97 المبحث الثا: جهود الهلالي في علوم القرآن وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مؤلفاته المطلب الثاني: القيمة العلمية لكتبه. المطلب الثالث: منهجه فيها. المطلب الرابع : مصادره فيها.
عدد الصفحات ٩٧98 يعد علم ال تفسير نوعا من أنواع علوم الق رآن الكريم الكثيرة ، وقد أفرده المؤلفون نظرا لأهميته، وفائدته؛ فعلى فلكه تدور عامة علوم القرآن الكريم؛ إذ هو مناطها ومحورها؛ فبه تبين المعاني التي اشتمل عليها كتاب الله تعالى .. و علم التفسير نفسه لا يستغني عن بقية مباحث علوم القرآن التي يستمد منها المفسر أوجه تفسيراته ؛ ويعتمد عليها في ترجيحاته وأقواله . ومن هنا كان لزاما على المفسر أن يلم ببقية علوم القرآن ؛ ويتقن مباحثها وفنونها ؛ فيعرج في دراسته على نزول القرآن ، و تاريخ وطريقة جمعه، وقراء اته وأوجهها ، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه ، ودفع وبيان ما يتوهم فيه التعار ض من آية، وغير ذلك من المباحث والعلوم المتعلقة بالقرآن الكريم . وقد بين علماء الأمة أهم المباحث التي لها تعلق بكتاب الله تعالى وجعلوها مندرجة تحت مسمى علوم القرآن الكريم، وألفوا في ذلك كتبا مفيدة قيمة .(٢) وقبل الخوض في تلك العلوم أعرج على تعريف علوم القرآن لنكون على بصيرة من الموضوع الذي نتكلم عنه. لمعرفة تعريف ا لمركب الإضافي "علوم القرآن " لا بد أن أبين تعريف كلمتي المركب الإضافي "علوم" و"قرآن ". (٢) منها فنون الأفنان في علوم القرآن ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ، ومباحث في علوم القرآن للقطان وغيرها .
عدد الصفحات ٩٨99 تعريف كلمة "علوم" : العلوم جمع علم، والعلم مصدر "علم - يعلم" قال الخليل(٢) : " علم يعلم علما، نقيض جهل ، ورجل ع لامة ، وعلام، وعليم ".(١) وعلى تفسير العلم بأنه نقيض الجهل تواطأت كتب اللغة المعتمدة .(3) ومن هنا يمكن أن يقال إن العلم قريب في المعل من الفهم والمعرفة واليقين والجزم والفقه وغيرها من المعاني؛ إلا أن بينهما فروقا دقيقة في المعل لا تهمنا في هذا البحث.(4) وأماالقرآن في اللغة فهو مصدر "قرأ". يـُق ال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنًا . وقد اختلف العلماء هل هو مشتق أم لا ؟ فقال قوم: هو اسم علم غير مشتق خاص بكلام الله . وقال آخرون: بل هو مشتق . ثم اختلف القائلون باشتقاقه على أقوال منها: أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذ ا ضممت أحدهما إلى الآخر. ومنها أنه مشتق من القرائن، ومنها أنه مشتق من القرء، إلى غير ذلك . (٢) هو : أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، أحد الأعلام، الإمام، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض. ولد سنة مئة هـ، وحدث عن: أيوب السختياني، وعاصم الأحول، والعوام بن حوشب، وغالب القطان ، وجماعة ، وأخذ عنه سيبويه النحو، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي، ووهب بن جرير، والأصمعي، وآخرون. وكان رأسا في لسان العرب ، دينا، ورعا، قانعا، متواضعا، كبير الشأن، يقال: إنه دعا الله أن يرزقه علما لا يسبق إليه، ففتح له بالعروض، له كتاب: "العين"، في اللغة. مات سنة بضع وستين ومائة. انظر: وفيات الأعيان (١/44) وسير أعلام النبلاء (٠/ ٠) (١) (العين (١/ ١) (3 )مجمل اللغة لابن فارس(ص: 4 )مقايي اللغة(4 /٠٢٢) المحكم والمحيط الأعظم (١/ 4 ) (4 )تراجع لتلك الفروق ، كتب الفروق اللغوية كالتي لابن عساكر وغيرها .
عدد الصفحات ٩٩011 والذي اختاره السيوطي وغيره أنه غير مشتق .(٢) بينما رجح القطان أنه مشتق من قرأ قراءة وقرآن، وأنه فعلان كالشكران والغفران .(١) سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر. إلا أنه خص بالكتاب المنزل على محمد -- فصار له كالعلم الشخصي . ويطلق بالاشـتراك اللفظـي(3) علـى مجمـوع القـرآن، وعلـى كـل آيـة مـن آياتـه، فـإذا سمعـت مـن يتلو آية مـن القـرآن صـح أن تقـول إنـه يقـرأ القـرآن وكـذلك مـن سمعتـه قـرأ القـرآن كـاملا يصـح أن تقول إنه قرأ قرآنا؛ فهو على هذا ع لى اعتبار إطلاق لفظ قرآن في الحالين؛ فقد قال البعض هـو حقيقة في الحالين؛ فهو إذن مشترك لفظي، وقال آخـرون بـل هـو موضـوع للقـدر المشـترك بينهمـا وإذا يكون مشتركا معنويا ويكون مدلوله حينئذ كليا .(4) هذا هو التعريف اللغوي لكلمة قرآن . تعريف القرآن اصطلاحا : لقد بذل أهـل العلـم جهـودا كبـيرة لصـياغة حـد للقـرآن الكـريم يكـون دالا علـى جميـع أجزائـه بأقل لفظ ممكن. وسأقتصر هنا على أرجح تعريف لـه؛ وهـو أن القـرآن : كـلام الله المنـزَّل علـى محمـد --، المُتعبَّد بتلاوته.(5) (٢) الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢) (١) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان (ص: 6) (3 )الاشتراك اللفظي هو اتحاد اللفظ مع تعدد الوضع كما في العين، فإنها للباصرة، والجارية، والذهب، كما تطلق على ذات الشيء، وكالقرء للطهر والحيض ، ونحو ذلك . تراجع كتب الأصول . (4 )مناهل العرفان في علوم القرآن (٢/ ١١) (5) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان (ص: ٠٢).
عدد الصفحات ١٠٠010 تعريف المركب الإضافي : علوم القرآن. وأمــا تعريــف المركــب الإضــافي "علــوم القــرآن " فهــو أن علــوم القــرآن عبــارة عــن كــل المعــارف المتصلة بالقرآن .(٢) أو هــو كمــا قــال القطــان : "العلــم الــذي يتنــاول الأبحــاث المتعلقــة بــالقرآن مــن حيــث معرفــة أســــباب النــــزول، وجمــــع القــــرآن وترتيبــــه، ومعرفــــة المكــــي والمــــد ني، والناســــخ والمنســــوخ، والمُ حْك ــــمن والمتشابه، إلى غير ذلك مما له صلة بالقرآن . وقـــــد يســـــمى هـــــذا العلـــــم بأصـــــول التفســـــير، لأنـــــه يتنـــــاول المباحـــــث الـــــتي لا بـــــد للمفســـــر من معرفتها للاستناد إليها في تفسير القرآن "(١) وتتضــــــمن علــــــوم القــــــرآن؛ علومــــــا مختلفــــــة عــــــد منهــــــا الســــــيوطي جملــــــة كثــــــيرة حــــــتى أدخــــــل فيهــــا علــــم الهندســــة والطــــب ونحوهمــــا؛ بينمــــا أوصــــلها الإمــــام أبــــو بكــــر بــــن العــــربي إلى خمســــين وأربعمائة وسبعة آلاف وسبعين ألف علم .(3) واســــــــتدرك الزرقــــــــاني علــــــــى رأي هــــــــذين العــــــــالمين؛ فقــــــــال : " وأحــــــــب أن تعــــــــرف أن هــــــــذا الكــــلام مــــن الســــيوطي وابــــن العــــربي محمــــول علــــى ضــــرب كبــــير مــــن التأويــــل والتوســــع بــــأن يــــراد مـــــن العلـــــوم كـــــل مـــــا يـــــدل عليـــــه القـــــرآن مـــــ ن المعـــــارف ســـــواء أكانـــــت علومـــــا مدونـــــة أم غــــــير مدونـــــة وســـــواء أكانـــــت تلـــــك الدلالـــــة تصـــــريحية أم تلميحيـــــة عـــــن قـــــرب أم عـــــن بعـــــد . فأمـــــا أن تراد العلوم المدونة صراحة فدون ذلك خرط القتاد وصعود السماء ."(4) (٢) مناهل العرفان في علوم القرآن (٢/ 3). (١) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان (ص: ١٢). (3 )ذكر ذلك في كتابه قانون التأويل ، ونقله عنه الزركشي في البرهان في علوم القرآن (٢/ ٠٢) وغيره. (4 )مناهل العرفان علوم القرآن (٢/ 3-4).
عدد الصفحات ١٠١012 وإذا كــــان ذلــــك هــــو تعريــــف علــــوم القــــرآن الكــــريم فمــــا الثمــــرة الــــتي يرجوهــــا طالــــب العلــــم من تعلم تلك العلوم ؟ يلخص أهل العلم ثمرة تعلم علوم القرآن في نقاط من أهمها : ٢ - تيســـــــير تفســـــــير القـــــــرآن الكـــــــريم فهـــــــي مفتـــــــاح بـــــــاب التفســـــــير ولا يصـــــــح لأحـــــــد أن يفسر القرآن الكريم قبل أن يتعلم علوم القرآن . ١- معرفــــــــة الجهــــــــود العظيمــــــــة الــــــــتي بــــــــذلها الســــــــلف لدراســــــــة القــــــــرآن الكــــــــريم وعنــــــــايت هم الكبرى به وبعلومه التي حفظ الله تعالى بها القرآن الكريم من التغيير والتبديل. 3- التســـــلح بمجموعـــــة مـــــن المعـــــارف القيمـــــة الـــــتي تمكـــــن مـــــن الـــــدفاع عـــــن هـــــذا الكتـــــاب العزيـــــز ضـــــد مـــــن يتعـــــرض لـــــه مـــــن أعـــــداء الإســـــلام، ويبـــــث الشـــــكوك والشـــــبهات في عقائـــــده وأحكامه وتعاليمه.(٢) 4 - تلاوة كتاب الله تعالى كما أراد الله جل جلاله. 5- التدبر والتفكر في كلام ا سبحانه. 6- استنباط الأحكام الشرعية على الوجه الصحيح . هــــذا هــــو مجمــــل مــــا قيــــل في تعريــــف علــــوم القــــرآن الكــــريم ، وثمرتــــه، والــــذي نُعــــل بــــه هنــــا هـــــو جهـــــود الشـــــيخ تقـــــي الـــــدين الهـــــلالي في علـــــوم القـــــرآن الكـــــريم ، وســـــوف أبـــــين ذلـــــك – إن شاء الله تعالى – على النحو الآتي: (٢) دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي (ص: ٢) .
عدد الصفحات ١٠٢013 المطلب الأول: مؤلفاته: لم يؤلف الشيخ -رحمه الله - كتبا كثيرة في علوم القرآن ؛ بل اقتصر على كتابين صغيري الحجم كبيري النفع، و هما كتابه : نبذة من علوم القرآن ، وكتابه : ما وقع في القرآن الكريم بغير لغة العرب . وسأفرد كل واحد منهما مبينا أهم ما تناوله الشيخ فيه من علوم القرآن الكريم . أولا : كتاب نبذة من علوم القرآن الكريم : هذا الكتاب طبع للمرة الأولى مفردا من طرف دار الكتاب والسنة للطباعة والنشر والتوزيع في مصر سنة سبع وألفان من الميلاد ، وهو يقع في نحو إحدى وأر بعين صفحة من الحجم العادي . وهو في الأصل جزء من كتاب "قبسة من أنوار الوحي " الذي طبع عن مكتبة دار المعارف في الرباط سنة خم وأربعمائة وألف من الهجرة في ست وأربعين ومائة صفحة. نسبة الكتاب للشيخ : كتاب نبذة من علوم القرآن صحيح النسبة للشيخ الهلالي -رحمه الله -؛ فقد ذكره جُ ل من ترجمه ضمن مؤلفاته مبينين أنه جزء من كتاب له سماه "قبسة من أنوار الوحي .(٢) وقد بين الشيخ -رحمه الله - في مقدمة الكتاب تأليفه له وتسميته وكونه جزءا من كتابه "قبسة من أنوار الوحي .. (٢) ينظر سبيل الرشاد ج ٢ص99
عدد الصفحات ١٠٣014 يقول الشيخ -رحمه الله -: " ... وقد ألفت دروسا مناسبة لطلب ة الجامعة وغيرهم من المبتدئين أرجو أن ينفع الله بها من شاء من عباده وسميتها قبسة من أنوار الوحي وجعلتها أربعة أقسام ، القسم الأول : نبذة من علوم القرآن ...".(٢) نظرة عامة على الكتاب : ابتدأ الشيخ -رحمه الله - كتابه بمقدمة شكا فيها من غربة علوم القرآن وقلة العناية بها حيث يقول: " ..أما بعد فإن تدري علوم القرآن وتفسيره ، وعلوم الحديث ومتونه يشكو إلى الله الغربة في بلاد الإسلام، وقد أعرض عنه الخاص والعام من المحترفين بالدين فضلا عن غيرهم ..."(١). وقد بين الشيخ -رحمه الله - في هذا الكتاب جملا من علوم القرآن الك ريم؛ يمكن تلخيصها على النحو الآتي: - تعرف القرآن الكريم .(3) - تعريف الوحي .(4) - بداية نزول القرآن الكر .(5) - أول آية نزلت .(6) - آخر آية نزلت .(٠) (٢) نبذة من علوم القرآن ص ١٢. (١) نبذة من علوم القرآن ص ٢٢. (3 )نبذة من علوم القرآن ص 3. (4 )نبذة من علوم القرآن ص 9. (5 )نبذة من علوم القرآن ص 3. (6 )نبذة من علوم القرآن ص 3. (٠) نبذة من علوم القرآن ص 3.
عدد الصفحات ١٠٤015 - المكي والمد.(٢) - حفظ القرآن من التغيير والتبديل .(١) - العلة في تسمية السور .(3 ) - كتابة القرآن الكريم في ال عهد النبوي.(4) - ترتيب الآيات هل هو توقيفي .(5) - أسباب النزول.(6) - جمع القرآن .(٠) - كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.(8 ) - الأجرة على تعليم القرآن .(9) - حكم حفظ القرآن .(٠٢) - الناسخ والمنسوخ .(٢٢) تلك هي أهم الموضوعات التي بينها الشيخ -رحمه الله - في كتابه "نبذة من علوم القرآن " وسوف ألقي عليها مزيدا من الضوء والدراسة في الفصول والمباحث القادمة . (٢) نبذة من علوم القرآن ص ٠٢. (١) نبذة من علوم القرآن ص 6و9. (3 )نبذة من علوم القرآن ص 8. (4 )نبذة من علوم القرآن ص 9. (5 )نبذة من علوم القرآن ص 9. (6 )نبذة من علوم القرآن ص ٢١. (٠) نبذة من علوم القرآن ص ٠١و١. (8 )نبذة من علوم القرآن ص 34. (9 )نبذة من علوم القرآن ص ٠. (٠٢) نبذة من علوم القرآن ص ٠. (٢٢) نبذة من علوم القرآن ص 39.
عدد الصفحات ١٠٥016 ثانيا: كتابه "ما وقع في القرآن الكريم بغير لغة العرب ". وقـــــــد طبعتـــــــه دار الكتـــــــاب والســـــــنة في مصـــــــر الطبعـــــــة الأولى ســـــــنة ٠٠٠١م، وجـــــــاء في أربعين صفحة من الحجم العادي للطباعة . وقـــــــــد تعـــــــــرض فيـــــــــه الشـــــــــيخ -رحمـــــــــه الله - لمســـــــــائل هامـــــــــة متعلقـــــــــة بموضـــــــــوعه؛ ويمكـــــــــن تلخيصها على النحو الآتي: - أصل تداخل اللغات ، وبيان أن ثراء اللغة يعتمد على حضارة الناطقين بها .(٢) - مسألة وجود المعرب في القرآن الكريم .(١) - المؤلفين في هذا المجال قبل الشيخ -رحمه الله -.(3 ) - أهمية تعلم اللغات.(4) - ثمرة وفائدة تعلم اللغات .(5) بعــــــض الكلمــــــات الــــــتي قيــــــل إن أصــــــلها غــــــير عــــــربي في القــــــرآن الكــــــريم؛ ورأي الشــــــيخ - رحمه الله - فيها، وقد جعلها تحت عنوان : " الكلمات المشتركة ".(6) والكتـــــاب علـــــى صـــــغره فيـــــه فوائـــــد جمـــــة يســـــتفاد منهـــــا في المســـــألة الـــــتي ألـــــف مـــــن أجـــــل إيضاحها وبيانها . (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 5. (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص ٠٢-8. (3 )ما وقع في القرآن بغير ل غة العرب ص 9. (4 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 9-٠١. (5 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص ١١. (6 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 5-٠.
عدد الصفحات ١٠٦017 المطلب الثاني: القيمة العلمية لكتبه: لم يؤلف الشيخ -رحمه الله - كتبا ذات حجم كبير في علوم القرآن الكريم ؛ بل اقتصر على الاختصار غير المخل؛ وغالبا على طريقة السؤال المختصر والجواب الكافي غير المستطرد .. وإن الناظر في كتابيه هذين اللذين خصصهما لجوا نب من علوم القرآن الكريم يجد أنهما احتويا على مادة علمية جيدة تفيد طلاب الجامعة اللذين ألفا لغرض بيان المادة لهم .. ولئن كانا غير موسوعيين بالمعل العلمي إلا أن فيهما زبدة كثير من المواضيع المتعلقة بعلوم القرآن الكريم ، كما سأبينه في الفصول المتعلقة بذلك . وسوف أقتصر هنا على نقاط تبين القيمة العلمية لهما : أولا : متانة المادة العلمية: يعلم المطالع لمؤلفات الشيخ -رحمه الله - قوة سبكه اللغوي وغزارة المادة العلمية التي يعرض في مؤلفاته ؛ وبعده عن التقليد الجاف؛ واختياره لأهل العلم الذين ينقل عنهم ، ونقده لما يحتاج إلى نقد من تلك النقول .. ومن هنا تراه ينقل - مثلا - رأي المانعين من وقوع المعرب في القرآن الكريم ويرد عليهم ردا محكما فيقول -رحمه الله - : ( ..وقال أبو عبيدة (٢) : "إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ، ومن زعم أن "لُ دا" بالنبطية فقد أكبر القول ، وقال ابن فارس : "لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها ". (٢) مجاز القرآن ، ج ٢ ، ص : ٠٢
عدد الصفحات ١٠٧018 قال محمد تقي الدين: إنما يمكن أن يقال ذلك إذا كان في القرآن الكريم تراكيب أعجمية، أو كلمات باقي ة على عجمتها ، أما وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ونحت بها مناحي كلماتها ودخلت في أوزانها فلا يمكن أحد أن يدعي ذلك فيها ..)(٢). وأمثلة ذلك من ردوده المحكمة ؛ وعرضه لمادة علمية متكاملة في المنهج وفي المحتوى وفي الأسلوب أكثر من أن تحصر . وأما في كتابه "نبذة من علوم القرآن " فقد اتخذ فيه منهج السؤال والجواب كطريقة لإيصال المعلومات بطريقة سهلة ميسرة .. ويمكن أن ينتقد بأنه إنما جاء فيه بنتف قليلة من مادة علوم القرآن الكريم ، وأنه لم يستوعب المسائل المتعلقة به من كل جوانبها ولا من جلها على الأقل بل اقتصر على مسائل عامة شائعة .. ويجاب عن ذلك بأنه التزم بعنوان كتابه ؛ فهو نبذة من علوم القرآن وقد وفى بالمقصود من كتابه ، وأدى الهدف المنوط به ؛ حيث أحاط بجُ لِّ جوانب مادة علوم القرآن الكريم المقررة في الجامعات في عصره . ثانيا : مكانة المؤلف: من أهم المسائل التي تعر ف بها قيمة الكتب العلمية مكانة المؤلف الذي ألفها وجمعها؛ وقد قدمت نبذة من مكانة الشيخ تقي الدين الهلالي بما أغل عن إعادتها هنا . والمطالع لكتابيه هذين وبقية كتبه يعلم مدى عنايته بمادة علوم القرآن الكريم، واعتنائه بتسليط الضوء عليها ، وتبسيطها للطلاب ، حتى يستوعبوها ويحبوها عن فهم وإدراك .. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء . (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 6-٠٢.
عدد الصفحات ١٠٨019 المطلب الثالث: منهجه فيها: اتسم منهج الشيخ -رحمه الله - في كتبه التي عُنين فيها بعلوم القرآن بسمات أبرزها ما يلي : ٢ – ذكر مقدمة يذكر فيها الغاية التي من أجلها ألف الكتاب . ١ – يذكر في تلك المقدمة عنوان الكتاب . 3 – ربما أشار إلى النتائج التي يريد التوصل إليها من خلال الكتاب .(٢) 4 – ضرب الأمثلة للأفكار التي يتناولها كوسيلة لتوضيحها .(١) 5 – النقل عن أهل العلم المختصين في القرآن الكريم وعلومه . 6 – الاستدلال على المسائل التي يعرض ها بالأدلة المتفق عليها من الكتاب والسنة وأقوال السلف .(3) ٠ – عدم ذكر الأقوال الضعيفة جدا.(4) 8 – اللهجة القوية في الحق. 9 – اختيار صيغة السؤال والجواب بوصفها وسيلة تسهل مادة علوم القرآن على الطلبة والمبتدئين. (5) (٢) ينظر مثلا : ما وقع في القر آن من غير لغة العرب ص 3 وما بعدها. (١) ما وقع في القرآن من غير لغة العرب ص 4. (3 )ينظر مث: ما وقع في القرآن من غير لغة العرب ص ٠٢و9 وغيرها. (4 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب ص 3. (5 )كما في كتابه نبذة من علوم القرآن .
عدد الصفحات ١٠٩001 تلك هي أهم سمات المنهج الذي اتبعه ا -رحمه الله - في كتبه في علوم القرآن وخاصة كتابيه : "نبذة من علوم القرآن " و"ما وقع في القرآن الكريم بغير لغة العرب ".
عدد الصفحات ١١٠000 المطلب الرابع: مصادره فيها. لقد عُني الشيخ -رحمه الله - بالمصادر ذات الصلة بعلوم القرآن؛ وجعلها مصادر اً لكثير من المعلومات التي يعرضها في كتبه المتعلقة بعلوم القرآن .. والظاهر أنه كان واسع الإطلاع على المؤلفات ذات الصلة؛ يعرف ذلك من خلال عزوه للمصادر المتقدمة عليه، وعدم إغفاله المراجع الحديثة ككتاب: الألفاو الأجنبية في القرآن الكريم، وكرجوعه للترجمة العبرانية لمعاني القرآن الك ريم، وكل تلك المؤلفات معاصرة وحديثة . وسوف أبين هنا أهم المصادر التي عزا لها الشيخ واستمد منها في كتبه التي ألفها في علوم القرآن الكريم ؛ عارضا نبذة من حياة مؤلفيه ا ومنهجية الشيخ في النقل منها: أولا : تفسير ابن جرير الطبري . هذا الكتاب الضخم لا تكاد تبحث عن علم إلا وجدت فيه منه نصيبا لا بأس به؛ ولذا عده العلماء أحد المصادر التي لا يستغل عنها في أي فن.. وقد قدمت ترجمة وافية عن مؤلفه، وتعريف شامل بالكتاب نفسه . والذي يهمني هنا هو نـُ قُ ولُ الهلالي منه.. ن ُ قُ ولُ الهلالي من تفسير ابن جرير فيما يخص علوم القرآن : ينقل الشيخ تقي الدين الهلالي عن الإمام ابن جرير الطبري تارة مقررا بنقله عنه بعض الحقائق العلمية المتعلقة بعلوم القرآن، وتارة ينقل عنه ليرد عليه ، ومرة ينقل عنه بواسطة ابن كثير أو السيوطي أو غيرهما معتمدا عليه في تحقيق مسألة علمية متصلة بعلوم القرآن الكريم، وإليك تفصيل ذلك :
عدد الصفحات ١١١002 نقله عنه مستشهدا بكلامه: يقول -رحمه الله -: ( تقدم أن آخر ما نزل على النبي -- آية المائدة: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ ]المائدة: 3[ الآية في السنة العاشرة من الهجرة ، قال ابن جرير الطبري : "لم ينزل على النبي -- بعد هذه الآيةتحريم شيء ولا تحليله و لم يعش النبي - - بعدها إلا إحدى وثمانين ليلة."(٢) ).(١) نقله عنه بواسطة غيره والرد عليه : يعتمد الهلالي أحيانا على نقل غيره من أهل العلم الموثوقين فينقل عن السيوطي نقله عن ابن جرير الطبري - رحم الله الجميع -؛ ثم يرد عليه فيقول -رحمه الله -: (.. قال السيوطي: "قال ابن جرير ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاو (3) القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد"(4). قال محمد تقي الدين: ابن جرير إمام المفسرين في زمانه وما بعده و قد أخطأ في هذا الرأي إذ لا يمكن أن تتكلم هذه الشعوب المتباينة في أنسابها ولغتها المتباعدة في أوطانها على سبيل المصادفة والاتفاق وتوارد الخواطر بتلك الكلمات الكثيرة العدد على أن الذين قالوا في القرآن كلمات كانت في الأصل غير عربية ثم صارت بالاستعمال عربية لم يقل أحد منهم أن الكلمة (٢) الذي في مطبوع ابن جرير ه و : (لم ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.) تفسير الطبري (9 /8 )والمعل واحد. (١) نبذة من علوم القرآن ص 4. (3) في الإتقان لفظة من بعد كلمة "ألفاو" وهي ضرورية للمعل وهي ليست في كتاب الهلالي . (4 )الإتقان في علوم القرآن (١/ 5).
عدد الصفحات ١١٢