المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جهود الشيخ محمد تقي الدين الهلالي في التفسير وعلوم القرآن ومنهجه فيهما

محمد بن عبد الله بن موسى آل حسين

صفحة ٨ من ٢٧

003 التي أصلها فارس ي قد اتفق فيها الفرس مع العرب والنبط والحبشة، بل إذا كانت الكلمة فارسية كالأباريق مثلا لم تكن حبشية ولا نبطية والكلمة التي قيل إنها حبشية (كابلعي)من قوله تعالى: ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ ]هود: 44[ لم يقل أحد أنها توافق الفارسية والنبطية ..وهكذا يقال في سائر الكلمات كما سيأتي في ذكر الكلما ت التي نسب أصلها إلى غير العربية )(٢). ثانيا : كتاب الإتقان للسيوطي : يكثر الشيخ -رحمه الله - من النقل عن كتاب الإتقان للسيوطي -رحمه الله - بوصفه أحد أهم وأوسع الكتب التي ألفت في علوم القرآن؛ حيث أفاد مؤلفه من جمع الذين سبقوه ؛ فاحتوى كتابه ما ذكر أولئك وز اد عليهم بما فتح الله تعالى به عليه . ولا بد من إلقاء نظرة على الكتاب ومؤلفه لمعرفة أهميته في مج ال علوم القرآن . 0 – نبذة عن الكتاب ومؤلفه: مؤلف هذا الكتاب هو السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ستمائة مصنف، ولد في أول ليلة من رجب سنة أربع وتسعين وثمانمائة من الهجرة ، ونشأ يتيمًا فحفظ القرآن والعمدة وألفية النحو، مات والده وعمره خم سنوات، فنشأ في القاهرة يتيما، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس وخلا بنفسه في روضة المقباس على النيل، فألف أكثر كت به، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، من أهم كتبه: - الإتقان في علوم القرآن . - الأشباه والنظائر في العربية . (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص ١١-3

عدد الصفحات ١١٣

004 - الاقتراح في أصول النحو. - الإكليل في استنباط التنزيل . - الدر المنثور في التفسير بالمأثور . - ألفية في مصطلح الحديث . وغيرها كثير ، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة للهجرة .(٢) أما كتابه الإتقان في علوم القرآن فإنه يُعد من أشمل ما ألف في هذا العلم، حرص فيه السيوطي -رحمه الله - على الاستفادة من الكتب التي سبقته، خاصة كتاب البرهان للزركشي، وزاد على هذه الكتب، وقد تناول ثمان ين نوعا من المباحث القرآنية، مثل : المكي والمدني وهذا أول نوع بحثه، ثم ختم كتابه بالنوع الثمانين وهو في : طبقات المفسرين .(١) وقد طبع كتابه عدة مرات في مجلدين كبيرين، منها ما طبع في المكتبة التجارية، وعلى هامشه كتاب إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني، ومع هذا لا يزال هذا الكتاب بحاجة إلى تحقيق وعناية وحسن إخراج ليسهل على القراء تناوله والاستفادة منه .(3) 2 - نقول الهلالي من كتاب الإتقان : تميزت نـُ قُ ولُ الهلالي من كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي بكثرتها وتنوعها ؛ حيث يكاد المنصف يقول إنه جعله مرجعا أساسيا كما جعل السيوطي كتاب البرهان مرجعا أساسيا ؛ ولكنه مع كثرة استشهاده بكلام السيوطي في كتابه هذا ؛ كان ينتقده في أحيان كثيرة وخاصة في كتابه "ما وقع في القرآن الكريم بغير لغة العرب " حيث درج على نقده بعبارات قوية ؛ ونقد الأقوال التي ينقلها على حد سواء .. (٢) الأعلام للزركلي (3/٢٠) معجم المؤلفين (5 /8) (١) المكتبة الإسلامية (ص: ٠) (3 )لمحات في المكتبة والبحث والمصادر(ص: 58)

عدد الصفحات ١١٤

005 وهذه أمثلة من نقول الهلالي عن السيوطي في كتابه الإتقان : أ – نقله عنه مستشهدا بقوله : يقول -رحمه الله - في معرض كلامه عن فائدة معرفة أسباب النزول ناقلا كلام السيوطي مستشهدا به ومقررا له : ( ما فائدة هذا العلم ؟ قال السيوطي : "زعم زاعم أن هذا العلم لا طائل تحته لجري انه مجرى التاريخ وأخطأ في ذلك ، فله فوائد منها معرفة حكمة التشريع ، ومنها تخصيص الحكم به عند من يقول إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(٢). ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخص يصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته فإن دخول صورة الس بب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع . ومنها: الوقوف على المعل وإزالة الإشكال "(١) ..)(3). ونقل عنه في معرض بحثه في مسألة وقوع المعرب في القرآن الكريم ؛ فقال -رحمه الله - : (قال السيوطي في الإتقان:"قد أفردت في هذا النوع كتابا سميته "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب "وأنا ألخص هنا فوائد فأقول:اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ ]يوسف:١[ وقوله تعا ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠﯡ ﭼ ]فصلت: 44[ وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك. وقال أبو عبيدة: إنمِّ ا أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن "لدا " بالنبطية فقد أكبر القول، وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شئ لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا (٢) ( هكذا العبارة عند الشيخ -رحمه الله - والذي في الإتقان ومنها : تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب) وعبارة السيوطي في الأصل هي الصحيحة من حيث المعل . الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٠٠٢) (١) الإتقان في علوم القرآن (٢/ 8) (3 )نبذة في علوم القرآن ص 33

عدد الصفحات ١١٥

006 يعرفونها ".(٢)اهـ )(١). وقال في معرض كلامه عن الناسخ والمنسوخ ناقلا عن السيوطي أيضا مستشهدا بكلامه : ( ما معل النسخ لغة واصطلاحا وما مقدار عناية المسلمين به ؟ قال في الإتقان: "أفرده بالتصنيف جماعة نذكر منهم(3)، ثم قال: " قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ ".(4) )(5) ب– نقله عنه منتقدا قوله ورادا عليه : انتقد الشيخ -رحمه الله - بعض النقول التي نقلها السيوطي في كتابه الإتقان نقدا لاذعا، ومن ذلك : قوله -رحمه الله - في مسألة تعريب كلمة "ابلعي" : ( قال السيوطي في الإتقان "أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله تعالى ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ [هود: 44 ] ، قال بالحبشية ازدرديه، وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال اشربي بلغة الهند ".(6) اهـ. وان تعجب فعجب قولهم إن "ابلعي" بلغة أهل الهند وهذا القول إلى الهزل أقرب منه إلى الجد وقائله لي أهلا أن يؤخذ عنه العلم ، و إنما هو يهرف بما لا يعرف وأهل الهند أجناس كثيرة لهم مئات من اللغات، ولا تكاد تسير مسافة يوم إلا وجدت جنسا آخر له لغة أخرى . وفي زماننا هذا نرى الدماء تسفك بينهم بسبب اللغات فلا يرضى جن أن تكون لغة الدولة لغة أخرى غير لغته، وفي زمان الاستعمار لم تكن في الهند لغة يستطيع المسافر أن يتكلم بها ويجد من يفهم كلامه في جميع أنحاء الهند إلا لغتين إحداهما الإنكليزية وهي لغة الدولة الحاكمة، (٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ 5) (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 6-٠٢ (3 )الذي في الإتقان خلائق لا يحصون منهم.. (4 )الإتقان في علوم القرآن (3 /66) (5 )نبذة من علوم القرآن ص 39 (6 )الإتقان علوم القرآن (١/ 9)

عدد الصفحات ١١٦

007 والثانية لغة المسلمين وهي لغة أوردو، على أ ن "بلع" كلمة عربية سامية أصيلة عريقة في عروبتها وساميتها وترفع راية اللغات السامية وهي حرف العين ...)(٢). ثم ينتقد السيوطي ويصفه بأوصاف لا ينبغي أن يوصف بها فيقول -رحمه الله - : (ولذلك نرى السيوطي في كتاب الإتقان كحاطب ليل ولي عنده تحقيق ولا إتقان وهذا شأن ه في علوم المنقول، أما في علوم المعقول كعلوم العربية فهو فارس لا يشق له غبار )(١). قلت : سامحه الله تعالى فالإمام السيوطي من أ ج لِّ علماء المسلمين ؛ وكتبه شاهدة بتبحره في علوم المنقول والمعقول ؛ ومن اتهمه في علمه بالمنقول فليطالع كتابه الدر المنثور في التف سير أو ألفيته في الحديث أو تدريبه للراوي وغيرها كثير فكيف يجوز ل لشيخ الهلالي -رحمه الله - أن يطلق الكلام فيه هكذا على عواهنه .. والذي لا يشك فيه أحد أن العلامة الهلالي -رحمه الله - لا يمكن أن يقارنه أحد بالسيوطي لا في علوم المنقول ولا في علوم المعقول ؛ والفر ق بينهما في التحصيل العلمي كبير جدا .. هذا وقد أفاد العلامة الهلالي من كتب أخرى كثيرة ونقل من بعضها وصوب ما احتوت عليه من أفكار متعلقة بعلوم القرآن الكريم ، ومن أبرز هذه الكتب : ٢. التفسير الوسيط للواحدي .(3) ١. تحفة الأحوذي .(4) 3. تفسير البيضاوي.(5) 4. ترجمة معا القرآن الكريم بالعبرانية .(6) (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 33 (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 34 (3 )نبذة من علوم القرآن الكريم ص 33 (4 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص ٠١ (5 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص 4و35 (6 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص 8-9

عدد الصفحات ١١٧

008 5. التوراة .(٢) 6. السيرة لابن إسحاق.(١) ٠. كتب اللغة كلسان العرب والقاموس المحيط .(3) 8. الألفاو الأجنبية في القرآن الكر .(4) 9. تفسير ابن كث .(5) ٠٢. مفردات الراغب .(6) ٢٢. كتب السنة كالبخاري والمسند وغيرهما .(٠) (٢) ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص 9 (١) نبذة من علوم القرآن الكريم ص 3 (3 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص ٠و35و36 (4 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص ٢و٠و39 (5 )ما وقع القرآن الكريم من غير لغة العرب ص ١ (6 )ما وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب ص 36 (٠) نبذة من علوم القرآن الكريم ص ٠١و9و33

عدد الصفحات ١١٨

009 الفصل الثا منهج الهلالي في التفسير وفيه مبحثان: المبحث الأول :منهج الهلالي في التفسير بالمأثور وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تفسير القرآن بالقرآن المطلب الثاني: نفسير القرآن بالسنة . المطلب الثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة . المطلب الرابع : تفسير القرآن بأقوال التابعين .

عدد الصفحات ١١٩

021 قدمت تعريف التفسير في اللغة والاصطلاح ؛ وبقي تعريف المأثور : تعريف كلمة المأثور لغة : المأثور في اللغة : اسم مفعول من أثر الحديث ذكره عن غيره فهو آثر بالمد وبابه نصر، ومنه حديث مأثور أي ينقله خلف عن سلف. والأثر : الخبر ، والجمع: آثار (٢). تعريف المأثور اصطلاحا : ومن هنا يمكن أن يعرف التفسير بالمأثور بأنه : هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه . واقتصر على هذا بعض أهل العلم.(١) وبعضهم يضيف ما نقل عن التابعين بيانا لمراد الله تعالى .(3) فطرق التفسير بالمأثور على هذا التعريف أربعة : تفسير القرآن بالقرآن : وهذا النوع من التفسير هو أ ج ل أنواع التفسير وأشرفها، إذ لا أحد أعلم بمراد الله تعالى من الله جل وعلا، فما أجمل في مكان من القرآن الكريم فقد بين في مكان آخر، وما أطلق في موضع ؛ قيد في موضع آخر وهكذا . (٢) مختار الصحاح (ص: 3 )تاج العروس(٠٢/ 5) (١) مناهل العرفان في علوم القرآن (١/ ١٢) (3 )التفسير والمفسرون(٢/ ١٢٢)

عدد الصفحات ١٢٠

020 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - : ( فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر)(٢). ومثال تفسير القرآن بالقرآن : قوله تعالى ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ ]الفاتحة: ١[: قال الشنقيطي-رحمه الله - : (لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﭽ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ ]الشعراء :3- 4 [(١). ومنه كذلك قوله تعالى ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭴ ﭼ ]الفاتحة: ٠[ قال الشنقيطي -رحمه الله -: ( لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم . وبين ذلك في موضع آخر بقوله:ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ ]النساء: 69[ ( ) والأمثلة كثيرة . تفسير القرآن بالسنة النبوية: قال الإمام ابن كثير -رحمه الله - : ( قال الشافعي -رحمه الله -: كل ما حكم به رسول الله -- فهو مما فهمه من القرآن ، قال الله تعالى: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ ]النساء: 5[ ، وقالتعالى ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ ]النحل: 44[. ولهذا قال رسول ا -- :"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه "(4) يع: السنة ، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي، -رحمه الله - وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة لي هذا موضع ذلك . (٢) مجموع الفتاوى (3 /363) (١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٢/ 5) (3 )أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٢/ 8 ) (4 )مسند أحمد كتاب مسند الشاميين حديث المقدام بن معدي كرب حديث رقم 4 (8/٠٢).

عدد الصفحات ١٢١

022 والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة )(٢). وإذا كان القرآن الكريم صحيحا ولا يحتـاج إلى النظـر في الإسـناد والمـظ لحفـظ الله تعـالى لـه؛ فإن السنة النبوية بخلاف ذلك ؛ تحتاج إلى النظر في صحتها وبيان أسانيدها ومتونها .. ومــن هنــا فإنــه لزامــا علــى المفســر النظــر في الأحاديــث الــتي يفســر بهــا آيــات مــن كتــاب الله تعالى حتى لا يندرج فيها الضعيف (١) والموضوع (3) . ولهذاقال الزركشي -رحمه الله - : " لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة : الأول : النقل عن رسول الله --. وهــذا هــو الطــراز الأول لكــن يجــب الحــذر مــن الضــعيف فيــه والموضــوع فإنــه كثــير وإن ســواد الأوراق ســـواد في القلـــب قـــال الميمـــوني (4) :سمعـــت أحمـــد بـــن حنبـــل يقـــول: ثلاثـــة كتـــب لـــي لهـــا أصــول المغــازي والملاحــم والتفســير قــال المحققــون مــن أصــحابه : ومــراده أن الغالــب أنهــا لــي لهــا أسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير ".(5) وتعقبــه الســيوطي -رحمــه الله - بقولــه : " الــذي صــح مــن ذلــك قليــل جــدا بــل أصــل المرفــوع منه في غاية القلة وسأسردها كل ها آخر الكتاب إن شاء الله تعالى".(6) (٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (٢/ ٠). (١) الحديث الضعيف عرف تعريفات كثيرة من أوجزها أنه : هو كل حديث لم تجتمع فيه شروط الصحيح ولا شروط الحسن ، وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بعده من شروط الصحة كما تتفاوت درجات الصحيح بحسب تمكنه منها وقسمه أبو حاتم بن حبان إلى قريب من خمسين قسما وكلها داخله في الضابط المذ كور . انظر : المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي (ص: 38). (3 )الحديث الموضوع هو قسم من أقسام الضعيف وهو أشر أقسامه وعرفوه بأنه : ما كان في إسناده كذاب أو وضاع . انظر : تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف (ص: ١١). (4 )عبد الملك بْن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي أ بُو الحسن ولد سنة ٢هـ ، وسمع من أحمد بن حنيل ويزيد بن هارون وجماعة ، قال الخلال : توفي الميموني وهو دون مائة سنة، وقال الحراني توفي سنة 4هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٢١) تهذيب التهذيب (6/٠٠) . (5 )البرهان في علوم القرآن (١/ 56). (6 )الإتقان في علوم القرآن (4 /8).

عدد الصفحات ١٢٢

023 قلــت: بــل الحــق مــا قــال المحققــون مــن أن الأحاديــث الــواردة في بيــان آيــات مــن كتــاب الله تعالى كثيرة صحيحة ؛ ولا يشك في ذلك إلا من لم يستقرئ التفسير ... نعم قد يسلم للسيوطي -رحمه الله - القول بأن المرفوع من الأحاديث المفسرة للقرآن الكـريم قليـل بالنسـبة للموقـوف علــى الصـحابي أو المقطـوع علــى التـابعي ونحـو ذلــك أمـا الإطـلاق هكــذا فلي بمسلم . مثال تفسير القرآن بالسنة : وتفسير القرآن الكريم بالسنة المطهرة علـى أنـواع ؛ فقـد تـأتي السـنة الن بويـة لتخصـيص آيـة أو تقييد مطلق أو بيان مجمل ونحو ذلك : يقــــول ابــــن القــــيم -رحمــــه الله - : " أجمعــــت الأمــــة علــــى تخصــــيص قولــــه: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [النساء: 4]بقولـه- - :"لا تـنكح المـرأة علـى عمتهـا ولا علـى خالتهـا "(٢) وعمـوم قوله تعالى: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﭼ ]النساء: ٢٢[ بقوله -- :"لا يرث المسلم الكافر "(١) وعمــــوم قولــــه تعــــالى: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ ]المائــــدة: 38[ بقولــــه-  - :" لا قطع في ثمر ولا كثر "(3)ونظائر ذلك كثيرة )(4) (٢) هو بلفظه في صحيح مسلم كتاب النكاح باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح - حديث: 8 (١/ 9 )وهو في البخاري كذلك بمعناه كتاب النكاح باب لا يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حديث رقم 8 (٠/ ١٢) (١) صحيح البخاري كتاب الفرائض ، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم حديث رقم 64 (8 /56 ) ومسلم كتاب الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم صحيح مسلم حديث رقم 4 (3 /33). (3 )رواه أبو داود في سننة كتاب الحدود باب ما قطع فيه حديث رقم 4388 (4 /36 )وصححه الألبا. والمقصود بالحديث ما ذكره الزرقاني -رحمه الله - في شرحه على الموطأ (4 /58)حيث قال: ( "فين ثم ر " بنف تْحن الْمُثـ لَّث ةن و الْمنيمن مُع لَّق ع ل ى الشَّج رن قـ بْل أ نْ يجُ ذَّ و يحُْر ز "و ل وْ فين ك ث ر " بنف تْحن الْك افن و الْمُثـ لَّث ةن "و الْك ثـ رُ الجُْمَّارُ " بجننيم م ضْمُوم ة و منيم ث قنيل ة أ يْ جمَُّارُ النَّخْلن و هُو ش حْمُهُ الَّذني يخ ْرُجُ بنهن الْك افُورُ و هُو ونع اءُ الطَّلْعن مننْ ج وْفنهن سمُِّي جمَُّارًا و ك ثـ رًا لأن نَّهُ أ صْلُ الْك و افنيرن، و ح يْثُ تج ْت منعُ و ت كْثـُرُ ). (4 )إعلام الموقعين عن رب العا (١/ 8).

عدد الصفحات ١٢٣

024 ومــن بيــان الســنة للقــرآن الكــريم ؛ مــا رواه ابــن جريــر وابــن أبي حــاتم صــريحاً مــن حــديث أبي موســـى في تفســـير قولـــه تعـــالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭼ ] يـــون: 6 [ فقـــد فســـر النـــ -  - الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعا .(٢) وفي صحيح مسلم ما يشير إلى ذلك حيث روى عن صهيب بن سنان عن النبي -- في حديث قال فيه: "فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل "، ثم تلا هذه الآية ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭼ ] يون: 6 [.(١) ومن تفسير القرآن الكريم بالسنة أيضا ما ثبت من تفسير قوله تعالى ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ ]الأنفال: ٠[ فقد فسر الن-  - القوة بالرمي في قوله " ألا إن القوة الرمي .(3) والأمثلة كثيرة . تفسير القرآن العظيم بأقوال الصحابة الكرام والتابعين : وإذا لم يجد المفسر بغيته في النوعين السابقين أعني تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالسنة؛ فعليه أن يبحث في أقوال الصحابة والتابعين . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - : " وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل عبد الله بن مسعود..."(4). وعلىهذا الترتيب في التفسير درج السلف الصالح . (٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (5 /69) تفس ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (6 /945). (١) صحيح مسلم كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة حديث رقم ٢ (٢/ 63 ). (3 )صحيح مسلم كتاب الإمارة باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه ٠٢ (3 /١١) . (4 )مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية(ص: ٠).

عدد الصفحات ١٢٤

025 يقولسفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد : " كان ابن عباس إذا سئل عن الآية في القرآن قال به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله -- أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، - رضي الله عنهما - ، فإن لم يكن اجتهد برأيه ".(٢) ومما يدل على حسن الاعتماد على الصحابة في التفسير أنهم كانوا أعلم الناس بمعاني كتاب الله تعالى بعد رسول الله -- فقدقال عبد الله بن مسعود  : (والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تعالى تناله المطايا لأتيته ".(١) وقال أبو عبد الرحمن الس لمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي -- ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعـًا.(3) ولمعرفة حجية تفس الصحابي؛ فإننا نعرج على تقسيم أهل العلم لتفسير الصحابي : أقسام تفسير الصحابي: ينقسم تفسير الصحابي إلى قسمين رئيسين : ما له حكم الرفع: وهذا حكمه حكم المسند؛ فيجب العمل به والأخذ به؛ وقد اختلفت عبارات أهل العلم في ضابطه. (٢) تفسير ابن كثير (٢/ 9). (١) صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم ١٠٠ (6/٠) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - باب من فضائل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه حديث رقم 463 (4/3). (3 )مسند أحمد حديث رقم ١ (38 /466).

عدد الصفحات ١٢٥

026 قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله -: " والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا . كالإخبار عن الأمور الماضية ... وعن الأمور الآتية، والإخبار عن عمل له ثواب مخصوص أو عقاب ".(٢) وقال العراقي في ألفيته : وعد ما فسرهَّ الصحابين وقولهمُ يرفعُ ه يبلغُ بـــه رفعاً فمحمولً على الأسبابن رواية ينميه رفع فانتبه إلى أن قال: وما أ ت ى عن صاحب بحيثُ لا ما قال في المحصولن نحو م نْ أتى يقالُ رأياً حكمُ ه الرفعُ على "فالحاكم" الرفعُ لهذا أثبتا (١) قال الحاكم في المستدرك : " ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسن د "(3). والحاصل في هذا النوع أن تفسير الصحابي يعطى حكم الرفع بشروط ثلاثة : أ - أن يكون هذا الصحابي لا يأخذ عن الإسرائيليات . ب - أن يكون الكلام مما لا مجال للاجتهاد فيه. ج – أن لا يكون طريقه ال لغة. تفسير موقوف على الصحابة الكرام -- وليس له حكم الرفع: وهذا النوع ضابطه أنه ما عدا ما ذكرنا في القسم الأول أي ما اختل فيه شرط من شروطه. (٢) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ 86). (١) ألفية العراقي (ص: 3) (3 )المستدرك على الصحيحين للحاكم (١/ 83)

عدد الصفحات ١٢٦

027 ويدل على ذلك ما ذكره الحاكم حيث قال : " .. فأما الموقوف على الصحابة فإنه قل ما يخفى على أهل العلم، وشرحه أن يروى الح ديث إلى الصحابي من غير إرسال، ولا إعضال، فإذا بلغ الصحابي، قال: إنه كان يقول : كذا وكذا، وكان يفعل كذا، وكان يأمر بكذا وكذا .. ثم روى عن أبي هريرة -- تفسيره لقول الله عز وجل : ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ ]المدثر: 9[ قال أبو هريرة -- :« تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحما على عظم إلا وضعته على العراقيب » قال الحاكم : "وأشباه هذا من الموقوفات تعد في تفسير الصحابة، فأما ما نقول في تفسير الصحابي مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع "(٢). وعلى هذا التقييد جرى علماء السلف من أهل الحديث والأصول والتفسير . يقول ابن الصلاح : " ما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي أو نحو ذلك، كقول جابر -- ":كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل : ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ ] البقرة : 3 [ . فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول ا -- فمعدودة في الموقوفات ).(١) وذكر نحو ذلك ابن حجر في نزهة النظر (3). وعلق الشيخ أحمد شاكرعلى القول بأن تفسير الصحابي في حكم المرفوع؛ فقال : " أما إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المر فوع، وأن ما يقوله الصحابي، مما لا مجال فيه للرأي مرفوع حكماً كذلك : فإنه إطلاق غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا كثيراً في تفسير (٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 9) (١) مقدمة ابن الصلاح (ص: ٠) (3 )نزهة النظر في توضيح نَبة الفكر (ص: 33)

عدد الصفحات ١٢٧

028 القرآن، فاختلفوا، وأفتوا بما يرونه من عمومات الشريعة تطبيقاً على الفروع والمسائل، ويظن كث من الناس أن هذا مما لا مجال للرأي فيه . و أما ما يحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة، فإنه لا يعطى حكم المرفوع أيضاً، لأن كثيراً منهم--كان يروى الإسرائيليات عن أهل الكتاب، على سبيل الذكرى والموعظة، لا بمعل أنهم يعتقدون صحتها، أو يستجيزون نسبتها إلى رسول الله --، حاشا وك ) (٢). وعلق الرحيل ي على كلام الشيخ أحمد شاكر السابق فقال : وهذا تحقيق نفي ..(١) تفسير القرآن الكريم بأقوال التابعين : و أما تفسير القرآن بقول التابعين فهو مبني على أنهم أعرف الناس بم عاني كتاب الله تعالى بعد الصحابة --؛وقد درج أئمة السلف على الأخذ بأقوال التابعين في التفس ير وغيره . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: ( إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين " كمجاهد بن جبر " فإنه كان آية في التفسير .. ثم عدد مجموعة من التابعين )(3). ولهذا قال سفيان الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به(4). وخلاصة البحث في هذه المسألة أن أقوال التابعين في التفسير لها ثلاثة أحوال: النوع الأول: أن يجمعوا على قول في تفسير آية من الآيات فلا بد من الأخذ بهذا القول لمحل الإجماع . (٢) نزهة النظر في توضيح نَبة الفكر (ص: 33) (١) المرجع السابق بتحق يق الرحيلي . (3 )مجموع الفتاوى (3/368) (4 )تفسير الطبري(٢/٢)

عدد الصفحات ١٢٨