المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الفرح آثره وأحكامه في ضوء القرآن الكريم 03

حسين شريف محمد

صفحة ٢ من ٥

125 وتقول : بغى الرجل الشرّ بغيا . إذا تعدى إليه (1) . (ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭼ أي : كن على حذر شديد من نقمة الله عليك وعقابه ، فمن جعل نفسه بإرادته من زمرة الذين لا يحبهم الله عز وجل بسبب كونهم مفسدين في الأرض، فقد جعلها عرضة لنقمته ، وعذاب منه يخزيه ويذلّه . وهذه العبارة قد استخدمت استخدام نظيرتها السابقة ، على سبيل الكناية للترهيب من عقاب الله الشديد ونقمته ، كما عاقب المفسدين في الأرض من قبله )(2). إن حضارة الإنسانية بحاجة إلى من ينصحها ويبين لها معالم المنهج الصحيح فالمسار التي سلكه الحضارة المعاصرة وليدة الفكر القاروني . دول عظيمة نشأة في العصر الحديث قد أساء إلى القيم الحضارية والقيم الإنسانية على سواء حيث است بدّ تلك الدول بكل شيء ، وسعى جاهدة لاستعباد البلاد والعباد ، وتحت مسميات براقة ، كالحرية والديمقراطية (3) وحقوق الإنسان ففي ظل هذه الأسماء اضطهد شعوب كثيرة ؛ اضطهد الشعب الكردي(4) والشعب (1 )المصدر السابق : ج5/ ص81 ـ82 . (2) معارج التفكر ودقائق ا لتدبر : ج9/ ص452ـ455 . (5 )الديمقراطية نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامة الشخصية الإنسانية ، ويقوم على أساس مشاركة أعضاء الجماعة في إدارة شؤونها ، وقد تكون الديمقراطية سياسية ، وهي أن يحكم الناس أنفسهم على أساس من الحرية والمساواة لا تمييز بين الأفرا د بسبب الأهل أو الجنس أو الدين أو اللغة ، وتخضع الأقلية لإرادة الأغلبية ، انظر ( العلمانية تحت المجهر : ص 514 ) ، و انظر ( مذاهب فكرية معاصر : محمد قطب : ص 155 . ) (4) شعب يعيش في المنطقة الجبلية الواقعة جنوب غربي آسيا. ويمتد وطنهم عبر أجزاء من إيران والع راق وسوريا وتركيا وأرمينيا. وعدد الأكراد في المنطقة غير مؤكد ولكن التقديرات تشير إلى أنه حوالي 28 مليونًا. ومعظم الأكراد من المسلم السُّنِّيين. ويتحدثون باللغة الكردية وهي إحدى اللغات الهندو ـ أوروبية القريبة إلى حد كبير من الفارسية . يعيش معظم الأكراد في مجتمعات محلية ريفية. ويقومون بالزراعة ورعي الماشية والماعز. وتشمل المحاصيل الزراعية القطن والتبغ وقصب السكر. ويعيش بعض الأكراد في المدن ويعملون في مختلف المهن الحضرية. والمدن الكردية الرئيسية هي ماهأباد وسانانداج وكرمنشاه في إيران، وإربيل وكركوك والسليمان ية في العراق، وديار بكر وفان في تركيا . ومن الناحية التاريخية أُطلق اسم كردستان ـ وهي كلمة فارسية تعني أرض الأكراد ـ على المنطقة التي يعيش فيها الأكراد. ولكن حاليًا لاتوجد سوى منطقة صغيرة في إيران يطلق عليها رسميًا اسم كردستان ، ( أنظر الموسوعة العربية العا لمية : قرص CD ) .

عدد الصفحات ١٧

126 الفلسطيني ما يقارب قرنا من الزمان ، وهناك شعوب زال معالمها بسبب التطرف الصليبي (1) والصهيوني(2) والطغيان الرأسمالي(3) والتعسف الشيوعي(4) ، فالأنظمة التي استمدّ روحها من الأرض كان سببا في هلاك الشعوب وشقائها . ويبقى الدواء الناجع للمعضلات التي تواجه البشرية هو القران الكريم فيه شفاء ونور ورحمة . المطلب الثالث : الفخر والخيلاء بالدنيا الفانية : (1 )الحملات العسكرية التي قامت بها أوروبا المسيحية الى الشرق العربي والاسلامي في خلال القرنين الثاني عشر ، والثالث عشر الميلادي ( في فترة 1197م ـ1291م ) وقد جرت هذه الحملات تحت ستار الدوافع الدينية ( انقاذ بيت المقدس من المسلمين ) اأنها كانت في الحقيقة ذات دوافع اقتصادية في الاساس ، ويبلغ عدد هذه الحملات أو الحروب سبع ، ( أنظر موسوعةالسياسية : د. عبد الوهاب الكيالي ، وأخرون ، ط2 ،1995 م ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ، ج2/ ص255 . ) (2 )دعوة وحركة عنصرية ـ دينية استيطا نية اجلائية مرتبطة نشأة وواقعا ومصيرا بالامبريالية العالمية تطالب باعادة توطين اليهود وتجميعهم ، واقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة والغزو ، والعنف كحل للمسألة اليهودية ، ولدت فكرة الصهيونية محددة المعالم ، وكبرنامج سياسي ، وكتنظيم عام 1595 م عندما تمكن تيودور هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال ( بازل ) في سويسرا ، وأعلن عن قيام المنظمة الصهيونية العالمية ، ( انظر ، أنظر موسوعةالسياسية : ج5/ ص789 . ) (3) الرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية ، يقوم على أساس إشباع حاجات ا لانسان الضرورية والكمالية ، وتنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها ، متوسعا في مفهوم الحرية ، معتمدا على سياسة فصل الدين نهائيا عن الحياة ، انظر (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة : ج2/ ص911 . ) (4 )الشوعية هي مجموعة أفكار وعقائد ورؤى اشتراكية ثورية ماركسية تنادي بضرورة وحتمية اطاحة النظام الرأسمالي وأقامة مجتمع المساواة والعدل في اطار اممي مرتكز على الملكية العامة لوسائل الانتاج وخال من التمييز الطبقي والاجتماعي ، وبحيث تختفي الفروق والتفاوتات بين المدينة والريف ، وبين العمل الذهني والعمل اليدوي ، وبين المرأة والرجل ، ( انظر مسوعة السياسية : ج 5 / ص 854 . )

عدد الصفحات ١٨

127 لقد وصف القرآن الكريم الحياة الدنيا بأوصاف عديدة ، منها ما يذم ومنها ما يحمد ، ويبقى الدور الأساسي والعامل الرئيسي في تحسين صورة الدنيا أو تقبيحها هو الإنسان ذلك المخلوق العظيم الذي يمتلك قدرات عظيمة بما وهبه الله تعالى من العقل والعلم . قال الله تعالى : ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﭼ(1)، فهذه المفردات التي ذكرتها الآية الكريمة أداة خير إذا أحسن التعامل معها ، وأداة شرّ وفساد إذا استخدم فيهما . ولهذا كان جزاء المتكبرين والطاغين العذاب الأليم والذل والهوان كما قال الله ـ تعالى ـ : ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼ(2). ( فالاستكبار في الأرض والفسوق عن أمر ا كل ذلك أثر من آثار كون الدنيا هي الهدف الوحيد للإنسان ، ولذلك كان ضبط النفس على أمر الله في شأن الدنيا ومعالجة النفس من أهم ما يطالب به الإنسان ، ولعل هذه النقطة بالذات من أهم الفوارق بين أهل الكفر وأهل الإيمان ) (3). (1) سورة آل عمران الآية 14. (2) سورة الأحقاف الآية 21 . (5) المستخلص في تزكية الأنفس : ص 281 .

عدد الصفحات ١٩

128 الحياة الدنيا في نظر قارون ( النفس البشرية إذا تركت على هواها ، وحجب عنها نور الإيمان ، ونظرت إلى ما بين يديها من الأسباب المادية ، أخذها الغرور والبطر ، وظنت أنها لم تؤت هذا المال وهذه المكانة والوجاهة إلا لمزايا ذاتية فيها ، وهذا الصنف من البشر يتكرر في كل زمان ومكان وفي كل حال لم تهذب بإشراقة الإيمان ، ولقد ظن هذا الظن قارون عندما قال : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ (1)) (2). ( المنطق القارونيﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ هو منطق كل متكبر بطر ، مغرور بماله وكنوزه ، هو نفسه منطق الجاهلية الرأسمالية المعاصرة ، التي تقوم على شعار جاهلي هو : (( دعه يعمل ، دعه يمرّ )) . أي : دع المال يعمل ، ودع المال يمرُ ويكسب ، ودع المال يسير في طريقه ، ولا تعترضه، ولا تقيّيده بالأخلاقيات والقيم ..! ! ولا تخرج الجاهلية الرأسمالية المعاصرة عن كلام قارون : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ! ولما اعتدَ قارون بعلمه وجهده في قوله : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ بين الله جهله وغفلته ، وعدم اتعاظه بما حصل للذين كانوا أقوى منه من قبله : ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ(3) . (1 )سورة القصص الآية 55. (2) مباحث في التفسير الموضوعي : أ.د مصطفى مسلم، ط 7 ،1451هـ ـ2119م ، دار القلم ، دمشق ، ص229ـ251 . (5 )سورة القصص الآية 55.

عدد الصفحات ٢٠

129 لقد أهلك الله كفارا أغنياء أقوياء قبل قارون، وكانوا أشدّ منه قوة ، وأكثر منه أموالا ، ولم تدفع عنهم قوتهم وأحوالهم عذاب الله ، ولكن قارون في عنفوانه وطغيانه غفل عن معرفة هؤلاء ، والاعتبار بما حصل لهم . وهكذا (( القارونيون )) السائرون على طريق قارون في كل زمان ومكان ، يعميهم بطرهم وتكبرهم عن الاعتبا ر بما جرى لأمثالهم الذين كانوا قبلهم ، فيأتيهم عذاب الله وهم غافلون)(1). كان قارون جاهلا عندما نسب إلى نفسه العلم والحنكة والخبرة في تملكه لتلك الكنوز والأموال . وزداد جهلا عندما استكبر على قومه بما يملك من مال وجاه ومنصب ، وللجهل فنون فهناك رؤساء يسيئون ا ستخدام مناصبهم وهناك أحزاب وجمعيات يجهلون ويسعون في سبيل نشر الجاهلية . أعد قارون من أجل إظهار قوته المالية موكبا عظيما قد اجتمع فيه ألوانا من الترف والزينة ونشاهد هذه الصورة في القران الكريم : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ (2). ( أراد قارون أن يتيه ويختال على قومه ، وأن ينشر فيهم فتنته وفساده ، فتزيَن بزينته ، وانتفش بماله ، ثم خرج على قومه ، مختالا مغرورا ، ليفتنهم ويفسدهم . ونبقى مع النصِِ القرآنيِِ المجمل : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ ولا نحاول تفصيله بالذهاب إلى الإسرائيليات ، لتسجيل بعض ألوان وأنواع الزين ة التي خرج بها على قومه ، وبيان كيفية خروجه على قومه فيها . إن إيراد تلك الروايات الإسرائيلية يحرم خيال القارئ من متعة تخيل وتصوُر قارون وهو خارج على قومه في زينته ، ورسم صورة منتفشة متعاظمة لها يتخيل ما شاء من ألوان ومظاهر تلك الزينة . (1) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث ج5 / ص84 ـ88 . (2 )سورة القصص الآية 59 .

عدد الصفحات ٢١

131 خرج عليهم في زينته ليفتنهم ويفسدهم ويطغى عليهم ، ليريهم أنه هو الأغنى والأقوى ، ومن ثم فهو الأفضل والأكرم ، فهو الذي يعيش حياته ، بما جمع من كنوز ، أما هم فهم محرومون من لذة العيش !! )(1). خطورة التكبر قال الله تعالى : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ (2). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي(3) ـ رحمه الله ـ ( أي : بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه ، قد كان له من الأموال ما كان ، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه ، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة ، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها و نضارتها وفخرها ، فرمقته في تلك الحالة العيون ، وملأت بِِزَّتُهُ القلوب، واختلت زينته النفوس ) (4). إن خروج قارون بهذه الصورة يمثل الأبعاد النفسية التي يمتلكها قارون من خبث النفس واستعلائها ، فممارسة التكبر دلالة على ضعف النفس ومرضها . ( الكبر من الأخلاق السيئة التي تحول دون الحصول على العلم ، وتمنع من تلقي التربية الرفيعة ، وتجعل الإنسان بعيدا عن الله ، قال ـ سبحانه وتعالى ـ : ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ (5))(1) . (1 )المصدر السابق : ص88 . (2 )سورة القصص الآية 59 . (5 )هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي ولد سنة 1591م في بلدة عنيزة من بلدان القصيم في السعودية وتلقى العلم من علماءها ، ومن شيوخه العلامة محمد الشنقيطي ، والشيخ صعب التو جري وغيرها من العلماء الأفاضل ، وله مؤلفات عديدة منها تيسير الكريم المنان في تفسير القران ، والقو اعد والأصول الجامعة في أصول الفقه توفي سنة 1987م ، انظر ( من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة : ص 558 ـ591 . ) (4) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 725 . (8 )سورة النحل الآية 25 .

عدد الصفحات ٢٢

131 إن التكبر صفة ذميمة ينتعش في البيئة التي يسودها الجهل والتخلفوالمتكبر من أبعد الناس عن حب الله تعالى ورضاه قال الله تعالى : ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﭼ(2). ( الخيلاء شعور طفولي بالعظمة ، والفخر حديث المرء عن نفسه ـ أو قومه ـ بإعجاب واعتزاز ، وكلا الوصفين ينشأ عن الجهل أو القصور العلمي أو الذهول عن حقوق الآخرين أو الاغترار بالموجود وان كان تافها والاستهانة بالمفقود وان كان خطيرا . فالذي لديه بعض المعرفة ، يظن نفسه أوتي العلم كله ! وهو في الوقت نفسه لا يدري جلال ما غاب عنه ، ولم يحط به علما .. وفي الأقطار المتخلفة تكون المناصب الرئاسية متنفسا مريحا للكبر والاختيال .. ويستطيع المرضى بجنون العظمة ، أن يشمخوا بأنوفهم ، وأن يحرجوا غيرهم ! أما في المجتمعات المتمتعة بالصحة النفسية فهيهات أن يقع هذا العوج ، إذ عواقب الغرور سيئة .... وفي الإسلام حرب موصولة ضد الاختيال والاستكبار . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد ))(3) . وغزارة المعرفة ونفاسة المواهب وجلال الشيم ينبغي أن تستر برداء العبودية لله ، والإحساس بفضله الأعلى فهو الواهب لكل جميل ، وهو ولي الحمد والمنة ) (4). (1 )فلسفة التربية في القران الكريم : عمر أحمد عمر ، قدّم له . أ . د وهبة الزحيلي ، ط 1 ،1421هـ ـ2111م ، دار المكتبي ـ دمشق ، ص515 . (2 )سورة النساء الآية 57 . (5 )رواه مسلم81 ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها 7 ـ باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار : رقم الحديث ( 2578 ) : ج4/ ص2195 . (4 )المحاور الخمسة للقران الكريم : محمد الغزالي ، ط 1 ،1421هـ ـ2111م ، دار الشروق ـ القاهرة ، ص 155 ـ155 .

عدد الصفحات ٢٣

132 عن أبي هريرة قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( بينما رجلٌ يمشي في حلة ٍ تعجبه نفسه مرجلٌ جمّ ته إذ خسف الله به فهو يتجلجل(1)به إلى يوم القيامة))(2). فمصير المتكبر السقوط لا محالة في ذلك ، إما على النحو الذي صوره حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أنه يسقط من عين الخلق فيكون منبوذا في المجتمع ، وهذا هو حال ثلة من المتكبرين الأغبياء الذين لا هم لهم إلا أن يشعرون الآخرين بمزاياهم ومفاخرهم المزيفة ، ولهذا نهى الله ـ تعالى ـ عن التكبر في ابسط شؤون الحياة قال تعالى : ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﭼ (3). ( لقد كشف الله ـ عز وجل ـ في هذه الآية من سورة ( الإسراء ) للمستكبر الذي يتبختر ويمشي على الأرض مرحا واقع حاله الصغير ، فأبان له أنه حين يضرب الأرض برجله ، ويتطاول مستعليا بقامته على الناس ، فانه لن يستطيع أن يخرق الأرض ، فهي أصلب منه، ولن يستطيع أن يبلغ الجبال طولا ، فهي أعظم وأطول جسما منه . وفي هذا إمعان إشاريُ بتحقير المستكبر ، يقول له : إن الأرض التي تمشي عليها أصلب من قوّتك ، وان الصخور الجامدة المكدّسة جبالا أطول من قامتك مهما تطاولت بها ، فلا تظنَنَ أن شدّة وطئتك على الأرض ، أو تطاولك بجسمك يمنحا نك عظما حقيقيّا . ويقول له : مهلا بنفسك أيها المستكبر المتبختر ، إلى أين أنت ذاهب بنفسك متطاولا ، إلى جهة الأرض فتضربها بقدميك ،والى جهة السماء فتنطحها برأسك ، هوِِن عليك ، انك لن تستطيع أن تخرق الأرض مهما تبخترت عليها ، انك إن تحديتها هشّمت جسمك وحطّمته ، ثم إنك مهما تطاولت بجسمك إلى الأعلى فلن تبلغ الجبال طولا . (1 )التجلجل : أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق ، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطربا متدافعا . ( انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ج 11/ ص515 . ) (2) رواه البخاري 51ـ كتاب اللباس 4 ـ باب من جر ثوبه من الخيلاء : رقم الحديث ( 8482 ) : ص2152 /8. (5 )سورة الإسراء الآية 55 .

عدد الصفحات ٢٤

133 إن الجبال مهما علت بأجسامها عن مستوى الأرض فهي أقل قيمة من الإنسان الذي فضّله الله بالصفات التي منحه إياها ، وهي من درجات صفات الكمال ، فلا تحاول أن تكسب المجد بالانتفاخ الجسدي والتعاظم ، أو بالتبختر والخيلاء والاستكبار على خلق الله . إن المجد الإنساني لا يكون بطول الأجسام ولا بعرضها ، ولا بتبخترها وضربها الأرض بأقدامها حين مشيها . يا لهذا من تبكيت بديع ورائع للمستكبرين !)(1). ( وخير تعريف للكبر هو قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ(( الكبر بطر الحق وغمط الناس ))(2). إن رفض الحق عنادا واستعلاء هو أخس الصفات ، وهو ظلم للحقيقة التي يجب إنصافها على أية حال ، والعنيد يأبى الانقياد للحق ، ويؤثر إرضاء هواه ، والكبر هنا طريق إلى الكفر إن لم يكن إياه ، ولعل ذلك معنى الحديث الشريف (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ))(3)وهو معنى الآيةﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ (4))(5). (1 )تدبر سورة الفرقان في وحدة موضوع : الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ، ط 1 ،1412هـ ـ 1991م ، دار القلم ـ دمشق ، ص 257 ـ255 . (2) رواه مسلم كتاب الايمان 59 ـ باب تحريم الكبر وبيانه : رقم الحديث 91 ) وروي هذا الحديث عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( لاَ يَدْخُلُ الجَْنَّةَ من كان في قـَلْبِهِ مِثـْقَالُ ذَرَّةٍ من كِبرٍْ قال رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يحُِبُّ أَنْ يَكُونَ ثـَوْبُهُ حَسَنًا وَنـَعْلُهُ حَسَنَةً قال إِنَّ اللَّهَ جمَِيلٌ يحُِبُّ الجَْمَالَ الْكِبـْرُ بَطَرُ الحَْقِّ وَغَمْطُ الناس )) : ج1/ ص95 . (5 )رواه مسلم : نفس المصدر :ج1/ ص95 . (4 )سورة الزمر الآية 71 . (8) المحاور الخمسة للقران الكريم : ص 159 .

عدد الصفحات ٢٥

134 ( والكبر حين يستشري في النفس ، ويتمكن من قلب الإنسان ، ويملك عليه حسه وفكره ، يكون أسوأ ما يصيب الإنسان من أمراض القلب ، فما من خلق من الأخلاق الذميمة إلا وتجد صاحب الكبر متصف به . فهو لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ، ولا يقدر على التواضع ، ولا يتخلص من الحقد ، ولا يتغلب على الغضب والغيظ ، ولا يستطيع دفع الحسد عن نفسه ، ولا يقبل نصيحة ناصح ، ولا تعليم عالم ، ولا يعامل الناس إلا بالازدراء والاحتقار ، وإذا مشى اختال ، وإذا تكلم افتخر ، وإذا نصح سخر من الناس وحقرهم ، فإذا تحدث تقعر في الكلام وتشدق ، وإذا جالس الناس غضب إذا لم يكن له صدر المجلس ، وأول الكلام ، وغاية التعظيم والاحترام)(1). المطلب الرابع : المغرورون بأال الفخر والخيلاء ( يغتر ضعاف النفوس بزخرف الحياة الدنيا وزينتها عندما يرون أصحاب الثروة والسلطان يخرجون عليهم في زينتهم ، وينسون في تلك اللحظة أن الأمور بخواتيمها ، وهذا ما وقع فيه بعض من رأى قارون عندما خرج على قومه في زينته إذ قالوا : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ (2)، لكنهم عندما رأوا نهايته أدركوا خطأ تفكيرهم ، وأيقنوا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ؛ إذ إن منع الله عطاء ، وعطاء الله عطاء ، وليس المنع دليل إهانة ، ولا العطاء دليل إكرام ، إنما هو امتحان وابتلاء : ﭽ ﮓ (1) السلوك الاجتماعي في الإسلام : ص 84 . (2) سورة القصص الآية 59 .

عدد الصفحات ٢٦

135 ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﭼ (1))(2) . من هم المغرورين بأهل الفخر والخيلاء قال الله تعالى : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ (3). فلما خرج قارون في مظاهر الأبهة(4) كان طبيعيا أن يفتتن بعض الناس به ، وهم السذّج والجهال الذين يريدون الحياة الدنيا ، ويميلون إلى زخارفها وزينتها ، فتمنوا أن لو كان لهم مثل ما أعطي ، وقالوا : يا ليت لنا من الأموال والثروات والأوضاع ما لقارون ، لنتمتع بها مثله ، فإنه ذو نصيب وافر من الدنيا ، وهذه نزعة جبلّيّة في الإنسان ، فهو دائما يطمع في السعة واليسار : ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ(5) .(6) اختلف المفسرون في تحديد شخصية مريدي الحياة الدنيا على قولين : (1) سورة الفجر الآية 18ـ17 . (2) مدرسة الأنبياء عبر وأضواء : ص 284 . (5) سورة القصص الآية 59 . (4 )الأبهة : قال ابن فارس (رحمه الله ) : الهمزة والباء والهاء ، يدل على النباهة والسمو ( انظر مقاييس اللغة ص 21 . ) (8 )سورة العاديات الآية 5 . (7) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج ج11 / ص854 ـ858 .

عدد الصفحات ٢٧

136 القول الأول إنهم كانوا مسلمين وإنما تمنوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر . القول الثاني : الذين تمنوا حال قارون وما فيه من بطر وخيلاء كانوا كفارا (1) . الآية الكريمة تحتمل كلا الصنفين ؛ لأن النظر إلى الدنيا وزخرفها يؤدي إلى افتتان الناس مؤمنهم وكافرهم على السواء ، وهذا ما حصل لقوم قارون عندما رأوا قارون في وسط من الملذات والشهوات بدون أن يفكروا في مآل هذه الشهوات والملذات وما يترتب عليها من آثار سلبية . ( إن هؤلاء الناس لم يسألوا أنفسهم سؤالين : هل قارون يشعر بالسعادة ؟ ، وما هو الثمن الذي دفعه كي يصل إلى ما وصل إليه ؟! ) (2). . والناظر إلى قول أولئك المغرورين كما ذكر في القران الكريمﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ ، يرى مدى مشاركتهم في ظهور الظلم والاستبداد والفوارق الاجتماعية . قال الإمام النسفي(3) ـرحمه الله ـ في تفسير هذه الآية : ( قالوه غبطة والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية)(1). (1 )التفسير النسفي : ص255 بتصرف ، ( وانظر مفاتيح الغيب : ج28 / ص17 . ) (2 )قصص القران : عمرو خالد ، ط 1 ،1451هـ ـ2119م ، الدار العربية للعلوم ـ بيروت ـ لبنان ، ص 187 . (5 )هو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات ، كان إماما في جميع العلوم ومصنفاته في الفقه والأصول أكثر من أن تحصى وصنف المدارك في التفسير ، توفي في سنة 511 هـ في بلدة بغداد ، انظر ( طبقات المفسرين : أحمد بن محمد الداودي ، تحقيق : سليمان بن صالح الخزي ، 1415هـ- 1995 ، مكتبة العلوم والحكم – السعودية ، ج1 / ص275 . )

عدد الصفحات ٢٨

137 (وفي كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب ، وتبهر الذين يريدون الحياة الدينا ، ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها؛ فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته؟ ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة؟ من مال أو منصب أو جاه . ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى ، كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع ، غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه ، ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه ، ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها ) (2). فهؤلاء وصل إعجابهم بقارون وشخصيته المتكبرة إلى درجة تمنوا حاله ، وهذهالأمنية تنعكس على نفسية قوم قارون من حبهم الشديد للدنيا ، فهؤلاء لم يبذلوا جهدا في سبيل تغيير واقعهم الاجتماعي والاقتصادي بل على العكس من ذلك ؛ حيث شاركوا في هذا الفساد المزري الذي إذا استمر كان سببا في إحراق الأخضر واليابس . حب الدنيا أساس كل خطيئة وغفلة : إن معظم الأخطاء التي يقع فيها الإنسان يأتي في ضوء سلبية التعامل مع الحياة الدنيا . فحب الدنيا ينتج عنه سلوكيات غير أخلاقية في أغلب الأحيان ، ولهذا نجد أن القران الكريم قد ذكر الحياة الدنيا وكيفية التعامل معها في أوضح صورة . إن القرآن يقرِِر ـ بكل وضوح و قوة وصراحة ـ قصر هذه الحياة الدنيا وتفاهتها ، وتضاؤلها في جنب الآخرة ، قال الله تعالى : ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ (3). (1) التفسير النسفي : ج2/ ص255 . (2) في ظلال القران :ج 8/ ص2515 . (5 )سورة التوبة الآية 55 .

عدد الصفحات ٢٩

138 ويقولﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭼ (1). ويقرّر كذلك في وضوح وقوة أنها قنطرة إلى الآخرة ، وفرصة للعمل ، ف يقول : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ (2). ويقرِِر أن الآخرة هي خير وأبقى ، فيقول ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭼ (3). إذا هو يذّم ويشنّع على من يؤثر الدنيا ـ الفانية العارضة ، السقيمة الناقصة ـ على ا خرة ـ الباقية الخالدة الواسعة ، الصافية من الأكدار الخالية من الأخطار ـ فيقول الله ـ عزّ وجلّ ـ : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ (4). ويمدح من يجمع بين الدنيا والآخرة مع إيثار جانب الآخرة على جانب الدنيا ، ومعرفة قيمتها وفضلها ، والحرص عليها فيقول الله عزّ وجلّ : ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ (1 )سورة العنكبوت الآية 74 . (2) سورة الكهف الآية 5 . (5 )سورة القصص الآية 71 . (4 )سورة يونس الآية 5 ـ5 .

عدد الصفحات ٣٠

139 ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ (1).(2) إن عدم التزاوج بين حياة الدنيا وحياة الآخرة يعني الخروج عن الفطرة السليمة وهذا ما أوقع قوم قارون في غرور وافتتان بزينة الدنيا وزخرفها . ( وقد وصف الله هؤلاء المفتونين المخدوعين بأنهم : ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ . فهم ناسون للآخرة ، غير طالبين لها ، ولا راغبين فيها ، ولا منتظرين لنعيمها ، وكل همّهم وفكرهم هو الدنيا ، وما فيها من زينة ومال ومتاع وانتفاع . وبما أنهم يريدون الحياة الدنيا وزينتها فقد قاسوا أنفسهم بقارون ، فشعروا بالفرق الواسع بينهم وبينه ، ومن ثمّ شعروا بالحسرة والفقر والذل والحاجة ، إنهم لا يملكون شيئا من الدنيا وزينتها ، وقارون يملك منها كل شيء . إذن قارون ـ في منظارهم وميزانهم ـ أف ضل وأكرم منهم ، وهو أغنى وأسعد منهم ، ولهذا تمنّوا أن يكونوا مثله ، وأن يؤتوا مثل ما أوتي ، وصدرت جملة على ألسنتهم تترجم عما في قلوبهم ، وقالوا : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ . تمنّوا أن يؤتوا من المال والكنوز مثل ما أوتي قارون ، ليتزيَنوا به كما يتزين ، وينتف عوا به كما ينتفع . وأتبعوا تمنّيهم بتسجيل تقويمهم له ، حيث قالوا : ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ . (1 )سورة البقرة الآية 211ـ211 . (2) دراسات قرآنية ص 198 ـ195 بتصرف .

عدد الصفحات ٣١

141 قارون في نظرهم ذو حظ عظيم ، لأن الحظ العظيم عندهم هو الزينة والمال والمتاع ، والترف والإسراف ، وصاحب الحظ العظيم هو الذي أوتي ذلك ، فقارون صاحب حظ عظيم ، أما هم فإنهم محرومون من ذلك الحظ العظيم . إن نظرتهم إلى قارون خاطئة ، وان تقويمهم له غير صحيح ، فليس هو ذا حظ عظيم ، ولو أوتوا مثله لما كانوا ذوي حظ عظيم . سرُ انخداعهم بزينة قارون وفتنته ، واغترارهم بما معه هو أنهم : ﭽ ﭸ ﭹ ﭺﭼ . فلو لم يكونوا يريدون الحياة الدنيا لما خدعوا وفتنوا ، وكأنّ القرآن يدعونا إلى معرفة أساس خطئهم لئلا نقع فيه ، فأساس الخطايا هو ابتغاء الحياة الدنيا وطلبها وإرادتها والرغبة فيها ، ونسيان الآخرة وتركها وعدم الرغبة فيها )(1) . ( العكوف على اللذائذ ، ومطاوعة الأهواء ، وإجابة الرغبات الدنيا ، أمراض تصيب الأمم في عصور الانحلال وتعرِِضها للهلكة ، فهي نذر الفناء ودلائل إدبار السيادة . ولقد لوحظ من استقراء التاريخ أن الحضارات الكبرى لم يقتلها إلا الترف ، وأن الأمم العظيمة لم يهلكها إلا البطر ، وأنّ ترك الناس يرتعون ا لشهوات رتع السوائم لن يجر في أعقابه إلا البوار العاجل : ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕﭼ(2) )(3). (1) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث ج5/ ص87 ـ85 . (2 )سورة الزمر الآية 27 . (5 )كفاح الدين : الشيخ محمد الغزالي ، ط 5 ،2118م ، شركة نهضة مصر ، ص 252 .

عدد الصفحات ٣٢