المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جهود الشيخ محمد تقي الدين الهلالي في التفسير وعلوم القرآن ومنهجه فيهما

محمد بن عبد الله بن موسى آل حسين

صفحة ١٥ من ٢٧

225 وبتحليل كلام الشيخ ا -رحمه الله - يتضح أنه ركز على الأثر العقدي لما ظن أ ن ابن كثير -رحمه الله - قاله بأن الظالم لنفسه من هذه الأمة لا يدخل النار . والتحقيق أن الإمام ابن كثير -رحمه الله - إنما رجح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة وأنه موعود بالجنة ؛ ولم يحكم بأنه لا يدخل النار كما ظن الشيخ -رحمه الله - ؛ إذ قد يدخل النار ثم يخرج منها بشفاعة النبي -- أو بشفاعةغيره ثم يدخل الجنة كما هو ظاهر . وترجيح ابن كثير -رحمه الله - لهذا القول مبني على مسوغات قوية كالأحاديث الكثيرة التي نقل في تفسير الآية ؛ وهي -وإن كان في بعضها مقال -إلا أن مجموعها ينتهض للاحتجاج ؛ ثم إن ما رجحه ابن كثير هو الذي ع ليه المحققون من أئمة التفسير كابن جرير من المتقدمين والشنقيطي من المتأخرين وغيرهما . يقول ابن جرير -رحمه الله -: ( وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعل الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ [فاطر: 33 ] فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة. فإن قال قائل: فإن قوله (ي دْخُلُونـ ه ا) إنما عل به المقتصد والسابق! قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؟ قيل: إنه لي في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذن وبه التي

عدد الصفحات ٢٢٥

226 أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ [فاطر: 33 ].(٢) وفي هذا النص المنقول عن ابن جرير -رحمه الله - ما يرد على ظن الشيخ بأن دخول الجنة يستلزم عدم دخول النار، ولي الأمر كذلك كما لا يخفى . وقد حكم الشنقيطي -رحمه الله - بأن هذه الآية من أرجى آيات كتاب الله تعالى فقال : ( من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى : ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ ]فاطر: ١ - 35[ فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أن الله اصطفاها في قوله: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا م ن عبادنا وبين أنهم ثلاثة أقسام: الأول: الظالم لنفسه وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضا فهو الذي قال الله فيه خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم . الثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات . والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق، ثم إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو لا يخلف الميعاد في قوله: جنات عدن يدخلونها إلى قوله: ولا يمسنا فيها لغوب والواو في يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض (٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٠١/ 469-٠٠).

عدد الصفحات ٢٢٦

227 أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛ ولذا قال بعدها متصلا بها والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نج زي كل كفور ).(٢) وأما قول الشيخ الهلالي -رحمه الله -: "فالمقلدون المتعصبون لأئمتهم شر من القسم الثاني، وهم الذين يموتون على الكبائر؛ لأن البدعة شر من الكبيرة ، ولأن مرتكب الكبيرة يعصي الله تعالى وهو معترف بذنبه راج أن يتوب الله عليه ، أما المقلد والمبتدع ف إنهما يعصيان الله تعالى ويردان كتابه وسنة رسوله مع اعتقادهما أن ذلك قربة إلى الله وصواب وخير ، ولا تخطر في بالهم التوبة من ذلك "(١). فهو - أيضا - لي على إطلاقه إذ التعصب قد يخرج من الملة وقد يكون بتأويل سائغ ونحو ذلك بحيث يكون معصية من جملة المعاصي. ولكن دفع الشيخ إلى هذا القول هو انتشار المتعصبين للمذاهب الفقهية والعقدية في زمنه حتى قال بعض المتمذهبين "نحن خليليون إن ضل خليل ضللنا " بل وقال ابن عاشر المالكي في نظمه في الفقه المالكي(3) : في عقْ دن الأشعري وفقهن مالكْ وفي طريقةن الجُ نـ يْ دن السالك فحكم على نظمه بأنه في عقيدة الأشعري – يعني قبل رجوعه عنها – وفقه مالك ، وطريقة الجنيد في التصوف . (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5 /489-٠). (١) سبيل الرشاد 4/٠١. (3) مظ ابن عاشر البيت الخام من مقدمة النظم.

عدد الصفحات ٢٢٧

228 ولا شك أن منْ شاهد التعصب المقيت لأقوال الرجال ورد كلام الله تعالى وسنة رسوله - - بتخرصاتتُ إلى الدين بصلة ليعذر في بعض الإطلاقات التي سببها له الغضب لله تعالى ومحبة نصرة دينه وسنة نبيه --. الاكتفاء بنقد من سبقه من أهل العلم: ومـــــــــن أهـــــــــم ملامـــــــــح مـــــــــنهج الشـــــــــيخ الهـــــــــلالي -رحمـــــــــه الله - في نقـــــــــد الأقـــــــــوال التفســـــــــيرية وتوجيههــــــا اكتفــــــاؤه بنقــــــد مــــــن ســــــبقه مــــــن أهــــــل العلــــــم؛ وخاصــــــة إذا كــــــان نقــــــد ذلــــــك القــــــول واضحا بينا ؛ تعضده الأدلة، وتـُ ق وين ه الحجج . ومن ذلك قوله -رحمه الله - : ( وقوله تعالى : ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ ]الأنعام: ٢١٢ [ إ، روى أبو داود بسنده إلى ابن عباس قال : جاءت اليهود إلى النبي -- فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ، فأنزل الله ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [الأنعام: ٢١٢ ] ، وقد انتقد الإمام ابن كثير ذكر اليهود في هذا الحديث؛ لأنهم هم أيضا يحرمون الميتة ، ولأن الآية مكية فلم يشهد اليهود نزولها، وصح ح الرواية التي لي فيها ذكر اليهود؛ يعني أن ذلك الاعتراض لم يقع من اليهود وإنما وقع من المشركين بمكة أوحت إليهم شياطينهم ليجادلوا النبي -- والمسلمين وهو مغالطة لأن الله لم يقتل البهيمة الميتة، وإنما أماتها بمرض ونحوه كسقوط من شاهق وضربة مميتة ولدغة حية وافتراس سبع، ولو سلمنا أن ذلك يسمى قتلا لم تكن لهم حجة فيما جادلوا به؛ لأن الله تعالى هو الذي قتل المذبوحة أيضا وأ باحها لنا إذا ذكر اسمه عليها ولم يبح لنا سواها )(٢). (٢) الإلهام والإنعام ص 96

عدد الصفحات ٢٢٨

229 ونص كلام ابن كثير -رحمه الله - على هذا الحديث هو: ( وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة ): أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام، وهي مكية. الثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي..بلفظ:أتى ناس النبي  فذكره )(٢) يعني دون ذكر اليهود . والملاحظ أن الشيخ الهلالي -رحمه الله - اكتفى بنقد الإمام ابن كثير -رحمه الله - للحديث المذكور في سبب نزول الآية الكريمة؛ بل واعتمد نقده وزاد عليه بدليل عقلي وهو أنه حتى على تسليم أن الميتة بسبب السقوط من شاهق أو غيره أن الله تعالى هو الذي قتلها فنف الشيء ينطبق على المذبوحة أيضا ؛ والفرق بينهما ينحصر - بناء على هذا التسليم الجدلي - في أن المذبوحة قد أباحها الله تعالى؛ وغيرها لم يبحه سبحانه . إذن نقد الشيخ الهلالي -رحمه الله - للقول بأن سبب نزول الآية هو مجادلة اليهود للنبي - - بناه على أدلة أربعة ؛ ثلاثة اعتمدها من قول ابن كثير ، والرابع أضافه هو -رحمه الله - ؛ فالثلاثة التي أخذ عن ابن كثير هي : ٢. إن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. ١. أن الآية من الأنعام، وهي مكية. 3. أن هذا الحديث رواه الترمذي..بلفظ : أتى ناس النبي -- فذكره . دون ذكر اليهود . وأما الرابع الذي أضافه الشيخ الهلالي فهو أن ما ادعاه المشركون من كون الساقطة من شاهق ونحوه قتلها الله تعالى وأن المذبوحة من قتلهم هم وأن ما قتل الله أ وْ لى بالأكل مما قتل (٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (3 /8 )بتصرف يس .

عدد الصفحات ٢٢٩

231 الإنسان هو ادعاء باطل بدليل أن اميع قتله الله تعالى أعني بالأسباب المختلفة من ذبح وسقوط ولدغة ونحو ذلك.(٢) عرض أدلة القول المنتقد بأمانة ثم الرد عليها : كثيرا ما ينقل الشيخ -رحمه الله - أدلة القول المنتقد بأمانة علمية ثم يفند تلك الأدلة بما يناسبها . ومن ذلك قوله -رحمه الله - : " قال صاحب هذا المقال: إن كان الأب مجبرا فما فائدة استئذان البكر وما فائدة صمتها أو تصريحها بالآباء إذ لابد للاستئذان من نتيجة وهي إما صمت يدل على الرضا فتُ زوج أو تصريح بالآباء يدل على الامتناع والكراهية فلا تُ زوج وإلا كان الاستئذان عبثا وأوامر العقلاء تصان عن العب ث فكيف بأمر سيد العلماء والحكماء صلوات الله وسلامه عليه ولا عجب من الشارح كيف لم يتنبه إلى هذا المعل ..".(١) ومن الجدير بالذكر أن كلام الشيخ الهلالي المتقدم سبقه بنقل أدلة القائلين ب إجبار الأب ابنته البكر ؛ ناقلا من كت بهم المعتمدة عندهم ؛ ثم بين معناً عقلياً يدل عليه ظاهر لفظ الحديث الشريف وهو أن استئذان البكر لا يخلو إما أن يكون له أثر في الجبر أو لا ؛ فإن كان له أثر فما هو إن لم يكن العمل بما قالت أو فعلت تلك البكر ؟ وإن لم يكن له أثر فإنه يكون عبثا ولا بد ؛ ولا شك أن كلام العقلاء مصون عن العبث ؛ فكيف بك لام من لا ينطق عن الهوى - - ؟ ومن ذلك أيضا نقله عن الخازن رأي الشافعي في تفسير قوله تعالى : "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما .." الآية حيث قال : " قال الخازن : والأصل في ذلك عند الشافعي أن كل (٢) وكذلك اكتفى الشيخ الهلالي -رحمه الله - بنقد من سبقه من أهل العلم للأقوال التفسيرية إذا كان نقدهم مقنعا بالأدلة الظاهرة . انظر على سبيل المثال : قضية هل كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ناظرا أم مناظرا . سبيل الرشاد ٢/345 وغيره. (١) الثقافة التي نحتاج إليها ص ٠٢.

عدد الصفحات ٢٣٠

230 ما لم يرد فيه نص بتحريم أو تحليل ، فما كان أمر الشرع بقتله كما ور د في الصحيح : خم فواسق يقتلن في الحل والحرم هي الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور " وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله تعالى عنه – أن النبي -  - أمر بقتل الوزغ " أخرجه البخاري ومسلم ، وسماه فويسقا ، وعن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال نهى النبي -  - عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد " أخرجه أبو داود ، فهذا كله حرام لا يحل أكله ، وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادة العرب؛ فما يستطيبه الأغلب منهم فهو حلال، وما يستخبثه الأغلب منهم ولا يأكلونه فهو حرام ؛ لأن الله خاطبهم بقوله: "أحل لكم الطيبات " فما استطابوه فهو حلال ، فهذا تقرير ما يحل وما يحرم من المطعومات.ا.هـ(٢). قال تقي الدين الهلالي : معاذ الله أن تكون أذواق العرب أو أكثرهم ميزانا ومعيارا للتحليل والتحريم في دين الله؛ بل كل ما لم يرد الكتاب أو السنة بتحريمه من الحيو ان فهو حلال، وكيف تكون أذواق العرب مقياسا للتحليل والتحريم، وهي تختلف في القبيلة الواحدة والبلد الواحد، والنبي -- نفسه عاف أكل الضب وكرهه بطبيعته؛ لأنه لم يكن بأرض قومه ولم يحرمه، فلم يجعل النبي -- ذوقه وطبعه مقياسا للتحليل والتحريم، فكيف يجعل طبع غيره مقياسا لذلك "(١). وهنا أيضا نجد الشيخ -رحمه الله - ذكر أدلة الشافعي ناقلا لها من الخازن ، وضعف قول الشافعي بدليلين : الأول : أن ما لم ينص في الكتاب والسنة على تحريمه فهو حلال . الثاني : أن أذواق العرب مختلفة فكيف تجعل مقياسا للتحريم والتحليل . (٢) تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل (١/ 68). (١) الإلهام والإنعام ص 3-4.

عدد الصفحات ٢٣١

232 ولكن يعض على دليله الأول بأن هناك محرمات أجمع على تحريم أكلها وشربها ؛ مع عدم النص على ذلك في الكتاب والسنة . يقول الإمام الشافعي -رحمه الله - : " فإن قال قائل ما دل على ما وصفت؟ قيل لا يجوز في تفسير الآية إلا ما وصفت من أن تكون الخبائث معروفة عند من خوطب بها والطيبات كذلك إما في لسانها وإما في خبر يلزمها ولو ذهب إلى أن يقول كل ما حرم حرام بعينه وما لم ينص بتحريم فهو حلال أحل أكل العذرة والدود وشرب البول لأن هذا لم ينص فيكون محرما ولكنه داخل في معل الخبائث التي حرموا فحرمت عليهم بتحريمهم وكان هذا في شر من حال الميتة والدم المحرمين لأنهما نجسان ينجسان ما ماسا وقد كانت الميتة قبل الموت غير نجسة فالبول والعذرة اللذان لم يكونا قط إلا نجسين أولى أن يحرما أن يؤكلا أو يشربا ".(٢) ولا شك أن استدلال الإمام الشافعي -رحمه الله - واضح . ولكن قد يجاب عنه؛ بأن النصوص دلت على نجاسة البول والغائط وما كان نجسا لا يجوز أكله لأنه إن حرمت ملامسته فأكله من باب أولى . نقد القول بالاستدراك عليه : من ملامح منهج الشيخ الهلالي -رحمه الله - أن ينقد القول التفسيري بالاستدراك عليه ؛ فيبين أنه يحتاج إلى ضابط ، أو تقييد ونحو ذلك . ومن ذلك قوله -رحمه الله -: ( قول الشوكاني : " والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل"(١) إن كان يريد المعل اللغوي فهو صحيح ، قال تعالى في سورة المؤمنين حكاية عن موسى : "فقالوا أنؤمن لبشرين " أي خاضعون متذللون خادمون(3)،وأما إن أراد المعل الشرعي (٢) الأم للشافعي (١/ 64). (١) فتح القدير للشوكاني (٢/ ٠١). (3 )تفسير الطبري= جامع البيان ت شاكر (9 /35).

عدد الصفحات ٢٣٢

233 فهو ناقص؛ إذ لا تتم العبادة باضوع والتذلل فقط حتى يصحبهما الحب والتعظيم والإجلال وتوحيد الله بذلك ، وعليه يقال : العبادة غاية التذلل في غاية الحب ، مع التوحيد واتباع سنة النبي - - ، وأداء جميع الواجبات وترك المحرمات .)(٢) واستدراك الشيخ الهلالي هنا على الشوكاني يمكن قبوله ورفضه من جه ة النظر إليه . فلو نظرنا إلى تعريف العبادة فهو متنوع عند علماء السلف فبعضهم يعرفها ببعض أفرادها؛ وبعضهم يعرفها بأهم أركانها ، ومن هنا فإن استدراك الشيخ الهلالي من هذه الزاوية في غير محله لأن الشوكاني عرفها ببعض أفرادها وهو من باب التمثيل لا غير وقد قدمت أ ن السلف الصالح قد يفسر بعضهم آية ممثلا ببعض معانيها ، ثم يعرفها آخر بمثال آخر ؛ فيظن من يستعجل أن بينهما تعارضا في حين أنهما متفقان وإنما مثل كل واحد منهما بمثال أقرب إلى معل الآية في نظره . ولو نظرنا إلى تعريف العبادة الجامع المانع فيكون استدراك الهلالي في محله حيث إن تعريف الشوكاني من هذه الناحية قاصر وغير تام . التعميم في نقد القول : والمقصود به أن الشيخ الهلالي -رحمه الله - يصرح أحيانا بأنه لم يجد في التفاسير التي بين يديه ما يشفي غليله في تفسير آية ما ؛ فيعمد هو إلى تفسيرها من عنده ، ويعتبر هذا نوعا من النقد لأقوال المفسرين في الآية .. ومن ذلك قوله عليه رحمه الله : ( طالعتُ كلَّ ما عندي من التفاسير لأجد تفسيرا تطمئن نفسي إليه في قوله تعالى : "أكاد أخفيها"فلم أجد شيئا ، ثم طالعت كتب اللغة فلم أحصل (٢) سبيل الرشاد ٢/38-39.

عدد الصفحات ٢٣٣

234 على طائل... أما قوله تعالى : "أكاد أخفيها" فأحسن ما قيل في تفسيره : أريد أن أخفيها ، وكاد بمعل "أراد " موجود في لغة العرب ، قال الشاعر : والبيـــــــــــــــــــتُ لا يبْ تـــــــــــــــــــل إلا بأعمـــــــــــــــــــدة فــــــــــــــــــإن تج ْ مــــــــــــــــــعُ أوتــــــــــــــــــاد وأعمــــــــــــــــــدة ولا عمــــــــــــــــــــود إذا لم تــــــــــــــــــــرس أوتــــــــــــــــــــادُ وســــــاكن بلغــــــوا الأمــــــر الــــــذي كــــــادوا (٢) فكادوا هنا أرادوا ، قاله صاحب اللسان (١)، والقول الثاني : إنها صلة لا تدل على شيء(3)، وهذا مرجوح )(4). وهذا الذي ذهب إليه الشيخ الهلالي في تفسير قوله تعا"أكاد أخفيها" هو قول من سبعة أقوال فيها هي : أحدها: أي لا أظهر عليها أحداً ، ويكون أكاد بمعل أريد . الثاني: أكاد أخفيها من نفسي ، وهي كذلك في قرا ءة أُبي ي (أ ك ادُ أُخْفنيه ا مننْ نـ فْسني )(5) ويكون المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى علمها . وتقديره : إذا كنت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك؟ الثالث: معناه أن الساعة آتية أكاد. انقطع الكلام عند أكاد وبعده مضمر أكاد آتي بها تقريباً لورودها ، ثم استأنف: أخفيها لتجزى كلَّ نف بما تسعى . (٢) البيتان للأفوه الأودي من أبيات له منها البيت المشهور: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهيالهم سادوا. العقد الفريد (٢/ ٢٢). (١) لسان العرب (3 /385). (3 )دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص: ١). (4 )سبيل الرشاد ١/49-٠ وراجع كذلك : سبيل الرشاد ١/85 . (5 )تفس ابن أبي حاتم - محققا (٠/ 9).

عدد الصفحات ٢٣٤

235 الرابع: أن معل "أخفيها": أظهرها ، ومنه قول الشاعر: فــــــــــــــــــإنْ تُــــــــــــــــــدْ فن نُ وا الــــــــــــــــــداء لا نَُْ فنــــــــــــــــــهن وإن تبعثـــــــــــــــــوا الحــــــــــــــــــرب لا نقعــــــــــــــــــدُ (٢) يقال أخفيت الشيء أي أظهرته وأخفيته إذا كتمته ، كما يقال أسررت الشيء إذا كتمته ، وأسررته إذا أظهرته .(١) الخامس: أن كاد صلة، وعليه فالمعل إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى الآية، واستدل قائل هذا القول بقول زيد الخيل (3): ســــــــــريع إلى الهيجــــــــــاءن شــــــــــاك ســــــــــلاحه فما أنْ يكادُ قـ رْ نُ ه يتنف ُ أي فما يتنف قرنه، قالوا : ومن هذا القبيل قوله تعالى: لم يكد يراها ، أي لم يرها . السادس: أن كاد من الله تدل على الوجوب، كما دلت عليه عسى في كلامه تعالى نحو : قل عسى أن يكون قريبا، أي هو قريب . وعلى هذا فمعل: أكاد أخفيها أنا أخفيها. السابع: أن معل الآية أكاد أخفيها أي أخفي الأخبار بأنها آتية، والمعل أقرب أن أترك الإخبار عن إتيانها من أصله لشدة إخفائي لتعيين وقت إتيانها.(4) (٢) البيت لامرئ القي . الحيوان (5 /65). (١) تفسير الماوردي = النكت والعيون (3 /٠-398). (3 )زيد بْن مهلهل بْن زيد بْن منهب الطائي النبهاني ، المعروف بزيد الخيل ، وسماه رسول ا- صلى الله عليه وسلم - زيد الخير ، صحابي وشاعر مفلق .قيل توفي سنة عشر وقيل : توفي في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - . أسد الغابة ط الفكر (١/ 49). (4 )دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص:٠- ١).

عدد الصفحات ٢٣٥

236 وأصح الأقوال- في نظري والله أعلم - هو ما رجحه الشنقيطي -رحمه الله - ومن قـ بْ لهن إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله عليه ، وهو "أكاد أخفيها" من نفسي أي لو كان ذلك ممكنا. يقول الشنقيطي -رحمه الله - : ( معل الآية: أكاد أخفيها من نفسي، أي لو كان ذلك يمكن، وهذا على عادة العرب، لأن القر آن نزل بلغتهم، والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال: كتمته من نفسي، أي لا أبوح لأحد . ومنه قول الشاعر: أيـــــــــــــــام ت صْـــــــــــــــحبُ نين هنـــــــــــــــد وأخبرُ هـــــــــــــــا ما كدتُ أ كْ تُ مُ ه عني من الخبر (٢) ونظير هذا من المبالغة قوله -- في حديث السبعة الذين يظلهم ا : رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه(١) وهذا القول مروي عن أكثر المفسرين ).(3) نقد القول مع حفظ مكانة قائله: من منهج الهلالي -رحمه الله - في نقده للأقوال ، وتوجيهه لها أن يحف ظ مكانة قائل القول الذي يريد نقده ؛ فيرد القول بما وجد من أدلة دون أن يم القائل بنقد شخصي أو تهجم .. (٢) البيت مذكور في بعض التفاسير كشاهد على هذا المعل ، ولم أعثر على قائله . (١) صحيح البخاري كتاب الزكاة باب الصدقة باليمين ١3 (١/ ٢٢٢) صحيح مسلم كتاب الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة ٢ (١/ 5 ). (3 )دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص: 49).

عدد الصفحات ٢٣٦

237 ومن ذلك قوله عليه-رحمه الله - : ( وقول ابن كثير "يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ..."(٢) إلى آخره ، خطأ عظيم لأ ن الضمائر السبعة تعود على المتحاكمين إلى الطاغوت التاركين التحاكم إلى الله ورسوله ، وكذلك قوله تعالى : "فلا وربك " فهذه ستة ضمائر تضاف إلى السبعة المتقدم ذكرها ؛ فيصير المجموع ثلاثة عشر ضميرا كلها في المنافقين )(١). ثم بعد تفصيل في المسألة طويل، ونقل لأقوال بعض المفسرين فيها يقول -رحمه الله -: "وقد تبين من كلام هؤلاء المفسرين صحة ما ذكرت من قبل ، وخطأ الحافظ ابن كثير ، فالله يغفر له ويرحمه ".(3) ذكر هذه الحكايةابن عساكر في معجمه(4)، والنووي في المجموع . وساقها بقوله: "ومن نْ أحسنن ما يقولُ : ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له ثم ذكرها بتمامها ".(5) والجدير بالذكر أن ابن كثير هنا لم يـ رْ ون ها ولم يستحسنها بل نقلها كما نقل بعض الإسرائيليات في تفسيره، ولا يدل ذلك من قريب أو بعيد على أنه يصححها أو يرجح ما دلت عليه كما هو واضح . نعم قد يقال إنه كان ينبغي أن يعلق ع ليها بما هي أهله ؛ ولم يفعل ، ولكل جواد كبوة . (٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٠). (١) سبيل الرشاد 3/44. (3 )سبيل الرشاد 3/48، (4 )معجم ابن عساكر(٢/ 599). (5 )المجموع شرح ا هذب (8 /4).

عدد الصفحات ٢٣٧

238 ومع ذلك يرد على من استدل بنقل ابن كثير لهذه القصة من أوجه : الأول : أنها ليست من سنة الرسول -- ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابته المكرمين، ولا من فعل التابعين، والقرون المفضلة، وغايتها أنها مجرد حكاية عن مجه ول نقلت بسند ضعيف، فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد، لو لم يرد فيه إلا هي ؛ فكيف وهي معارضة للأحاديث الصحيحة ، والأصول القويمة .(٢) ثانياا : أنه على فرض التسليم بصحتها – وهيهات لها أن تصح – فإنها معارضة بما هو أقوى منها من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله --. ثالثاا: حتى على تسليم أن ابن كثير أو غيره من أهل العلم نقلها مُ قن را بها فإن ذلك لا يزيدها إلا ضعفا على ضعفها ف ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها إما عن رأي، أو عن ضعف حجة، وهو معذور قبل إيضاح المحجة له بدلائلها. ولو تتبعنا كل قول شاذ أو ضعيف بحجة أن فلانا قال به أو نقله لضاع الدين من بين أيدينا ، ولضللنا ضلالا مبينا.والله تعالى أعلم. (٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٢/٢) وما بعدها.

عدد الصفحات ٢٣٨

239 المطلب الرابع: منهجه في التحذير من البدع والمحدثات: أولا : تعريف البدعة في اللغة والاصطلاح . تدور معاني البدع في اللغة على الاختراع والإنشاء وابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال. فالبدع هو الاختراع على غير مثال سابق، أو هو : إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة ومنه قوله تعالى: ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﭼ ]البقرة : ٠٢٢[ ؛ أي: مخترعها أو منشئها على غير مثال سابق، وقوله تعالى: ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﭼ ]الأحقاف: 9[ ؛ أي: ما كنت أول من أُ رْ سن ل، قد أُ رْ سن ل قبلي رُ سُ ل كثير.(٢) وأما من حيث الاصطلاح : فالبدعة هي ما لم يأمر به الشارع ، ولم يأذن فيه، ولا في أصله .(١) وعرفها الشاطبي -رحمه الله - فقال مرة هي : " العمل الذي لا دليل عليه في الشرع ".(3) وقال مرة هي عبارة عن طريقة في الدين مخ ترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.(4) والابتداع – بمعناه اللغوي – يكون على نوعين: أ - ابتداع في وسائل العيش كالمخترعات الحديثة ونحوها ، وهذا مباح؛ بل مطلوب شرعا .. (٢) العين (١/ 54 )جمهرة اللغة (٢/ 98 )مقايي اللغة(٢/ 9 )تهذيب اللغة(١/ ١). (١) التمسك بالسنن والتحذير من البدع (ص: 96). (3 )الاعتصام للشاط(ص: 49). (4 )الاعتصام للشاط (ص: ٠).

عدد الصفحات ٢٣٩

241 ب- ابتداع في الدين مطلقا، والتحقيق في هذا أنه محرم، وأما استحسان بعض أهل العلم لبعض ما يسميه بدعا ووصفها بأنها بدعة حسنة؛ فلي مقصوده البدعة الشرعية وإنما عل المعل اللغوي من حيث الإطلاق . وإنما قلت إن تحريم البدعة – بالمعل الشرعي – هو التحقيق لأدلة كثيرة لي هذا محل بسطها، ومنها على سبيل المثال : أ - أن الأصل في الدين التوقيف؛ ولذا قال --" :من أحدث في أمرنا هذا ما لي منه؛ فهو رد " (٢)، وفي رواية: "من عمل عملاً لي عليه أمرنا؛ فهو رد".(١) ب - قوله -- " :كل بدعة ضلالة"(3)؛وصريح لفظ الرسول -- هو اكم على البدعة كلها بأنها ضلالة . قال الحافظ ابن رجب : " فقوله -  - :«كُل بدعة ضلالة»من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «منْ أحدث في أمرنا ما لي منه فهو رد »، فكل منْ أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذل ك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة . وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية ".(4) (٢) صحيح البخاري كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على حكم جور ٠ (3 /84 )صحيح مسلم كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة 8 (3 /343). (١) صحيح مسلم كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة 8 (3 /343). (3 )صحيح مسلم كتاب الجمعة باب تخفيف ا لصلاة والخطبة ٠ (١/ ١) . (4 )جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (١/ 8).

عدد الصفحات ٢٤٠