141 قال الشيخ محمد الغزالي(1) ـ رحمه الله ـ ( والحقيقة التي نذكِِر المسلمين بها ، أن الأمة التي تألف قرب المتع ، وتجزع من سياسة الحرمان إذا فرضتها ظروف طارئة ، أمة لا تستحق الحياة ولن تجدلها بين الأحياء مكانا..، وأن الشباب الذين تستهويهم أحاديث الشهوة ، ولا تستهويهم أحاديث المجد ، هم شباب لا خير فيهم ، ولا تعويل عليهم )(2) . المطلب الخامس : جزاء الفرحين بغير الحق إن التكبر والغرور والبطر ج ريمة شنيعة يجب إزالتها حفاظا على المجتمع من العلل والآفات . فالمجتمع التي يحيا حياة الفرحين البطرين عرضة لانقلاب الموازين فيها كانعدام الأمن والعدالة والرخاء والعافية بعد أن كانوا يتنعمون في ظلّها ووفرتها . والتكبر والغرور وبطر النعمة من بذاءة الأخلاق لا يدوم صاحبها سواء كانوا أفرادا أو جماعات ؛ كما وقع لقارون من عقوبة الخسف . قال الشاعر : (1 )هو محمد الغزالي السقا مفكر إسلامي ولد في قرية ( نكلا العنب ) بمحافظة ( البحيرة صر سنة 1915م ، تخرج من كلية أصول الدين في جامعة الأزهر سنة 1941م وتخصص في الدعوة ، وحصل على درجة التخصص في التدريس ، وهي تعادل درجة الماجستير ) من كلية اللغة العربية ، وتدرّج في الوظائف الدعوية والإدارية ، حتى صار وكيلا لوزارة الأوقاف ، واعتقل ـ الشيخ محمد الغزالي ـ بسبب انتماءه لحركة الإخوان المسلمين وكان معتقلا لعدة سنوات ، ومن مؤلفاته : الإسلام والأوضاع الاقتصادية ، وخلق المسلم ، ونظرات في القران ، ومعركة المصحف في العالم الإسلامي وغيرها من المؤلفات التي بلغت أكثر من 88 كتابا ، توفي سنة 1997 م ،انظر ( الشيخ محمد الغزالي تاريخه وجهوده وآراؤه : د. عبد الحليم عويس ، ط 1 ،1421 هـ ـ2111 م ، دار القلم ـ دمشق ، ص 11 ـ15 ) ، وانظر ( من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة : ص 25 . ) (2 )كفاح الدين : ص255 ـ254 .
عدد الصفحات ٣٣142 إنما الأمم أخلاق ما بقيت فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا والتاريخ خير شاهد على زوال حضارات وإمبراطوريات في ظل انعدام الخلقي والانحراف الفكري . عقوبة الخسف للفرحين بغير الحق : ـ إن الله جلت قدرته أرانا ( يد القدرة وهي تضع حدا للفتنة ، وتحطم الغرور والكبرياء بأن خسف بقارون وبداره فابتلعهم الأرض ، ولم ينفع الكفار والظالمين قوتهم . وفي هذا الوقت يرى الناس المقاييس الحقيقية ، ويعلمون أن الثراء ليس آية على رضا الله، فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ، ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضا والغضب)(1) . ( كان مصير قارون الذي لم يعيّر سلوكه وينظمه كما يجب تجاه النعم المهداة له ، هو أن الله خسف به وبداره الأرض ، ويرسم القران هذا الأمر بالمشهد الأتي : ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ(2). والحقيقة أن قارون قد اخطأ في ناحيتين الأولى : انه انحرف إلى الغرور بسبب هذه النعم التي أنعمها الله عليه ، واستعلى على الناس وعلى الله ، وسقط في هوة الكبرياء والغرور وهو من الصفات الحائلة بين المرء والجنة . (1 )التفسير التربوي للقران الكر ج2 / ص875 ـ875 . (2 )سورة القصص : الآية 51 .
عدد الصفحات ٣٤143 وفي مقابل دعوى الكبرياء والغرور عاقبه الله بخسف الأرض من تحته ، وبتعبير آخر بينما كان قارون يعتقد بأنه هو صاحب هذه النعم المقدمة إليه ، وانه سيملكها إلى الأبد خسف الله به الأرض ، بينما كان من الأنسب له إبداء التواضع : (( من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ))(1). الثانية : إنْ كثر في أي مجتمع قارون وأمثاله وفي شاكلته ، وسيطرت ذهنيتهم على المجتمع بدأت بوادر تمزق وتفتت في ذلك المجتمع ، أي لو أصبحت ذهنية الذين يربحون ويكسبون الأموال الطائلة ولا يرون لأحد أي حق في هذه الأموال ولا يحركون ساكنا إنْ مات غيرهم من الجوع ، أي لو سادت فلسفة الأشخاص الأنانيين في المجتمع ، وأصبحت هي التي تشكل طراز حياة الناس ؛ ظهرت فروق هائلة بين طبقات المجتمع ، ويمكن الوقوف عند الرأسمالية والشيوعية كأمثلة على مثل هذه الهوة الواسعة بين طبقات المجتمع . ففي أمثال هذه النظم كانت هناك في السابق وحاليا هوة واسعة بين طبقات الشعب ، مما أدى ويؤدي إلى مآسي إنسانية كبيرة ، والى مصائب . لذا فان الله تعالى لكي يمنع من انتشار هذه العلة وهذا المرض وسريانه بين أفراد الشعب عاقب قارون بالخسف به وبداره الأرض لكي يكون عبرة لمن يأتي من بعده )(2) . وقوله تعالىﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ(3). (1) أخرجه أبو نعيم عن أوس بن خولي ( رضي الله عنه ) قال : دخلت على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : (( يا أوس من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله )) ، قال أبو نعيم في الإصابة : فيه خارجة بن مص عب وفيه من لا يعرف أيضا ، انظر (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : ص 511 /5 . ) (2 )أضواء قرآنية في سماء الوجدان : ص 298 ـ295 . (5) سورة القصص الآية 51 .
عدد الصفحات ٣٥144 ( يقال لغة(( خسف الله بقوم الأرض )) أي : جعلها تغور بهم إلى الأعماق فيغيبون فيها مقبورين هلكى . أي : فأتبعنا استعراضه الكيدي التضليلي َ ، بما يمحوا آثاره في نفوس الجمهور الأعظم من الإسرائيليين محوا كليا ، وبإقناع عقابي عمليّ ، فخسفنا به وبداره الأرض ) (1) . (كان قارون يؤذي موسىـ عليه السلام ـ كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة ، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال : إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا : أنت كبيرنا فمر بما شئت قال : نبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها فترفضه بنو إسرائيل ، فجعل لها ألف دينار أو طستاً من ذهب أو حكمها ، فلما كان يوم عيد قام موسى فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه . فقال قارون : وإن كنت أنت؟ قال : وإن كنت أنا . قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فأحضرت فناشدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فقالت : جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال : يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك . فقال : يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ، فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل . فاعتزلوا جميعاً غير رجلين ثم قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق ، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ثم قال : خذيهم فانطبقت عليهم فقال الله تعالى : استغاث بك مراراً فلم ترحمه فعزتي لو استرحمني مرة لرحمته ، فقال بعض بني إسرائيل : إنما أهلكه ليرث ماله فدعا الله حتى خسف بداره وكنوزه ) (2). (1 )معارج التفكر ودقائق التدبر : ج 9/ ص455 . (2 )تفسير النسفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأ ويل : ج2 /ص255 ـ255 .
عدد الصفحات ٣٦145 (ﭽﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ . أي : ما أغنى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خدمه و ]حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله ] ، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له ] من نفسه، ولا من غيره ) (1). فقارون لم ينقذه كنوزه ، ولا أتباعه ، ولا حتى حلفاءه كفرعون وهامان ، فهذا هو مصير كل متكبر جبار عنيد لا يسانده ويناصره أحد عندما يصيبه مهلكات ونكبات . الآثار التي تركها عقوبة الخسف : لقد كان لعقوبة الخسف وقعها في نفوس بني إسرائيل ومعجبي قارون الطاغية ؛ حيث أيقظت قوة المشهد عقولهم وأحاسيسهم ، فرجعوا إلى رشدهم وإيمانهم ، قال الله تعالى : ﭽﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ (2). قالالإمام العلامة ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ : يقول تعالى ذكره : وأصبح الذين تمنَّوا مكانه بالأمس من الدنيا ، وغناه وكثرة ماله ، وما بسط له منها بالأمس ، يعني قبل أن ينزل به ما نزل من سخط الله وعقابه ، يقولون : ويكأنّ الله . اختلف في معنى ﭽ ﮯ ﮰ ﭼ روي عن قَتادة (3) ـ رحمه الله ـ ، أنه قال : ألم تر أنه (1). (1) تفسير القرآن العظيم ج7/ ص285 . (2 )سورة القصص الآية 52. (5 )قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام حافظ روى عن أنس وابن المسيب وابن سيرين وخلق وعنه أيوب وحميد وحسين المعلم والأوزاعي وشعبة وعلقمة ، توفي سنة سبع عشرة ومائة وقد احتج به أرباب الصحاح ، انظر (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ الفقيه صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري اليمني ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة ، ط 8 ،1417 هـ ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، دار البشائر - حلب ـ بيروت ، ج1/ ص518 ) ، وانظر ( صفة الصفوة : ج5 /289 . )
عدد الصفحات ٣٧146 قال العلامة أبو القاسم الزمخشري(2) ـ رحمه الله ـ ( قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ، ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة ﭽ ﮬ ﭼ منزلته من الدنيا ( وي ) مفصولة عن كأن ، وهي كلمة تنبُّهٍ على الخطأ وتندُّم . ومعناه : أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم ، وقولهم : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ (3) وتندموا ثم قالواﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ أي : ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح ) (4). وقال العلامة ناصر الدين البيضاوي ـ رحمه الله ـ : ( وويكأن عند البصريين مركب من (( وي )) للتعجب (( وكأن )) للتشبه والمعنى : ما أشبه الأمر أن يبسط الرزق . وقيل من ((ويك)) بمعنى ويلك ((وأن)) تقديره ويك اعلم أن الله)(5). والراجح من هذه الآراء هي أن ( كلمة(( وي )) من : ﭽ ﮯ ﮰ ﭼ ومنوَيْكَأَنَّهُ ] تعجُب وهي : اسم فعل بمعنى (( أعجب )) أو (( نعجب )) وقد تليها كاف الخطاب)(6) . (1) جامع البيان في تأويل القرآن ج19/ ص754 بتصرف (2 )هومحمود بن عمر بن محمد بن عمر العلامة أبو القاسم الزمخشري الخوارزمي النحوي اللغوي المتكلم المفسر يلقب بجار الله لأنه جاور بمكة زمانا ، ولد في شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر قرية من قرى خوارزم ، وقدم بغداد وسمع من أبي الخطاب بن البطر وغيره، وقال ابن خلكان في وفياته كان إمام عصره وكان متظاهرا بالاعتزال ، وله التصانيف البديعة منها الكشاف في التفسير والفائق في غريب الحديث وأساس البلاغ ة وغيره من المصنفات ، وقد كانت وفاته في ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، انظر (طبقات المفسرين الداودي : ص 152 . ) (5 )سورة القصص الآية 59 . (4) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ج5 /ص455 . (8 )أنوار التنزيل وأسرار التأويل ا عروف بتفسير البيضاوي : ج2/ ص595 . (7 )معارج التفكر ودقائق التدبر : ج 9/ ص459 .
عدد الصفحات ٣٨147 وهذه الكلمةﭽ ﮯ ﮰ ﭼ ، لم ترد في غير هذا الموضع في القران الكريم (1). (ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ ، هذه العبارة نظيرة سابقتها ، والمعنى : اسمع أيها المخاطب تعجبُي من نفسي كيف كنت جاهلا أو غافلا عن حقيقة أن الشأن العظيم من مقادير الله في كونه وسننه في عباده ، عدم فلاح الكافرين ، الذين يتمردون على ربهم ، ويجحدون نعمه عليهم ، ولا يؤمنون بما فرض عليهم أن يؤمنوا به في رحلة امتحانهم . الفلاح : الظفر بالمراد ، والفوز بجنات النعيم يوم الدين )(2) . قال الشيخ محمد متولي الشعراوي ـ رحمه الله ـ ( وقد قص الله تعالى تلك القصة ؛ حتى يعلم الناس أن أحدا لن يفلت من عذاب الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأنه : ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ(3)، وان ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭼ(4)، ولن تغني عنهم أموالهم ولا قوتهم من الله شيئا . وحتى يعلم كل ظالم أنه ليس له من الله ناصر : ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ (5)و ﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ(6)، وهي دار القرار ، وهي الدار التي يغبط من أعطيها ، ويعزَى من حرمها ، وأنها معدة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، ﭽ ﯴ ﯵ ﭼ(7))(8) . (1) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث ج5/ ص77 بتصرف وانظر(المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم بحاشية المصحف الشريف : ص 585 . ) (2 )معارج التفكر ودقائق التدبر : ج 9/ ص451 . (5 )سورة القصص الآية 52 . (4 )سورة يوسف الآية 21 . (8) سورة الطارق الآية 11. (7 )سورة العنكبوت الآية 55 . (5 )سورة القصص الآية 55 . (5 )قصص الأنبياء : الشيخ محمد متولي الشعراوي ، جمع المادة العلمية : منشاوي غانم جابر ، بدون عدد وتاريخ الطبعة ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان ، ج4/ ص2144 .
عدد الصفحات ٣٩148 المطلب السادس : فوائد قصة قارون اشتملت قصة قارون على دروس وعبر كثيرة جديرة بالوقوف عليها ومن هذه الفوائد والدروس : 1. الغنى والفقر يدلانعلى رضا الله أو سخطه . 2. الفرح في الإسلام فرحان محمود ومذموم 3. المال وسيلة للحياة الفاضلة وليس غاية لذاته 4. المؤمن ناصح أمين 5. خطورة النظر إلى أهل الدنيا وزينتهم بإعجاب 6. الابتعاد عن مظاهر التكبر والفساد والفتنة 7. قد يعجل العقاب على الطغاة والفاسدينفي الدنيا . 8. تصحيح الاعتقاد والسلوك باللجوء إلى التوبة والندم ونتكلم فيما يلي عن هذه الفوائد والدروس ببعض من التفصيل : 1. الغنى والفقرلا يدلان على رضا الله أو سخطه :
عدد الصفحات ٤٠149 لقد أعطى الله تعالى قارون مالا كثيرا ، كما بينا ، ولم يكن ذلك العطاء دليلا على رضا ا عنه ، وقد تجلت هذه الحقيقة لأولئك الذين تمنوا منزلة قارون ، عندما خسف الله به وبداره الأرض . فعلى المسلم أن يبين هذه الحقيقة للناس ، لأنها من حقائق الإسلام ، كما عليه أن يبين للناس أن تضييق الرزق على عبد ما أو فقره لا يعني سخط الله على هذا العبد ، قال الله تعالى : ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ (1) . وقال تعالىﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ (2) .(3) 2. الفرح في الإسلام فرحان أ. فرح محمود بل مطلوب مرغوب : وهو سرور المؤمن بنعم الله عليه ورضاه بها وشكره لله عليها . ب. وفرح مذموم : وهو الذي يقود إلى الغرور والفخر والبغي والجحود . فالفرح الحقيقي لا يكون إلا بشيء باق دائم وهو فضل الله ورحمته ونعيمه وجنته ، أما الفرح بشيء عرضي زائل مثل الدنيا وزينتها وزخارفها ، فهذا دليل السذاجة والغفلة (4). 3. المال وسيلة للحياة الفاضلة وليس غاية لذاته (1) سورة الإسراء الآية 21 . (2) سورة الإسراء الآية 21 . (5 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 1/ ص851 ـ852 بتصرف (4) الفرحون في ضوء القران الكريم والسنة النبوية ص 187 بتصرف
عدد الصفحات ٤١151 ( المال وسيلة يتوصل بها إلى تحقيق معظم رغبات الإنسان ، فإذا كثر عند الإنسان كثرت عنده وسائل تحقيق رغباته وشهواته ، وقد يؤدي هذا به إلى التكبر على الخلق والاستطالة عليهم بماله ، وقد يؤدي به أيضا إلى الإعجاب بنفسه وعدم القيام بشكر نعمة المال الذي أوتيه )(1) . ( المسلم لا يعادي المال ، ولا يمتنع منه بل يأخذه وفق ضوابط شرعية ، ويستمتع به وفق ضوابط شرعية ، وينظر إليه وفق قواعد شرعية )(2) . ( إن هناك أغنياء يبذلون ما لديهم بسخاوة نفس ، ويبحثون عن كل خلة ليسدُوها ، ويستقبلون الفقراء بحفاوة ، ويعطونهم قبل أن يسألوا . ويشكرون الله على ما أعطى وأعان ، ولا يرون المال سبب استعلاء ولا مصدر تطاول على الآخرين . انه اختبار من الله يؤدي حقه فيه ! . لكن قارون رأى أنه كسب المال بعبقرية وحده ، وأن من حقه أن يشمخ به ويترف فيه وينظر إلى غيره شزرا !! ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ(3). إن رسل الله فيهم الغني ّ والفقير ، فيهم من كان ملكا ، ومن عاي على الكفاف ، لكن غنيهم ما بخل ولا طغى ، وفقيرهم ما عجز ولا هان . وفتنة المال في شتى الحضارات كانت قاسية ، وهي في الحضارة الحديثة مصدر بلاء كبير، وقد نشأة نظم ساخطة على التفاوت بين الناس ، فلم تصنع شيئا بل تولّت مسخوطا عليها)(1) . (1 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 1/ ص855 . (2 )المصدر السابق : ص187 . (5 )سورة القصص الآية 55 .
عدد الصفحات ٤٢151 قال الله تعالىﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭼ (2). ( فليس السعي في سبيل الدنيا ضلالا عن سبيل الآخرة ، وليس في القران فصام بين روح وجسد ، أو انشقاق بين عقل ومادة ، أو انقطاع بين سماء وأرض ، أو شتات في العقيدة يوزع (( الذات الإنسانية )) بين ظاهر وباطن وبين غيب وشهادة ، بل هي العقيدة على هداية واحدة تحسن بالروح كما تحسن بالجسد ، في غير إسراف ولا جور عن السبيل : ﭽ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ (3). إن القران الكريم بهذا الإلهام الصادق ، ينقذ العقل من نقائض التفكير ، ولا ينجيه من نقائض الحيرة بين العالمين في حقائق الدين ولا مزيد )(4). 4. ( المؤمن ناصح الأمين ذكرنا فيما سبق نصيحة المؤمنين لقارون وهم من قومه ، قال تعالى حكاية عن نصيحتهم : ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﭼ(5). (1) نحو تفسير موضوعي لسور القران الكر ص 515 . (2 )سورة القصص الآية 55 . (5 )سورة النحل الآية 9 . (4 )الإنسان في القران : عباس محمود العقاد ، ب ط ، 2114م ، نهضة مصر ـ القاهرة ، ص 28 . (8 )سورة القصص الآية 57 ـ55 .
عدد الصفحات ٤٣152 فالمؤمنون الصالحون من قوم قارون نصحوه وأمروه ونهوه بما جاء في هاتين الآيتين ، فقاموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فعلى الدعاة المسلمين أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل صراحة ووضوح ، وأن يقوموا بذلك كدعوة عامة بمضمون هاتين الآ يتين في دروسهم ومحاضراتهم العامة ، ويقوما بهذا الواجب بصورة خاصة لمن يرونه متلبسا بصفات قارون أو ببعضها ؛ لان مضمون هاتين الآيتين من جملة ما جاءت به شريعتنا الإسلامية ) (1) . 5. خطورة النظر إلى أهل الدنيا وزينتهم بإعجاب إن النظر إلى أهل الدنيا وزينتهم على وجه الإعجاب بهم والمحبة لهم أمر محظور ، لما يؤدي إليه هذا النظر من تأثير في أنفس المؤمنين والمجتمع قد ينسيهم ثواب الآخرة ويجعلهم يستصغرون ما عندهم من إيمان ، وما ينتظرهم من ثواب عند الله ، ويكبرون ويستعظمون ما عند أهل الدنيا ، بل وقد يكبرون أهل الدنيا أنفسهم ، وقد حذرنا الله ـ تعالى ـ من هذا النظر إلى أهل الدنيا وزينتهم في خطابه لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله تعالى : ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﭼ(2)، والمقصود بزهرة الحياة الدنيا : زينة الحياة الدنيا(3) والمعنى : ( لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة )(4). (1 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 1/ ص854 . (2 )سورة طه الآية 151 . (5 )المصدر السابق : ج1/ ص858 . (4) تفسير القرآن العظيم : ج8/ ص527 .
عدد الصفحات ٤٤153 ( فإذا عظمت الأمة الدينار والدرهم والعداوة والقسوة والاستعباد ؛ وبهذا تقيم الدنانير والدراهم حدودا فاصلة بين أهلها ، حتى لتكون المسافة بين الغني والفقير كالمسافة بين بلدين قد تباعد ما بينهما . وإنما هيبة الإسلام في العزة بالنفس لا بالمال وفي بذل الحياة لا في الحرص عليها ، وفي أخلاق الروح لا في أخلاق اليد ، وفي وضع حدود الفضائل بين الناس لا في وضع حدود الدراهم ، وفي إزالة النقائص من الطباع لا في إقامتها ، وفي تعاون المؤمنين لا في تعاديهم وفي اعتبار الغنى هو الذي يعمل بالمال لا بالذي يجمع المال ، وفي جعل أول الثروة العقل والإرادة لا الذهب والفضة . هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم لأنه قبل ذلك غلب النفس والطبيعة ) (1). (ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة والمترفين وعددهم وألبستهم ومراكبهم ونحو ذلك من متاع الدنيا ، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة؛ فالناظر إليها كأنه يحقق ما يريده هؤلاء الظلمة المترفون عبّاد الد نيا ) (2). وحفاظا على فطرة الإنسان من الانحراف نهت الشريعة الإسلامية عن ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهي عنه ) (3). 6. الابتعاد عن مظاهر التكبر والفساد والفتنة ( قصّ الله علين ا في السورة وإفساده ، وقص علينا قصة قارون ، وكيف كانت عاقبة بغيه وتكبره ، وكلها سنن مطردة في معاملة الله للمتكبرين المفسدين . ثم ختمت السورة بالإرشاد إلى أساس الخير والسعادة في الدنيا والآخرة :ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ (1). (1) وحي القلم : مصطفى صادق الرافع ي ، بدون طبعة ، 2112 م ، المكتبة العصرية ـ صيدا ـ بيروت ، ج2/ ص159. (2 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 2/ ص858 ، وانظرالكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل : ج5/ ص95 ) . (5 )مجموع الفتاوى : شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني ، تحقيق : فريد عبد العزيز الجندي ، و أشرف جلال الشرقاوي ، ب ط ، 1425هـ ـ2117 م ، دار الحديث ـ القاهرة ، ج 5/ ص159 .
عدد الصفحات ٤٥154 شأنان لابد من تربية النفوس عليهما حتى تحظى بالسعادة عند الله : تطهير النفس من إرادة الظلم والإفساد في الأرض ، واتقاء ما يغضب الله من إهمال أحكامه وشرائعه ، وإهمال سننه ونظمه ، وقد نبه القران كثيرا على أوصاف المتقين ، الذين ضمن الله لهم الدنيا وسعادة الآخرة ، فعلينا أن نتدبرها لنعرف كيف تتكون التقوى في النفوس ، وكيف تبد آثارها في نفع البلاد والعباد )(2) . 7. قد يعجل العقاب على الطغاة والفاسدين في الدنيا ( الأصل في العقاب لمستحقه أنه يكون في الآخرة ، ولكن قد يعجله الله لمستحقه في الدنيا مع ما ينتظره من عقاب الآخرة ، كما عجل الله عقاب قارون في الدنيا حيث خسف به وبداره الأرض . وهذا التعجيل إنذار وتحذير قد ينتفع به بعض العصاة فينزجروا عن معصيتهم ، وينتفع به ضعاف الإيمان حيث يتقوى إيمانهم ، ويتعمق إيمان المؤمنين بما يرونه من عقاب بالمجرمين ، ولكن لا يعني هذا أن كل عاص أو كافر ينال بعض العقاب في الدنيا ، وإنما يعني أنه من سنة الله أنه قد يعاقب بعض المجرمين أو الكافرين متى يشاء وكيف يشاء لحكمة ذكرنا بعض وجوهها )(3). 8. تصحيح الاعتقاد والسلوك باللجوء إلى التوبة والندم كلُ إنسان معرض للخطاء ، وهذا الخطاء قد يكون في العقيدة أو في السلوك أو يكون فيهما معا فالكل يعتبر خطاء ، فعلى الإنسان أن ينظر إلى حاله منتقدا تصرفاته فان وجد خيرا فليحمد الله عليه وان وجد غير ذلك ، وجب عليه التوبة والاستغفار والندم . َعَنْ أَنَسٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كُلُّ بَنِِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ اَلْخَطَّائِِينَ اَلتَّوَّابُونَ )) (4). وفيما سبق ( ذكرنا تمني من تمنى من قوم قارون عندما رأوه وقد خرج عليهم في زينته ، وقالوا عنه : ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ ، و كان هذا خطأ منهم نبههم عليه أهل العلم النافع . وقد تأكد تنبيه أهل العلم لهم ، وتأكد لأولئك المتمنين أنهم كانوا على خطأ في تمنيهم ، وأن أهل الإيمان على حق في تنبيههم لهم ، وتخطئتهم لهم ، فأعلنوا ندمهم ، والندم توبة ، فقالوا وقد رأوا هلاك قارون : ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ (5) )(1). (1) سورة القصص الآية 55 . (2 )إلى القران الكريم : محمود شلتوت ، ب ط ، 1415 هـ ـ1955 م ، دار الشروق ـ بيروت ـ لبنان ، ص 112 ـ115. (5 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 1/ ص857 . (4 )رواه ابن ماجة55ـ كتاب الزهد 51 ـ باب ذكر التوبة : رقم الحديث 4282 ) : ص514 . (8 )سورة القصص الآية 52 .
عدد الصفحات ٤٦155 ( ولا شك في أنه كان لهذه القصة أثرها الكبير في نفوس المؤمنين ، وغالبهم ضعفاء فقراء؛ مما جعلهم لا يبالون بما عند الكافرين من القوة والمال ، ثم إنها صححت النظرة إلى المال والحياة ؛ فالمال وسيلة للحياة الفاضلة وليس غاية في ذاته ، ولا يجوز أن يصبح أداة للفساد والطغيان ؛ والحياة ما هي إلا دار للعمل والابتلاء ، ولا يجوز لأحد أن ينخدع بمتاعها وزخرفها . والآخرة هي الدار التي يجد فيها كل امرئ جزاء فعله ، وهي التي يجب أن نجعلها نصب أعيننا وغاية أفعالنا لنكون من المفلحين ) (2). المبحث الثاني قصة ملكة سبأ المطلب الأول : شخصية ملكة سبأ : أولا: تعريف بملكة سبأ : قال الله تعالى : ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆﭼ (3). (1 )المستفاد من قصص القران للدعوة والدعاة : ج 1/ ص855 . (2 )فلسفة التربية في القران الكريم : ص 191 . (5) سورة النمل الآية 22 ـ27 .
عدد الصفحات ٤٧156 ( أخبر الله عن رحلة الهدهد إلى سبأ بقولهﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ ! وهذا يشير إلى تقصير فترة غياب الهدهد عن جيش سليمان ـ عليه السلام ـ . كيف مكث الهدهد غير بعيد : مع إن المسافة بين اليمن وفلسطين بعيدة ؟ تزيد على الألفي كيلومتر ، وبينهما بقاع عديدة مثل : نجران وعسير والحجاز ومدين !! كيف مكث الهدهد غير بعيد مع أن المسافة بين اليمن وفلسطين تحتاج إلى شهور لقطعها ؟ لقد كان قطع الهدهد للمسافة الطويلة ، في وقت قصير ( معجزة ) ربانية ، فالله طوى له الطريق الطويل ، وجعله يجتازها في فترة قصيرة ، ويعود في مدة يسيرة . ولا ننسى أن الله سخر الريح لسليمان ـ عليه السلام ـ ، غدوُها شهر ورواحها شهر .. وقد يكون لهذه الريح دور في حمل الهدهد إلى اليمن وعودته إلى فلسطين . ولعلّ غيبة الهدهد عن سليمان ـ عليه السلام ـ لم تزد على يومين ، يوم للذهاب ويوم للعودة. وقدم الهدهد لسليمان ـ عليه السلام ـ تقريرا عن سبأ ، أرضا وشعبا وملكة وعرشا وديانة)(1). والتقرير الذي قدمه هدهد إلى نبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ اشتمل على جوانب ذات أهمية في حياة المجتمع الإنساني ، وهذه الجوانب كما يلي : 1. ( ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ : كان نظام دولة سبأ ملكيا ، وكانت ملكتهم امرأة ، شاهدها الهدهد ) (2) . 2. ( ﭽﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ : أمعن الهدهد نظره في أحوال الملكة ، وفي مظاهر ملكها ، فوجد عندها الكثير ، وأجمل ذلك في هذه الجملة : ﭽ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ أي : أوتيت من كلِِ شيء من متاع الدنيا ، مما يحتاج إليه الملك في ملكه ، ويؤدي إلى تقوية الملك ومتانته ، وهذا يعني (1) مواقف الأنبياء في القران تحليل وتوجيه : د. صلاح عبد الفتاح الخالدي ، ط 1 ، 1424هـ ـ2115 م ، دار القلم ـ دمشق ، ص 521 . (2) نفس المصدر : ص521 .
عدد الصفحات ٤٨