا احْتامالا ماعْناياينْ واجابا حماْلُهُ عالىا أاظْهار هم اا وامانْ تاكالهفا غاـيرْا ذال ـكا فاقاـدْ خاراجا عانْ كالاام الْعاراب المْاعْرُوف واالْقُرْآنُ مُنازهه عانْ ذال كا واالْعُدُولُ عاماه ياـدُل عالايْـه ظاـاه رُ الْكالاام إلىا ماا لاا يادُل عالايْه ب لاا دال يلٍ لاا يجاُوزُ أالْباتهةا ."(1)فمـن خـالف ظـاهر القـرآن فقولـه مرجوح. التعريف بالقاعدة الظاهر في اللغة: هو ضد الباطن، وظهر الشيء ظهورا: تبين ، وأظهرت الشيء: بي نته (0)، والظاهر ضد الخفي، وهو الواضح(1). فالظاهر هو ما انجلى واتضح المراد منه للسامع مـن غـير تأمـل وتفكـر؛ كقولـه تعـا {واأاحاله اللههُ الْبايْعا واحارهما الر باا } [089]، وضده الخفي، وهو الذي لايظهر معنـاه إلا بالطلب. والظاهر، والمفسر، والنص، سواء من حيث اللغة، لأنما هو معنى اللفظ في الكل لا يخفى على السامعإذا كان من أهل اللسان(1). (1)– مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج12، ص191. (2)–الصحاح باب الراء، فصل الظاء، ج0، ص191. (3)-ينظر الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا الأنصاري، تحقيق: مازن مبارك ، ( بيروت، مط:دار الفكر المعاصر، ط: 1، سنة: 1111هـ)، ص72.

عدد الصفحات ١٧٣

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ وتعريف (الظاهر)(1) عند السرخسي هو" ما ا يُ عْ را فُ المُ را ادُ م نْهُ ب نافْ س السا ماا ع م نْ غا يرْ تا أا مُ لٍ ،وا هُ وا الذ ي يا سْ ب قُ إ لىا العُ قُ ول وا الأا وْ ها ام ل ظُ هُ ور ه ما وْ ضُ وعاً ف يماا هُ وا المُ را ادُ "(0). وعر فه الشاشي بأن ه: اسْ م ل كُ ل كا لاا مٍ ظا ها را المُ را ادُ ب ه ل لسه ام عْ ب نافْ س السه ماا ع م نْ غا يرْ تا أا مُ لٍ "(1) . وقال القاضي الباقلانّ كما جاء في البحر المحيط: "الظهاه رُ هو لافْظاة ماعْقُولاةُ المْاعْناى لها حاق يقاة وامجاااز فإذا واراداتْ على حاق يقات هاا كانت ظااه رًا واإ نْ عادالاتْ إلىا ج هاة المْاجااز كانت (4)-الكليات، للكفوي، ص991. (1)- ذكر الغزالي رحمه الله في المستصفى الظاهر هو الذي يحتمل التأويل والنص هو الذي لا يحتمله ثم قال النص يطلق في تعريف العلماء على ثلاثة أوجه: الأول ما أطلقه الشافعي، فإنه سمى الظاهر نصا فهو منطلق على اللغة ولا مانع في الشرع والنص في اللغة بمعنى الظهور تقول العرب نصت الظبية رأسها إذا رفعت وأظهرت. الثانّ: وهو الأشهر هو ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على بعد كالخمسة مثلا، فإنه نص في معناه لا يحتمل شيئا آخر فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم. الثالث التعبير: بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا فكان شرط النص بالوضع الثانّ أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا وبالوضع الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص، وهو المعتضد بدليل ولا حجر في إطلاق النص على هذه المعانّ الثلاثة لكن الإطلاق الثانّ أوجه وأشهر وعن الاشتباه بالظاهر أبعد. المستصفى في علم الأصول، الغزالي، ص 191. (2)- المحرر في أصول الفقه، السرخسي، ج1،ص100. (3)- أصول الشاشي، ص17.

عدد الصفحات ١٧٤

طرق ترجيح متعلقة بالقراءات و رسم المصحف ~ 122 ~ مُؤاوهلاةً وعق ب عليه الزركشي بقوله: واهاذاا صاح يح في باعْض الظهوااه ر "(1)، قال ابن تيمية:"ظااه را الْكالاام : هُوا ماا ياسْب قُ إلىا الْعاقْل السهل يم م نْهُ لم انْ يافْهامُ ب ت لْكا الل غاة (0). وقيل: الظاهر ما يحتملأمرين أحدهما أظهر من الآخر، ويؤول الظاهربالدليل ويسمى ظاهراً (1). من هذه التعريفات يتضح مدلول الظاهر المراد من الصيغة نفسها فمجرد سماع اللفظ كاف للحكم على المعنى الذي يدل عليه اللفظ، حيث لا يتوقف فهم المراد منه عليذكاء أو استنباط، أو حس ذوقي. يرى ابن العربي أنه لا ضرورة للعدول عن ظاهر القرآن إلى غيره من غير مقتضٍ، وحمـل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على المجاز وإن احتمله؛ لأن في ذلك حفاظاً على ظـاهر القرآن وهو المقدم، وصرف اللفظ عن ظـاهره لا يجـوز المصـير إليـه إلا لـدليل نقـل أو عقل، وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان أولى معانيه به أغلبـه عـلى الظـاهر، وقـد صرهح بذلك في أكثر من موضع، من ذلك على سبيل المثال قوله: "فاأامها الْعُدُولُ عانْ الحْاق يقاـة إلىا المْاجااز فالاا يحُْتااجُ إلايْه لاا س يه ماا واف يه خ لاافُ الظهاه ر ؛ واإ ذاا تاعااضاداتْ الحْاق يقاةُ واالظهاه رُ لماْ يجاُـزْ (1)-البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، ج1، 181. (2)- مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج1، ص 191. (3) –الأنجم الزاهرات، المارديني الشافعي، تحقيق: عبد الكريم عل محمد بن النملة، ( الرياض، مط:مكتبة الرشاد، ط:1)، ص: 180.

عدد الصفحات ١٧٥