173 ( إن المغريات التي قدمت إلى رسول الله ـ صلى الله علياه وسالم ـ مان زعمااء قاريش ناادرة ولن يجاود الزماان بمثلهاا فهاذه المغرياات والعطااءات تسامى رشاوة نعام إنهاا رشاوة ليتوقاف النبي عن دعوته كما مر معنا وإنها لن تتكر فالأموال تبذخ بلا حدود وكذلك الملاك فالرساول لا يريد المال ولا الملك لأنه خيِِر بين العبدية والملكية فاختار العبدياة فقاال لاه جبريال أتحاب أن تكاون نبياا ملكااا أم نبياا عبادا قاال : (( بال أكاون نبيّاا عباادا أجوع يوما فأسأل الله وأشبع يوما فأحمد الله ))(1))(2). والتاااريخ يعيااد نفسااه فااي هااذه الأيااام وكااأن المجاارمين والفاساادين يتوارثااون العااداء للإساالام ودعاتاااه الصاااادقين ، فنااارى كثيااارا مااان الأنظماااة والأحااازاب الضاااالة والهيئاااات المنحرفاااة المناهضاااة للقااايم والأخااالاق والأدياااان حياااث يباااذلون جهااادا كبيااارا فاااي سااابيل إبعااااد الااادعاة والمصلحين عن أهدافهم السامية ، وذلك باضطهادهم وإرهاابهم تاارة ، وبشاراء ذممهام تاارة أخرى . وشاااء الله ساابحانه وتعااالى أن يحفااظ الاادعاة الصااادقين وعباااده المخلصااين المصاالحين ماان الوقوع في الفتن ومكائد الملحدين . قال الله تعالى : ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ (3). رابعا : لطائف الآية (1)لم أجد سندا لهذاالحديث فيما بحثت في كتب السنة ، ولكن أخرج الإمام النسائي في سننه عن محمد بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم قال : كان بن عباس يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ( صلى الله عليه و سلم ) ملكا من الملائكة ومعه جبريل فقال الملك إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا فالتفت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جبريل كالمستشير فأشار جبريل بيده أن تواضع فقال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) : (( بل أكون عبدا نبيا )) قال : فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا ، انظر ( سنن النسائي الكبرى : ج4/ ص151 . ) (2 )الرشوة صورها . حكمها . آثارها . علاجها : الشيخ عبد اللطيف الشامي ، ط 1 ،1419هـ ـ1999 م ، فصلت للدراسات والترجمة والنشر ـ حلب ـ سوريا ، ص 48 . (5 )سورة الطارق الآية 18 ـ15 .
عدد الصفحات ٦٥174 اشتملت هذه الآيات على عدّة لطائف ودلالات مهمة جديرة بالوقوف عليها وهي كما يأتي : 1. (الهديااة لاام تاارد فااي القااران إلا ماارتين ، فااي سااياق واحااد لقصااة واحاادة ، فااي سااورة واحدة . وردت مرتين في سورة النمل ، في ساياق قصاة ساليمان ـ علياه السالام ـ ماع ملكاة (( سبأ )) ) (1). 2. ( وردت كلمة(( الهدية )) في القران في سياق الذم ، وليس معنى هذا أن الهدية دائماا مذمومااة منهاايُ عنهااا ، ولكنهااا مذمومااة إذا كاناات رشااوة ومحمااودة مساانونة إن كاناات ((هدية )) لوجه الله ، لورود أحاديث صحيحة تأمر بها وتحث عليها )(2) . 3. ( وردت(( الهدية )) في القران بمعنى الرشوة )(3). 4. ( كانت ملكة(( سابأ )) أوّل مان حارّف وزوّر وتلاعاب بالمصاطلحات ، حياث أطلقات على الرشوة كلمة (( هدية )) ثم ساار المحرفاون المازوِِرون علاى طريقتهاا ، فصااروا يسمون الرشاوي هدايا . ولقااد (( تفاانّن )) هااؤلاء فااي هااذا الزمااان فااي التحريااف والتلاعااب . فمااا أكثاار مااا تقاادّم الرشاوي للمسؤلين والموظفين باسم (( هدايا )) ) (4) . 5. ( إننا نعجب بفطنة وذكاء(( سليمان )) ـ عليه السلام ـ واستعلائه على الرشوة والإغراء بالمال ، وندعو الموظفين والمسؤولين ليقتدوا به في موقفه )(5) . (1) لطائف قرآنية : ص 117 . ( وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القران ا لكريم بحاشية المصحف الشريف : ص 525. ) (2 )لطائف قرآنية : ص 115 . (5 )نفس المصدر : ص115 . (4 )نفس المصدر : ص115 . (8 )نفس المصدر : ص115 .
عدد الصفحات ٦٦175 المطلب الخامس : فوائد قصة ملكة سبأ : لقد أبرزت قصة ملكة سبأ جوانب عديدة من حياة الإنسانية ، ومن هذه الجوانب المهمة ، وهي إدارة الدولة وسياستها ، وتطبيق نظام الشورى ، واستخدام الرشوة كوسيلة للتأثير على الآخر إلى غيره من الجوانب التي لا تخلوا دراسته من فائدة وحكمة . وكانت لهذه القصة انعكاسات كبيرة في المجتمع الإسلامي المتمثلة في عصر النبوة والخلافة الراشدة . وإتماما للفائدة يرى الباحث أن يقف مع هذه الفوائد التي يحتضنها القصة بشيء من التفصيل : 1. المرأة في الإسلام ( إن الإسلام رفع مكانة حواء ، وكانت نظرته إليها إنسانية وليس هذا فحسب ، وإنما ألقى عن كاهلها (( اللعنة )) التي ألصقتها المعتقدات الغابرة بزعمها أنها هي السبب في إغواء ـ ادم ـ وإخراجه من الجنة . ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ(1))(1) . (1) سورة البقرة الآية 58 ـ57 .
عدد الصفحات ٦٧176 لا ريبإن الإسلام أحدث تغيرات كبيرة في المفاهيم والتشريعات الخاصة بالمرأة ، فقد واجه الإسلام واقعا إنسانيا وتاريخيا مثقلا بكافة أنواع الظلم والاضطهاد للمرأة ، كتكوين ودور واستحقاق ، ولعل ابرز معالم هذا الاضطهاد ، هو اعتبار المرأة ناقصة الإنسانية وأساس الخطيئة وقرينة الشيطان المنتج للشر والانحر اف ، ولم تنج العديد من المدارس الفلسفية والدينية من اسر هذه النظرة الخاطئة في كثير من العصور ، بل إن استقراء الواقع التاريخي يفيد بان معظم الحقوق الطبيعية التي نالتها المرأة لم ينلها إلا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر . لقد اعتمد الإسلام نظرة مغايرة للمرأة انطلاقا من رؤيته العقدية للوجود الإنساني برمته ، فقد نهض بذاتها من التخطئة إلى التطهر ، ومن الدونية إلى التكامل ، ومن الإهمال إلى الريادة ، ومن الانزواء إلى الفاعلية . لقد كان لتوجيهات القران الكريم آثارا طيبة في تحسين الوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للمرأة في المجتمع . فقصة ملكة سبأ تعتبر خطوة مهمة نحو إبراز شخصية المرأة وما لها من إمكانيات وطاقات . قال الله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ(2). بعد أن عانى المرأة القساوة والمرارة في الحياة في ظلِِ الفلسفات والأديان ال وضعية والمنحرفة ؛ جاء الإسلام لينصف المرأة حقها حيث جاءت ذكرها في القران الكريم والسنة النبوية على نطاق واسع ، وكان للمرأة الحظ الوافر من وصايا النبوية الشريفة . فكان عليه السلام يقول : ((خيركم خيركم للنساء )) (3) . (1) ويسألونك عن المرأة : عبد الحافظ عبد محمد الكبيسي ، ط 1 ،1418 هـ ـ1958 م ، مطابع ثنيان بغداد ـ بغداد ،ص 41. (2) سورة النمل الآية 25 . (5) المستدرك على الصحيحين : محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا مع الكتاب : تعليقات الذهبي في التلخيص ، ط 1 ، 1411هـ – 1991 م ، دار الكتب العلمية – بير وت ، ج4 / ص191 .
عدد الصفحات ٦٨177 و((...ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ))(1). هذه هي المنزلة التي تبوأتها المرأة في الشريعة الإسلامية وهذه هي المعاملة التي أوجبتها آداب الإسلام على المسلمين كافة ، وهي أرفع من كل أدب ترقّت إليه الجاهلية في الجوانب التي تهذبت فيها معاملة المرأة بين ذوي السيادة والحضارة من أهلها ، وأضيفت إليها على عهد الإسلام جوانب شتى لم يكن للمرأة فيها أيسر نصيب من رعاية أو إنصاف (2). 2. الشورى سبيل كل خير ونجاح ( الشورى ركيزة الحكم الصالح في أي عهد ، وفي كل بلد ، وقد تقرر هذا المعنى في أذهان الناس من فجر الخليقة إلى عصرنا هذا . وقد احترم الإسلام الشورى ، وما كان له أن يفعل غير هذا ، وبنى عليها النبي العظيم حكمه ، وكذلك فعل الراشدون من خلفائه )(3). ( مبدأ الشورى من أهم المبادئ الدستورية الإسلامية إن لم نقل إنه أهمها جميعا . وتكاد المصادر الإسلامية التي عنيت ببحث المسائل المتعلقة بنظام الحكم في الدولة الإسلامية أن تجمع على أهمية الشورى وتصدُرها مبادئ الإسلام السياسية ) (4) . الآيات التي تناولت قصة ملكة سبأ فيهاإشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يكون مستبداً برأيه، ويكون مشاوراً في جميع ما سنح له من الأمور لا سيما الملوك يجب أن يكون لهم قوم من أهل الرأي والبصيرة فلا يقطعون أمراً إلا بمشاورتهم ) (1). (1) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج17/ ص 551 . (2 )الصديقة بنت الصديق : عباس محمود العقاد ، ط5 ،2111م ، نهضة مصر ـ شارع أحمد عرابي ـ جيزة ـ مصر ، ص 17 بتصرف (5) في موكب الدعوة : محمد الغزالي ، ب ط ، 2112م ، نهضة مصر ـ شارع أحمد عرابي ـ جيزةـ مصر ، ص 158 . (4) في النظام السياسي للدولة الإسلامية : محمد سليم العوّا ، ط5 ،1425 هـ ـ2115 م ، دار الشروق ـ القاهرة ـ مصر ، ص 151 .
عدد الصفحات ٦٩178 ( فالشورى نظام أثبت صلاحيته لخير الأمم ، فرأي الجماعة أرجح وأصوب من رأي الفرد، وعقول مجتمعة أنفع من عقل واحد . والقران الكريم يقدم لنا درسا في الأخذ بنظام الشورى إذ يقص علينا قصة ملكة سبأ عندما تلقت تهديد سليمان بالزحف على مملكتها ،ماذا كان موقفها من ذلك ؟ هل انفردت باتخاذ موقف ما وطلبت تنفيذه ؟ لا ! لقد جمعت أشراف قومها ، وقالت لهم : ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ (2). هذا القول يتركز فيه مبدأ الشورى الذي أخذت به دساتير العالم المتمدن وأطلقت عليه أسماء مختلفة : كمجلس النواب ومجلس الشيوخ إلى مجلس الشعب وغير ذلك من المسميات . فالشورى دعامة من دعائم الحكم الصالح تجلب الخير للأمة وتجنبها الأضرار التي يمكن إن تصدر عن أهواء قادتها ومطامعهم ، وغاياتهم الشخصية . فمبدأ الشورى قررته ملكة سبأ على نفسها ونوّه به الإسلام واعتمده مبدأ من مبادئ الحكم الإسلامي ، ففي القران يخاطب الله رسوله محمدا : ﭽ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ (3). كما أثنى ا على المؤمنين الذين جعلوا الشورى قاعدة للحكم بقوله : ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ (4) )(5). قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ : ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم ، وفي لفظ إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع (1). (1) روح البيان في تفسير القران : الإمام الشيخ إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلوتي البروسي ، ضبط وتصحيح ، عبد اللطيف حسن عبد الرحمن ، ط 2 ،1451 هـ ـ2119 م ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان ، ج7/ ص577 . (2 )سورة النمل الآية 52 . (5 )سورة آل عمران الآية 189 . (4 )سورة الشورى الآية 55 . (8 )سورة الشورى الآية 55 .
عدد الصفحات ٧٠179 وفي غياب الشورى في الحياة على مستوى الأفراد والجماعات ، تتولد أفكارا سق يمة وأنظمة استبدادية ، وبدورها تؤدي إلى كارثة اجتماعية كبيرة . وهناك نماذج كثيرة في التاريخ شاهدة ع لى الانهيارات العديدة التي صنعها ثلة من المعتوهين والمجانين رغبة في الجنون ليس إلا . فالتفرد بالقرار والاستبداد في الحكم ، آية على الخلق الذميم ، والأنانية الحاقدة . فحريٌ بأصحاب القرار أن يلتزموا بالقران الكريم في حياتهم العامة والخاصة ؛ وأن يصطبغوا حياتهم بالشورى ليضمنوا في ظلها العدالة والأمن والرخاء . 3. التزوير والتلاعب بالمصطلحات ( الرشوة نموذجا لقد كان للكلمة أثرها البالغ في نفوس سامعيها ومحدثيها على السواء ، ومنذ أمد بعيد اصطلح الناس على مصطلحات ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية وحضارية . والأصل في هذه المصطلحات ملازمة المعاني الموضوعة لها حتى يبقى بريقها وأصالتها وقوتها ، ولكن قد تتعرض المصطلحات للتزوير والتلاعب والغموض ، ونجد هذا واضحا في قصة ملكة سبأ حيث أطلقت الملكة كلمة الهدية على الرشوة : ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ (2) ، وبين الكلمتين ـ أي الهدية والرشوة ـ المسافة الشاسعة في المعاني والدلالات . (1 )الأدب المفرد : محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ، ط5 ، 1419هـ - 1959م ، دار البشائر الإسلامية - بيروت – لبنان ، ص 111 ، ( وانظر الفتح الباري بشرح صحيح البخاري : ج 15/ ص419 . ) (2 )سورة النمل الآية 58 .
عدد الصفحات ٧١181 ( كانت ملكة(( سبأ )) أوّل من حرّف وزوّر وتلاعب بالمصطلحات ، حيث أطلقت على الرشوة كلمة (( هدية )) ثم سار المحرفون المزوِِرون على طريقتها ، فصاروا يسمون الرشاوي هدايا ) (1). ومنالسمات البارزة في هذا العصر التلاعب بالمصطلحات وتزويرها على نطاق واسع . فباسم الحرية والديمقراطية تصادر الشعوب حريتها وحياتها ، وباسم التحرير يحتل البلاد والعباد (2)، وباسم القضاء على الإرهاب يقومون بأعمال هي أشد عنفا (3) وإرهابا في تاريخ البشرية . فيجب على المسلمين أن يتنبهوا للمصطلحات التي يراد منها خنق المسلمين حضاريا وعلميا وثقافيا وإعلاميا . قال محسن عبد الحميد : ( إذا أردنا أن تتغير أوضاعنا الحضارية في ضوء المذهبية الإسلامية ، فلا بد أن تكون مصطلحاتنا الحضارية تعبر تعبيرا دقيقا عن حقائقها وطبيعتها ووحدته ا الداخلية ومنظومتها المتميزة ؛ لان في ذلك الصفاء ووضوح الرؤية واستقامة المنهج ؛ ولان التغير الحضاري في أي مجتمع إذا قاده التلفيق بين مجموعات اصطلاحية تنتمي إلى منظومات حضارية مختلفة فان التغير يفقد التخطيط الموجه ويدخل في إطار الفوضى في الفكر والممارسة فيؤثر في كيان المجتمع كله . وفوضى الاصطلاحات من جهة أخرى دليل عدم الأصالة ، وبرهان عدم وجدان الذات ، وفقدان للخصوصية الحضارية . (1 )لطائف قرآنية : ص 115 . (2) على سبيل المثال ما فعلته أمريكا بالعراق من احتلال وتدمير لمؤسساتها ونشر الفساد والمفسدين فيها وقتل آلاف من أبناءها ....... ا ، من الأعمال الوحشية بحق هذه الأمة . (5 )وخير شاهد على ذلك ما تفعله الصهيونية بالمسلمين في الفلسطين وعلى الخصوص الغزة الأبية و العزيزة فك الله تعالى عنها الحصار والظلم والعدوان .
عدد الصفحات ٧٢181 ومن المشاكل الفكرية الخطيرة التي نعاني منها في مرحلتنا الحاضرة تشابك الاصطلاحات التي تنتمي إلى حضارات متضادة في كل شي )(1) . 4. الثبات على المبادئ والقيم الإسلامية أمام الإغراءات الدنيوية : ( لقد كان القران ينشئ قلوبا يعدها لحمل الأمانة ، وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع ـ وهي تبذل كل شيء ، وتحتمل كل شيء ـ إلى شيء في هذه الأرض ، ولا تنظر إلا إلى الآخرة ، ولا ترجوا إلا رضوان الله ، قلوبا مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت . بلا جزاء في هذه الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة ، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين ، بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين ! )(2). تحدثنا القران الكريم عن موقف سيدنا سليمان من الهدية التي بعثتها ملكة سبأ إليه ليصرفه عن دعوته إلى الإسلام ، وترك ما سواه من الأوهام والأوثان . كان موقف نبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ واضحا من الهدية ؛ حيث قام برفضها واعتبارها رشوة . قال الله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ(3). (1 )المذهبية الإسلامية والتغير الحضاري : د . محسن عبد الحميد ، ط 4 ،1421 هـ ، طبع بمطابع وزارة التربية ( في العراق ) ـ بغداد ـ ص 59 ـ91 . (2) معالم في الطريق : سيد قطب ، ط 11 ،1415 هـ ـ1955 م ، دار الكتاب الإسلامي ـ قم ـ إيران ، ص 199 . (5) سورة النمل الآية 57 ـ55 .
عدد الصفحات ٧٣182 ( أي فما آتاني الله من فيض رحمته من النبوة والعلم خير مما آتاكم من المال ، لان المال عرض زائل ومظهر من مظاهر الدنيا الفانية . فسليمان يقصد بذلك تفضيل النواحي الروحية على النواحي المادية ، فهو لم يقل ما آتاني الله أكثر مما آتاكم بل قال : ﭽ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ ، وهو طبعا يقصد النواحي الروحية فهي في نظره أفضل من النواحي المادية ) (1). وهكذا كان الدعاة والمصلحون أكثر عرضة للإغراءات الدنيوية ، وقد استخدم المشركون الإغراءات العديدة أمام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يزحزحه عن دعوتها لحظة، وهذا ديدن المشركين والكافرين في مواجهة الدعوة ا لإسلامية ودعاته في كل عصر وزمان. فكم من الدعاة سقطوا في الطريق أمام إغراءات دنيوية وكم عرضت الآلاف من الأموال على الدعاة ليكفُوا عن دعوتهم ! والذين ثبتوا أمام إغراء المال هم المقتدون بالنبيِِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والداعية الربانيُ هو الذي يتأسى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حركته ، وأقواله ، وأفعاله ، ولا ينسى الهدف الذي يعيش ويموت من أجله : ﭧ ﭨ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ (2).(3) ( وقد ينجح المؤمن ويثبت أمام امتحان الشدة والبلاء ، ولا تلين قناته ، ويواصل السير ، ولكنه قد لا ينجح في الامتحان إذا تعرض لفتنة الدنيا والمال ، فإذا عرض عليه منصب رفيع ، أو مال (1) مع الأنبياء في القران الكريم : ص 511 . (2 )سورة الأنعام الآية 172 ـ175 . (5 )السيرة النبوية : د. علي محمد محمد الصلابي ، ط1 ،1428 هـ ـ2114 م ، دار ابن كثير ـ دمشق ـ بيروت ، ص 195 بتصرف
عدد الصفحات ٧٤183 وفير ، تحلب فمه ، وسال لعابه ، وفقد توازنه ، ونسى ما كان يدعو إليه منقبل ، ولا عاصم من ذلك ، إلا بالإلحاح في الدعاء أن يثبت الله منا الأقدام وأن يربط على القلوب )(1) . ( إن الله عزّ وجلّ يمتن على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه أثبته على ما أوحى إليه وعصمه من فتنة المشركين ووقاه الركون إليهم ـ ولو قليلا ـ ورحمه من عاقبة هذا الركون وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا وفقدان المعين والنصير . يقول تعالى : ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ(2))(3). يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم ...هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله ، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً . محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها . ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة . ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً ، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية ، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق . وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة ، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! إن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق . وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير ، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل ، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة . لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها . فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر ، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل ، لا يمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان . فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر . وليس فيها فاضل ومفضول . وليس فيها (1 )نظرات في رسالة التعاليم : محمد عبد الله الخطيب ، ومحمد عبد الحليم حامد ، ب ط ، 1998 م ، دار الطباعة والنشر الإسلامية ـ القاهرة ـ مصر ، ص 249 . (2) سورة الإسراء الآية 55 ـ58 . (5 )من ركائز الدعوة : د. مجدي الهلالي ، ط 2 ،1998 م ،دار الطباعة والنشر الإسلامية ـ القاهرة ـ مصر ، ص 151 ـ152. Powered by TCPDF (www.tcpdf.org)
عدد الصفحات ٧٥