المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جهود الشيخ محمد تقي الدين الهلالي في التفسير وعلوم القرآن ومنهجه فيهما

محمد بن عبد الله بن موسى آل حسين

صفحة ١٨ من ٢٧

273 يقولرحمه الله تعالى : ( والقرآن نفسه يثبت هذا، قال تعالى : ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ [إبراهيم ٠ ].ذكر إبراهيم في دعائه انه أسكن ذريته يعل إسماعيل وآله بواد غير ذي زرع وهو وادي مكة وإذا لم يكن فيه زرع لم تكن فيه ثمرات، وذكر في أثناء دعائه ومناجاته لربه، أنه أسكن ذريته بذلك الوادي المقفر ليقيموا الصلاة أي يؤدوها قائمة كاملة عند بيت الله، ويعبدوه، فسأل الله أن يجعل قلوب الناس تهوي إلى ذريته، أي تسرع إليهم شوقا ومحبة، وتمدهم بما يحتاجون إليه وأن يرزقهم من الثمرات التي تجلب إليهم من الآفاق والأقطار المختلفة ليشكروا الله على ذلك فيزيدهم، وقد استجاب الله دعوته فصارت أنواع الحبوب والثمرات والتوابل والأدوات والثياب والتحف، والطرائف تجلب إلى مكة من جميع أنحاء المعمور. وهذه الأمور التي تجلب إليها كثير منه ا وضعت أسماؤها في البلدان التي تصدر منه، فإذا جاءت إلى أهل مكة يسمونها بالاسم الذي جاءت به فتندمج في لغتهم وتصير جزءاً منها، والأصل في اللغات أن الأشياء العامة توجد لها أسماء في كل لغة، أما الأشياء الخاصة التي خص الله بها قطرا بعينه فإن الاسم الذي سماها به أهل ذلك القطر الذي خلقت فيه يبقى في الغالب ملازما )(٢). تقسيم الشيخ الهلالي لما وقع في القرآن من غير لغة العرب : قسم الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى ما يرى أنه وقع في القرآن الكريم من غير لغة العرب إلى قسمين رئيسين : (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: ٠١)

عدد الصفحات ٢٧٣

274 الأول: الكلمات المشتركة . ويقصد بها الشيخ رحمه الله تعالى الكلمات التي وردت في القرآن الكريم والتي توجد بلفظها - أو قريبا من لفظها - في لغة أخرى . يقول الشيخ رحمه الله تعالى : ( الكلمات المشتركة أول القرآن ﭽبنسْمن اللَّهن الرَّحمْ نن الرَّحنيمن ﭼ اشتملت على أربع كلمات اسم، الله، الرحمن، الرح يم، ابدأ بالكلام على الرحمن . قال السيوطي في كتاب الإتقان " ذهب المبرد وثعلب إلى أنه عبراني وأصله بالخاء المعجمة.(٢) قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ [الفرقان : ٠ ] .لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا : أنسجد لما تأمرنا؟ أي للذي تأمرنا يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه "اهـ (١). وهذا يدل على ما قلته سابقا من جهل علماء العرب باللغات حتى أخوات لغتهم كالعبرانية والسريانية، فالرحمن كلمة عربية خالصة من الرحمة بزيادة الألف والنون كظمآن وعطشان، وكانت العرب تعرفه وتفهم معناه وقد سموا به مسيلمة الكذاب فكانوا يدعونه "رحمان اليمامة " ولكنهم لجهلهم لم يكونوا يعلمون أنه من أسماء الله. ومن أعجب العجب قولهم انه عبراني وان أصله بالخاء المعجمة، والخاء المعجمة لا وجود لها في العبرانية استقلالا وإنما تنطق الكاف بها إذا جاءت قبلها حركة مثل "هبراخا" البركة ومثل باروخ، أي مبارك ومعناه بالعبرانية هو معناه بالعربية، إلا أنه في اللغة العبرانية، صفة عامة لكل من في قلبه رحمة لي خاصا بالله تعالى، إذن فهو من الكلمات المشتركة بين العبرانية والعربية وهي كثيرة تعد بالآلاف، وهذه الكلمات الأربع التي في البسملة كلها مشتركة بين اللغتين، فالاسم "شم" بإبدال السين شينا وذلك كثير في العبرانية، والله "الوهيم" والرحمن لفظه بالعبرانية (٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ 33 ) (١) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4 /9)

عدد الصفحات ٢٧٤

275 كلفظه بالعربية إلا أداة التعريف فإنها بالعبرانية هارحمان والرحيم بالعبرانية هار حوم.. وهذه الكلمات الكثيرة المشتركة بين اللغات السامية هي أصلية في كل واحدة منها، لا يقال إن إحداهن أخذتها من الأخرى وهذا هو الشأن في كل مجموعة من اللغات ترجع إلى أصل واحد)(٢). ومن هذا النص تتضح رؤية الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى للكلمات المشتركة بين اللغة العربية واللغات السامية وخاصة العبرية . ويمكن تلخيص ما ذهب إليه الشيخ هنا في نقاط من أهمها : النقطة الأولى: تجهيله للعلماء الذين قالوا بأن الرحمن لي عربيا ، وأنه منقول من العبرية . قلت : والظاهر أنه مصيب في ذلك ؛ وأن العرب كانت تعرف الرحمن لكنهم لم يكون وا يعرفون أنه من أسماء الله تعالى ؛ كما يدل على ذلك ظاهر اللفظ القرآني . النقطة الثانية: الاستدلال لقوله بأن الخاء لا وجود لها استقلالا في اللغة العبرية وإنما تنطق الكاف بها إذا جاءت قبلها حركة . النقطة الثالثة: حكمه بأن الكلمات المشتركة بين اللغة العربية و العبرية تعد بالآلاف ، وأن الكلمات الأربعة المكونة للبسملة من الكلمات المشتركة بين اللغتين . النقطة الرابعة: حكمه بأن الكلمات المشتركة هي أصيلة في كل لغة هي فيها ، ولا يقال بأن واحدة منها أخذتها من الأخرى . قلت: ولا شك أن الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى كان ع لى معرفة تامة باللغة العبرية كما هو حاله في اللغة العربية كما يدل على ذلك من درس حياته بتمعن . (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: ٠١)

عدد الصفحات ٢٧٥

276 ولكن النقطة الأخيرة ليست متجهة ؛ حيث إن هذه اللغات السامية لا يمكن أن تكون نشأت في وقت واحد ؛ ولا بد أن بعضها متقدم على بعض ، ومن هنا فإن المتأخر يكون أخذ تلك الكلمات المشتركة عن المتقدم ، كما هو ظاهر . وذهب الشيخ الهلالي إلى القول بشدة التقارب بين العربية والعبرية ضاربا لذلك مثالا صريحا ؛ حيث يقول رحمه الله تعالى : ( جاء في ترجمة يوسف رو فلين للقرآن الكريم بالعبرانية في أول سورة الصف ما نصه مع استبدال الحروف العبر انية بحروف عربية "باراششت همعراخا " سورة المعركة "بشم الوهيم هارحمان هارحوم يشبح اث الوهيم كل أشربشاميم وغل أشر باآرص وهو هكبورو هحاخام همأمنيم لا ماتوا مروات أثر لو تعسوا" بسم الله الرحمن الرحيم ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ[الصف:٢ــــ١ ] فأنت ترى أن الألفاو ك لها مشتركة من أول البسملة إلى قوله تعالى: "لم" إلا أن لفظ "سبح" أبدلت سينه شينا وحل المضارع محل الماضي، وهذا الفعل في العبرانية متعد بنفسه وكذلك في العربية قال تعالى : ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ [ق: ٠ ] والترجمة "ما" الموصولة باشر وزيادة "كل" لأن الترجمة إنما هي تفسير و إبدال سين السماوات شينا وجمعها بالياء والميم واستعمال باء الجر في موضع في وهو جائز في العربية قال تعالى: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ [الصافات: ٠ – 38] و إبدال ضاد الأرض صادا و إبدال العزيز بالجبار "هكبور" وهما متقاربان في المعل و إبدال الحكيم "هحاخام" وهما شيء واحد إلا أن الكاف أبدلت خاء وترجمت ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ بـ "همأمينيم" يعني المؤمنين.ترجمت "لم" بـ "لاما" وتقولون بـ"تومرو" وترجمت "لا" بـ"لو" وهما شيء واحد بإمالة الألف إلى الو او وترجمت تفعلون بـ "تعسوا" الواو في "تومور وتعسو " واو الجماعة وحذفت النون فيهما بلا ناصب ولا جازم كما تحذف في العمليات العربية وهذه النون هي نون الرفع وهي ثابتة في التوراة في مواضع تفوق الحصر ولي كما قال بعض المستشرقين في خمسة مواضع فقط )(٢). (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 8-9)

عدد الصفحات ٢٧٦

277 ولا شك أن هذا المثال صريح في شدة التقارب بين اللغتين ؛ ولكن مربط الفرس في هذا الموضوع هو هل هذه الكلمات المشتركة بين هاتين اللغتين أصلها من اللغة العربية ؛ ومن ثم انتقلت إلى العبرية ، أم العك ؟ فإذا كان الاحتمال الأول فلا إشكال ؛ وإن كان الثاني ؛ فهناك إشكال عظيم لو رود هذه الكلمات في القرآن الكريم ؛ وقد صرح تعالى في غير موضع بأنه أنزل بلسان عربي مبين . ولا يمكن الجواب عنه إلا بالقول بوقوع المعرب في القرآن الكريم؛ أعني بأن هناك كلمات أعجمية في الأصل - عبرية أو غير ذلك - لكن العرب استخدموها في لغتهم وأدخلوها في اشتقاقاتهم حتى صارت عربية من حيث الواقع بحيث يصدق عليها أنها من اللسان العربي المبين. الثاني : الكلمات التي قيل إنها وقعت في القرآن الكريم من غير العربية : ضرب الشيخ أمثلة للكلمات التي وردت في القرآن الكريم وقيل إنها من غير العربية ، والأمثلة التي ذكر الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى هي : ٢. أباريق : والذي يظهر من صنيع الشيخ أنه يميل إلى أنه فارسي معرب حيث نقل ذلك عن علماء ولم يتعقبه (٢). ١. الأب : قيل إنه بربري ، وقد ضعف الشيخ ذلك ، ولم يبين هل هو عربي في الأصل أم معرب (١). 3. ابلعي: وقد نقل الشيخ بواسطة نقل السيوطي فيها قولين : الأول : أنها من لغة الحبشة ، والثاني : أنها من لغة الهند. ثم تحامل الشيخ على من قال إنها من لغة الهند ؛ ووصل إلى ترجيح أنها عربية أصيلة . (٢) ما وقع في القرآن من غير لغة العرب ص ٠ (١) ما وقع في القرآن من غير لغة العرب ص ٢

عدد الصفحات ٢٧٧

278 يقول رحمه الله تعا : ( و إن تعجب فعجب قولهم إن "ابلعي" بلغة أهل الهند وهذا القول إلى الهزل أقرب منه إلى الجد وقائله لي أهلا أن يؤخذ عنه العلم وإنما هو يهرف بما لا يعرف وأهل الهند أجناس كثيرة لهم مئات من اللغات ولا تكاد تسير مسافة يوم إلا وجدت جنسا آخر له لغة أخرى . وفي زماننا هذا نرى الدماء تسفك بينهم بسبب اللغات فلا يرضى جن أن تكون لغة الدولة لغة أخرى غير لغته، وفي زمان الاستعمار لم تكن في الهند لغة يستطيع المسافر أن يتكلم بها ويجد من يفهم كلامه في جميع أنحاء الهند إلا لغتين إحداهما الإنكليزية وهي لغة الدولة الحاكمة، والثانية لغة المسلمين وهي لغة أوردو، على أن "بلع" كلمة عربية سامية أصيلة عريقة في عروبتها وساميت ها وترفع راية اللغات السامية وهي حرف العين . ومن المعلوم عند علماء اللغات أن العين والحاء لا توجدان إلا في اللغات السامية، فان وجدت إحداهما في كلمة من لغة غير سامية فتلك الكلمة طارئة واردة على تلك اللغة وبهذا يستدل الفيولوجيون على أن البربر من جزيرة العرب ق بل خروج البابليين والآشوريين والكنعانيين والفينيقيين كما هو مبين في موضعه . ونحن نرى إخواننا عامة المسلمين من أهل الهند يبذلون جهودهم في النطق بقوله تعالى : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ [الفاتحة: 5 ] فلا يتمون النطق بالعينين حتى تغفر ذنوبهم من مشقة النطق بهما )(٢). 4. أخلد: وقد نقل الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى ما ذكر السيوطي في الإتقان من كونها عبرية ، ثم فند هذا القول ، ورجح أنها من الكلمات المشتركة بين اللغتين (١). 5. الأرائك : وقد نقل كذلك عن السيوطي نقله عن ابن الجوزي أنها بمعل السرر بالحبشية، ثم فنده معتمدا على النقل عن أئمة اللغة والمفسرين ، ثم رجح أنها عربية خالصة (3). (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: ٢) (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 35) (3 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 36-٠)

عدد الصفحات ٢٧٨

279 6. أسباط: وقد رجح الشيخ أنها من المشترك بين اللغتين العربية والعبرية (٢). ٠. إستبرق: ولم يرجح فيها الشيخ شيئا ؛ بل اكتفى بنقل أقوال أهل العلم في أنها من المعرب ، وكأنه يسلم بذلك (١). 8. السندس: وذكر الشيخ الهلالي أنه لم يختلف أهل اللغة في أنها معربة هي والتي قبلها (3). 9. أسفار: ورجح الشيخ أنها من الكلمات المشتركة بين اللغات السامية ، وهي أصل فيها جميعا (4). (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: ٠-38) (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 39) (3 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 39-٠) (4 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: ٠)

عدد الصفحات ٢٧٩

281 المطلب الثا: منهجه في نقد الأقوال وتوجيهها: لقد تميز منهج الشيخ الهلالي في نقده للأقوال الو اردة في كتابه "ما وقع في القرآن بغير لغة العرب " بمنهج لم يتبع كثيرا من معالمه في غير كتابه هذا .. ويمكن إبراز أهم النقاط التي ميزت منهجه في نقده للأقوال وتوجيهه لها في كتابه هذا من خلال النقاط التالية : أولا : الاعتماد على الأدلة في نقد القول : قلما ينقد الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى قولا في كتابه هذا إلا ويذكر أدلة نقلية أو عقلية على صحة ما ذهب إليه من قول مخالف أو من تضعيف لذلك القول الذي يريد نقده . ولذلك نرى الشيخ رحمه الله تعالى عندما نقل عن السيوطي نقله عن أبي عبيدة أنه قال : "إنما أنزل القرآن بلسا ن عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن "لدا" بالنبطية فقد أكبر القول"، وقال ابن فارس:"لو كان فيه من لغة غير العرب شئ لتوهم متوهم أن العرب انما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها ".اهـ (٢). عقب الشيخ على هذا القول ونقده فقال رحمه الله تعالى : ( قال محمد تقي الدين:"إنما يمكن أن يقال ذلك إذا كان في القرآن تراكيب أعجمية، أو كلمات باقية على عجمتها، أما وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ونحت بها مناحي كلماتها ودخلت في أوزانها فلا يمكن أحدا أن يدعي ذلك فيها، وقد رد القرآن ن فسه على من زعم ذلك من أع داء الإسلام الأولين، فقال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [النحل: 3 ] وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله بأشد أساليب التحدي، فقال تعالى : ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ (٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ 5)

عدد الصفحات ٢٨٠

280 ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭼ [البقرة : 3 – 4 ] وقال تعا: ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ [الإسراء : 88 ] فأي عدو يسمع مثل هذا التحدي لا يبذل قصارى جهده في معارضة عدوه وإبطال تح ديه ) (٢). ففي هذا النص نرى الشيخ الهلالي رحمه الله تعالى يحاول نقد قول أبي عبيدة رحمه الله تعالى معتمدا في ذلك على أدلة نقلية وعقلية، من أهمها : ٢ - أن قول أبي عبيدة ومن وافقه في نفي المعرب في القرآن الكريم مستدلين بأن بإمكان العرب أن يعتذروا بأن عجزهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن إنما هو بسبب أن فيه ما لا يفهمونه من لغات غيرهم !! أجاب الشيخ عن هذا الاستدلال بأنه إنما يستقيم لو كان في القرآن تراكيب أعجمية ، ولم يقل بهذا أحد ، أو فيه كلمات باقية على عجمتها ، ولم يقل أحد بذلك أيضا وإنما الخلاف في وجود كلمات أعجمية في الأصل لكنها صقلتها العرب بألسنتها وتداولتها في لغتها بحيث صارت مفهومة لدى العرب مستساغة في لغتهم ، وهذا يبطل دعوى المخالفين . ١ - أن القرآن الكريم نفسه قد نفى أن يكون أعجميا . وقد استدل الشيخ على هذا بنص القرآن الكريم في الآية المتقدمة في نصه ، ثم أتبعتها بآيات في نف المعل . وقد انتقد الشيخ الهلالي من يؤلف في المعرب وهو لا يعرف اللغات الأخرى ، وبين أهمية تعلم اللغات المختلفة مستدلا بحديث زيد بن ثابت قال : أمرني رسول الله -  - أن أتعلم كلمات من كتاب يهود وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي، قال فما مربي نصف شهر (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 6-٠٢)

عدد الصفحات ٢٨١

282 حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم" رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت(٢). ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : ( ومعل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابي الجليل كاتب الوحي زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود وفي رواية "أمره أن يتعلم السريانية " وعلل ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمن اليهود أن يقرءوا له كتابا يأتيه منهم لئلا يزيدوا فيه وينقصوا أو يبدلوا ويغيروا، فتعلم زيد ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم في نصف شهر.وقد يشكل فهم هذا من وجهين : الأول: أن المعهود من اليهود أن يتكلموا ويكتبوا بالعبرانية لا بالسريانية . الثاني: كيف يستطيع متعلم أن يتعلم لغة أجنبية في نصف شهر؟ والجواب عن الأول أن اليهود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم بل في زمان عيسى بن مريم وقبله بزمن لم يكونوا يتكلمون ويكتبون بالعبرانية لأنها كانت قد انقرضت ولم يبق منها إلا كلمات قليلة تردد في الصلوات، وكان اليهود يكتبون علومهم الدينية والدنيوية ويتخاطبون بالسريانية وإنما جددوا العبرانية وأحيوها وبذلوا في ذلك جهودا عظيمة في هذا العصر الأخير. والجواب عن الثاني: أن زيدا لم يتعلم اللغة في نصف شهر وإنما تعلم الكتابة والقراءة، أما معاني لغة اليهود فكان يفهمها لأنها كانت لا تزال قريبة جدا من لغة العرب، ولأن قبائل من اليهود كانت مساكنة للأنصار وتعلم اللغات الأجنبية للانتفاع بها في أمور الدين والدنيا أمر محمود إذا لم يكن على حساب لغة القرآن )(١). (٢) سنن الترمذي ت شاكر أبو اب الاستئذان والآداب باب ما جاء في تعليم السريانية 5 (5 /68) وقال حسن صحيح ، وقال الألباني : حسن صحيح. (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 4)

عدد الصفحات ٢٨٢

283 ثانيا: النص على خطأ القول صراحة : من أهم ملامح منهج الشيخ الهلالي في نقده للأقوال أنه ينص على خطأ القول الذي يريد نقده ، ثم يتبع ذلك بأدلته في نقد ذلك القول .. ومن ذلك قوله رحمه الله تع الى : ( ثم قال السيوطي:"قال ابن جرير : ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاو القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العر ب والفرس والحبشة بلفظ واحد".اهـ (٢). قال محمد تقي الدين: ابن جرير إمام المفسرين في زمانه وما بعده وفد أخطأ في هذا الرأي إذ لا يمكن أن تتكلم هذه الشعوب المتباينة في أنسابها ولغتها المتباعدة في أوطانها على سبيل المصادفة والاتفاق وتوارد الخواطر بتلك الكلمات الكثيرة العدد )(١). ثالثا : نقد القول بالإعراض عن ذكره : ربما نقد الشيخ الهلالي بعض الأقوال وذلك بالإعراض عن ذكرها والنص على سبب الإعراض بأنه ناتج عن ضعف تلك الأقوال ، وعدم حجيتها ، ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى : ( ثم قال السيوطي،:"قال غيره بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظا غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن ".انتهى.(3) هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ثم ذكر السيوطي آراء أخرى يظهر زيفها عند الامتحان فأعرضت عن نقلها )(4). (٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ 5) (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 5) (3 )الإتقان في علومالقرآن (١/ 5) (4 )ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 6)

عدد الصفحات ٢٨٣

284 والأقوال التي ذكر السيوطي وأعرض الشيخ عن ذكرها مضعفا لها لم أجد منها في الإتقان سوى قولين هما : ٢ - أن كل هذه الألفاو عربية صرفة ولكن لغة العرب متسعة جدا ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة . ١ – أن هذه الألفاو إنما وجدت في لغة العرب لأنها أوسع اللغات وأكثرها أ لفاظا ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاو (٢). رابعا : التجريح في النقد : سلك الشيخ الهلالي في كتابه هذا منهجا لي معتادا في بقية كتبه ، ألا وهو التجريح في النقد ؛ فصدرت منه رحمه الله تعالى بعض الألفاو النابية ، والتي ليست من عادته ولا من عادة أهل العلم ، ويمكن أن يعتذر عنه في ذلك من وجهين : الأول : خبرته في اللغات ؛ فإذا رأى عالما متقدما أضاف إليها ما لي منها أدى به ذلك إلى الانفعال وصدور تلك الألفاو منه. الثاني : جراءة بعض أهل الرأي على قول ما لا دليل عليه ؛ فتدفع الشيخ الهلالي غيرته الدينية على الرد بألفاو قد يكون فيها بعض الخشونة والتشدد. ومن أمثلة ذلك في كتابه هذا قوله رحمه الله تعالى : ( و إن تعجب فعجب قولهم إن "ابلعي" بلغة أهل الهند وهذا القول إلى الهزل أقرب منه إلى الجد وقائله لي أهلا أن يؤخذ عنه العلم وإنما هو يهرف بما لا يعرف وأهل الهند أجناس كثيرة لهم مئات من اللغات ولا تكاد تسير مسافة يوم إلا وجدت جنسا آخر له لغة أخرى )(١). (٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ 6) (١) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 33)

عدد الصفحات ٢٨٤

285 وقال في موضع آخر: ( ولذلك نرى السيوطي في كتاب الإتقان كحاطب ليل ولي عنده تحقيق ولا إتقان وهذا شأنه في علوم المنقول، أما في علوم المعقول كعلوم العربية فهو فارس لا يشق له غبار )(٢). قلت: ولا شك أن العلامة السيوطي رحمه الله تعالى فارس لا يشق له غبار في علوم المنقول كما هو في علوم المعقول ، ومن طالع كتبه في علوم المنقول ككتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور، وألفيته في علوم الحديث ، وتدريبه للراوي وغيرها ليعلم فروسيته في علو م المنقول وتبحره فيها .والله تعالى أعلم. (٢) ما وقع في القرآن بغير لغة العرب (ص: 34)

عدد الصفحات ٢٨٥

286 الفصلالرابع المقارنة بين الهلالي والشنقيطي في المنهج وفيه مباحث: المبحث الأول: منهجهما في التفسير بالمأثور المبحث الثاني: منهجهما في الرد على البدع وفصل الخلاف والنزاع . المبحث الثالث: التنبيه على بعض الفوائد الأصولية.

عدد الصفحات ٢٨٦

287 المبحث الأول : منهجهما في التفسير بالمأثور: قد قدمت في فصل مستقل منهج الهلالي -رحمه الله - في التفسير بالمأثور، وسوف أعرض هنا لمنهج الشنقيطي في التفسير بالمأثور مقارنا بينه وبين منهج الهلالي المتقدم .. لقد تميز الشنقيطي -رحمه الله - بأنه من أكثر المفسرين المعاصرين اهتماما بتفسير القرآن الكريم بالمأثور، وخاصة في كتابه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وهو الذي خصصه – في غالبه – للتفسير بالمأثور. وقد قام منهجه -رحمه الله - في التفسير بالمأثور على الدعائم الثلاث المعروفة لهذا النوع من التفسير (٢)، وهي : أ – تفسير القرآن بالقرآن : قد قدمت في الفصل الأول موقف أهل العلم من تفسير القرآن بالقرآن ونقلت إجماعهم على أنه هو أجل تفسير وأعظمه؛ وكما أوضحت هناك موقف الهلالي من هذا النوع من التفسير و سوف أبين هنا موقف الشنقيطي من تفسير القرآن بالقرآ ن : موقف الشنقيطي -رحمه الله - : لقد وقف الشنقيطي من هذه المسألة موقفا واضحا موافقا بذلك إجماع أهل العلم على أن أشرف أنواع التفسير إنما هو تفسير القرآن بالقرآن ؛ فلا أحد أعلم بمراد الله تعالى من الله تعالى. (٢) لقد اعتمدت في منهج الشنقيطي اعتمادا كاملا على رسالة ماجستير ب عنوان : الشنقيطي ومنهجه في التفسير إعداد الطالب أحمد سيد حسانين إسماعيل الشيمي جامعة القاهرة ، كلية دار العلوم ، قسم الشريعة الإسلامية ١١ه. وكتاب ا تجاهات التفسير في القرن الرابع عشر المؤلف: أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي الناشر: طبع بإذن رئاسة إدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية برقم ٢/ 5 وتاريخ 5/8/6 الطبعة: الأولى ٠٠هـ- 986م

عدد الصفحات ٢٨٧

288 يقول الشنقيطي-رحمه الله - : ( واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمرين : أحدهما: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله. إذ لا أحد أعلم بمعل كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا، وقد التزمنا أ لا نبين القرآن إلا بقراءة سبعية سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها . ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات ).(٢) هكذا إذن يصرح الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- بموقفه من التفسير بالقرآن الكريم ؛ ويبين بيانا لا لب فيه أنه هو أجل أنواع التفسير، وأنه هو الغرض الذي من أجله ألف كتابه الذي اشتهر به أكثر من غيره وهو كتاب : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالق رآن؛ إذ جعله عمدة التفسير عنده، ثم أتبعه ببيان القرآن الك ريم بالسنة ، كما سأبين – إن شاء الله تعالى – لاحقا. المقارنة بين موقف الشيخين في هذه النقطة : بالرجوع إلى منهج الهلالي الذي قدمت في الفصل الثاني يتضح أنه بين أن موقفه من تفسير القرآن الكريم بالقرآن الكريم أنه هو العمدة في التفسير موافقا بذلك المحققين من العلماء، ولذا نجده قد اتخذ تفسير القرآن الكريم بالقرآن الكريم أساسا لكتبه التي عنيت بالتفسير . يقول الهلالي -رحمه الله - : "خير ما يفسر به القرآن القرآن ".(١) ولذا لا أرى اختلافا بين منهج الشيخين في هذه النقطة؛ بل موقفهما متحد فيها تمام الاتحاد، ومن طالع كتب هما في التفسير يجدهما يسلكان هذا المنهج في غالبية جهودهما في التفسير . (٢) أضواء البيان ج٢ ص3-4 (١) الإلهام والإنعام ص98.

عدد الصفحات ٢٨٨