315 وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أن أن الن-- قال: « إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة؛ يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بح سناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها ».(٢)هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له عن رسول الله -- :«إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته» اهـ.(١) فهذا الحديث الثابت عن النبي - - فيه التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معا، وبمقتضى ذلك يتعين تعيينا لا محيص عنه أن الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر؛ لأنه لا يجزى بحسناته إلا في الدنيا خاصة. وأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معا - فلم يذهب طيباته في الدنيا ؛ لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله - تعالى - يثيبه بها في الدنيا، كما قال - تعالى -: ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ [الطلاق: ١ – 3 ] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب - ثوابا في الدنيا، ولي ينقص أجر تقواه في الآخرة ".(3) (٢) صحيح مسلم كتاب صفة الجنة والنار والقيامة باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة حديث رقم 8 (4 /١) . (١) صحيح مسلم كتاب صفة الجنة والنار والقيامة باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة حديث رقم 8 (4 /١). (3 )أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٠/ 9-٠)
عدد الصفحات ٣٠٥316 الطريقة الثانية الاكتفاء بالسنة: ذلك أن الشنقيطي -رحمه الله - قد يفسر الآية بالسنة النبوية مكتفيا بها ، وغالبا ما يبين ذلك بمقدمة موجزة توضح سبب اكتفائه بالسنة في تفسيره للآية الكريمة محل الدراسة . ومن ذلك قوله -رحمه الله - في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ [الحجر: ٠ ] حيث قال ما نصه: ( ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أتى نبيه - - سبعا من المثاني والقرآ ن العظيم، ولم يبين هنا المراد بذلك . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية الكريمة إن كان لها بيان في كتاب الله غير واف بالمقصود، أننا نتمم ذلك البيان من السنة، فنبين الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان للقرآن المبين باسم الفاعل . فإذا علمت ذلك ؛ فاعلم أ ن النبي -- بين في الحديث الصحيح: أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة : هو فاتحة الكتاب . ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك بإيضاح النبي - - لذلك في الحديث الصحيح).(٢) ثم ساق حديث البخاري: " ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد، فذهب النبي - - ليخرج، فذكرته، فقال : ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ [الفاتحة: ١ ]، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته ».(١) وحديث البخاري أيضا : «أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم ».(3) (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ 4) (١) صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن باب ما جاء في فاتحة الكتاب حديث رقم 4 (6 /٠٢) (3 )صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن الكريم باب قوله :"ولقد آتيناك سبعا من المثاني" حديث رقم 4 (6 /٢)
عدد الصفحات ٣٠٦317 ثم قال -رحمه الله -: ( فهذا نص صحيح من النبي -- أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: فاتحة الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال: إنها السبع الطوال، غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه -- ومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنز لت إلا بالمدينة. والعلم عند الله تعالى).(٢) وعليه فالشنقيطي متوسع في هذه الزاوية أكثر من الهلالي . ج - تفسير القرآن بآثار الصحابة : موقف الشنقيطي : يقف الشنقيطي من تفسير القرآن الكريم بآثار الصحابة -- موقفا يتفق فيه مع جمهور سلف هذه الأمة ؛ ويقتضي هذا الموقف أن يفسر القرآن الكريم بأقوال الصحابة مع إعطاء قول الصحابي في التفسير حكم الرفع ، ولكن بشرطين قدمتهما في منهج الهلالي وبينت هناك خلاف أهل العلم فيهما . والشرطان المذكوران لإعطاء قول الصحابي في التفسير حكم الرفع هما : أولا : أن يكون تفسير الصحابي مما لا مجال للرأي فيه كأمور الآخرة مثلا . ثانيا : ألا يكون الصحابي معروفا بالأخذ من الإسرائيليات . وقد ذهب الشنقيطي إلى إعطاء حكم الرفع لقول الصحابي في التفسير بالشرطين السابقين.(١) (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ 5) (١) راجع مثلا أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٢/ 395 )أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ 3)
عدد الصفحات ٣٠٧318 واستدرك عليه البعض الشرط الثاني فقال معلقا على اشتراط ال شنقيطي الشرطين السابقين ما نصه: ( وأيا ما كان الأمر فإننا نرى إثبات حكم الرفع لآثار الصحابة -- إلى رسول ا -- بشرط أن لا يكون الصحابي معروفا برواية الإسرائيليات أو مشتهرا بأخذها عمن أسلموا من أهل الكتاب، وهذا هو الشرط الأول الذي نوافق فيه الشنقيطي . غير أننا نَتلف معه في الشرط الثاني الذي يخصص من خلاله قول الصحابي ؛ فيقيده بحصره في الأمور التوقيفية دون غيرها ، والحق أن هذا التخصيص ، أو ذاك التقييد لا وجه له ، بل ومردود عليه بأن الصحابي متى ما كان سالما من رواية مثل هذه الإسرائيليات التي هي مظنة الكذب ؛ فلي بعد صدقه المتيقن من شيء ، ولا على ما يرويه بعد ذلك من سبيل، وإلا لردت أقوال الصحابة برمتها أو بجلتها ، وهذا ما لا يقبل بحال ، ولا يسوغ تحت أي مقال )(٢) قلت: والواقع أن هذا الاستدراك في غير محله إذ أن الظاهر أن صاحبه لم يفهم مراد أهل العلم -والشنقيطي منهم- في الشرط الثاني أي أن يكون قو ل الصحابي مما لا مجال للرأي فيه . و لتوضيح مراد أهل العلم من قولهم : "إذا كان قول الصحابي في التفسير من المسائل التي فيها مجال للرأي فإنه لا يعطى حكم المرفوع " أقول في هذه النقطة تحديدا قول الصحابي ينقسم إلى قسمين : القسم الأول : أن يكون في مسائل الأحكام والمعاملات التي فيها مجال للرأي كثبوت الهلال مثلا بعدل واحد أو كخيار المجل في البيع ونحو ذلك ؛ فهذا لا يعطى حكم المرفوع لأنه قد يكون رأيا من الصحابي واجتهادا منه ؛ أو جمعا رآه بين النصوص ، وغير ذلك من العلل التي تحتمل ولا يمكن معها - علميا - القطع برفعه إلى المعصوم --، وإلا لتعارضت أقواله وذلك محال . (٢) الشنقيطي ومنهجه في التفسير ص ١١
عدد الصفحات ٣٠٨319 القسم الثاني: أن يكون قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه كأحوال الآخرة ، وقصص الأمم السابقة ، وأحوال البرزخ ، والمقادير الشرعية ، ونحو ذلك ؛ فهذا يعطى حكم المرفوع – مع مراعاة الشرط المتقدم – لأن الصحابة عدول بلا شك ، فإذا قال الواحد منهم مثلا صفة العرش كذا أو حال جبريل كذا ونحو ذلك من المغيبات فلا شك أنه تلقاه من النبي -- إذ لا مجال للرأي في هذا ولي الصحابي الذي نقله معروفا بالأخذ عن بني إسرائيل فلم يبق إلا أنه أخذه عن النبي -- . فبان من ذلك السبر والتقسيم أن استدراك هذا الباحث على الشنقيطي -رحمه الله - في غير محله ؛ وأنه نتج عن عدم فهم المراد من محل الخلاف أو نتج عن خلط بين أمور لها تعلق بهذا كمسألة تصريح بعض الصحابة برفع مسألة ما وتصريح آخرين بوقفها ؛ وكمسألة زيادة الثقة ونحو ذلك من المسائل التي تبحث في هذا المجال . والله تعالى أعلم. المقارنة في النقاط السابقة : يكاد منهج الشيخين الهلالي والشنقيطي يكون متحدا في النقاط السابقة فكل منهما لجأ إلى السنة في بيان بعض الآي التي يتعرض لتفسيرها إما لإكمال دلالتها بعد بيانها بالقرآن الكريم ، وإما لإيضاح دلالتها ، وإما عند عدم وجود المبين من القرآن الكريم ، فيعمدان إلى السنة النبوية لتفسير المراد من تلك الآية الكريمة . ولذا فإني لا أجد فرقا جوهريا بين الشيخين في جميع أفراد منهجيهما في التفسير بالمأثور إلا أنهما يختلفان قليلا من حيث كثرة الاستعمال و اتساع المباحث وعمق النظرة التفسيرية والأفضلية في كل ذلك للشنقيطي -رحمه الله - ولا مقارنة أصلا لا في جودة النقول عن أهل العلم ودقتها ، ولا في المباحث المتصلة بمختلف العلوم أيضا . والله تعالى أعلم .
عدد الصفحات ٣٠٩301 ثالثا: الإحالة : والمقصود بها أن يحيل الشيخ تفسير آية معينة على كتاب من كتبه، ويمكن تقسيمها إلى قسمين كما بينت في الفصل الخاص بمنهج الهلالي في التفسير، وهما : الإحالة إلى نف الكتاب، والإحالة إلى كتاب من كتب الشيخ الأخرى، وقد قدمت ما يخص الهلالي من ذلك في محلة . موقف الشنقيطي رحمه الله تعالى : كثيرا ما يستخدم الشنقيطي رحمه الله تعالى طريق الإحالة وخاصة إلى كتابه أضواء البيان ، وذلك حين تعرض له آية قدم تفسير ما يماثلها في المعل من الآيات . وبالنظر إلى منهج الشنقيطي رحمه الله تعالى فإنه يتخذ في مسألة الإحالة منهجين : الأول : أن يذكر السورة ولا يصرح بالآية ، وهو ق ليل جدا . الثاني : أن يصرح عند الإحالة بالسورة والآية المحال عليها ، وهذا هو الغالب في تفسيره . مثال الإحالة في النوع الأول : يقول رحمه الله : ( قوله تعالى: ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ [النحل:٠٢ ] تقدم الكلام على ما يوضح معل هذه الآية الكريمة في «سورة الحجر »)(٢). (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ٠)
عدد الصفحات ٣١٠300 مثال الإحالة في النوع الثاني : يقول رحمه الله : ( قوله تعالى: ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭼ [فاطر: ١٢ ] .قد تقدم الكلام عليه مع بسط أحكام فقهية تتعلق بذلكسورة «النحل»، الكلام على قوله تعالى: ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ [النحل: 4 ] (٢). المقارنة بين منهجي الشيخين : يظهر أن الشيخين يستخدمان طريق الإحالة كمنهج تفسيري ، ولكن بينهما فروق يمكن إجمالها في نقاط : الأولى : أن الهلالي قليل الإحالة في الجملة وإن أحال فإلى سبيل الرشاد (١) أو الهدية الهادية (3) فيحين أن الشنقيطي رحمه الله تعالى يكثر من الإحالة وخاصة على ثلاثة من كتبه هي : أ – أضواء البيان . ب – منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز (4). ج– دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (5). (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/٢-١ – ٠- ٠- 5 )وكذلك ( ٠/٠) (١) انظر مثلا : سبيل الرش اد 6/٠ (3 )انظر على سبيل المثال: سبيل الرشاد ج ٢ص٠ (4 ) حيث أحال عليه٠٢ مواضع.منها: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/٠) و (3/85-٠). (5 )حيث أحال عليه في نحو6 موضعا ، منها: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٢/ 4- 6-466).
عدد الصفحات ٣١١302 الثانية : أن الهلالي غالبا ما يحيل بعد بيان الآية بيانا خفيفا ، في حين أن الشنقيطي يبين الآية بيانا وافيا ، ثم يحيل على الموضع الآخر لأنه توسع فيه وأشبعه بحثا. الثالثة : أن الكتب التي يحيل عليها الهلالي غالبا ما تكون في غير تخصص التفسير ككتابه الهدية الهادية ، وكتابه الدعوة إلى الله تعالى ، في حين أن الشنقيطي يحيل على ك تب له في تخصص التفسير كما قدمت . والله تعالى أعلم .
عدد الصفحات ٣١٢303 المبحث الثاني: منهجهما في الرد على البدع وفصل الخلاف والنزاع : ذم الابتداع : لم يختلف علماء الإسلام في ذم الابتداع في الدين من حيث الجملة ؛ ولكن مواقفهم كانت متفاوتة في وصف البدع بشكل عام ؛ وم تفاوتة أيضا في الشدة على البدع والمبتدعين؛ بل حتى إنه وجد منهم من يقول بوجود البدعة الحسنة في الدين كما هو شأن كثير من المتصوفة والمتمذهبين ونحوهم. موقف الهلالي : عرف الهلالي البدعة فقال -رحمه الله - : " البدعة هي أن يتقرب المبتدع إلى الله بزعمه بأمر محدث حقيقة أو شكلاً ".(٢) وإذا كان هذا هو تعريف البدعة عند الهلالي فلا غرو إن شن -رحمه الله - حربا شعواء على البدع ؛ وحارب المبتدعين على اختلاف أصنافهم؛ إذ كان يدفعه إلى ذلك حسرته على فترة شبابه التي قضى معظمها منافحا عن بدع المتصوفة؛ مغترا بمظاهرهم التي تخفي ور اءها سحنة مخيفة، ولم يكن -رحمه الله - يفرق بين البدع فيصف بعضها بالحسن والآخر بالقبيح؛ بل كان يراها قبيحة كلها ، وضلالة كلها . يقول -رحمه الله - :" اعلم أن الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي رحمة الله عليه ألف كتاباً سماه "الاعتصام" أقام فيه الحجج الدامغة والبراهين القاطعة على أن البدع -كلها- إذا كانت في الدين ضلالة، وهي شر من أكبر الكبائر، وبـ ينَّ انقسامها إلى إضافية وحقيقية وبين أن حكمها واحد، فكل من قرأه وتمسك بعد ذلك ببدعة، فلا يخلو : (٢) الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق (ص: ١).
عدد الصفحات ٣١٣304 إما يكون جاهلاً بفهم معناه، أو منافقاً يبغض ما جاء به الرسول -- ويدعي الإسلام، تستراً لأغراض دنيوية خسيسة، ولا يتسع وقتي لنقل كثير منه وإنما أقتصر على قليل، ولكنه كاف شاف لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ." (٢) ولم يكتف بذلك بل بين -رحمه الله - زيف ادعاء بعض المبتدعين أن من ترك بدعته يهلك فقال -رحمه الله- : " كيف يتصور أن يعاقب الله الإنسان على ترك طريقة مبتدعة التزامُها شر من المعاصي لأن البدعة شر من المعاصي، لأن المعاصي يرتكبها صاحبها وهو يعلم أنها معصية، ولا ينوي أبدا التقرب إلى الله بها بل يرتكبها وهو خائف من الله إن كان مؤمنا إلا أن الغفلة والجهالة واتباع الهوى غلب خوفه من الله ، ولذلك تراه يعترف بذنبه ويرجو أن يتوب منه فترك الطريقة بالتوبة منها لا يدعو إلى الخوف بل يدعو إلى الأمل لأن الله تعالى يقبل التائبين من المعاصي والبدع ويغفر ذنوبهم "(١). موقف الشنقيطي : لقد كان الشنقيطي -رحمه الله - من أكثر العلماء بعدا عن البدع ومحاربة لها؛ وللمدافعين عنها ، وكان من أكثرهم كذلك حرصا على حصر الأدلة الشرعية والمنطقية التي تدحض شبه المبتدعين وتبين ضعف مستنداتهم العلمية والفكرية ؛ يساعده في ذلك سعة اطلاعه على العلوم الشرعية ، وخبرته في روغان المبتدعين وجحوره م التي يتحصنون فيها . وكثيرا ما يعمم الشنقيطي كلامه على عامة المبتدعين ؛ فيورد الأدلة على ذم أهل البدع بشكل عام ؛ حيث يدخل في ذلك أصنافهم المختلفة . (٢) الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق (ص: 54) (١) الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية (ص: 63-64)
عدد الصفحات ٣١٤305 يقول-رحمه الله -: " وهذه الآية الكريمة التي هي قوله: ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [الحج: 3 ] ، يدخل فيما تضمنته من الوعيد والذم: أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك؛ لأن العبرة بعموم الألفاو لا بخصوص الأسباب ).(٢) وهكذا ينهج الشنقيطي هذا النهج في ذم الابتداع والمبتدعين ؛ مبينا أن أكثرهم يبني بدعه على جهل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه -- وإعراض عما تعلمه من ذلك؛ في حين يسلم عن ن ان فكره لرؤساء الضلالة الذين لا يزيدونه إلا ضلالا، ولا يسلكون به إلا طريق الظلام الموحش ة. تشخيص البدع من واقع الأمة : موقف الهلالي: لقد عُني الهلالي -رحمه الله - بتشخيص البدع من واقع الأمة التي يعيش فيها، وركز على البدع المنتشرة في زمانه؛ ولم يلتفت إلى البدع القديمة إلا من خلال فروعها التي تولدت منها وانتشرت في العالم الإسلامي المعاصر . ويرك ز الشيخ الهلالي بصفة خاصة على التوحيد بأنواعه، والشرك وفروعه؛ لأنه يرى أن كل ما أصاب الأمة من تخلف وهزيمة إنما كان منشؤه من غياب توحيد الله تعالى الحقيقي، وانغماس كثير من أبناء هذه الأمة في الشرك والبدعة والمعاصي . (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (4 /١).
عدد الصفحات ٣١٥306 يقول ا-رحمه الله -: "..إن المسلمين قد أهملوا توحيد الله في أكثر أوطانهم، وانغمسوا في الشرك الأكبر، واستوى في ذلك عالمهم وجاهلهم إلا قليلا ممن أخذ الله بيده "(٢). هكذا إذن يرى الهلالي -رحمه الله - أن كثيرا من المسلمين قد انغمسوا في الشرك الأكبر واستوى في ذلك جاهلهم وعالمهم، إلا قليلا ممن رحم الله تعالى . ولا يكتفي الشيخ في تشخيص أهم البدع التي أصابت الأمة في أنها إنما نشأت من التفريط في توحيد الله تعالى الذي كان هو أساس قوة الأمة وازدهارها ، وتركه والانسلاخ منه وتعويضه بنقيضه هو مربط الفرس في تخلفها وغثائيتها .. يقول -رحمه الله -: (.. وهذا محل الشاهد أن النصر لا يأتي إلا من الله ولا ينبغي للمؤمن أن يطلبه إلا من الله فإن طلبه من غيره خاب وخسرـ ولم يظفر به أبدا ولهذا ترى المشركين في هذا الزمان يتعلقون بالأوربيين ويطلبون منهم السلاح ويتعلمون استعماله منهم، ويظنون أن ذلك كل شيء، ولم ينفعهم ذلك شي ئا، ولن ينصروا أبدا، إلا إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه - -، وحكموا شريعة الله، وقد مضت عليهم مئات السنين وهم يجربون طريقهم العقيم، فما حصدوا إلا الخيبة والخسران، ولو جربوا طريق الحق سنة واحدة لطلع عليهم فجر السعادة، وذهب نحسهم وظهر سعدهم : "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " )(١). موقف الشنقيطي : وإذا كان هذا هو نهج الهلالي في تشخيص البدع التي أصابت الأمة ، ومدى تأثيرها على جسد الأمة الإسلامية ؛ فإن الشنقيطي -رحمه الله - هو الآخر كان قد نبه على كثير من هذه البدع التي أنهكت جسد الأمة، وأضعفته حتى صار ه زيلا نحيلا . (٢) سبيل الرشاد ٢/99. (١) سبيل الرشاد ٢/٠.
عدد الصفحات ٣١٦307 يقول الشنقيطي-رحمه الله -: " المشكلة الثالثة: هي اختلاف القلوب الذي هو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية، لاستلزامه الفشل، وذهاب القوة والدولة، كما قال تعالى:ﭽ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭼ [الأنفال: 46 ]. وقد أوضحنا معل هذه الآية في سورة «الأنفال». فترى المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة والبغضاء، وإن جامل بعضهم بعضا فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة، وأن ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك".(٢) وإذا كان الهلالي قد أرجح أسباب ضعف الأمة وانهيارها إلى البدع المتعلقة بالشرك، وبين أن ازدهارها لن يكون إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة؛ فإن الشنقيطي -رحمه الله - قد أوضح أن التشتت واختلاف القلوب يعتبر من أهم أسباب الفشل الذي أصاب الأمة . والشيخان هنا لا يختلفان اختلافا جذريا ؛ بل إن مصب تشخيصهما للبدع التي أصابت الأمة واحد؛ فالهلالي نظر إليه من ناحية أصله، والشنقيطي نظر إليه من ناحية مآله ونتيجته الحتمية. الشمولية في معالجة البدع . لقد اهتم الشيخان رحمهما الله تعالى بمعظم البدع التي دخلت على الدين، وخاصة تلك التي كان لها الأثر البالغ في تفريق المسلمين، وإضعافهم ، ومن ثم تسليط الأعداء عليهم. وسوف أعرض هنا لأهم تلك البدع التي جعلها الشيخان نصب أعينهما . (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3 /53 )وراجع أيضا : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3 /٠١).
عدد الصفحات ٣١٧308 بدعة تقليد غير المعصوم: تعريف التقليد لغة واصطلاحا : أصل التقليد في اللغة من: قلد الشيء على الشيء: لواه .(٢) يقول ابن فارس: " القاف واللام والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء وليه به، والآخ ر على حظ ونصيب".(١) ويعرف التقليد في الاصطلاح بأنه : " عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقدًا للحقيقة فيه، من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادةً في عنقه".(3) وقد شاعت بدعة تقليد غير المعصوم بعد ظهور المذاهب وانتشارها في الأمة ؛ حتى صار الدليل عند كثير من أهل العلم ينحصر في قول إمامه ؛ دون نظر إلى المستند الشرعي لذلك الإمام. وانتشرت المذاهب في الأمة، وصنفت فيها المصنفات ، وأغفل الدليل في كثير منها ، وظل الحال على ذلك حتى عصرنا الحاض ر . ومن هنا نبه الشيخان الهلالي والشنقيطي رحمه ما الله تعالى على بدعة تقليد غير المعصوم، وردا على المدافعين عنها بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف . (٢) مقايي اللغة (5 /9 )مختار الصحاح(ص: 59 )تاج العروس(9 /64). (١) مقايي اللغة (5 /9). (3 )التعريفات (ص: 64).
عدد الصفحات ٣١٨309 موقف الهلالي: خصص الهلالي -رحمه الله - قسما كاملا من كتابه سبيل الرشاد للتنبيه على هذه البدعة الشنيعة ، والتحذير منها، وهو القسم الذي جعله في الإتباع ، وقد أشبعه بالاستدلال على خطر تقليد من لي بمعصوم . يقول -رحمه الله -: ".. وأصحاب المذاهب يأبون أن يتبعوا رسول الله --، أن يصلوا صلاته، وأن يحجوا كما حج، وأن يعتمروا كما اعتمر ؛ فيعرضون عباداته على مذاهبهم، و يتبعونها وإن خالفت سنة الرسول --، ألي هذا عنادا للكتاب والسنة؟ ومن لم يتب منهم فجزاؤه أن يصلى سقر، نسأل الله أن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم ويبعدنا جميعا من طريق أصحاب الجحيم ".(٢) ولم يكتف الشيخ بهذا التحذير من بدعة التمذهب، وتقليد غير المعصوم؛ بل ختم -رحمه الله- هذا القسم من كتابه سبيل الرشاد بقوله : " ختمت هذا الكتاب المبارك -وأسأل الله أن ينفعنا به وينفع به كثيرا من خلقه- بسورة العصر التي قال فيها الإمام الشافعي -رحمه الله -: " لو لم ينزل الله تعالى على عباده إلا هذه السورة لكفتهم "(١) ، ووجه الاستدلال بها على اتباع الكتاب والسنة وترك مخالفتهما لقول أحد من الناس كائنا من كان ظاهر مفهوم قوله تعالى في مدح عباده الصالحين: " وتواصو بالحق"، لأن الذين يقلدون المذاهب تقليدا أعمى دون أن يسألوهم عن دليل من الكتاب والسنة لم يتواصوا بالحق، بل تواصوا بالباطل ، وابتدعوا في دين الله "(3). (٢) سبيل الرشاد 4/١١١. (١) هذا الكلام عن الإمام الشافعي ذكره النووي بالمعل في رياض الصالحين (ص: ٢) وراجع : تفسير الإمام الشافعي (3/٢). (3 )سبيل الرشاد 4/٠ وبين الفرق بين التقليد والاتباع فمدح الاتباع وذم التقليد . انظر : سبيل الرشاد 3/٠.
عدد الصفحات ٣١٩321 فموقف الهلالي من مسألة التمذهب وبدعة التقليد ظاهر ، وخطورة هذه البدعة يحسها ويتألم للذين غرر بهم؛ فاستمرؤوها واستساغوها على حين غفلة منهم عن أدلة الكتاب والسنة الصريحة في جعلها رديفة الشرك كما قال -- في حديث عدي المشهور: "قال: أتيت النبي -- وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن »، وسمعته يقرأ سورة براءة :ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ [التوبة: ٢]، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شي ئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه »"(٢). موقف الشنقيطي : لم يكن الشنقيطي -رحمه الله - ليغفل عن هذه البدعة الشنيعة؛ أو يتركها تمر دون تعليق عليها ، وتحذير للأمة من خطورتها على الدين؛ فعرض دراسة متكاملة لمسألة التقليد والتمذهب جاء في حدود خمسة وعشرين صفحة، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ [محمد: 4] . يقول-رحمه الله - : " وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر . وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا، وإن اختلفت الآثام فيه . (٢) سنن الترمذي كتاب أبواب تفسير القرآن الكريم با ب : ومن سورة التوبة حديث رقم 95 (5 /8 )وحسنه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (٠/ ١).
عدد الصفحات ٣٢٠