- 82 - المبحث الثاني الجملة المفسرة في باب الاشتغال تعد جملة الاشتغال من الجمل المفسرة وا ن كان لها دور وظيفي آخر هو التوكيد، وقد قال بذلك أبو علي الشلوبين(1)، وأبو البقاءالعكبري (2)، وخالفهمافي ذلك ابن هشام الذي نصّ على أنها ليست من الجمل المفسرة وا ن حصل بها تفسير(3) ويقول صاحب اللمحة أن الجملة المفسرة في باب الاشتغال هي مفسرة لجملة محذوفة لأن المعمول المتقدم هو مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده ولا يصح جعله معمولا للفعل المتأخر عنه لأن ه ذا الفعل قد انشغل عنه بالضمير بعده، ولا يجوز تعديته إليه من غير مسوق (4)، إذ ذهب الكسائي إلى أن المفعول المتقدم هو معمول للفعل المتأخر عنه والضمير المتأخر عن الفعل ملغى(5)، في حين ذهب الفراء إلى أن الفعل قد عمل في الاسم المتقدم والضمير المتأخر معا على اعتبا ر أنهما في المعنى لشيء واحد. (4) والذي تراه الدار سة أن ما أقره نحاة البصرة جدير بالاهتمام، ولا سيما أن ما ذهب إليه الكسائي والفراء لا يس تقيم في نحو قولهم: (سعيدا مر رت به) لأن الفعل (مر) لا يصح أن ينصب الاسم المتقدم كما لا يصح أن يلغ الضمير المجرور لأن الفعل لا يتعدى إليه إلا بالحرف ، كذلك لا يستقيم ما ذهبا إليه في نحو قولهم: (زيدا هدمت داره ) لأنه لا يصلح أن يتسلط الفعل على الاسم المتقدم عليه(7)0 (4) الإعراب عن قواعد الإعراب ، ص 17 . (5) التبيان ، ج4 ، ص544 . (3) معنى اللبيب ، ج5، ص103 . (1) شرح اللمحة البدرية في علم اللغة العربية ، ابن هشام الأنصاري ، تحقيق : هادي نهر ، مطبعة بغداد ،4387هـ- 4877م ، ج5 ، ص381 . (2) جمع الجوامع ، ج5 ، ص441 . (4) شرح التصريح على التوضيح ، ج 4 ، ص587 . (7) شرح بن عقيل ، بهاء الدين عبد الله بن عقيل ، تحقيق : محي الدين عبد الحميد ، ط 41 ، مطبعة السعادة ، مصر ، 4381هـ- 4841م ، ج4 ، ص248 .
عدد الصفحات ١٧- 83 - وقد رصدت الباحثة مواضع كثيرة من هذا النمط في النص القرآني تشكلت من الفعل الماضي أو المضارع أو الأمر، وستقف عند نما ذج لكل منها للدراسة والتحليل. أولا: الجملة الماضية : وردت الجملة المفسرة في باب الاشتغال ماضية في مواضع كثيرة (4) من النص القرآني، وي عد هذا النمط الأكثر ورودا، ومن ذلك قوله تعالى: (و رُسُلاً ق دْ ق ص صْن اهُمْ ع ل يْك مِن ق بْلُ و رُسُلاً لَّمْ ن قْصُصْهُمْ ع ل يْك و ك لَّم اللُّّ مُوس ى ت كْلِيماً) النساء441 . إذ وردت هذه الآية في سياق ذكر الأنبياء والرسل – عليهم السلام – وا علام الرسول صلى الله عليه وسلم أخبارهم. وقد فسرت جملة الاشتغال المؤلفة من الفعل الماضي وفاعله والمفعول به جملة محذوفة تقديرها: (ق ص صْن ا) قد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه، وتقدير الكلام بناءا على ذلك: (قصصنا رس لا قد قصصناهم عليك) كما أنها ق د أكدت مضمون تلك الجملة بما ماثلتها من اللفظ والمعنى.(2) ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا التوجيه مبني على ما ذهب إليه البصريون، أما توجيه الكلام بناءا على مذهب أهل الكوفة فهو أن الاسم المتقدم معمول للفعل المتأخر(3)، قدم للاهتمام به وعليه لا تفسير في الكلام، وقد مال إلى هذا الأخير طائفة من الدارسين منهم خليل عمايرة (1)، وفاضل السامرائي (5). (4) ينظر على سبيل المثال السور: النساء / 33 ، الأنعام23 ، الأعراف 30 ، الأنبياء71 ، النور4 ، غافر 14 ، القمر18 ، الرحمن 7 . (5) مشكل إعراب القرآن ، ج 4 ، ص543 . (3) شرح ابن عقيل ، ج 4 ، ص248 . (1) في التحليل اللغوي ، خليل عمايرة ، ط4 ، مكتبة المنارة ، الأردن ، 4107هـ - 4887م ، ص45 . (2) معاني النحوي ، السامرائي ، مطابع دار الحكمة للطباعة والنشر ، بغداد ،4884م ، ج5 ،221 .
عدد الصفحات ١٨- 84 - وبالمثل ورد هذا النمط في قوله تعالى و الأ نْع ام خ ل ق ه ا ل كُمْ فِيه ا دِفْءٌ و م ن افِعُ و مِنْه ا ت أْكُلُون2، فقد وردت هذه الآية في سياق ذ كر النعم التي من جملتها الأنعام، والخطاب فيها صالح لش مول المشركين وهم المقصودين ابتداءً من الاستدلال، فضلا عن ذلك فإنه يشمل جميع الناس.(4) وقد فسرت جملة الاشتغال الماضية (خلقها) جملة محذوفة تقديرها (خلق) وقد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه وتقدير الكلام (وخلق الأنعام خلقها لكم) وبناءً على ذلك فإن جملة الإشتغال، هنا لا محل لها من الإعراب لأنها قد فسرت جملة ابتدائية هي الجملة المحذوفة(2)، ولعل مجيء الكلام باسلوب الاشتغال بما تضمنه من تكرار جملي مفيد (للتأكيد، بقصد تقوية الحكم اهتماما بما في الأنعام من فوائد، فيكون امتنانا على المخاطبين وتعريضاً بهم، فإنهم كفروا نعمة الله فجعلوا من نتائجها لشركائهم وجعلوا لله نصيبا، وأي كفران أعظم من أن ي تقرب بالمخلوقات إلى غير من خلقها.(3) وعلى النمط نفسه ورد قوله تعالى: (و قُرْآناً ف ر قْن اهُ لِت قْر أ هُ ع ل ى النَّاسِ ع ل ى مُكْثٍ و ن زَّلْن اهُ ت نزِيلاً) الإسراء404 والخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فسرت جملة الاشتغال (ف ر قْن اهُ) جملة محذذوفة تقديرها (فرقنا ) وقد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه نصبا(4)، وتقدير الكلام(فرقنا قرانا فرقناه، كما أنها أفادت فضلا عن التفسير توكيد مضمون الجملة المحذوفة نتيجة التكرار الجملي الحاصل في السياق(5) . (4) التحرير والتنوير ، ج 41 ، ص401 . (5) التبيان ، ج5 ، ص788 . (3) التحرير والتنوير ، ج 41 ، ص401 (1) مشكل إعراب القرآن ، ج 4 ، ص132 . (2) في التحليل اللغوي ، ص545 .
عدد الصفحات ١٩- 85 - ثانيا: الجملة المضارعة وردت الجملة المفسرة في باب الاشتغال مضارعة في م واضع عديدة (1) من النص القرآني، وتعد من حيث الكثرة بالمرتبة الثانية بعد ا لماضية ورودا في كتاب الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّم ا ي سْت جِيبُ الَّذِين ي سْم عُون و الْم وْت ى ي بْع ثُهُمُ اللُّّ ثُمَّ إِل يْهِ يُرْج عُون ) الأنعام 34 . إذ وردت هذه الآية في سياق تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما ألمّ به من حزن جراء إعراض المشركين عن الإيمان بدعوته(2)، وقد فسرت جملة الاشتغال المضارعة (ي بْع ثُهُمُ) جملة محذوفة تماثلها من حيث اللفظ والمعنى تقديرها (يبعث ) وقد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه نصباً .(3) ومنها قوله تعالى(قُتِل الإِْنس انُ م ا أ كْف ر هُ 47}48} نُّطْف ةٍ خ ل ق هُ ف ق دَّر هُ48}50}47 – 50 . والآية ذكرت بيان الأطوار التي يمر بها الإنسان من نشوئه حتى مماته ، وقد فسرت جملة ا لاشتغال المضارعة (ي سَّر هُ) جملة محذوفة تماثلها من حيث اللفظ والمعنى تقديرها (يسر) وتقدير الكلام (ثم يسر السبيل يسره) (4) وقد ورد هذا النمط أيضا في القراءات القرآن ية من ذلك قرأت من قرأ (الشعراء ) بالنصب(5) في قوله تعالى: {(اوُون551} ي هِيمُون552}554}551 – 554. (4) ينظر على سبيل المثال : النساء455 ، الأنعام44 ، إبراهيم 58 ، القمر51 . (5) المحرر الوجيز ، ص448 – 448 . (3) التبيان ، ج4 ، ص183 . (1) مشكل إعراب القرآن ، ج 5 ، ص804 . (2) مختصر في شواذ القراءات من كتاب الب ديع ، ابن خالويه ، دار الهجرة ، مصر ، 4831م ، ص408 . ( هي قراءات عيسى بن عمر الثقفي )
عدد الصفحات ٢٠- 86 - أظهرت هذه الآية بيان حال الشعراء أتباعهم من الضالين ويلحظ أن جملة (ي تَّبِعُهُمُ الْغ اوُون ) جملة مضارعة قد فسرت جملة محذ وف قد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه نصبا (1)، وتقدير الكلام (ويتبع الشعراء يتبعهم الغاوون والشعراء هنا لفظ عام يدخل تحته حكم ما بعده جميع الشعراء (5)، إلا من استثناهم الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين المتبعين سبيل الرشاد. ثالثا: الجملة الأمرية: وردت الج ملة الأمرية مفسرة في باب الاشتغال، في مواضع عدة منها قوله تعالى بِع هْدِكُمْ و ا ِيَّاي ف ارْه بُونِ 10 . فقد وردت هذه الآية في سياق تهديد بني إسرائيل ، والخطاب فيها لمن عاصر منهم النبي صلى الله عليه وسلم (3)، واختلف في حقيقة العهد في الآية، إذ ذهب جمع من المفسرين إلى أن العهد الذي عاهدوا الله عليه هو الإيمان به تعالى ولزوم طاعته، وعهده – جل شأنه – إليهم هو حسن الثواب على ما يفعلون من الحسنات(1) ويحتمل أن يكون المراد من عهدهم الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز القرآن الكريم (5)، ويدل عليه قوله تعالى ت كُونُواْ أ وَّل ك افِرٍ بِهِ و لا ت شْت رُواْ بِآي اتِي ث م ناً ق لِيلاً و ا ِيَّ اي ف اتَّقُونِ 14. والعهد لفظ إلى المعاهد والمعاهد على حد سواء. (6) (4) إعراب القرآن ، النحاس ، ج 5 ، ص202 . (5) البحر المحيط ، ج8 ، ص500 . (3) روح المعاني ، ج 4 ، ص514 . (1) أنوار التنتزيل وأسرار التأويل ، ج 4 ، ص307 . (2) الكشاف ، ج4 ، ص574 . (4) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ج 4، ص307 .
عدد الصفحات ٢١- 87 - وجملة الاشتغال الأمرية فارهبون ) قد فسرت جملة محذوفة تماثلها لفظا ومعنى تقديرها: (وا ياي ارهبوا فارهبون)(1)، وقد سقط الضمير المشغول به (الباء) من السياق مراعاة للفاصلة القرآنية (2)، و العكبري ذهب إلى تقدير الفعل المحذوف العامل في الضمير المشغول عنه قبله والتقدير: (وارهبوا إياي فا رهبون)(3) وقد اعترض على ذلك مكي بن أبي طالب (4) وأبو حيان(5)، وذهبا إلى أن تقدير الفعل المحذوف يكون بعد الضمير لا قبله لأنه ضمير منفصل، فإذا ما قدر الفعل قبله لزم الاتصال. وبالمثل ورد هذا النمط في قوله تعالى و لا ت كُونُواْ أ وَّل ك افِرٍ بِهِ و لا ت شْت رُواْ بِآي اتِي ث م ناً ق لِيلاً و ا ِيَّاي ف اتَّقُونِ 14 . إذ جاءت هذه الآية عقب اية السابقة في هذا السياق والخطاب موجه للفئة نفسها وهم بنو إسرائيل المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد فسرت جملة الاشتغال الأمر يه (فاتقون) جملة محذوفة تقديرها: (إياي اتقوا فاتقون)(6) ، وقد أدى تقدير العامل في الضمير المشغول عنه بعده وليس قبله إلى إفادة تخصيص التقوى بالله تعالى دون سواه، والمراد بالتقوى هنا: الإيمان وا تباع الحق والإعراض عن الاشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل (7). وكذلك يمكن ملاحظة هذا النمط من الجمل في قوله تعالىإِذْ يُوحِي ر بُّك إِل ى الْم لآئِك ةِ أ نِّي م ع كُمْ ف ث بِّتُواْ الَّذِين آم نُواْ س أُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِين ك ف رُواْ الرَّعْب ف اضْرِبُواْ ف وْق الأ عْن اقِ و اضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ ب ن انٍ 45} (4) مشكلة إعراب القرآن ، ج 4، ص80 . (5) الجامع لأحكام القرآن ، ج 4 ، ص557 . (3) التبيان ، ج4 ، ص27 . (1) مشكل إعراب القرآن ، ج 4 ،ص8 . (2) البحر المحيط ، ج4 ، ص581 (4) البيان ، ج4 ، ص77 . (7) روح المعاني ، ج 4 ، ص513 .
عدد الصفحات ٢٢- 88 - يُش اقِقِ اللّّ و ر سُول هُ ف إِنَّ اللّّ ش دِيدُ الْعِق ابِ 43} النَّارِ41}45 – 41. فقد أشارت هذه الآية إلى صنفين من العذاب الإلهي الأول: دنيوي تمثل بضرب (البنان والقتل والأسر). والثاني: أخروى تمثل بما أعد الله للكافرين من أنواع العذاب(1)، جزاءا بما أقدموا عليه من مشاقة الله ورسوله (2) . وقد فسرت جملة الاشتغال الأمرية (فذوقوه) جملة محذوفة تقديرها ذوقوا ذلكم فذوقوه)(3) ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين . (4) ويحتمل قوله: ((و أ نَّ لِلْك افِرِين ع ذ اب النَّارِ)) العطف على (ذلكم) أو النصب على المفعول معه، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل في الآخرة (5)، وقد وضع الظاهر موضع المضمر لتوبيخهم بالكفر، وللدلالة على أنه سبب العذاب الآجل.(6) (4) البحر المحيط ، ج2 ، ص588 . (5) الكشاف ، ج5 ، ص418 . (3) التبيان ، ج5، ص448 . (1) الجامع الأحكام القرآن ، ج 7 ، ص514 . (2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ج 3 ، ص81 . (4) إعراب القرآن ، للنحاس ، ج 4 ،870 .
عدد الصفحات ٢٣- 89 - المبحث الثالث الجملة المفسرة في سيــاق الشرط من الأهمية عند دراسة هذا النمط من الجمل تقديم توطئة نبين ف يها مفهوم النحاة لطبيعة الجملة الشرطية. فالبصريون يرون أن الأصل في تركيب الجملة الشرطية أن تتقدم الأداة جملتين أولاهما جملة (الشرط) والأخرى جملة الجواب(1) وعليه فكل ما تمرد على هذا الأصل من النصوص أعملوا فيه أفكارهم تأويلا وتخريجا حتى يعاد إلى قواعدهم الت ي وضعوها على وفق معطيات نظرية العامل .(2) في حين ذهب الكوفيون إلى أن الأصل في الجزاء أن يكون مقدما على الشرط (3)وعليه فلم يحتاجوا إلىتأويل أو تخريج للجمل الشرطية التي حصل فيها مثلا تقديم الجواب عن موضعه، لأنها متوافقة مع أصولهم النحوية. والباحث في الجملة المفسرة في سياق الشرط في النص القرآني الكريم يجد أنها وردت فيه على ثلاثة أشكال تركيبية، ويمكن وصف النمط التركيبي لكل منهما بما يأتي: الشكل الأول: ويتألف من: أدا ة الشرط + فاعل ، فعل الشرط + فعل الشرط + جملة الجواب . (4 )الإنصاف في مسائل الخلاف : أبو البركات الانباري ، تحقيق : محمد محي الدين ، ط1 ، المكتبة التجارية الكبرى ، القاهرة ، ج 5 ،4380هـ- 4844م ، ص457 . (5) الإقتراح في علم أصول النحو : السيوطي ، تحقيق : الحمصي ، ط 4 ، جروس ابرس ، 4888م ، ص28 . (3) الإنصاف ، ج5 ، ص 453 .
عدد الصفحات ٢٤- 91 - وتجده في قوله تعالى: (و ا ِنِ امْر أ ةٌ خ اف تْ مِن ب عْلِه ا نُشُوزاً أ وْ إِعْر اضاً ف لا جُن اْح ع ل يْهِم ا أ ن يُصْلِح ا ب يْن هُم ا صُلْحاً و الصُّلْحُ خ يْرٌ) النساء 458 . الشكل الثاني: ويتألف من: جواب الشرط + أداة الشرط + جملة الشرط . ويمثله قوله تعالى: (قُلْ ف أْتُواْ بِالتَّوْر اةِ ف اتْلُوه ا إِن كُنتُمْ ص ادِقِين ) آل عمران 83 الشكل الثالث: ويتألف من: بداية جواب الشرط + أداة الشرط + جملة الشرط + تتممة الجواب. ويمثله قوله تعالى: (ق الُواْ ادْعُ ل ن ا ر بَّك يُب يِّن لَّن ا م ا هِي إِنَّ الب ق ر ت ش اب ه ع ل يْن ا و ا ِنَّا إِن ش اء اللَُّّ ل مُهْت دُون ) البقرة 70 وقد أطلق عبد السلام المسدي ومحمد الهادي الطرابلسي على الشكل الثاني مصطلح (الترتيب العكسي)، وعلى الشكل الثالث مصطلح (الترتيب الشرطي المتقاطع)(1)، في حين هناكمن آثر مصطلح (الاكتناف)(2)، على الشكل الثالث بد عن المصطلح الأخير. والذي تراه الدار سة أن هذا المصطلح جدير بالاهتمام، ولا سيما أنه يمتلك كل مقومات النجاح على صعيد الشكل والوظيفة، فضلا عن ذلك فإنه مصطلح ولد من رحم الدرس النحوي العربي، إلا أنه لم ينل حظه من الشهرة والبحث(3)، إذ قال أبن هشام مشيرا إليه عند حديثه عن حذف جملة جواب الشرط: (وذلك واجب إن تقدم عليه أو اكتنفه ما يدل على الجواب، فالأول: نحو، هو ظالم إن فعل، والثاني هو إن فعل ظالم) (4) (4) الشرط في القرآن على نهج اللسانيات الوصفية ، ص 38 – 38 . (5) الإكتناف في بناء الجملة الشرطية القرآنية ، طلال إبراهيم الطوبجي ، ( بحث مقبول للنشر في مجلة آداب الرافدين ، ص 4 . (3) المرجع نفسه (1) مفتي اللبيب ، ج5 ، ص417 .
عدد الصفحات ٢٥- 91 - ومما تجدر الإشارة إليه أن الاشتراك الوظيفي في هذا النوع من الجمل قائم على معطيات الخلاف النحوي بين المذهبين البصري والكوفي، إذ ما يراه أهل الكوفة على أنه فعل قدم على فاعله لمزيد من العناية والإهتمام وير ى أهل البصرة أنه معمول لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. وما يراه أهل الكوفة على أنه جواب لفعل الشرط قدم على فعل الشرط لأن الأصل فيه التقديم، يراه البصريون أنه دليل على الجواب المحذوف وتفسير له، ولمزيد من الإيضاح سنقف عند نماذج من هذه الجمل في القرآن الكريم للدراسة والتحليل عارضين من خلالها آراء النحاة ومذاهبهم. فمن أمثلة الشكل الأول(1)، الذي صيغته التركيبة هي: أداة الشرط + فاعل فعل الشرط + فعل الشرط + جملة الجواب. قوله تعالى: (و ا ِنْ أ ح دٌ مِّن الْمُشْرِكِين اسْت ج ار ك ف أ جِرْهُ ح تَّى ي سْم ع ك لا م اللِّّ) التوبة4. إذ جاءت هذه الآية لتستثني عموم الأمر بالقتل للمشركين في الآية السابقة بعد انسلاخ الأشهر الحرم .(2) ولفظ (أ ح دٌ) مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء لأن (إن لا تدخل إلا على الفعل(3)، وهي حرف شأنها أن يكون شرطها نادرا الوقوع(1)، وقد ابتدأ بما للتنبيه من أول الأمر على أن هذا شرط فرضي لكيلا يزعم المشركون أنهم لم يتمكنوا من لقاء النبي صلى الله عليه وسلم فيتخذون ذلك عذرا للإستمرار على الشرك (5)، (4) ينظر على سبيل المثال أيضا السور : النساء / 458 – 474 ، الحجرات 8 ، المرسلات 58 ، التكوير4 . (5) التفسير الكبير ، ج42 ، ص484 . (3) إعراب القرآن ، النحاس ج 5 ، ص2 . (1) همه الهوامع ، ج4 ، ص504 . (2) التحرير والتنوير ، ج 40 ، ص447 .
عدد الصفحات ٢٦- 92 - وهذا التوجيه ينسبإلى البصريين كما اشرنا في توطئة البحث، وقد خالف في ذلك أهل الكوفة، إذ رأوا أن الاسم المتقدم هو فاعل فعل الشرط (1)، قد قدم لغرض بلاغي هو الاهتمام والعناية(2)، وعليه فلا تفسير في السياق في حين أجاز الأخفش في هذه الآية وجها آخر مفاده أن المتقدم مبتدأ والجملة التي بعده خبرا له .(3) ومما ورد على هذا النمط أيضا قوله تعالى : (قُل لَّوْ أ نتُمْ ت مْلِكُون خ ز آئِن ر حْم ةِ ر بِّي إِذاً لأَّ مْس كْتُمْ خ شْي ة الإِنف اقِ و ك ان الإنس انُ ق تُوراً) الإسراء 400،فقد جاءت هذه الآية لتكشف بعض ما جبل عليه الإنسان من سجايا متمثلة بالبخل و الشح (1)، والخطاب فيها لمشركي قريش وهو صالح لجميع الناس (2)، وقد فسرت جملة (تملكون ) جملة محذوفة واقعة في سياق الشرط تقديرها (تملكون)، لأن (لو) حقها أن تدخل على الأفعال (4) لاالأسماء فلا بد إذا من فعل بعدها وتقدير الكلام (لو تملكون تملكون خزائن رحمة ربي)(7)،قال الزمخشري : (فأضمر تملك إضمارا على شريطة التفسير)(8)، وقد أفاد هذا الحذف والتفسير (المبالغة مع الإيجاز والدلالة على الاختصاص)(9)، وأبدل الواو في تملك المحذوفة وهو ضمير متصل بضمير منفصل وهو أنتم وذلك لسقوط ما يتصل به من اللفظ (40)،وهذا التوجيه هو ما يقتضيه (4) معاني القرآن ، الفرا ء ، ج4 ، ص155 (5) في النحو العربي نقد وتوجيه ، ص 475 . (3) معاني القرآن ، الأخفش ، ج 5، ص357 . (1) الكشاف ، ج5، ص148 . (2) التحرير والتنوير ، ج 42، ص553 . (4) شرح ابن عقيل ، ج 5، ص387 . (7) إعراب القرآن ، النحاس ، ج 5، ص544 . (8) الكشاف ، ج5، ص148. (8) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ج 3، ص148 . (40) الكشاف ،ج5،148.
عدد الصفحات ٢٧- 93 - صناعة اعراب ، وهو يمثل رأي أهل البصرة في هذا النمط من الجمل (1)،في حين ذهب أهل البيان إلى إجازة رأي آخر مفاده أن (أنتم) هو المسند إليه قدم على المسند (تملكون) للدلالة على اختصاص الناس بالشح المتبالغ(5)، وهذا التخريج متفق مع وجهة النظر الكوفة(3)،وعليه (فالواو) المتصلة في تملكون تكون علامة على الجمع كما في لغة يتعاقبون فيكم، لأن الفعل في السياق قد اسند إلى ظاهر هو الضمير (أنتم) (1) ومثلها قوله تعالى: {(4. نصت هذه الآية على أحد الأحداث الكونية العظي مة التي تدل على قيام الساعة والمتمثل بتكوير الشمس.(5) وجملة كورت فسرت جملة محذوفة على شريطة التفسير تقديرها : (إذا كورت الشمس كورت ) لأن (إذا) فيها معنى الشرط والشرط يقتضي الفعل ، فلا يجوز أن يحمل على غيره ، وهذا رأي الجمهور (6)،في حين ذهب الكوفيون إلى أن (الشمس) فاعل مرتفع بما عاد إليه من الفعل (7)،قدم عليه لغرض التهويل (8)،وعليه فلا تفسير في الآية، وأجاز الأخفش أن يكون قوله (الشمس) مبتدأ وما بعده خبر له، وحجتهم في ذلك أن (إذا) ليس من الأدوات المختصة ولأن التقدير يدخل في الأصل. ومما تجدر الإشارة إليه إن الإفت تاح بـ(إذا) يتضمن تشويقاً للسماع لأن (إذا). ظرف يستدعي متعلقا ، وفيه معنى الشرط المؤذن بذكر الجواب بعده فإذا سمعه (4) الإنصاف ، ج5 ، ص444 (5) الكشاف ، ج5 ، ص148 . (3) المقتضب ، ج3 ، ص77 . (1) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح ، جمال الدين بن مالك الأندلسي ، تحقيق : طه محسن ، طبع دار آفاق العربية ، 4102هـ- 4882م ، ص517 . (2) فتح البيان ، ج42 ، ص83 . (4) الكتاب ، ج4 ، ص407 . (7) الإنصاف ج5، ص444 . (8) معاني النحو ، ج5، ص171 .
عدد الصفحات ٢٨- 94 - السامع ترقب ما سيأتي بعده فعندما يسمعه يتمكن في نفسه كمال التمكن (1) حتى إذا انتقلنا إلى الشكل الثاني الذي تمثل في عدد من الآيات القرآنية (2)،والذي يمكن وصف صيغة التركيبة بما يأتي : جواب الشرط + أداة الشرط + جملة الشرط فسنقف أولا عند قوله تعالى : {( م رْي م قُلْ ف م ن ي مْلِكُ مِن اللِّّ ش يْئاً إِنْ أ ر اد أ ن يُهْلِك الْم سِ يح ابْن م رْي م و أُمَّهُ و م ن فِي الأ رْضِ ج مِيعاً47 . فقد جاءت هذه الآية في معرض الرد على من ادعى ألوهية سيدنا عيسى عليه السلام(3)،وجملة (ف م ن ي مْلِكُ مِن اللِّّ ش يْئاً) موضع خلاف بين النحاة وقد اشرنا إلى ذلك في توطئة المبحث، إذ ذهب الكوفيون إلى أن هذه الجملة هي جملة جواب الشرط المتأخر، لأن الأصل عندهم تقديم الجواب على فعل الشرط (4)،في حين ذهب البصريون إلى أن هذه الجملة هي دليل وتفسير للجواب المحذوف ، لأن الأصل عندهم أن يتقدم فعل الشرط على الجواب لأنه بمنزلة الاستفهام والاستفهام له صد ر الكلام، فكما لا يجوز أن يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فكذلك الشرط .(5) تؤيد الدراسة مذهب أهل الكوفة، لأنه لا يحوجنا إلى تقدير محذوف والتقدير كما هو معلوم خلاف الأصل، ولا سيما في النصوص القرآنية (6). وبالمثل ورد هذا النمط في قوله تعالى : {(ا ذُكِر اسْمُ اللِّّ ع ل يْهِ إِن كُنتُمْ بِآي اتِهِ مُؤْمِنِين448. (4) الإنصاف ، ج5، ص850 . (5) التحرير والتنوير ، ج 30 ، ص410 . (3) ينظر السور الآتية مثلا : آل عمران / 83 ، المائدة404 ، الأنبياء43 ، الطور31 . (1) جامع البيان ، ج4 ، ص428 . (2) الإنصاف ج5، ص453 . (4) رصف المباني ، ص 404 .
عدد الصفحات ٢٩- 95 - جاءت هذه الآية في سياق الرد على المشركين وا بطال شعرائهم الفاسدة ، قال الواحدي: إن المشركين قالوا : يا محمد أخبرن ا عن الشاة إذا ماتت من قتلها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (الله تعالى قتلها) قالوا: أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال، وما قتله الله حرام ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) وقوله تعالى: ((ف كُلُواْ مِمَّا ذُكِر اسْمُ اللِّّ ع ل يْهِ )) هو جملة الجواب لدى الكوفيين قدم على فعل الشرط وهو ((إِن كُنتُمْ بِآي اتِهِ مُؤْمِنِين )) لأن الأصل عندهم تقديمه كما أسلفنا(2)،وهو دليل على الجواب المحذوف وتفسير له عند البصريين (3)،وقد وافقهم في ذلك عدد من المفسرين منهم أبو السعود (4) والآلوسي إذ قالالأخير: ((وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ))(5). والأمر في قو له تعالى: ((ف كُلُواْ )) للإباحة، وأن الخطاب في هذا السياق هو للمؤمنين دون سواهم من الخليقة(6). ومثله قوله تعالى: {( الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا ت عْل مُون ) النحل13 . فقد ابتدأت الآية بالتعريف بالمشركين (7)،والخطاب فيها لمشركي قريش (8) فقد أنكروا نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، (4) أسباب النزول ،458 . (5) ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة ، عبد اللطيف الشرجي ، تحقيق : طارق الجنابي ، ط4 ، مكتبة النهضة العربية ، بيروت ، 4107هـ- 4887م ، ص430 . (3) الإنصاف ، ج5، ص458 . (1) إرشاد العقل السليم ، ج 5، ص134 . (2) روح المعاني ، ج 8 ، ص43 . (4) التحرير والتنوير ، ج 8 ، ص34 . (7) التحرير والتنوير ، ج 41 ، ص444 . (8) البحر المحيط ، ج4 ، ص233 .
عدد الصفحات ٣٠- 96 - فهلا بعث إلينا ملكا(1)،فنزلت هذه الآية لترد عليهم. وجملة (ف اسْأ لُواْ أ هْل الذِّكْرِ ) هي جملة الجزاء ع ند الكوفيين قدمت على جملة الشرط (إِن كُنتُمْ لا ت عْل مُون ) لأن الأصل فيها ذلك (2)، وهي عند البصريين دليل وتفسير لجواب الشرط المحذوف ، والتقدير: (إن كنتم لا تعلمون فسألوا أهل الذكر)(3) حتى إذا انتقلنا إلى الشكل الثالث من أشكال بناء الجملة الشرطية ، والذي يمكن وصف صيغته التركيبة بما يأتي : بداية جواب الشرط + أداة الشرط + جملة الشرط + تتم مة الجواب. لاحظنا أنه يتمثل في عدد من الآيات(4) منها قوله تعالى: ((قُلْ أ غ يْر اللِّّ أ تَّخِذُ و لِيّاً ف اطِرِ السَّم او اتِ و الأ رْضِ و هُو يُطْعِمُ و لا يُطْع مُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أ نْ أ كُون أ وَّل م نْ أ سْل م و لا ت كُون نَّ مِن الْمُشْرِك ين 41} ع ظِيمٍ 41 – 42 . فقد جاءت هذه الآيةردا على دعوة المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم، والظاهر أن الخوف فيها على بابه وهو توقع المكروه(5)،وذهب أبن عباس – رضي الله عنه – إلى انه بمعنى (اعلم) (6) ويلحظ أن الجملة الشرطية مكتنفة بين الفعل (أخاف) والمفعول به (عذاب يوم عظيم) وقد اختلف النحاة في توجيه هذا الشكل من الجمل، فأهل البصرة يرون أن قوله تعالى: ((إِنْ ع ص يْتُ ر بِّي)) جملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه ، (4)الكشاف ، ج5، ص144 . (5) الإنصاف ، ج5 ، ص453 . (3) الإنصاف ، ج5 ، ص458 . (1) ينظر مثلا إلى السور : البقرة 70 ،514 ، النساء405 ، المائدة404 ، الكهف48 ، النور33 . (2) البحر المحيط ، ج1 ،121 . (4) الجامع لأحكام القرآن ، ج 4، ص524 .
عدد الصفحات ٣١- 97 - والتقدير(إن عصيت ربي أخف عذاب يوم عظيم ) فالمذكور المتقدم على فعل الشرط هو دليل وتفسير لتلك الجملة المحذوفة(1). فيحين رأى أهل الكوفة أن المذكور المتقدم هو الجواب لأن الأصل عندهم تقدمه وا ن تأخر بعض أجزائه(2)،وعليه فلا حذف ولا تفسير في السياق. ترى الدار سة أن هذا الشكل يختلف في بناءه عن بناء الجملة الشرطية في الشكلين الأول والثاني من حيث إن الجواب فيه قد اكتنف فعل الشرط بين دفتيه إذ تقدم جزء منه على فعل الشرط وتأخر عنه الجزء الآخر(3)، وهو أسلوب روعي فيه المعنى، إذ تقدم الأهم على المهم، ولما كان الجزء المتقدم يمثل مرتكز الكلام (4) قدم على فعل الشرط وبقية الجزاء في الشكل ليتطابق بذلك مع المعنى المقصود وهو هنا إظهار خوفه صلى الله عليه وسلم من الله وخضوعه له. ويتضح هذا الاستعمال في قوله تعالى: {( ف ل مَّا د خ لُواْ ع ل ى يُوسُف آو ى إِل يْهِ أ ب و يْهِ و ق ال ادْخُلُواْ مِصْر إِن ش اء اللُّّ آمِنِين 88 حكت لنا هذه الآية قصة استقبال سيدنا يوسف عليه السلام لأبيه وهو قادم من البدو مع إخوته(5)،وقوله (ادْخُلُواْ مِصْر ) فيه قولان أحدهما : أن يكون سيدنا يوسف قد ضرب مضربا خارج البلد نزل فيه ، ثم دخلوا عليه فآوى إليه أبويه أي ضمهما وعانقهما، ثم قال لأبيه وأخوته ادخلوا مصر(6)، والآخر: أنهم دخلوا عليه في (4) البحر المحيط ، ج1 ، ص121 . (5) الإنصاف ، ج5 ، ص453 . (3) الجملة العربية في شعر عروة بن أذينه ، ضياء الدين الفلاحي ، مطبعة التعليم العالي ، جامعة الموصل ، 4888م ، ص 548 . (1) الاكتناف في بناء الجملة الشرطية القرآنية ، ص 3 . (2) التفسيرالكبير ، ج48 ، ص447 . (4) الكشاف ، ج5 ، ص311 .
عدد الصفحات ٣٢