المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأحاديث المرفوعة في كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس للإمام ابن عبد البر من أول الكتاب إلى حديث احذروا جدال كل مفتون فإنه يلقن.

حمزة بن محمد علي الغيلي

صفحة ٢ من ٤١

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 17 المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه (1) هوالإمام العلامة، حافظ المغرب، شيخ الاسلام، إمام عصره، ووحيد دهره: أبو عمر، يوسف(2) بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَمَ ري، الأندلسي، القرطبي، المالكي . فابن عبد البر عربي أصيل، وينتمي نسبه إلى الن مِرُ بنُ قاسِط بن هِنْب بن أَفْصَى بن دُعْميّ بن جَديلَةَ بن أسد بن رَبيعة بن نـَ زَ ار بن مَ عْ د بن عدنان (3). وقد نسب بعض النسابين النمر بن قاسط إلى قبيلة حمير اليمانية، ولكن هذا رأ ي غير صحيح ردّ ه ابن عبد البر بقوله: "والصحيح الذي عليه جماعة أهل العلم بالأنساب أن النمر بن قاسط في ربيعة "(4). لذا؛ فالنسبة التي ينتسب إليها ابن عبد البر إلى قبيلته هي: النَمَري (بفتح النون، والميم)، نسبة إلى النمر بكسر الميم، وقد شُ كِّ لت الن مَ ري بفتح الميم استيحاشاً لتوالي الكسرات؛ لأن فيه حرفاً واحداً غير مكسور(5). وقبيلة النمر هذه قبيلة من قبائل العرب المعروفة والتي اشتهرت بالفصاحة والبلاغة، والشجاعة والكرم، حتى أصبح كل من ينتسب إليها فصيحًا بليغًا، وهي من قبائل ربيعة وبطن من بطونها، وتشير الروايات والمصادر التاريخية إلى أن هذه القبيلة العربية شأنها شأن مثيلاتها من القبائل العربية قد شاركت جيوش الفتح الاسلامي في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، وكانت بلاد الأندلس إحدى الجهات التي تطلع لها المسلمون لنشر الإسلام حيث وصلتها جيوش الفتح. (1) ينظر: جمهرة أنساب العرب 2/302)، وجذوة المقتبس 367)، والصلة3/373)، وترتيب المدارك 2/74)، ووفيات الاعيان (7/66)، وسير أعلام النبلاء11/153)، والع2/316)، وتذكرة الحفاظ 3/217)، والديباج المذهب (2/367)، والأعلام للزركلي ( 1/240.) (2) في يوسف ست لغات: ضم السين وفتحها، وكسرها مع الواو، وضم السين، وفتحها، وكسرها بعد الهمزة عوض الواو، والياء في أوله مضمومة، فهي ست لغات،، ينظر: الديباج المذهب (2/263.) (3) الديباج المذهب2/263)، وترتيب المدارك 2/74)، ووفيات الأعيان (1/250)، وتاج العروس14/231.) (4) الانباه في قبائل الرواة21.) (5) تاج العروس14/231.)

عدد الصفحات ١٧

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 18 وقد اتخذت هذه القبيلة من حصن وضاح من أعمال كوريةً منزلاً لها، ولما استقرت أحوال الأندلس بدأ أبناء هذه القبيلة بالتنقل في مدن الأندلس طلبًا للعلم أو التجارة، وفي محاولة لتتبع تاريخ عائلة الإمام ابن عبد البر لا شيء على ما يبدو لفت انتباه المؤرخين قبل جده؛ لذلك أفردوا له ولوالده تفصيلاً ودورهم في الحياة السياسية والعلمية في الأندلس(1). لقبه لا تذكر المصادر التي ترجمت لابن عبد البر لقباً له سوى الحافظ، أو حافظ المغرب . أبوه: هو عبد الله بن محمد بن عبد البر، كانت له صلات طيبة بأهل العلم، كانت له صلات طيبة بالعلماء والتي مكنت له من أن يتصل بهم ويأخذ عن كبارهم، حتى بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً، قال عنه ابن حيان: "من الأعلام هضاب راسية، وبحار من العلم زاخرة، وأعلام قولهم مسموع، وبرهم مشروع، وأثرهم متبوع، مثل: عبد الله بن محم د بن عبد البر..." توفي سنة: 373 (2). جده هو محمد بن عبد البر بن عاصم النمري، العابد الزاهد، كان من علماء التفسير والقرآن والقراءات، توفي سنة 373 (3). (1) جمهرة أنساب العرب 2/302)، والفكر التربوي7)، وجهود ابن عبد ال 101.) (2) وفيات الاعيان7/71)، وسير أعلام النبلاء11/153)، مدرسة الإمام الحافظ ابن عبد البر في الحديث والفقه (1/146.) (3) وفيات الاعيان7/71)، ومدرسة الإمام الحافظ ابن عبد البر في الحديث والفقه 1/146.)

عدد الصفحات ١٨

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 19 المطلب الثاني: مولده، ووفــاته. ولد في قرطبة، 25 من ربيع الآخر سنة 361. يروي ابن طاهر عنه رحمه الله : ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وستين، و قال: أرانيه الشيخ ب ـخط أبيه عبد الله بن محمد رحمه الله ". وذكرت في تاريخ ولادته ثلاثة أقوال غير ما ذكر وهي ضعيفة، سأذكرها باختصار: 1- في شهر جمادي الأول من نفس السنة. 2- في شهر ربيع الأول من نفس السنة. 3- فيرجب من سنة 162 (1). وفاته مات أبو عمر في شاطبة في ربيع الآخر ، سنة 463، واستكمل35سنة و5 أيام، رحمه الله(2). (1) سير أعلام النبلاء11/154)، وجذوة المقتبس 367)، والصلة3/373)، ومنهج ابن عبد ال1/30.) (2) سير أعلام النبلاء11/153.)

عدد الصفحات ١٩

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 21 المطلب الثالث: شخصيته وأخلاقه كما سبق وأشرت إلى أن ترجمة ابن عبد البر فيها الكثير من النقص في مختلف جوانب حياته لا سيما الشخصية، وهذا يقلل من إلمامنا بجوانب حياته، لكن من خلال إطلاعي على ترجمته في بعض المصادر خرجت بأنه تميز بصفات عظيمة وأخلاق نبيلة، فمنها: 1- الدأب في طلب العلم والانقطاع إليه . 2- كان صيتاً. 3- كانشجاعاً، مهاباً (1). 4- كانحجةً ، ثبتاً . 5- كان عزيز النفس، شهماً 6- كاندمث الأخلاق، كثير الحياء، ويتضح ذلك من خلال ميله إلى العبارات المهذبة، وعدم إيراده في كتابه للألفاظ التي تجرح الحياء، أو الحكايات الفاحشة، أو الألفاظ الساقطة. (1) يتضح ذلك من خلال القصة التي أوردها صاحب كتاب إعتاب الكتاب 220) بقوله: كتب للمعتضد عباد بن محمد بإشبيلية، وله عنه الرسالة البديعة في قتل ابنه إسماعيل، ويقال إنه كتبها دون روية؛ ثم سعي به إليه حتى غير عليه، فاحتال للخلا من يديه، سمعت بعض شيوخي يحكي أن أ باه الإمام أبا عمر بن عبد البر سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة، فلأول دخوله على عباد نادى رافعاً صوته: ابني يا معتضد ابني يا معتضد: فشفعه فيه، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام، ومكنوفين بالاحترام. .

عدد الصفحات ٢٠

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 21 المطلب الرابع: لمحة عن عصره أولاً: الحالة السياسية: بعد أن عاشت الأندلس فترة تعد من أرقى وأجمل فترات التاريخ بعد تأسيس الدول ة الأموية لأكثر من قرنين، إلا أن ابن عبد البر رحمه الله عاش في فترة من أصعب فترات التاريخ الأندلسي على الاطلاق وهي ما يطلق عليها المؤرخون: عصر دول الطوائف، وقد أُطلق على هذا العصر: (أيام الفَرَق)، أي: الخوف، لهول ما وقع فيه من الفتن. ويتميز عصر الطوائف بكث رة الفتن والحروب الأهلية بين المسلمين، كل يبغي الحكم لنفسه، وبأي وسيلة، فساءت الأحوال السياسية في قرطبة، وقسمت الأندلس إلى دويلات، وبلغت ستاً وعشرين دويلة، وتفتّ تت الدولة الإسلامية وانتثر عقدها، وتغلب كل متغلب من أمراء البلاد على جزء منها، وتقسّموا ألقاب الخلاف، فمنهم من تسمى بالمأمون، وآخر بالمقتدر، وثالث بالمعتصم، ورابع بالمتوكل، وغير ذلك من الألقاب الخلافية، وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق: مما يزهّ دني في أرضِ أندلــــــــــــــــــــس سماعُ مقتدر فيــــــــــــــــــــــــــــــــــــها ومعتضدِ . ألقــــــابُ مملكة في غيرِ موضِ عها كاله ـــــــرِّ يحكي انتفاخاً صولةَ الأسد. وأهم الظواهر التي ميزت هذا العصر عن غيره: 1- التسابق على بسط النفوذ، والحروب التوسعية 2- الاستعانة بالممالك النصرانية، على الدول المجاورة 3- ضعف الدول التي أضاعت هيبة الخلافة، وأسقطتها نهائياً. وهكذا استمر الوضع في الأندلس حتى سقطت آخر معاقلها بيد الصليبين في عام(1). (1) جذوة المقتبس367)، ومقدمة بهجة المجالس (1/10) ومنهج الحافظ ابن عبد ال11.)

عدد الصفحات ٢١

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 22 ثانياً: الحالة الاجتماعية لا يبدو أن هناك تغيرات اجتماعية كبير ة في ظل التقلبات السياسية للدول، اللهم إلا ماله مساس مباشر بها من حيث تدين الحاكم أو انحلاله وانعكاس ذلك على الرعية. فالعادات والتقاليد والأعراف ترسخها توالي الأز مان وليست خاضعة للتأثير السياسي، وإذا نظرنا إلى التركيبة العرقية للمجتمع الأندلسي نجد أنه كان يموج بعناصر مختلفة، فكان فيهم العرب، والبر بر، والصقالبة، الذين اعتنقوا الإسلام من سكان البلد الأصليين. و لقد بالغ بعض الكتاب ووصف المجتمع الأندلسي بالغرق في الإباحية والانهيار الأخلاقي، وغير ذلك من الأشياء التي تنافي العقل. نعم كان هناك طبقة من المجتمع غارقة في وحل اللهو والعبث والمتعة الحرام، وهذا لا يستبعد مع ما عرف من أهل الأندلس من رقة ورخاء ، ولكن هذا يبقى محصوراً في طائفة من المجتمع، ومع هذا لم يكن أصحابه يستطيعون الجهر به، فقد كان عندهم نظام الشرطة، وكانت تحد من هذه الظاهرة كثيراً، وتحارب أصحاب المجون والخنا والخمور. ولم تكن مظلة الشريعة قاصرة على الحدود والقضاء فقط، بل كان النظام الإداري يتمتع بالطابع الإسلامي، وكانت هناك قواعد لنظام الحسبة تعتبر من أرقى ما يطبق الآن في الأنظمة الإدارية الحديثة، من حيث مراقبة الخبز واللحوم مثلاً وسعرها. كما كانت هناك عادات تميّز بها أهل الأندلس تدل على رقي ومستوىً حضاري رفيع، فقد اشتهروا بحرصهم الشديد على النظافة، وحسن تد بيرهم في المعاش، وهم بين عالم وجاهل

عدد الصفحات ٢٢

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 23 ذي صنعة، يجهد أن يتميز بصنعة ويربأ بنفسه أن يرى عالة على الناس؛ لأن هذا عندهم غاية القبح (1). (1) منهج ابن عبد ال1/20.)

عدد الصفحات ٢٣

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 24 ثالثاً: الحالة العلمية بالرغم من سوء الحالة السياسية في تلك الحقبة من الزمن إلا أنها شهدت نهضةً علميةً كبيرةً في جميع مجالا ت العلوم الإ نسانية والتطبيقية، وقد ساعد على ذلك تشجيع الحكام والأمراء الذين لم يألوا جهداً في ذلك، إضافة إلى أنهم لم يقلوا علماً وأدباً عن علماء عصرهم. وقد امتازت ثلاثة قصور من بين القصور بمشاركتها في النهضة العلمية والأدبية، وهي: بلاط بني عباد بإشبيلية، وبلاط بني الأفطس ببطليموس، وبلاط بني صمادح بالمرية، ولا ننس أن مجاهداً العامري صاحب دانية كان من أكابر علماء القرآن واللغة في عصره، وكان بلاطه يجمع أشهر العلماء على رأسهم ابن عبد البر، وابن سيدة. وقد كانت معظم حواضر الأندلس مراكز للعلم والعلماء، واشتهرت من ها قرطبة (1) العاصمة السياسية والعلمية، والمركز الثقافي الرئيسي الذي كان قبلة طلبة العلم والعلماء، وبرزت وتفوقت على أقرانها في هذا المجال، فقد اشتهرت على مدار التاريخ بعلمائها الذين أنجبتهم، وقدموا للأمة عصارة تفكيرهم في إنتاجهم العلمي يليها أشبيلية التي كا نت تضم عدداً كبيراً من المكاتب العلمية. وهناك بعض الأمور التي أدت إلى إشعال الحركة العلمية في الأندلس، منها: 1- التنافس الثقافي بين عواصم دول الطوائف أدى إلى تنشيط الثقافة الأندلسية (1) بلغت قرطبة في عهد الناصر أوج العظمة والازدهار في جميع النواحي، بل لم يكن لها مثيل في التاريخ في تلك الحقبة من الزمن في الفن و العلم و الأدب و العمارة و التشكيل، وغير ذلك مما ميّز قرطبة في ذاك الزمان، بحكم أنها مقر الحكم الاسلامي في أوروبا ومركز إشعاع روحي ثقافي للعالم الأوربي، ومن طريف الأبيات التي قيلت في قرطبة: بأربع فاقت الأمصار قرطبة منهن قنطرة الوادي وجامعـــــــــها هاتان اثنتان والزهراء ثالثــــــــة والعلم أعظم شيء وهو رابعها ينظر: مدرسة الإمام الحافظ ابن عبد البر في الحديث والفقه ( 1/123.)

عدد الصفحات ٢٤

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 25 2- الرحلات التي كان يقوم بها طلبة العلم والعلماء من الأندلس إلى بلاد المشرق وال ذين جلبوا معهم أمهات المصادر في علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ، وغيرها . 3- حرية الحركة العلمية 4- انتشار المكتبات وجمع الكتب، وعلى سبيل المثال: أنشأ الحكم مكتبة جامعة بلغ عدد مخطوطاته: أربعمائة ألف. 5- تشجيع الولاة والخلفاء للعلماء والاهتمام بهم 6- بناء المدارس والملاحق الخاصة بالعلم. 7- تواجد الأسر العلمية، وقد كثر هذا في الأندلس، فتجد الأب وابنه وأحفاده ومن نزل من كبار الأئمة في زمانهم، كحال ابن عبد البر مثلاً. وقد برز كثير من الأئمة في هذا العصر، نذكر منهم على سبيل المثال: 1- ابن الفرضي 2- ابن حيان المؤرخ 3- أبو عمرو الداني المقرئ. 4- أبو طالب المكي المقرئ 5- ابن سيدة 6- ابن حزم 7- أبو عبد الله الحميدي 1- أحمد بن عبد الله بن محمد بن الباجي. 3- أبو داود سليمان بن أبي القاسم نجاح، المقرئ. 10- ابن زيدون الشاعر (1). (1) الصلة3/373)، ابن عبد البر وجهوده 75)، منهج الحافظ ابن عبد البر في الجرح والتعديل 1/22.)

عدد الصفحات ٢٥

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 26 المبحث الثاني: حياة المؤلف العلمية، وفيه خمسة مطالب. المطلب الأول: نشأته العلمية و طلبه للعلم ورحلاته. المطلب الثاني: شيوخه ، وتلاميذه. المطلب الثالث: عقيدته ومذهبه. المطلب الرابع: مكانته وثناء العلماء عليه. المطلب الخامس: آثاره ومؤلفاته، واهتمام العلماء بها .

عدد الصفحات ٢٦

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 27 المطلب الأول: نشأته العلمية، وطلبه للعلم، ورحلاته: توفي والده وهو لم يتجاوز الثانية عشر من عمره، فنشأ حريصاً في تحصيل العلم، واستفاد من موروث أبيه العلمي، فنجده كثيراً ما يقول في كتبه: وجدت بخط أبي رحمه الله. ولم يكن لابن عبد البر خيار في أن ينشا غير النشأة التي كان عليها، واستمر على منهج أبيه في التلقي والتحص يل وأخذ عن كبار العلماء في ذلك الوقت، ولازمهم وبرع في الفنون حتى فاق أقرانه، ووصل إلى منزلة علمية لم يتمكن من قبله في الوصول إليها. وثمة ناحية معروفة شهيرة في حياته، وهي أنه لم يرحل إلى المشرق في طلب العلم، (1) ولعله لم يخرج من الأندلس حرصاً منه على المشاركة في إصلاح الأوضاع السياسية بالنصح، والتذكير وبيان حقيقة الداء (2). وقد بدأ حياته العلمية في قرطبة، في أزهي عصور الازدهار العلمي والذي شمل كافة الفنون بالأندلس، وتلقى تعليماً ممتازاً على أيدي جلة من علماء عصره، واستوعب كثيراً من علوم الفقه والحديث والأدب و غيرها، ولما بلغ من العمر ثلاثين عاماً خرج من قرطبة مهاجراً في وقت ظهور ما يسمى في التاريخ: بالفتنة البربرية، والتي اضطر كثير من الأئمة والعلماء إلى الخروج من هذه البلدة، وقتل فيها كثير منهم للأسف الشديد، وقد كان من بين هؤلاء القتلى شيخه ورفيقه أبو الوليد بن الفرضي رحمه الله. ولم يكن له خيار بعد ذلك إلا الهجرة من قرطبة والبحث عن مكان أنسب وأكثر أماناً، وأخذ يجول بين مناطق غرب الأندلس قريباً من عشر سنوات، وكان يأخذ من علماء كل بلدة يدخلها(1). (1) جذوة المقتبس367.) (2) ابن عبد البر وجهوده في التاريخ 171)، والفكر التربوي (11.)

عدد الصفحات ٢٧

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 28 رحلاته ذكر صاحب كتاب: ابن عبد البر وجهوده في التاريخ (2) أن ابن عبد البر كانت له خمس رحلات في حياته كلها داخل الأندلس ظل يتجول فيها ، وها أنا أسوقها باختصار: 1- الرحلة الأولى: بعد اشتعال الفتنة البربرية خرج من قرطبة مهاجراً إلى إشبيلية، وجاءت هذه بعد سنة 403هـــــــــــ، وجاء الاختيار لهذه البلدة بسبب وجود رفيقه وزميله طلب العلم إسماعيل بن عباد عميد العائلة العبادية الذي تولى زمام إدارة الشؤون في إشبيلية، وبعد موت القاضي إسماعيل تولى زمام الأمر ابنه أبو القاسم ، ولكنه أخذ عليه بعض المآخذ وبا دله بالنصح، ولم يستجب له فجفاه، وقرر ابن عبد البر الرحيل، وفي ذلك يقول معاتبا ًزوجت ه بعد أن اعترضت عليه في الرحيل: ولي حين رحلت من إشبيلية (3): وقائلـــــــة مــــــــــــــالي أراك مرحّ لاً فقلت لها: صهْ واسمعي القولَ مجملا تنك ر من كن ا نُ ـــــــــــــسرُّ بقربه وعـــــــــــــــــــــــــــــــاد زُ عافاً بعدما كان سلسلا وحُ ق لجـــــــــــار لم يوافِ قْ ه جارُ ه ولا لاءَ مَ تْ ه الـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ارُ أن يترح لا إذا هان حر عند قوم أتاهُ مُ ولم ينأْ عنهمْ كـــــــــــــــــــــــان أعمى وأجهلا 2- الرحلة الثانية: بعد مرور هذه الأعوام لم ير م نطقة هي أكثر استقراراً واحتراماً وتقديراً للعلماء من دانية التي كان يحكمها أبو الجيش مجاهد العامري، والذي كان من كبار علماء عصره في علوم القرآن الكريم واللغة، كما كان متحلياً بالشجاعة والإقدام وحسن إدارة البلدة، إضافة إلى حبه الشديد للعلم والعلما ء، وجمعه لم كتبات لم يجمعها غيره (4). (1) مقدمة بهجة المجالس1/10.) (2 )161. (3) بهجة المجالس1/243)، باب التحول عن مواطن الذل (4) معجم البلدان2/343.)

عدد الصفحات ٢٨

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 29 لهذا السبب قرّر ابن عبد البر الانتقال إليها، واستقر فيها سنة 430 تقريباً(1). بعد ذلك قضى فترة ليس بالقصيرة في دانية، وكانت هذه الفترة من أخصب فتراته إنتاجاً إن لم تكن هي الأخصب، فقد ألّف معظم كتبه المطولة التي اشتهر بها في هذه الفترة. 3- الرحلة الثالثة: بعد موت الأمير العامري سنة 436هــــــ، ترك ابن عبد البر دانية مضطراً، وقد استنتج بعض الكتّاب أنه تركها بسبب الجفاء الذي حصل بينه وبين علي بن مجاهد أمير دانية بعد وفاة أبيه، ثم رحل إلى بطليوس واستقبله أميرها المظفر استقبالاً كريماً، بعد سنة 437هـــــــــــ، وولاّه على قضاء الأشبونة، وشنترين، وقضى بها فتر ة طويلة (2). 4- الرحلة الرابعة: عاد ابن عبد البر إلى شرق الأندلس ثانية، ولما كان قد ترك دانية توجه إلى بلنسية، وكانت تحت إمرة عبد العزيز بن أبي عامر. 5- الرحلة الخامسة: رحل بعد أن تو حكم بلنسية عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر، وكان معروفاً بسوء أخلاقه وتصرفاته، وضعف ديانته، قرّر ابن عبد البر أن يرحل إلى شاطبة، وهناك بقي فيه إلى أن توفي سنة 463هـــــــــــــ رحمه ا (3). قال الإمام ابن فرحون المالكي: له بسطة كبيرة في علم النسب وف ارق قرطبة وجال في غرب الأندلس مدة ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن دانية من بلادها وبلنسية وشاطبة في أوقات مختلفة... (4). قال الذهبي: طلب العلم بعد التسعين وثلاث مئة، وأدرك الكبار، وطال عمره، وع سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنف، ووثق وضعف، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان ... (1). (1) مقدمة بهجة المجالس1/11.) (2) السابق (3) ابن عبد البر وجهوده في التاريخ 161.) (4) الديباج المذهب2/363.)

عدد الصفحات ٢٩

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 31 المطلب الثاني: شيوخه، وتلاميذه أولاً: شيوخه: أخذ ابن عبد البر من كبار الأئمة في زمانه فانعكس إيجاباً على شخصيته العلمية، حيث تميزت بالأصالة والعمق والدقة، وكثرة التنوع، كما تميزت مواضيعه ومؤلفاته بالإحاطة والشمول، ومن أشهرهم (2): 1- عبد الله بن يوسف أبو الوليد القاضي، المعروف بابن الفرضي . 2- أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن الجسور. 3- خلف بن قاسم بن سهل بن سهلون، المعروف بابن الدباغ . 4- أحمد بن فتح بن عبد الله التاجر 5- أحمد بن محمد بن عبد الله المقرئ ، أبو عمر الطملنكي. 6- أحمد بن عبدالملك بن هاشم بن المكوى، أبو عمر، الأشبيلي. 7- عبد الوارث بن سفيان بن جبرون. وهذا من أكثر من لازمه 1- أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتي، البزاز 3- عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن 10- عبد العزيز بن أحمد النحوي، الأخفش 11- عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني الهمدا ني. 12- عبد الرحمن بن مروان القنازعي، المعروغ بأبي المطرف. 13- المعمر محمد بن عبدالملك بن ضيفون. 14- خلف بن القاسم بن سهل الحافظ. 15- يحيى بن عبدالرحمن بن وجه الجنة . 16- محمد بن خليفةالإمام. و غيرهم. (1) س أعلام النبلاء (11/154.) (2) جذوة المقتبس367)، والصلة3/373)، وترتيب المدارك 2/74)، وسير أعلام النبلاء11/154)، ووفيات الأعيان (7/66)

عدد الصفحات ٣٠

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 31 ثانياً: تلاميذه(1): لم يكن مستغرباً أن يكثر تلاميذ ابن عبد البر؛ بسبب أنهذاع صيته، وطار ذكره في الآفاق، ولا بد لطلاب العلم والباحثين ورواد المعرفة أن يقصدوا لمثل هذه الهامة ويرحلوا لينهلوا من منهله الروي ويرتووا من معينه العذب الصافي ، وأشهرهم: 1- أبو محمد بن حزم . 2- أبو العباس بن دلهاث الدلائي. 3- أبو محمد بن أبي قحافة. 4- طاهر بن مفوز المعافري. 5- عبد الله بن مفوز المعافري 6- أبو علي الغسا. 7- طونة بنت عبد العزيز بن موسى 1- خليص بن عبد الله بن أحمد العبدري 3- علي بن عبد الرحمن الشاطبي المقرئ 10- أبو عبد الله الحميدي. 11- أبو بحر سفيان بن العا. 12- محمد بن فتوح الانصاري . 13- أبو داود سليمان بن أبي القاسم نجاح. 14- أبو عمران موسى بن أبي تليد . و غير هم. (1) جذوة المقتبس367)، والصلة3/374)، وترتيب المدارك 2/74)، وسير أعلام النبلاء11/157)، ووفيات الأعيان (7/61.)

عدد الصفحات ٣١

تخريج ودراسة أحاديث بهجة المجالس لابن عبد ال 32 المطلب الثالث: عقيدته ومذهبه عقيدته: كان على مذهب السلف في عقيدته، ويتضح ذلك من خلال شرحه لأحاديث العقيدة، ومن ذلك قوله (1): أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاع ة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيماناً قالوا: إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد والمعرفة قالوا: وهو المعروف من لسان العرب ومن ألسنة المجتمع عليه ألا ترى إلى قول الله عز وجل حاكيا عن بني يعقوب عليه السلام: (ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ) [17]،أي: بمصدق لنا... وقوله(2): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله . وقال الذهبي (3): كان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله. (1) التمهيد3/231.) (2) التمهيد7/145.) (3) سير أعلام النبلاء11/156.)

عدد الصفحات ٣٢