- 98 - مصر وأراد بقوله (ادخلو ا مصر): تمكنوا واستقروا فيها إن شاء الله آمنين أي من القحط والمكاره .(1) وجملة الشرط وهي قوله (إن شاء الله ) وقعت مكتنفة بين دفتي الجواب ، وأصل الكلام في غير القرآن (إن شاء الله ادخلوا مصر آمنين )، ولكنه قدم جزءا من الجواب وهو (ادخلوا مصر) وأبقى الحال الذي يمثل الجزء الآخر في مكانه فاكتنف الجواب جملة الشرط الدالة على المشيئة، ولعل في ذلك إشارة إلى أن بداية كل حدث ونهايته متعلقة بالمشيئة الإلهية، فليست المقدمات تؤدي حتما إلى النتائج إلا باقترانها بتلك المشيئة(2)،في حين ذهب الزمخشري إلى التوجيه الذي كان شائعا عند جمهور النحاة، فقال: (فإن قلت بم تعلقت المشيئة؟ قلت: بالدخول مكيفا بالأمن لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه ). (3) وكذلك يمكن ملاحظة هذا الشكل في قوله تعالى: {( ح ر صْت بِمُؤْمِنِين سف 403 . فقد نزلت هذه الآية في سياق تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ روى أن قريشا واليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف ، فنزلت مشروحة شرحا وافيا في سورة يوسف عليه السلام وأمل النبي أن يكون ذلك سببا لإسلامهم فخالفوا ما أمله، فعزاه الله تعالى بهذه الآية الكريمة (4). (4) روح المعاني ، 43 ، ص27 . (5) الاكتناف في بناء الجملة الشرطية القرآنية ، ص 4 . (3) الكشاف ، ج5 ، ص311 . (1) البحر المحيط ، ج4 ، ص330 .
عدد الصفحات ٣٣- 99 - وجملة الشرط (ولو حرصت ) مكتفة بين اسم (ما) وخبرها ، وجواب (لو) محذوف على رأى أهل البصرة ، لأن الجواب لا يتقدم في مذهبهم على الأداة(1)،وقال ابن جني: من ذلك قولهم: أنت ظالم إن فعلت، ألا تراهم يقولون في معناه: (إن فعلت فأنت ظالم )، فهذا ربما أوهم أن (أنت ظالم) جواب مقدم، ومعاذ الله أن يقدم جواب الشرط عليه ، وا نما قوله: (أنت ظالم) دال على الجواب ساد مسده، فأما أن يكون هو الجواب فلا، وعليه فالجزاء المتقدم في الآية تفسير للجواب، ودليل عليه والتقدير: (ولو حرصت فما أكثرهم بمؤمنين)(2) . في حين ذهب أهل الكوفة إلى أن المتقدم هو الجواب، لأن الأصل في الكلام عندهم: (وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت ). (4) الأصول في النحو ، ج5 ، ص484 . (5) الخصائص ، ج4 ، ص583 .
عدد الصفحات ٣٤- 111 - المبحث الرابع جملة الاستئناف البيــــــاني لا بد لي و الدراسة عن جملة الاستئناف البياني من الإشارة إلى الفرق بينهما وبين جملة الاستئناف النحوي ، إذ أن الجملة المستأنفة نحويا هي: (المنقطعة عما قبلها)(4) لفظا ومعنى، في حين أن الجملة المستأنفة بيانياً هي الواقعة: (جوابا لسؤال مقدر)(2)،أي إنها ترتبط بما قبلها معنىً لا لفظاً . وحاول الشنواني التفريق بين النمطين ، إذ ذكر أن الجملة المستأنفة بيانيا لا تكون كاشفة لحقيقة ما تليه، بل للمعنى المسؤول عنه(3)،فتكون بذلك مغايرة للجملة التفسيرية التي يقصد منها كشف حقيقة المتقدم عليها. والذي تراه الدار سة أن ما ذكره يحتاج إلى تأمل ، إذ أن الجملة المفسرة تقوم بتفسير المبهم الذي تضمنته الجملة السابقة لها وا يضاحه، وجملة الاستئناف البياني تقع جوابا عن سؤال يُ نْ شئه الكلام المتقدم عليها لوجود نوع من الغموض فيه فتقوم بإزالته وعليه فلا يوجد اختلاف كبير من وجهة نظر الباحثة بين وظيفة الجملتين، إذ أن كلا منهما تؤدي في السياق الذي ترد فيه الوظيفة ذاتها. ولأجل إلغاء مزيد من الض وء لإيضاح هذه المسألة سأعمد إلى اختيار شواهد من النصوص القرآنية تدعم هذه النتيجة. (4) مفتي اللبيب ، ج5 ، ص385 . (5) المرجع نفسه ، ج 5 ، ص383 . (3) حاشية الشنواني على شرح مقدمة الإعراب ، الشنواني ، تحقيق : محمد شمام ، ط 5 ، مطبعة النهضة ، تونس ، 4373 ، ج4 ، ص404 .
عدد الصفحات ٣٥- 111 - وقد تنوع ورود هذا النمط من الجمل في القرآن الكريم بين الجملتين الفعلية والاسمية، و كان الطابع الفعلي هو السائد فيها. أولا : الجملة الفعلية: انحصرت الجملة الفعلية في هذا الن مط في قسمين : جمل ماضية وجمل مضارعة . ومن شواهد القسم الأول(1) قوله تعالى: {( مَّث لُ الَّذِين خ ل وْاْ مِن ق بْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْب أْس اء و الضَّرَّاء و زُلْزِلُواْ ح تَّى ي قُول الرَّسُولُ و الَّذِين آم نُواْ م ع هُ م ت ى ن صْرُ اللِّّ أ لا إِنَّ ن صْر اللِّّ ق رِيبٌ 541 . فقد نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد وأنواع الأذى(2)،وقيل في يوم احد (3) . و(أم) في الآية موطن الشاهد من قطعة والهمزة ف يها للإنكار (4)،وللإضراب وهو انتقال من كلام إلى آخر (2)،وتدل أيضا على استفهام لكنه استفهام تقديري .(6) و(لما) في قوله تعالى: ((و ل مَّا ي أْتِكُم مَّث لُ)) فيها معنى التوقع وهي في ذلك نظيرة (قد)(7) ،إذ إن كلا منهما يكون الفعل بعدها متوقع الوقوع(8)،وهي أبلغ في النفي من (لم) لأن النفي فيها متصل بالزمن الحاضر (8). (4) ينظر إلى السور : البقرة 30 ،35 ،44 ، وآل عمران 37 ،38 ،النساء / 77 ،87 ، المائدة ،4 . (5) أسباب النزول ، ص40 . (3) البحر المحيط ، ج5 ، ص374 . (1) الكشاف ، ج4 ، ص322 . (2) البحر المحيط ، ج5 ،374 . (4) مرجع نفسه ، ج 5 ، ص375 . (7) الكشاف ، ج4، ص322 . (8) روح المعاني ، ج 5 ، ص403 . (8) رصف المباني ، ص 584 .
عدد الصفحات ٣٦- 112 - واختلف في قوله تعالى: ((مَّسَّتْهُمُ الْب أْس اء و الضَّرَّاء)) ، إذ ذهب الزمخشري (1)، و العكبري (2)،وأبو حيان(3)،والبيضاوي (4)،إلى أنها جملة مستأنفة بيانيا للمثل، وكأن قائلا قد قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل مستهم البأساء والضراء. في حين ذهب ابن هشام(5) وخالد الأزهري(4)،والشنواني(7)،إلى أنها تفسيرية لا محل لها من الإعراب ، وعليه فالآية تؤدي وظيفة التفسير على الوجهين. ومما ورد على هذا النمط أيضا قوله : {(د م خ ل ق هُ مِن تُر ابٍ ثِمَّ ق ال ل هُ كُن ف ي كُونُ 28 . فقد وردت هذه إليه في سياق الرد على وفد نجران عند قدومهم على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قالوا له: مالك تشتم صاحبنا ؟ قال: وما اقول ؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله، قال: اجل هو عبد الله و رسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء ، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله فأنزل الله هذه الآية. (8) وقولـــه تعـــالى: ((خ ل ق ـــهُ مِـــن تُـــر ابٍ)) جملـــة اختلـــف النحـــاة فـــي إعرابهـــا ، إذ ذهـــب الزمخشـــــــــــــــــــــري (9)،و العكبــــــــــــــــــــــري (11)،وأبــــــــــــــــــــــو حيـــــــــــــــــــــان(11)،وابــــــــــــــــــــــن هشــــــــــــــــــــــام(12)، (4) الكشاف ، ج4، ص322 . (5) التبيان ، ج4 ،474 . (3) البحر المحيط ، ج5 ، ص373 . (1) أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص187 . (2) مفتي اللبيب ، ج5 ، ص100 . (4) موصل الطلاب ، ص37 . (7) حاشية الشنواني ، ج4 ، ص401 . (8) البحر المحيط ، ج3، ص483 (8 )الكشاف ، ج4 ، ص133 . (40) التبيان ، ج4 ، ص547 . (44) البحر المحيط ، ج3 ، ص484 . (45) مفتي اللبيب ، ج5 ، ص388 .
عدد الصفحات ٣٧- 113 - والبيضاوي(1)، وأبو السعود(2)،والآلوسي(3) إلىأنها مفسـرة لا محـل لهـا مـن الإعـراب ، فــي حــين ذهــب ابــن الأنبــاري (1)،إلــى أنهــا مســتأنفة بيانيــا فــي موضــع رفــع لأنهــا خبــر مبتدأ محذوف. حتى إذا انتقلت إلى القسم الآخر من هذا النمط من الجمل، ونعني به الجمل المستأنفة بيانيا التي تؤدي وظيفة التفسير والمصدرة بفعل مضارع فسنجده ممثلا في عدد من آيات الذكر العزيز ، ومن شواهده (5) قوله تعالى: {( كُنتُمْ خ يْر أُمَّةٍ أُخْرِج تْ لِلنَّاسِ ت أْمُرُون بِالْم عْرُوفِ و ت نْه وْن ع نِ الْمُنك رِ و تُؤْمِنُون بِاللِّّ آل عمران 440 فقد روى أنها نزلت في ابن مسعود وأُبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل عندما قال لهم بعض اليهود: ديننا خير ما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل(6)، وقيل نزلت في المهاجرين (7) . وفي قوله تعالى: ((كُنتُمْ خ يْر أُمَّةٍ)) استئناف سبق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير(8)،وقد خرج مخرج الثناء من الله عليهم(9)،و (كنتم) من (كان) الناقصة التي تدل على تحقيق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق(11)،كما في قوله تعالى: {( اللُّّ غ فُوراً رَّحِيماًلنساء84،قال البيضاوي : (دل على خير يتهم فيما مضى ولم يدل (4) أنوار التنزيل ، ج 5 ، ص14 . (5) إرشاد العقل السليم ، ج 4 ،377 . (3) روح المعاني ، ج 3 ، ص482 . (1) البيان في غريب إعراب القرآن ، ج 4،ص 504 . (2) ينظر أيضا السور : النساء88 ، المائدة83 ، الأنعام13 . (4) أسباب النزول ، ص443 . (7) البحر المحيط ، ج3 ، ص588 . (8) إرشاد العقل السليم ، ج 5، ص47 . (8) البحر المحيط ، ج3 ، ص304 . (40) الاتقان في علوم القرآن ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق : محمد الفضل إبراهيم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، 4872م ، ج4 ، ص448 .
عدد الصفحات ٣٨- 114 - على انقطاع طرأ (1)،وذهب أبو حيان إلى ان (كان ) كسائر الأفعال يدل لفظ الماضي فيها على الانقطاع، ثم إنها قد تستعمل حين لا يكون انقطاع وفرق الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم إلا انه استعمل في الدلالة على الخصوص(2)،ومعنى قوله (أخرجت ) أي ظهرت وأبرزت ومخرجها الله تعالى وحذف الاسم للعلم به(3) . وقوله تعالى : ((ت أْمُرُون بِالْم عْرُوفِ و ت نْه وْن ع نِ الْمُنك رِ)) جملة تحتمل أن تكون مستأنفة بيانيا، وقد قال بالاحتمالين العكبري (4) والبيضاوي(5)،في حين ذهب الزمخشري إلى الاحتمال الثاني (6)،وعلى كلا الاحتمالين فإنهما كشفت لنا عن جوانب خيرية الأمة المحمدية وما امتازت به من الأمم الأخرى ، وصيغة الأمر (تأمرون وتنهون ) تدل على الاستمرار ، وخطاب المشافهة وا ن كان خاصا بمن شاهد الوحي من المؤمنين لكن حكمه عام للكل(7)، قال الزجاج: ((هذا الخطاب أصله أنه خوطب به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعم سائر أمته))(8) ومن الشواهد القرآنية على هذا النمط أيضا قوله تعالى : {( ه لْ أ دُلُّكُمْ ع ل ى تِج ار ةٍ تُنجِيكُم مِّنْ ع ذ ابٍ أ لِيمٍ 40} س بِيلِ اللَِّّ بِأ مْو الِكُمْ و أ نفُسِكُمْ ذ لِكُمْ خ يْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ ت عْل مُون 44} 40 – 45 . (4) أنوار التنزيل ، ج 5 ، ص78 . (5) البحر المحيط ، ج3 ، ص300 . (3) المرجع نفسه (1) التبيان ، ج4 ، ص581 . (2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ج 5، ص78 . (4) الكشاف ، ج4، ص122 . (7) إرشاد العقل السليم ، ج 5، ص44 . (8) معاني القرآن و إعرابه ، الزجاج ، ج 4، ص383 .
عدد الصفحات ٣٩- 115 - فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : أن بعض المؤمنين قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فنزل قوله تعالى : ((ه لْ أ دُلُّكُمْ ع ل ى تِج ار ةٍ تُنجِيكُم مِّنْ ع ذ ابٍ أ لِيمٍ )) فمكثوا ما شاء الله يقولون : ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله تعالى: ((تُؤْمِنُون بِاللَِّّ و ر سُولِهِ و تُج اهِدُون فِي س بِيلِ اللَِّّ بِأ مْو الِكُمْ و أ نفُسِكُمْ ذ لِكُمْ خ يْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ ت عْل مُون 44} فِي ج نَّاتِ ع دْنٍ ذ لِك الْف وْزُ الْع ظِيمُ (1) قال الزمخشري : وهذا دليل على أن (تؤمنون) كلام مستأنف(2) وقع جوابا عما نشأ قبله، كأنهم قالوا كيف أو ماذا نصنع ؟ فقال: تؤمنون وهو خبر في معنى الأمر والمعنى (آمنوا)(3)،بديل قراءة ابن مسعود (آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله (4) بصيغتي الأمر، ومجيء (يغفر) بالجزم في جوابه على حد قولهم: اتقي الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه وليفعل خيرا يثب عليه (5)، وذهب ابن هشام إلى أن جملة (تؤمنون ) تفسيرية لا محل لها من الإعراب فسرت التجارة في قوله تعالى : ((ه لْ أ دُلُّكُمْ ع ل ى تِج ار ة)) ، ويؤيد هذا الرأي ما ذكره الفراء من أن قو له (يغفر لكم) بالجزم هو جواب للإستفهام في قوله هل أدلكم وليس جواباً للأمر(6) المتشكل بهيئة الخبر في قوله : (تؤمنون) أستشكل هذا التوجيه الزجاج بقوله: (ليس إذا دلهم النبي على ما ينفعهم غفر لهم إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا)(7)،وقد وافقه في رده هذا أبو حيان إذ قال: (واستبعد هذا التخريج )(8) وصحح ابن هشام ما ذهب إليه الفراء بقوله: (وعلى الأول هو جواب الاستفهام (4) الكشاف ، ج1 ، ص88 . (5) المرجع السابق (3) الكشاف ، ج1، ص88 . (1) معاني القرآن ، الفراء ، ج 3، ص421. (2) موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب ، ص 38 . (4) مفتي اللبيب ، ج5 ، ص388 . (7) معاني القرآن ، الفراء ، ج 3، ص421 . (8)معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج2 ، ص434 .
عدد الصفحات ٤٠- 116 - وصحح ذلك تنزيلا لسبب السبب وهو(الدلالة) منزلة السبب وهو الامتثال إذا الدلالة سبب الامتثال(1) وعليه تكون جملة(تؤمنون ) تفسيرا للتجارة وجواب الاستفها م هو قوله (يغفر لكم). ثانيا: الجملة الاسمية: قد تتشكل جملة الاستئناف البياني من مركب اسمي أيضا ، ويكون هذا المركب مزدوج الوظيفة فهو مستأنف بيانيا ، أي هو جواب لسؤال مقدر، ويقوم في الوقت عينه بوظيفة التفسير، وقد ورد هذا النمط في عدد من الآيات القرآنية منها (2) قوله تعالى: ((ف إِذ ا ت ط هَّرْن ف أْتُوهُنَّ مِنْ ح يْثُ أ م ر كُمُ اللُّّ إِنَّ اللّّ يُحِبُّ التَّوَّابِين و يُحِبُّ الْمُت ط هِّرِين555}555 – 553. فقد روى أن اليهود كانو ا يقولون من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولدها أحولا ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: كذبت اليهود فنزل قوله تعالى : ((نِس آؤُكُمْ ح رْثٌ لَّكُمْ )) (3) جملة مفسرة لما أبهم وأجمل في قوله تعالى : ((مِنْ ح يْثُ أ م ر كُمُ اللُّّ)) قا ل الزمخشري : ( فإن قلت : ما موقع قوله تعالى: ((نِس آؤُكُمْ ح رْثٌ لَّكُمْ )) مما قبله ؟ قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح(4) قال ابن هشام أي (عن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث )(5)، وذهب أبو حيان إلى أن الإطلاق الذي تضمنه قوله تعالى : ((ف أْتُوهُنَّ مِنْ ح يْثُ أ م ر كُمُ اللُّّ)) يقتضي تسويغ إتيانهن على سائر أحوال الإتيان وقد أكد الله تعالى ((أ نَّى شِئْتُمْ)) وهو ما يدل على سائر الكيفيات إلا أنه قد حصر موضع الوطء في موقع (4) البحر المحيط ، ج40 ، ص447 . (5) ينظر أيضا السور : النساء81 ،404 ، المائدة8 ،40 ، الأنعام45 . (3)أسباب النزول ،ص 48 . (1) الكشاف ، جا، ص344 (2) مفتي اللبيب ، ج5، ص383 .
عدد الصفحات ٤١- 117 - واحد هو موقع الحرث ، فجاءت هذه الجملة مبينة ومفسرة للإ عمام الذي تضمنه النص المتقدم(1) . وقد تحمل هذه الجملة ((نِس آؤُكُمْ ح رْثٌ لَّكُمْ على الاستئناف البياني فهي مشابهة لجملة (هن لباس لكم) من قوله تعالى: ((أُ حِلَّ ل كُمْ ل يْل ة الصِّي امِ الرَّف ثُ إِل ى نِس آئِكُمْ هُنَّ لِب اسٌ لَّكُمْ و أ نتُمْ لِب اسٌ لَّهُنَّ )) البقرة 487 . إذ أنها جمله لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة مبينة لسبب الإحلال .(2) ومما ورد على النمط نفسه قوله تعالى : {( أ نْه ارٌ مِّن مَّاء غ يْرِ آسِنٍ و أ نْه ارٌ مِن لَّب نٍ لَّمْ ي ت غ يَّرْ ط عْمُهُ و أ نْه ارٌ مِّنْ خ مْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِين و أ نْه ارٌ مِّنْ ع س لٍ مُّص فًّى و ل هُمْ فِيه ا مِن كُلِّ الثَّم ر اتِ و م غْفِر ةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ك م نْ هُو خ الِدٌ فِي النَّارِ و سُقُوا م اء ح مِيماً ف ق طَّع أ مْع اءهُمْ 42 إذ جاءت هذه الآية توصيفا لما في الجنة من نعيم(3) . ويلحظ أن قوله تعالى: ((م ث لُ الْج نَّةِ الَّتِي وُعِد الْمُتَّقُون )) استئناف مسوغ لشرح محاسن الجنة الموعودة للمؤمنين وبيان كيفية أنهارها التي تجري من تحتها(4)،وقد عبر عن مستحقيها بالمتقين إيذانا بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى التي هي عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك السيئات (5)،واختلف في إعراب قوله تعالى: ((م ث لُ الْج نَّةِ)) إذ ذهب سيبويه إلى أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره (فيما يلي (4) البحر المحيط ، ج5، ص157 . (5) الكشاف ، ج4، ص337 . (3) التحرير والتنوير ، ج 44، ص81 . (1) إرشاد العقل السليم ، ج 8 ، ص87 . (2) إرشاد العقل السليم ، ج 4 ، ص87 .
عدد الصفحات ٤٢- 118 - عليكم مثل الجنة )(1) وهذا يعني أنه قدر الخبر قبل المبتدأ ، وذهب النضر بن شميل(2). وابن عطية(3) إلى انه مبتدأ خبره محذوف تقديره (مثل الجنة ما تسمعون ) وعليه فالخبر مقدر بعد المبتدأ ، وقد مال أبو السعود إلى هذا الرأي وقال : هذا التوجيه انسب لصدر النظم الكريم (4). والجملة الاسمية في قوله تعالى: ((فِيه ا أ نْه ارٌ)) قد اختلف في توجيهها ، إذ ذهب النضر بن شميل إلى أنها تفسير للخبر المقدر(5)،في حين نص الزمخشري .(6) والعكبري (7)،والبيضاوي (8)،على أنها استئنافية شارحة لمعنى المثل وكأن قائلا قد قال: (وما مثلها ؟ فقيل: فيها أنهار)(9) . (4) الكتاب ، ج4، ص413 . (5) المحرر الوجيز ، ص475 * والنضر :/ هو النضر بن شميل بن خرشه بن يزيد بن كلثوم ، بصري الأصل أخذ عن الخليل بن أحمد الفراهيدي وعن فصحاء الأعراب ، توفى سنة ( 503هت) أو ( 501هـ) وله كتاب كبير يحتوي على عدة كتب يعرف بـ ( الصفحات) ومنه أخذ أبو عبيدة القاسم بن سلام كتابه ( غريب المصنف ) ، ينظر : الفهرست ، ( ابن النديم ) تحقيق : رضا تجوة بن علي ، طهران ، 4320هت– 4874م ، ج43 ، ص404 . (3) المحرر الوجيز ، ص4750 . (1) إرشاد العقل السليم ، ج 4 ، ص87 . (2) المحرر الوجيز ، ص475 . (4) الكشاف ، ج3،233 . (7) التبيان ، ج5، ص444 . (8) أنوار التنزيل ، ج 2، ص480 . (8) الكشاف ، ج3، ص233 .
عدد الصفحات ٤٣- 119 - المبحث الخامس الجملة التفسيرية المصدرة بـ (أنَّ ) المشددة تحدثت في الفصل الاول عن أدوات التفسير وذكر ت أن جمهور النحاة لم يعدوا (أنَّ )المفتوحة الهمزة المشددة النون من أحرف التفسير لأنها حرف مصدري يفيد التوكيد(1) . ولعل الفراء أول من ألمح إلى تأدية هذه الأداة وظيفة التفسير(2) فضلا عن وظيفتها الأساسية التي أشرت إليها آنفا، وقد وافقه في ذلك من المحدثين علي حيدر(3)،والطاهر بن عاشور، وجعل لها الأخير من الشروط ما لـ(أنْ ) المفسرة إذ قال:وأرى أن حرف(أنّ ) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد(4). ولأجل إلقاء مزي د من الضوء على هذه المسألة س اعمد إلى اختيار نماذج قرآنية أبين من خلالها هذه المسألة ، فمن ذلك ما ورد في قوله تعالى : {( الْم لآئِك ةُ و هُو ق ائِمٌ يُص لِّي فِي الْمِحْر ابِ أ نَّ اللّّ يُب شِّرُك بِي حْي ـى مُص دِّقاً بِك لِم ةٍ مِّن اللِّّ و س يِّداً و ح صُوراً و ن بِيّاً مِّن الصَّالِحِين آل عمران 38. فقد وردت هذه الآية في سياق بيان قصة ولادة سيدنا يحيى عليه السلام (2 )قال تعالى: {( الدُّع اء38 (4) الجني الداني ، ص105 . (5) معاني القرآن ، ج 4، ص175 . (3) إعراب سورة آل عمران ، ص 73 . (1) التحرير والتنوير ، ج 8، ص527 . (2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ج 5، ص54
عدد الصفحات ٤٤- 111 - و(أن) في قوله تعالى : ((أ نَّ اللّّ يُب شِّرُك بِي حْي ـى)) أدت وظيفتين في الآية تمثلت الأولى بتوكيد معنى الخبر(1) لأن المنادى في السياق قد أنزل منزلة الحائر المتردد وذلك لغرابة الخبر الذي أخبر به (2)،وتمثلت الثانية بتفسير حقيقة الند اء الصادر من الملائكة، إذ إن البشارة هي عين مضمون النداء الذي نودي به سيدنا زكريا عليه السلام (3) وقوله ((مُص دِّقاً)) حال لازمه (4) من سيدنا(يحيى) عليه السلام دلت على أنه كان كامل التوفيق لا يتردد في تصديق كلمة تأتي من لدن الله (5)،وهي من حيث الزمن مستقبله ، لأن زمنها بعد التبشير (6). ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى : {( و الْع يْن بِالْع يْنِ و الأ نف بِالأ نفِ و الأُذُن بِالأُذُنِ و السِّنَّ بِالسِّنِّ و الْجُرُوح قِص اصٌ ف م ن ت ص دَّق بِهِ ف هُو ك فَّار ةٌ لَّهُ و م ن لَّمْ ي حْكُم بِم ا أنز ل اللُّّ ف أُوْل ـئِك هُمُ الظَّالِمُون12. فقد جاءت هذه الآية للرد على اليهود الذين حرفوا أحكام التوراة ، ولا سيما فيما يتعلق بالحدود الألهية، فقد روى أن بني النضير جعلوا دية أفراد قبيلتهم أكثر من د ية غيرهم من أفراد اليهود (7)، فجاءت هذه الآية لترد على تحريفهم و(أنَّ ) في قوله تعالى : ((أ نَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ)) أدت في السياق وظيفتين : تمثلت الأولى بتوكيد مضمون ما بعدها من الأخبار(8)،المتمثل بالقصاص العادل في القتل وفي الأحكام الأخرى المنصوص عليها في الآية، وتمثلت الثانية بتفسير (4) رصف المباني ، ص 452 . (5)التحرير والتنوير ، ج 3 ، ص538 . (3) إعراب سورة آل عمران ، ص 73 . (1) إعراب القرآن ، النحاس ، ج 4، ص358 . (2) التحرير والتنوير ، ج 3 ، ص538 . (4) معاني النحو ، ج5،744 . (7) البحر المحيط ، ج1، ص574 . (8) رصف المباني ، ص 452 .
عدد الصفحات ٤٥- 111 - الإجمال وتفصيله(1)،وهو دل عليه قوله تعالى: ((ك ت بْن ا)) إذ إن ما بعد (أن) المشددة ما هو إلا عين المفروض في التوراة من حيث المعنى ، وقد ألمح ابن عاشور إلى هذه الحقيقة بقوله: (قد اتفق القراء على فتح همزة ( أنّ ) هنا لأن المفرو ض في التوراة ليس هو عين هذه الجمل ، ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها)(2) وبالمثل ورد هذا النمط في قوله تعالى : {( أ نِّي مُمِدُّكُم بِأ لْفٍ مِّن الْم لآئِك ةِ مُرْدِفِين 8 . فقد جاءت هذه الآية لتحكي لنا حال الجمع المؤمن عند لقائه العدو في معركة بدر (3) و(إذ) في قوله تعالى: ((إِذْ ت سْت غِيثُون )) تحتمل أن تكون متعلقة بما قبلها فيكون العامل فيها قوله تعالى: {(ل و ل وْ ك رِه الْمُجْرِمُون }) الأنفال8. في الآية السابقة، وقد قال بهذا الرأي الطبري (4) . وتحتمل أن تكون مستأنفة على تقدير(واذكروا إذ تستغيثون ) وعليه يكون ما بعدها كلاما جديدا منقطعا عما قبله، وقد قال بهذا بهذا الرأي النحاس (5). و(أن) في قوله تعالى : ((أ نِّي مُمِدُّكُم)) أدت وظيفة تفس يرية في السياق ، فضلا عن وظيفتها المعروفة المتمثلة بتوكيد المعنى(6)،إذ بين قوله تعالى: ((أ نِّي مُمِدُّكُم بِأ لْفٍ مِّن الْم لآئِك ةِ مُرْدِفِين : ((ف اسْت ج اب ل كُمْ)) لما فيه من إجمال لا نتبين معه طبيعة هذه الإستجابة. قال ابن عاشو ر مؤكدا هذه الوظيفة لـ (4) التحرير والتنوير ، ج 8، ص572 . (5) التحرير والتنوير ، ج 4، ص541 . (3) البحر المحيط ، ج2 ، ص578 . (1) جامع البيان ، ج8 ، ص553 . (2) إعراب القرآن ، النحاس ، ج 4، ص444 . (4) التحرير والنوير ، ج 8، ص572 .
عدد الصفحات ٤٦- 112 - (أنّ) المشددة في السياق: (ومن تأمل بإنصاف وجد متأنه معنى قوله تعالى: ((أ نِّي مُمِدُّكُم بِأ لْفٍ)) في كون ( أنّ ) تفسيرية دون كونها مجرور ة بحرف جر محذوف (1) . وفي قوله ((مُرْدِفِين )) قراءتان ، إذ قرأ الجمهور بكسر الدال (5)،في حين قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بفتحها(3)،فعلى القراءة الأولى يكون قوله ((مُرْدِفِين )) اسم فاعل، والمعنى عليه : أنهم يأتون فرقة بعد فرقة (4)،كالقوم الذين اردفوا على الدواب(5)،وعلى القراءة الثانية يكون قوله (مُرْدِفِين ) اسم مفعول، والمعنى عليه أن الله تعالى أردف المسلمين وأيدهم بهذا الجمع المبارك من الملائكة (6) . ومن شواهد هذا النمط أيضا قوله تعالى: {( ه ؤُلاء م قْطُوعٌ مُّصْبِحِين 44. إذ يلحظ أن الفعل (ق ض يْن ا ) في الآية قد تعدى بحرف الجر (إلى) لأنه تضمن معنى (أوحينا )(7)،والتقدير (أوحينا إليه ). ومعاد الضمير في قوله (إليه) هو سيدنا لوط عليه السلام(8)،وقد تضمن قوله (ذلك الأمر) إبهاما فسرته جملة ((أ نَّ د ابِر ه ؤُلاء م قْطُوعٌ مُّصْبِحِين (8)،المصدرة ب ـ (أن) المفتوحة الهمزة المشددة النون ، التي ازدو جت وظيفتها في السياق لتقوم بتفسير مضمون الأمر، قبلها من جهة (11)،وتأكيد مضمون الخبر بعدها من جهة أخرى (11) وفيإبهام (الأمر) أولا ،ثم تفسيره ثانيا مع (4) التحرير والتنوير ، ج 8 ، ص572 . (5) معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج5، ص354 . (3) معاني القرآن ، الفراء، ج 4، ص101 . (1) معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج5، ص354 . (2) معاني القرآن ، الفراء ، ج 4، ص101 . (4) التفسير الكبير ، ج42، ص402 . (7) الكشاف ، ج5، ص381 . (8) البحر المحيط ،ج4، ص188 . (8) معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج3، ص418 . (40) التحرير والتنوير ، ج 41، ص42 . (44) رصف المباني ، ص 452 .
عدد الصفحات ٤٧- 113 - الإشارة إليه باسم الإشارة (ذلك)، المستعمل في الإشارة إلى البعيد تفخيم لمضمونه وتعظيم له(1) ونشير هنا إلى أنما ذكره ابن هشام من أن الرأي المشهور عن النحاة في الجملة المفسرة هو أنها لا محل لها من الإعراب ، وان المخالف في ذلك هو أبو علي الشلوبين(2) غير دقيق، فقد سبق الزجاج الشلوبين إلى القول بالمحلية الإعرابية للجملة المفسرة عند إعرابه للآية التي نحن بصددها ، إذ ذهب إلى أن محل (أن) في قوله تعالى: ((أ نَّ د ابِر ه ؤُلاء م قْطُوعٌ مُّصْبِحِين تعالى: ((ذ لِك الأ مْر )) وهي وما بعدها مفسرة لمضمون الأمر ، والتقدير بناءا على ما ذهب إليه ((و ق ض يْن ا إِل يْهِ ذ لِك الأ مْر أ نَّ د ابِر ه ؤُ لاء م قْطُوعٌ مُّصْبِحِين )) (3) فيكون الزجاج بذلك أول من ذهب إلى القول بالمحلية الإعرابية للجمل المفسرة. وفي قوله تعالى ((م قْطُوعٌ)) عدول إذ عدل عن صيغة المضارع إلى صيغة المفعول(4) في السياق لأنها ادخل في الدلالة على وقوع الحدث (5) ومعنى (مُّصْبِحِين ) أي داخلين في الصبح وهو حال (6) من اسم الإشارة في قوله تعالى : ((أ نَّ د ابِر ه ؤُلاء م قْطُوعٌ مُّصْبِحِين )) (4) التفسير الكبير ، ج48، ص440 . (5) الإعراب عن قواعد الإعراب ، 14 – 17 . (3) معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج3 ، ص418 . (1 )إرشاد العقل السليم ، ج 1 ، ص58 . (2) معاني الأبنية ، ص28 . (4) معاني القرآن وا عرابه ، الزجاج ، ج3 ، ص418 .
عدد الصفحات ٤٨