المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الفرح آثره وأحكامه في ضوء القرآن الكريم 03

حسين شريف محمد

صفحة ٤ من ٥

157 أن مملكة سبأ كانت قوية غنية مزدهرة في ذلك الوقت ، وتتمتع بالكثير من مظاهر الخير والرفاهة والمتاع ، وها هي أوتيت من كلِِ شيء من متاع الدنيا ) (1). 3. ﭽﭙ ﭚ ﭛ ﭼ ( يعني : سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب ، وأنواع الجواهر واللآلئ ) (2). 4. ( ولاحظ الهدهد شركهم بالله ، وعبادتهم للشمس من دون الله ، واستغرب هذا الشرك مع أنه طائر ! ولذلك تابع تقريره لسليمان ـ عليه السلام ـ بقوله : ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ (3))(4)، ومن فحوى هذا التقرير يمكننا أن نتعرف على ملكة سبأ . فملكة سبأ : هي امرأة كانت تحكم مملكة سبأ وتشرف على نظامها بحنكة ومهارة فائقة مما ساهم في تقوية البنية التحتية للمملكة وتقوية أنظمتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . ولم يرد الحديث عن ملكة سبأ في القران الكريم إلا في سورة النمل وذلك في قوله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ (5).(6) ثانيا : حكمتها وحسن سياستها : (1) نفس المصدر : ص521ـ521 . (2) تفسير القرآن العظيم : ج7/ ص155 . (5) سورة النمل الآية 24 ـ 27 . (4) مواقف الأنبياء في القران تحليل وتوجيه : ص 521 . (8) سورة النمل الآية 25 . (7) أنظر المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم بحاشية المصحف الشريف : ص 571 .

عدد الصفحات ٤٩

158 إن شخصية ملكة سبأ تعتبر من شخصيات البارزة في القران الكريم ، وهي صاحبة حكمة قوية وسياسة رائعة ، ويظهر ذلك من خلال ما وقع من حوار بينها وبين قومها ، وما أبدى من أراء سياسية وجيه وتحليلات منطقية سديدة . ولقد سجّل القران الكريم تلك الحوارات ، والتقط تلك الصور من مشاهد واقعية في مملكة سبأ . قال الله تعالى : ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﭼ (1). طلبت الملكة مشورة القوم ورأيهم ، حيث أخبرتهم بأنها ما كانت لتقدم على أمر من أمور الدولة إلا بعد مشاورتهم وسماع أرائهم . فاستجابت قومها لهذه الرغبة الملوكية وقالوا نحن أصحاب كثرة في الرجال والعتاد وأصحاب شدّة في الحرب وأمرنا إليك فمرينا بما شئت نتمثل أمرك وقولهم هذا دليل على الطاعة المفرطة (2). ( قال الحسنالبصري(3) ـ رحمه الله ـ : (1) سورة النمل الآية 52 ـ 57 . (2) صفوة التفاسير : ص 582 . بتصرف (5 )هوالحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد تابعي ، كان إمام أهل البصرة ، وحبر الأمة في زمنه ، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك ، ولد بالمدينة سنة 21هـ ، وشب في كنف علي بن أبي طالب ، وسكن البصرة ، وعظمت هيبته في القل وب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة ، قال الغزالي : كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ، وأقربهم هديا من الصحابة ، وكان غاية في الفصاحة، تتصبب الحمكة من فيه ، توفي بالبصرة سنة 111 هـ ، انظر (الأعلام للزركلي

عدد الصفحات ٥٠

159 فوضوا أمرهم إلى عِِلْجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان ، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه ، وما سُخّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا ) (1). ( عندما اسند القوم قرار المصير إليها لتأمرهم بما تشاء كانت أحزم منهم رأيا وأعلم بنتائج الحروب فقررت اختبار سليمان ـ عليه السلام ـ أهو ملك أم نبي ، كما قال تعالى : ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﭼ (2) )(3). ( وأبرز القران حصافتها(4)في فهم طبيعة ملوك الدنيا الذين يفسدون القرى ويهلكون الحرث والنسل ، لكن نص رسالة سليمان مختلف عن طبيعة الملوك ، فلجأت للملاينة ، وبعثة بهدية) (5). ( قال قتادة ـ رحمه الله ـ : ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس )(6). ثالثا : ذكاءها : : ج2/ ص227 . ) (1) تفسير القرآن العظيم ج7 / ص159 . (2) سورة النمل الآية 54 . (5) المرأة في التصور القرآني : ص 718 . (4 )حصف : الحاء والصاد والفاء أصل واحد ، وهو تشدُد يكون في الشيء وصلابة وقوة ، فيقال : لركانة العقل : حصافة ، وللعدو الشديد إحصاف ، انظر ( مقاييس اللغة : ص 211 . ) (8) التفسير التربوي للقران الكر ج2 /ص821 . (7) تفسير القرآن العظيم ج7 /ص191 .

عدد الصفحات ٥١

161 لقد كانت ملكة سبأ متصفة بذكائها وحنكتها ، ويتبين ذلك من تصرفاتها وطريقة تفكيرها ، فالقران الكريم يخبرنا عن طريقة إجابتها عندما سئل عن عرشها ، فأجابت بطريقة ذكية يدل على ذكاءها وحصافة عقلها. ( فردّت بإجابة لا بالإثبات ولا بالنفي فقالت : ﭽ ﯬ ﯭ ﭼ ، ذكاءها عال جدا)(1). قال الله تعالىﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ(2). ( العري جاء واستقر عند سليمانـ عليه السلام ـ فأمر بنصبه وتجهيزه ؛ لأن بلقيس قادمة إليه في الطريق ، وهو يريد أن يختبرها اختبارا عقليا واختبارا إيمانيا ، فأمر بأن ينكِِروا عرشها ، فقال لهم : ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ (3). كلمةﭽ ﯙ ﭼ عكس عرِِفوا ، فعرشها جاء على هيئته كما كان في سبأ ، فلو أنها جاءت ورأته كما هو ستعرفه بسهولة ، ولا يعرف سليمان ذكاءها في الجواب ، فأمرهم أن ينكروا لها العري ، بأن يغيروا بعض معالمه ، مثلما تقول : فلان متنكر أي غير ملامحه ؛ حتى لا يعرفه أحد ، فكذلك أمرهم أن يفعلوا بالعري ، لكن شكله العام ظل كما هو ؛ وذلك حتى يختبر سليمان ذكاءها ، فهو يريد أن يختبرها عقليا وإيمانيا ، وقوله : ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ إن كان المقصود به الهداية الإيمانية فهو أن تهتدي إلى الإ سلام ، وان كان عقليا بأن تهتدي إلى الجواب الصحيح . وحينما سألها لو قال لها : أهذا عرشك كان معنى السؤال يوحي بالجواب ، لكنه حاول أن يعمي عليها في السؤال فقال لها : ﭽ ﯨ (1) قراءة جديدة في قصص الأنبياء : عمرو خالد ، ط 5 ،1425هـ ـ2115 م ، دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان ، ص 422. (2) سورة النمل الآية 42 . (5) سورة النمل الآية 41 .

عدد الصفحات ٥٢

161 ﯩ ﭼ(1)، فكأنه يقول لها : إن هذا ليس عرشك ، ولكنه قال : هل عرشك مثله ؟ فهو يريد أن يختبرها فصعب عليها السؤال فماذا قالت هي ؟ نظرت إلى العري فوجدته مثل عرشها، ولكن التنكير الذي حدث له يدل على أنه ليس عرشها ، فجاءت بجواب يحتمل الحالتين معاـ جواب دبلوماسي ـ فماذا قالت ؟ . قالت: ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ فعرف سليمان من هذه الإجابة أنها ذكية وحصيفة وعاقلة . هذا بالنسبة لهداية الإيمان ، فهي لكي تعلم أنها تركت عرشها هناك في بلادها ، وجاءت إلى سليمان فكيف جاء سليمان بالعري بهذه السرعة مع أنها تركته خلفها ؟ ! فلا بد أن هذه قدرة فوق مستوى البشر ، وعليه فسليمان وجنوده محقون في أنهم يدعون إلى الحق ، فجاء كلام بلقيس كلاما دبلوماسيا ، والكلام الدبلوماسي هو الكلام الذي يصلح لأي واقع بعده ، وجوابها الدبلوماسي في قولها : ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ )(2). قال الإمام البقاعي(3)ـ رحمه الله ـ (وذلك يدل على ثبات كبير ، وفكر ثاقب ، ونظر ثابت ، وطبع منقاد ، لتجويز المعجزات والإذعان لها مع دهشة القدوم ، واشتغال الفكر بما دهمها من هيبته وعظيم أمره) (1) . (1) سورة النمل الآية 42 . (2) قصص الأنبياء الشيخ محمد متولي الشعراوي : ج 4/ ص2275 ـ2279 . (5) إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ، بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي ، برهان الدين أبو الحسن ، العلامة المحدث الحافظ . ولد سنة تسع وثمانمائة ، ومهر وبرع في الفنون ودأب في الحديث ، ورحل وسمع من البرهان الحلبي ، والبرهان الواسطي ، والتدمري، والمجد البرماوي ، والبدر البوصيري ، وخلقٌ يجمعهم معجمه الذي سماه ' عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران ' . وله تصانيف كثيرة حسنة منها كتاب ' الجواهر والدرر في مناسبة الآي والسور ' و ' النكت على شرح ألفية العراقي ' و ' النكت على شرح العقائد ' وغيرها من المصنفات ، وكانت وفاته في سنة 558 هـ ، انظر (نظم العقيان في أعيان الأعيان : جلال الدين السيوطي، بدون ط ، الكتبة العلمية – بيروت ، ص 24 ـ28 ) ، وانظر (طبقات المفسرين للداودي : ج1/ ص545. )

عدد الصفحات ٥٣

162 وأما قوله تعالىﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ ، ( فيحتمل أنْ يكون امتداداً لقوْل بلقيس ، يعني : أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة ، وعرفنا أنك نبيّ لما رددتَ إلينا الهدية ، وقلت ما قلت ، فلم نكُنْ في حاجة إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نُبوّتك ، ويُحتمل أنها من كلام سليمان عليه السلام )(2) . المطلب الثاني : ملكة سبأ تتشاور مع قومها ( أخبار الهدهاد ساليمان ـ علياه السالام ـ عان مملكاة سابأ ، وعباادتهم للشامس مان دون الله ، وعن عري ملكتهم العظيم ، وحمّلاه ساليمان ـ علياه السالام ـ رساالة إلايهم يادعوهم فيهاا إلاى الإسلام ، وطلب منه الانتظار لمعرفة موقفهم قال الله تعالى : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ(3) . وحمل الهدهد الكتاب من سليمان ـ عليه السلام ـ ، وذهاب باه إلاى سابأ ، وألقااه إلاى الملكاة ، ولماا قارأت الملكاة الكتااب ، فهمات دعاوة ساليمان ـ علياه السالام ـ ، وأنهاا إن لام تادخل فاي الإسلام ، فسوف يعلن عليها الحرب ، وعرفت أنها مقدمة على تطاورات خطيارة ، وأحاداث كبيرة . جمعت ملكة سبأ مجلس الشورى عندها ، ودعت الملأ المستشاارين إلاى التفكيار فاي الأمار ، وطلبت مشورتهم ، وأخبرتهم أنها لا تقطع أمرا من أمور الدولة إلا بعد ماوافقتهم ورضااهم واستشارتهم .. قال الله عزّ وجلّ : ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ (1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسورج8/ ص425 . (2) تفسير الشعراويج15 / ص11591 . (5) سورة النمل الآية 25 .

عدد الصفحات ٥٤

163 ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ (1))(2) . قولااااه تعااااالىﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ ، ( أي : بيِِنااااوا لااااي مااااا أفعاااال وأشاااايروا عليّ) (3). ( إن ملكة سبأ قرأت الكتاب وعرفت مضمونه وما فيه فجمعت ((الملأ )) من قومها ، لتشاورهم بشأن هذا الكتاب الذي ألقي إليها ، كتاب سليمان وما طلبه فيه . والملأ هم أشراف قومها ينوبون مناب الجميع ، فقالت لهم : ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ (4) ، والظاهر أنها أبلغتهم بمضمونالكتاب ، أو قرأته عليهم ، والظاهر أنها أخذت ما في كتاب سليمان مأخذ الجد ، لما فيه من الحزم والاستعلاء ، والظاهر أنها رأت في نفسها أن المقاومة أو الخصومة مع سليمان لا تفيد وأنها أرادت أن تشعر الملأ بذلك ، فمهدت لما تريد بوصفها الكتاب بأنه : ﭽ ﮤ ﭼ ثم طلبت منهم المشورة بقولها : ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ والفتوى : طلب الجواب في الحادثة من المفتي الذي يستفتى فيها . والمراد بالفتوى التي طلبتها الملكة من الملأ : الإشارة عليها بما عندهم من الرأي والتدبير بشأن هذا الكتاب ـ كتاب سليمان ـ عليه السلام ـ وما طلبه فيه ـ والظاهر أن الملكة أرادت (1) سورة النمل الآية 29 ـ58 . (2 )التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق : د. صلاح عبد الفتاح ا الدي ، ط 2 ،1425 هـ ـ2115 م ، دار النفائس ـ عمان ـ الأردن ، ص 281 ـ281 . (5) زاد المسير في علم التفسير : عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ، ط 5 ، 1414هـ، المكتب الإسلامي - بيروت – لبنان ، ج7/ ص179 . (4) سورة النمل الآية 52 .

عدد الصفحات ٥٥

164 بالرجوع الى مشاورتهم واستطلاع آرائهم : تطيب نفوسهم ، ولتختبر مدى عزمهم على مقاومة سليمان إذا آل الأمر إلى مقاومته ومخاصمته . وقد ذكّرتهم بأن مشاورتهم والرجوع إلى معرفة آرائهم من الأمور المعتادة والمطّردة عندها في تدبير شؤون المملكة ، وفيها يعرض لها من الأمور المهمة ) (1). وقوله تعالىﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ ، أي : إن الملكة أخبرت قومها في وضوح وجلاء أنها لا تقدم على أيّ أمر إلا بعد حضورهم ومشورتهم (2). (وصيغة ( كنت قاطعة ) تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم ، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرِّض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين )(3). ( إن هذا الموقف من الملكة ، وإخبارها ملأ قومها بتفاصيل حادثة الكتاب ، وطلبها الرأي والمشورة منهم ، وإعلان حرصها على ذلك ، يدل على طبيعة نظام الحكم في سبأ ، الذي كانت تمارسه تلك الملكة . لقد كان حكما متكاملا ، يقوم على مشاركة وجوه القوم وزعمائهم للملكة في إدارة أمور البلاد ، وكانت تحيط نفسها بهؤلاء الملأ المتنفذين المستشارين ، وتعرض عليهم القضايا ، وتستشيرهم في المشكلات ، وتحرص على سماع آرائهم ، والاستفادة منها ، واعتماد المناسب منها . وهو أشبه ما يسمى بنظام الحكم (( الديمقراطي )) في هذا العصر !! (1) المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج1/ ص458 . (2) تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويلالإمام العلامة محمد جمال الدين القاسمي ، تحقيق : أحمد بن علي ، وحمدي صبح ، ب ط ، دار الحديث ـ القاهرة ، ج 5 / ص815 . (5) التحرير والتنوير ج19/ ص275 .

عدد الصفحات ٥٦

165 وهذه مزية تسجل لنظام الحكم في سبأ في ذلك الزمان البعيد ، باعتبار سبأ مملكة عربية أقيمت في بلاد اليمن ، ونشأ نظام حكمها على مشاركة الملأ والوجوه للمل كة في الحكم والقيادة . مزية تسجل لهم رغم كفرهم بالله ، ولهم سبق زمني في هذا النوع من الحكم ) (1). المطلبالثالث : ملكة سبأ تمتحن سليمان ب عليه السلام ب : ( أرادت ملكة سبأ اختبار سليمان ـ عليه السلام ـ ، ومعرفة مدى جديته في الدعوة إلى الإسلام ، وهل هو رجل دعوة أو متاجر بالدعوة ، ولذلك قدمت له المال رشوة ليكفّ عنها، ويدعها مع شركها وكفرها ) (2). قال الله تعالى ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ (3). قال الإمام القرطبي(4)ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية (هذا من حسن نظرها وتدبيرها ؛ أي إني أجرب هذا الرجل بهدية ، وأعطيه فيها نفائس من الأموال ، وأغرب عليه بأمور المملكة ؛ فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه (1) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث : ج5/ ص841 ـ842 . (2) مع قصص السابقين في القران : د . صلاح عبد الفتاح الخالدي ، ط 8 ،1425هـ ـ2115 م ، دار القلم ـ دمشق ، ص749 ـ 781 . (5 )سورة النمل الآية 58 . (4 )هومحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الإمام ، العلامة ، أبو عبد الله الأنصاري، الخزرجي، القرطبي. إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله ، وقد سارت بتفسيره ـ مسمى بجامع أحكام القرآن ـ العظيم الشأن الركبان ؛ وهو كامل في معناه. وله كتاب ((الأسنى في الأسماء الحسنى))، وكتاب ((التذكرة)) ، وأشي اء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه. توفي في أوائل السنة 751 هـ ، ، انظر (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام : شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذه ، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري ، ط 1 ، 1415هـ- 1955م ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ لبنان ، ج 81/ ص58 . )

عدد الصفحات ٥٧

166 بحسب ذلك ، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين ، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه ، فبعثت إليه بهدية عظيمة .. )(1) . (ﭽﰃ ﭼ فمنتظرة ﭽ ﰄ ﭼ أي ب (( ما )) لأن الألف تحذف مع حرف الجر في الاستفهام ﭽ ﰅ ﰆ ﭼ : بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم ، فإن كان ملكاً قبلها وانصرف ، وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه ) (2). (جهزت ملكة سبأ هدية ثمينة لسليمان ـ عليه السلام ـ ، ولا تعنينا معرفة أصناف الهدية ومحتوياتها ، لعدم وجود نصوص صحيحة تخبرنا بذلك ، ولا يضرنا الجهل به ، كلُ ما نقوله : كانت هدية ثمينة ، هدية ملكة غنية ، لملك كريم ، تستعطفه وتسترضيه ، وتدعوه إلى المسالمة والمهادنة . وحمل وفد من قومها الهدية ، وغادروا اليمن متوجهين إلى سليمان ـ عليه السلام ـ بفلسطين . وكانت الملكة تنتظر نتيجة زيارة الوفد ، وردّ سليمان على تلك الهدية ) (3) . (1) الجامعلإحكام القران : ج15/ ص129 . (2) تفسير النسفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل : ج 2/ ص257 . (5) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث ج5/ ص847 .

عدد الصفحات ٥٨

167 المطلب الرابعسبيدنا سبليمان ب عليبه السبلام ب وموقفبه مبن الهدية : قال الله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ(1). أو : أوجه القراءات القرآنية : ﭽ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ خطااااب للرساااول ومااان معاااه ، أو للرساااول والمرسااال علاااى تغلياااب المخاطب ، وقرأ حمزة ويعقوب بالإِِدغام وقرئ بنون واحدة وبنونين وحذف الياء (2). ثانيا : المعنى العام : ( ترسم الآيات صورة للداعي إلاى الله فاي رده علاى الرشاوة ، وهاو يساتنكر ذلاك مان أناه لا يريااد المااال ؛ لأن الأماار أماار عقياادة ، والله ماانّ علاايهم بالملااك والعلاام وغياار ذلااك وقباال ذلااك بالنبوة ، فكيف يقبل التخلي عن دعوته بمال ، وسليمان يدرك أن هذا الرد سينهى الأمر ماع (1 )سورة النمل الآية 57 ـ55 . (2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفس البيضاوي : ج2/ ص579 بتصرف

عدد الصفحات ٥٩

168 ملكة لا تريد العداء كماا يبادو مان طريقتهاا فاي مقابلاة رساالته القوياة ! ويارجح أنهاا ساتجيب دعوته ، أو يؤكد ، وقد كان )(1) . قال الإمام النسفي ـ رحمه الله ـ : ( والمعنااى إن مااا عناادي خياار ممااا عناادكم وذلااك أن الله آتاااني الاادين الااذي فيااه الحااظ الأوفاار والغنى الأوسع ، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد علياه فكياف يرضاى مثلاي باأن يماد بماال بال أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الادنيا فلاذلك تفرحاون بماا تازادون ويهادى إلايكم لأن ذلك مبلغ هماتكم ، وحاالي خالاف حاالكم وماا أرضاي مانكم بشايء ولا أفا رح باه إلا بالإيماان وترك المجوسية )(2) . ( ومعنااى ﭽ ﭠ ﭼ يجااوز أن يكااون تُساارُّون ، ويجااوز أن يكااون تفتخاارون ، أي أنااتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا ، لأن الله أعطاني خيراً منها . وتقديم المسند إلياه علاى الخبار الفعلاي فاي ( أناتم تَفرحاون ) لإفاادة القصار ، أي أناتم ، وهاو الكناية عن رد الهدية )(3). وتوعدهمسيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشاً لا قِِبَل لهم بحربه (4). ﭽﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ ، (جنااود لاام تسااخر للبشاار فااي أي مكااان ، ولا طاقااة للملكااة وقومها بهم في نضال )(5) . (1) التفسير التربوي للقران الكريم : ج 2/ ص821 . (2) تفسير النسفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل ج2/ ص255 . (5) التحرير والتنوير ج19/ ص279 . (4 )نفس المصدر : ج19/ ص279 بتصرف (8) في ظلال القران ج8/ ص2741 .

عدد الصفحات ٦٠

169 (ﭽﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ والااذل أن يااذهب عاانهم مااا كااان عناادهم ماان العااز والملااك والصغار أن يقعوا في أسار واساتعباد ولا يقتصار بهام علاى أن يرجعاوا ساوقة بعاد أن كاانوا ملوكاً )(1). قال الامام ابن كثير ـ رحمه الله ـ : (ﭽ ﭭ ﭮ ﭼ : أي مهانون مدحورون . فلما رجعت إليها رسلُها بهاديتها، وبماا قاال ساليمان، سامعت وأطاعات هاي وقومهاا، وأقبلات تسير إليه فاي جنودهاا خاضاعة ذليلاة، معظماة لساليمان ـا علياه السالام ـ ، ناوياة متابعتاه فاي الإساالام. ولمااا تحقااق سااليمان ـ عليااه الساالام ـ قاادومهم عليااه ووفااودهم إليااه، فاارح بااذلك وسَرّه )(2). ثالثا : سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ رفض الهدية واعتبرها رشوة : ( وقااد أبااى سااليمان قبااول الهديااة لأن الملكااة أرساالتها بعااد بلااوت كتابااه ولعلهااا سااكتت عاان الجواب عما تضمنه كتابه من قوله : ﭽ ﯓ ﯔ ﭼ (3)، فتبيّن له قصدُها من الهدياة أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب ، فكانت الهدية رشوة لتصارفه عان باثّ سالطا نه علاى مملكة سبأ )(4). ( إن ملكاة(( سابأ )) قاد اساتخدمت سالاح (( الإغاراء بالماال )) ـ أو الرشاوة ـ لتقاف باه أماام رسالة (( سليمان )) ـ عليه السلام ـ . (1) مفاتيح الغيب 24/ ص178 . (2) تفسير القرآن العظيم : ج7/ ص191 . (5 )سورة النمل الآية 51 . (4) التحرير والتنوير ج19/ ص275 .

عدد الصفحات ٦١

171 وقد أطلقت على هذه الرشوة كلمة(( هدية )) .. لأنّ اسم الرشوة صريح مكشوف ، وقاد ينفار منه الراشون والمرتشون ، فيلجأون إلى اسم مموَه ، وهو الهدية . ولكاان (( سااليمان )) ـ عليااه الساالام ـ لاايس ماان ذلااك النااوع المرتشااي ، لأنّ حاماال الرسااالة وصاحب الدعوة ، لا يبيع دعوته بثمن ، ولا يسكت عن رسالته مهما كان الثمن ! كاذلك كاان (( ساليمان )) ـ النباي الحكايم علياه السالام ـ مان الفطناة والاذكاء ، ب حياث اكتشاف الغرض الحقيقيَ لملكة (( سابأ )) ، ولاذلك رفاض هاديتها ـ أو رشاوتها ـ باساتعلاء واعتازاز ، وهدَدها بالحرب إن استمرّت على هذا الأسلوب التجارية الااااااارخيص : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ (1))(2). ( لقد فتن الناس منذ بادء الخليقاة وكاان ماوجههم فاي كال ذلاك تصارفاتهم ، وظنات بلقايس إن ساليمان كغياره مان النااس تاؤثر علياه إغااراءات الماال ولاذلك أرسالت إلياه بهدياة تماتحن بهااا جوهره لترى آثارها في نفسه ، وهل تكون هذه الهدية مدعاة لسكوته والإغضااء عان دعوتاه لله ، وعن الغزو الذي هددها به ، ولكن لم تجد بلقيس مان ساليمان ساوى هاذه الكلماة : ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ . كلمة أطلقها ساليمان لتكاون دساتورا لمان بعاده وليقولهاا بعاده كال مصالح ، وكال زعايم وكال قاض عندما يعرض عليه أهل الباطل رشوة للسكوت عن فسادهم ومجاراتهم في باطلهم . كلمة قالهاا ساليمان تتركاز فيهاا القايم الساامية والتمساك باالحق والترفاع عان جمياع إغاراءات الدنيا من جاه ومال ومناصب عالية )(3). إن الصمود أمام إغراءات شتى يتعرض لها الدعاة والمصلحين على أيدي أصحاب الأهواء والضاالال ، مااا هااي إلا دلالااة علااى رسااوخ الإيمااان والعقياادة فااي شخصااية الداعيااة المااؤمن ، ويدل كذلك على صدق رسالته ومنهجه . (1 )سورة النمل الآية 57 ـ55 . (2 )لطائف قرآنية : ص 115 . (5 )مع الأنبياء في القران الكريم : عفيف عبد الفتاح طباره ، ط 5 ،1951م ، دار العلم للملايين ـ بيروت ـ لبنان ، ص511 .

عدد الصفحات ٦٢

171 وعند تصفحنا للتاريخ نجد قمما عليااء مان الادعاة والمصالحين الاذين أباوا إلا الاساتمرار فاي الدعوة والإصلاح وبناء المجتمع على أسس إيمانية وأخلاقية . ( الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة ، وقلوب صابرة على احتماال المصاائب والمحان التاي يلاقونها في سبيل الدعوة ، حتى يبلغاوا الغاياة التاي يريادونها ، أو يموتاوا فاي طريقهاا ) (1) . ونجد هذه الصفات ـ الصمود والثبات والصبر ـ مجسدا في سايد الادعاة سايدنا محماد ـ صالى الله عليه وسلم ـ ؛ حيث واجه المشركين وإغراءاتهم بقلب قد امتلاء إيماناا وصادقا وإخلاصاا وعبودية لله سبحانه وتعالى . قال ابن إسحاق(2)ـ رحمه الله ـ (أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِِيعَةَ ، وَكَاانَ سَايّدًا ، قَاالَ يَوْمًاا وَهُاوَ جَاالِِسٌ فِِاي نَاادِِي قُارَيْشٍ ، وَرَسُاولُ اللّاهِِ ـ صَلّى اللّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ ـ جَالِِسٌ فِِي ا لْمَسْجِِدِِ وَحْدَهُ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمّدٍ فَأُكَلّمَهُ وَأَعْرِِضَ عَلَيْهِِ أُمُورًا لَعَلّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا فَنُعْطِِيهِِ أَيّهَا شَاءَ وَيَكُفّ عَنّا ؟ وَذَلِِكَ حِِاينَ أَسْالَمَ حَ مْازَةُ (3)وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِِ اللّه ـ صَلّى اللّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ ـ يَزِِيادُونَ وَيَكْثُارُونَ فَقَاالُوا : بَلَاى يَاا أَبَاا الْوَلِِيدِِ قُمْ إلَيْهِِ فَكَلّمْهُ فَقَامَ إلَيْهِِ عُتْبَةُ حَتّى جَلَسَ إلَى رَسُولِِ اللّه ـ صَلّى اللّاه عَلَيْاهِِ وَسَالّمَ ـ فَقَاالَ يَا ابْنَ أَخِِي ، إنّك مِِنّا حَيْ ثُ قَادْ عَلِِمْاتَ مِِانْ السّاطَةِِ فِِاي الْعَشِِايرَةِِ وَالْمَكَاانِِ فِِاي النّسَابِِ وَإِِنّاك قَادْ أَتَيْاات قَوْمَااك بِِااأَمْرِِ عَظِِاايمٍ فَرّقْاات بِِااهِِ جَمَاااعَتَهُمْ وَسَاافّهْت بِِااهِِ أَحْلَااامَهُمْ وَعِِبْاات بِِااهِِ آلِِهَااتَهُمْ وَدِِياانَهُمْ (1 )مصطفى لطفي المنفلوطي المجموعة الكاملة : قدم لها وشرح نصوصها مجيد طراد ، ب ط ، 1429هـ ـ2119 م ، مؤسسة المعارف ـ بيروت ـ لبنان ، ص 171 . (2 )هو محمد بن إسحاق بن يسار احد الأعلام صدوق قوي الحديث إمام لا سيما في السير ، قال أبو زرعة الدمشقي: ابن إسحاق رجل قد اجتمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، منهم : سفيان، وشعبة ، وابن عيينة ، والحمادان، وابن المبارك، وإبراهيم بن سعد، وروى عنه من القدماء: يزيد بن أبي حبيب ، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا مع مدح ابن شهاب له ، وعلماء المحدثين متفقون على صحة الاحتجاج برواياته في السير والمغازي وان اختلفوا في الاحتجاج في الحلال والحرام ، توفي سنة 181 هـ ، انظر (سير أعلام النبلاء : ج 5/ ص42 ) ، وانظر (هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين : ج7/ ص5 ) وانظر ( قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث : محمد جمال الدين القاسمي ، ط1 ، 1599هـ - 1959م ، دار الكتب العلمية - بيروت ، ص 114 . ) (3) هوحمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو يعلى وقيل : أبو عمارة كني بابنيه : يعلى وعمارة ، أسلم في السنة الثانية من المبعث ، و هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وأبلى بلاء عظيما مشهورا قتل شيبة بن ربيعة بن عبد شمس مبارزة وشرك في قتل عتبة اشترك هو وعلي رضي الله عنهما في قتله وقتل أيضا طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أخا المطعم بن عدي ، وشهد أحدا فقتل بها يوم السبت النصف من شوال وكان قتل من المشركين قبل أن يقتل واحدا وثلاثين نفسا ، ( أنظر انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة : ج2 /77 . )

عدد الصفحات ٦٣

172 وَكَفّرْت بِِهِِ مَنْ مَضَى مِِنْ آبَائِِهِِمْ فَاسْمَعْ مِِنّي أَعْرِِضْ عَلَيْك أُمُورًا تَنْظُارُ فِِيهَاا لَعَلّاك تَقْبَالُ مِِنْهَاا بَعْضَهَا . قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِِ صَلّى اللّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ قُلْ يَا أَبَا الْوَلِِيدِِ أَسْمَعْ قَالَ يَاا ابْانَ أَخِِاي ، إنْ كُنْت إنّمَا تُرِِيدُ بِِمَا جِِئْتَ بِِهِِ مِِنْ هَذَا الْأَمْرِِ مَالًا جَمَعْنَاا لَاك مِِانْ أَمْوَالِِنَاا حَتّاى تَكُاونَ أَكْثَرَنَاا مَالًا ، وَإِِنْ كُنْتَ تُرِِيدُ بِِهِِ شَرَفًا سَوّدْنَاك عَلَيْنَا ، حَتّى لَا نَقْطَعَ أَمْارًا دُونَاك ، وَإِِنْ كُنْات تُرِِيادُ بِِا هِِ مُلْكًا مَلّكْنَاك عَلَيْنَا ؛ وَإِِنْ كَانَ هَذَا الّذِِي يَأْتِِيك رِِئْيًا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِِيعُ رَدّهُ عَنْ نَفْسِِاك ، طَلَبْنَاا لَاك الطّ بّ ، وَبَذَلْنَا فِِيهِِ غَلَبَ التّابِِعُ عَلَاى الرّجُالِِ حَتّاى يُادَاوَى مِِنْاهُ أَوْ كَمَاا قَاالَ لَاهُ . حَتّاى إذَا فَارَتَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللّه ـ صَلّى ال لّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ ـ يَسْتَمِِعُ مِِنْهُ قَالَ أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِِيدِِ ؟ قَاالَ نَعَامْ قَالَ فَاسْمَعْ مِِنّي ؛ قَالَ أَفْعَلُ فَقَالَ : ﭑ ﭒ ﭓ : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭼ(1) ,ثمّ مَضَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ فِِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِِ . فَلَمّا سَمِِعَهَا مِِنْهُ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَاا ، وَأَلْقَاى يَدَيْاهِِ خَلْافَ ظَهْارِِهِِ مُعْتَمِِادًا عَلَيْهِِمَاا يَ سْامَعُ مِِنْاهُ ثُامّ انْتَهَاى رَسُاولُ اللّاه صَلّى اللّه عَلَيْهِِ وَسَلّمَ إلَى السّجْدَةِِ مِِنْهَا ، فَسَجَدَ ثُمّ قَالَ قَدْ سَمِِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِِيدِِ مَاا سَامِِعْتَ فَ أَنْات وَذَاكَ فَقَااامَ عُتْبَااةُ إلَااى أَصْااحَابِِهِِ فَقَااالَ بَعْضُااهُمْ لِِاابَعْضِِ نَحْلِِاافُ بِِ اَللّااهِِ لَقَاادْ جَاااءَكُمْ أَبُااو الْوَلِِياادِِ بِِغَيْاارِِ الْوَجْهِِ الّذِِي ذَهَبَ بِِهِِ . فَلَمّا جَلَسَ إلَايْهِِمْ قَاالُوا : مَاا وَرَاءَك يَاا أَبَاا الْوَلِِيادِِ ؟ قَاالَ وَرَائِِاي أَنّاي قَا دْ سَمِِعْتُ قَوْلًا وَاَللّهِِ مَا سَمِِعْت مِِثْلَهُ قَطّ ، وَاَللّهِِ مَا هُوَ بِِا لشّعْرِِ وَلَا بِِالسّحْرِِ وَلَا بِِالْكِِهَانَاةِِ يَاا مَعْشَارَ قُرَيْشٍ ، أَطِِيعُونِِي وَاجْعَلُوهَا بِِي ، وَخَلّوا بَيْنَ هَاذَا الرّجُالِِ وَبَايْنَ مَاا هُاوَ فِِياهِِ فَااعْتَزِِلُوهُ فَاوَ اَللّاهِِ لَيَكُونَنّ لِِقَوْلِِهِِ الّذِِي سَمِِعْتُ مِِنْاهُ نَبَاأٌ عَظِِايمٌ فَاإِِنْ تُصِِا بْهُ الْعَارَبُ فَقَادْ كُفِِيتُمُاوهُ بِِغَيْارِِكُمْ وَإِِنْ يَظْهَارْ عَلَى الْعَرَبِِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ وَعِِزّهُ عِِزّكُمْ وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِِ بِِهِِ قَالُوا : سَحَرَك وَاَللّهِِ يَا أَبَا ا الْوَلِِيادِِ بِِلِِسَانِِهِِ قَالَ هَذَا رَأْيِِي فِِيهِِ فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ ) (2). (1 )سورة فصلت الآية 1 ـ8 . (2) السيرة النبوية لابن هشام : ص221. ( وانظر الرحيق المختوم : ص 111 ـ111 . )

عدد الصفحات ٦٤