093 يقــــول-رحمـــــه الله - : " مـــــن أعظــــم المصـــــائب الـــــتي حلـــــت بمشــــركي هـــــذا الزمـــــان ويأســـــف لهـــــا كـــــل مشـــــفق علـــــيهم أنهـــــم لا يعرفـــــون معـــــل لا إلـــــه إلا الله ، وقـــــد أضـــــلهم رؤســـــاء جهـــــال ينســـــبون إلى العلـــــم زورا وبهتانـــــا ؛ ففســـــروا لهـــــم لا إلـــــه إلا الله تفســـــيرا ضـــــلالا ؛قـــــال بعضـــــهم : معــــل لا إلــــه إلا الله : لا مســــتغن عــــن كــــل مــــا ســــواه ومفتقــــرا إليــــه كــــل مــــا عــــداه إلا الله فظــــن هــــــذا الجاهــــــل أن لا إلــــــه إلا الله يقصــــــد بهــــــا توحيــــــد الربوبيــــــة وهــــــو إثبــــــات الغــــــل لله تعــــــالى ، وإثبــــات الفقــــر لكــــل مــــن ســــواه فقــــط ، ولــــو فكــــر في معــــل ألــــه يألــــه إلاهــــة ، أي عبــــد يعبــــد عبـــــــادة ، لعلـــــــم أن كلمـــــــة "إلـــــــه" فعـــــــال بمعـــــــل مفعـــــــول أي : معبـــــــود ؛ فقائـــــــل لا إلـــــــه إلا الله العالم بمعناها يشهد على نفسه أنه لا يعبد إلا الله ، وأنه بريء مما يعبد من دونه "(٢). الوسيلة الثانية : علم الأصول . مــــن المعلــــوم أن علــــم الأصــــول يعتــــبر مــــن أهــــم علــــوم الآلــــة الــــتي تعتــــبر وســــيلة مــــن وســــائل فهـــــم النصـــــوص الشـــــرعية فهمـــــا مســـــتقيما ؛ وقـــــد درج الســـــلف الصـــــالح علـــــى الاعتنـــــاء بـــــتعلم علـــــــم الأصـــــــول وتعليمـــــــه ؛ وترســـــــيخ قواعـــــــده في التأســـــــي والتنظـــــــير والفهـــــــم والاســـــــتنتاج في كثير من المسائل المتعلقة بالنصوص الشرعية . ومـــــن هنـــــا اهـــــتم الشـــــيخ الهـــــلالي بعلـــــم الأصـــــول ؛ ووظفـــــه في جهـــــوده في تفســـــير القـــــرآن الكريم ؛ معرجا على بعض مباحثه بين الفينة والأخرى . يقـــــــول -رحمـــــــه الله -: ".. فالشـــــــفاعة عنـــــــد أهـــــــل الحـــــــق مقيـــــــدة بقيـــــــدين : أحـــــــدهما إذن الله للشافع، والثاني رضاه عقيدة المشفوع له، وهي التوحيد وسائر ما يجب اعتقاده .. (٢) سبيل الرشاد ١/6.
عدد الصفحات ١٩٣094 وقــــد تقــــرر في الشــــرع والعــــرف العــــام حمــــل المطلــــق علــــى المقيــــد ؛ فــــلا تعــــارض بــــين آيــــات القرآن ، ولا بين القرآن والحديث الصحيح الذي يثبت الشفاعة ".(٢) ومــــــن اهتمامـــــــه بعلـــــــم الأصــــــول أيضـــــــا قولـــــــه -رحمــــــه الله - : " وذهـــــــب أحمـــــــد والشـــــــافعي وإســــــحاق إلى أن لــــــلأب إجبــــــار ابنتــــــه البكــــــر البالغــــــة علــــــى النكــــــاح عمــــــلا بمفهــــــوم "الثيــــــب أحــــــق بنفســــــها"(١) كمــــــا تقــــــدم فإنــــــه دل أن البكــــــر بخلافهــــــا وأن الــــــولي أحــــــق بهــــــا ويــــــرد بأنــــــه مفهـــــوم لا يقـــــاوم المنطـــــوق وبأنـــــه لـــــو أخـــــذ بعمومـــــه لـــــزم في حـــــق غـــــير الأب مـــــن الأوليـــــاء وأن لا يخـــــص الأب بجـــــواز الإجبـــــار، وقـــــال البيهقـــــي في تقويـــــة كـــــلام الشـــــافعي : "إن حـــــديث ابـــــن عبــــاس هــــذا محمــــول علــــى أنــــه زوجهــــا مــــن غــــير كــــفء "، قــــال المصــــنف: "جــــواب البيهقــــي هــــو المعتمــــــد لأنهــــــا واقعــــــة عــــــين فــــــلا يثبــــــت الحكــــــم بهــــــا تعميمــــــا"، قلــــــت كــــــلام هــــــذين الإمــــــامين محامــــــاة عــــــن كــــــلام الشــــــافعي ومــــــذهبهم وإلا فتأويــــــل البيهقــــــى لا دليــــــل عليــــــه فلــــــو كــــــان كمــــــا قـــــال لذكرتـــــه المـــــرأة بـــــل قالـــــت إنـــــه زوجهـــــا وهـــــى كارهـــــة فالعلـــــة كراهتهـــــا فعليهـــــا علـــــق التخيـــــير لأنها المذكورة فكأنه قال -- :إذا كانت كارهة فأنت بالخيار . وقـــــول المصـــــنف: "إنهـــــا واقعـــــة عـــــين" كـــــلام غـــــير صـــــحيح بـــــل حكـــــم عـــــام لعمـــــوم علتـــــه فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم "(3). الوسيلة الثالثة: فهم سلف الأمة . يهـــــتم الشـــــيخ -رحمـــــه الله - بفهـــــم ســـــلف الأمـــــة بوصـــــفه أحـــــد أهـــــم مميـــــزات مـــــنهج أهـــــل الســــــنة والجماعــــــة في التعامــــــل مــــــع النصــــــوص وفهمهــــــا الفهــــــم الصــــــحيح ؛ إذ مــــــن المعلــــــوم أن الاعتمـــــــاد علـــــــى كـــــــل الوســـــــائل في فهـــــــم النصـــــــوص دون الاهتمـــــــام والاســـــــتنارة بفهـــــــم ســـــــلف (٢) الإلهام والإنعام ص ٠ (١) صحيح مسلم كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح ٢١ (١/ ٠) (3 )الثقافة التي نحتاج إليها ص3
عدد الصفحات ١٩٤095 يــــــــؤدي إلى خلــــــــل منهجــــــــي في الفهــــــــم والتأســــــــي ويفضــــــــي إلى نتــــــــائج لا تحمــــــــد عقباهــــــــا الدنيا ولا في الآخرة . ومــــــن جعــــــل فهــــــم ســــــلف الأمــــــة وســــــيلة للوصــــــول إلى الاعتقــــــاد الصــــــحيح قولــــــه -رحمــــــه الله- : ( وحــــــــــديث "يكشــــــــــف الله عــــــــــن ســــــــــاقه"(٢) تلقــــــــــاه الصــــــــــحابة والتــــــــــابعون بــــــــــالقبول والتسليم مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين ).(١) وقــــد أكثــــر الشــــيخ مــــن الاستشــــهاد بــــأقوال الســــلف علــــى المســــائل العقديــــة وخاصــــة الــــتي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية .(3) أهم المسائل العقدية التي اهتم بها الشيخ: لم يـــــــــترك الشـــــــــيخ -رحمـــــــــه الله - جانبـــــــــا مـــــــــن جوانـــــــــب العقيـــــــــدة إلا أولاه عنايتـــــــــه وبينـــــــــه واســــــتدل لــــــه بقــــــدر الإمكــــــان؛ ولكــــــن هنــــــاك جوانــــــب كانــــــت هــــــي الشــــــغل الشــــــاغل للشــــــيخ -رحمــــه الله - ؛ ولــــذا أكثــــر مــــن ذكرهــــا والرجــــوع إليهــــا وبحــــث كثــــير مــــن الجوانــــب المتعلقــــة بهــــا؛ وله في ذلك مسلكان : الأول : الدعوة إلى التوحيد مجملا : يقــــــــول -رحمــــــــه الله - : " .. إن المســــــــلمين قــــــــد أهملــــــــوا توحيــــــــد الله في أكثــــــــر أوطــــــــانهم ، وانغمســـــوا في الشـــــرك الأكـــــبر ، واســـــتوى في ذلـــــك عـــــالمهم وجـــــاهلهم إلا قلـــــيلا ممـــــن أخـــــذ الله بيـــــــده ؛ فلـــــــو أن عالمـــــــا مـــــــن علمـــــــاء المســـــــلمين نشـــــــأ في بلـــــــد إســـــــلامي ، ولـــــــه أولاد علمهـــــــم (٢) صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن باب يوم يكشف ع ن ساق حديث رقم 9 (6 /59 ) (١) سبيل الرشاد ١/١ (3 )يراجع الإلهام والإنعام ص 4 و6 وسبيل الرشاد ٢/5 وغيرها.
عدد الصفحات ١٩٥096 القـــــرآن ، وعلمهـــــم كتـــــب العلـــــوم الإســـــلامية علـــــى مـــــا عليـــــه العامـــــة ممـــــن يســـــمون بالعلمـــــاء ، وعــــــاش معهــــــم زمنــــــا طــــــويلا يــــــؤدون العبــــــادات المفروضــــــة ثم حضــــــرته الوفــــــاة فجمــــــع أولاده ، وقــــال لهــــم : مــــا تعبــــدون مــــن بعــــد مــــوتي ؟ لقــــال النــــاس : إنــــه أصــــيب بجنــــون ، وأنــــه يهــــذي هــــــذيان المحمــــــوم ، لأنهــــــم يزعمــــــون أن مــــــن صــــــلى وصــــــام وحــــــج وقــــــرأ القــــــرآن وأحــــــل الحــــــلال وحــــــرم الحــــــرام ، وإن عبــــــد غــــــير الله تعــــــالى بالــــــدعاء والاســــــتغاثة والاســــــتعاذة والتوكــــــل والخــــــ وف والرجـــــاء والحلـــــف والـــــذبح والنـــــذر ، وجعـــــل الحكـــــم لغـــــير الله ومـــــا أشـــــبه ذلـــــك ممـــــا تقـــــد م ذكـــــره لا يضــــره ذلــــك شــــيئا وهــــو مســــلم مــــؤمن كامــــل الإيمــــان، و لا يخــــافون عليــــه ضــــلالا ولا زيغــــا ، وهـــــذا إبـــــراهيم الخليـــــل إمـــــام الحنفـــــاء يوصـــــي بنيـــــه بتوحيـــــد الله تعـــــالى ، وهـــــذا يعقـــــوب حفيـــــده نـــــبي الله تعـــــالى لم يكفــــــه إجمـــــال الوصــــــية بالإســـــلام ، بـــــل يؤكــــــد ذلـــــك بقولــــــه : "مـــــا تعبــــــدون مــــن بعــــدي" وذلــــك عنــــدما حضــــره المــــوت ؛ فلــــم يقولــــوا لــــه : نحــــن أبنــــاؤك ولم نــــزل نعبــــد الله معــــــك و حــــــده لا شــــــريك لــــــه ، فكيــــــف تســــــألنا هــــــذا الســــــؤال؟ بــــــل أجــــــابوه جوابــــــا واضــــــحا بقــــولهم: "نعبــــد إلهــــك.." لا نشــــرك بــــه شــــيئا "ونحــــن لــــه مســــلمون" بقلوبنــــا وألســــنتنا لا نتوجــــه لغيره أبدا ، وبهذا اطمأنت نف يعقوب عليه الصلاة والسلام على أولاده ..)(٢). وهــــــذا المســــــلك في الــــــدعوة إلى التوحيــــــد بصــــــفة مجملــــــة عامــــــة يكثــــــر منــــــه الشــــــيخ -رحمــــــه الله- ؛ ويســـــتطرد في ذلـــــك الأدلـــــة عليـــــه ، وأن تحقيـــــق التوحيـــــد الحـــــق هـــــو المخـــــرج للأمـــــة مـــــن الغثائية التي تعيشها (١). الثاني : الدعوة إلى بعض أقسام التوحيد : لا يكتفـــــــي الشـــــــيخ -رحمـــــــه الله - بالـــــــدعوة إلى التوحيـــــــد مجمـــــــلا ؛ وتحقيقـــــــه كـــــــام لا ؛ بـــــــل يســـــــتخدم مـــــــن أجـــــــل الوصـــــــول إلى ذلـــــــك الهـــــــدف الـــــــدعوة إلى الكـــــــل والـــــــدعوة إلى الجـــــــزء ؛ (٢) سبيل الرشاد ٢/99-٠٠١. (١) انظر مثلا : سبيل الرشاد ٢/5 و١/96 و٢/٠ و٢/٠٠ و١/4 وغيرها.
عدد الصفحات ١٩٦097 فمــــرة يبــــين أدلــــة التوحيــــد مجمــــلا ؛ وتــــارة يركــــز علــــى جانــــب مــــن جوانــــب التوحيــــد وقســــم مــــن أقسامه . ومن ذلك : الدعوة إلى تحقيق توحيد الربوبية وبيان أدلته : يقول -رحمه الله -: ( ذكر الله سبحانه قبل هاتين الآيتين أدلة متعددة على توحيد الربوبية؛ بدأها بقوله سبحانه:ﭽ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﭼ [فاطر: ٢٢ ] وختمها بأولى هاتين الآيتين : " ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ ]فاطر: 3[ (٢). وقــــــد خصـــــــص الشـــــــيخ -رحمـــــــه الله - قســـــــما كــــــاملا مـــــــن كتابـــــــه ســـــــبيل الرشـــــــاد لتحقيـــــــق توحيـــــد العبـــــادة ممزوجـــــا بتوحيـــــد الربوبيـــــة كمـــــا صـــــرح بـــــذلك في مقدمـــــة كتابـــــه ذلـــــك . انظـــــر مقدمة سبيل الرشاد للمؤلف . الدعوة إلى تحقيق توحيد العبادة وبيان أدلته : وقـــــد خصــــــص لــــــه الشــــــيخ قســــــما كــــــاملا مــــــن كتابــــــه ســــــبيل الرشــــــاد ؛ ومــــــع ذلــــــك أفــــــرده بكتاب صغير عنوانه توحيد العبادة .(١) الدعوة إلى تحقيق توحيد الأسماء والصفات وبيان أدلته : لقــــــد خصــــــص الشــــــيخ -رحمــــــه الله - قســــــما مــــــن كتابــــــه ســــــبيل الرشــــــاد لإيضــــــاح توحيــــــد الأسماء والصفات ، وبيان أدلته ، ومذهب أهل السنة فيه .. (٢) سبيل الرشاد ١/95. (١) يراجع كتا به "توحيد العبادة " وقد ذكرته في مبحث مؤلفات الشيخ ، ويراجع كذلك على سبيل المثال لا الحصر : سبيل الرشاد ١/38 و٢/449 و١/٠٢١ و١/95-96
عدد الصفحات ١٩٧098 يقـــــول-رحمـــــه الله - : ( قـــــول النـــــبي -- "بــــــين أصـــــبعين مـــــن أصـــــابع الـــــرحمن " كقولــــــه تعـــــــالى : "لمـــــــا خلقـــــــت بيـــــــدي" وكقولـــــــه تعـــــــالى : "ويبقـــــــى وجـــــــه ربـــــــك " فـــــــنحن نـــــــؤمن أن لله يـــــــدين ووجهـــــــا وأصـــــــابع لا كأيـــــــدينا ولا كوجوهنـــــــا ولا كأصـــــــابعنا ، كمـــــــا أن لـــــــه علمـــــــا لـــــــي كعلمنـــــا ، وقــــــدرة ليســـــت كقــــــدرتنا ، وحيــــــاة لي ســـــت كحياتنــــــا ، وهــــــذا هـــــو إثبــــــات الصــــــفات الــــــذي يــــــأتي إن شــــــاء الله في الجــــــزء الثالــــــث مــــــن هــــــذا الكتــــــاب "ســــــبيل الرشــــــاد " وهــــــو قــــــادر على أن يبلغنا أمنيتنا في إتمام "سبيل الرشاد " وانتفاعنا به قبل الموت وهو الغني الكريم. ومـــــن رد بعـــــض الصـــــفات وأثبـــــت بعضـــــها مـــــن أهـــــل البـــــدع كـــــالخوارج والمعتزلـــــة والأشـــــعرية المتــــــأخرة ؛ فقــــــد حــــــرم مــــــن اتبــــــاع الرســــــول والصــــــحابة والتــــــابعين والأئمــــــة المجتهــــــدين ، وذلــــــك هو الخسران المبين )(٢). اهتمامه بإبراز جهود علماء السلف . يكثــــــر الشــــــيخ -رحمــــــه الله - في كتبــــــه مــــــن اهتمامــــــه بــــــإبراز جهــــــود علمــــــاء ســــــلف الأمــــــة رحمهــــم الله تعــــالى ؛ ويكثــــر مــــن ذكــــر أسمــــاء بعينهــــا كلفتــــة النظــــر أن جهــــودهم مهمــــة ومثمــــرة في شتى جوانب المعرفة الإسلامية .. وإن المتتبــــع لمــــا كتبــــه الشــــيخ -رحمــــه الله - ليجــــد أنــــه لم يهمــــل علمــــا مشــــهورا مــــن أعــــلام هـــــذه الأمــــــة إلا في القليـــــل النــــــادر ؛ بــــــل كـــــان ينــــــوع في اســــــتدلاله ونقولاتـــــه ؛ حيــــــث يقطــــــف مــــــن كتــــــب أولئــــــك العلمــــــاء أزهــــــار ا مفيــــــدة كــــــل في مجالــــــه ؛ دون أن ينســــــى تخصصــــــاتهم الــــــتي اشتهروا بالإبداع فيها ؛ وأنتجوا فيها نتاجا متميزا .. (٢) سبيل الرشاد 3/56
عدد الصفحات ١٩٨099 ومـــــــــن أكثـــــــــر الـــــــــذين نقـــــــــل عـــــــــنهم الشـــــــــيخ-رحمـــــــــه الله - لافتـــــــــا النظـــــــــر إلى جهـــــــــودهم ومؤلفاتهم : ٢ – الإمام ابن كثير الدمشقي صاحب التفسير المعروف (٢) . ١ – ابن جرير الطبري (١). 3 – شيخ الإسلام ابن تيمية(3) . 4 – ابن القيم.(4) 5 – ابن عبد ال(5) . 6 - محمد بن أبي مدين الشنقيطي(6) . ٠ – محمد صديق حسن القنوجي (٠) . 8 – الإمـــــام محمـــــد بـــــن عبـــــد الوهـــــاب ، والشـــــيخ ســـــليمان بـــــن عبـــــد الله آل الشـــــيخ(8). (٢) يراجع كتابه سبيل الرشاد كاملا ؛ فقد جعل تفسير ابن كثير -رحمه الله - هو العمدة فينقل منه تفسير الآيات في الغالب ثم يعلق هو عليها . (١) الإلهام والإنعام ٢و3 وسبيل الرشاد ٢/35 و39 وغيرها. (3 )الطريق إلى الله ص 93 وسبيل الرشاد ٢/١ وغيرها. (4 )سبيل الرشاد ١/٠٠ و٢/385 و3/9 والإلهام والإنعام ص53 و٢ وغيرها. (5 )الإلهام والإنعام ص5 وسبيل الرشا د 3/٠ و3/64 و3/59 (6 )سبيل الرشاد 4/٢١ نقلا متواليا حيث نقل معظم كتابه الصوارم والأسنة في قرابة ٠ صفحة. (٠) سبيل الرشاد 3/١١ و3/٢ و4/٠ وغيرها كثير . (8 )سبيل الرشاد ٢/٢٠٢ و١/334 و3/4 وغيرها كثير جدا .
عدد الصفحات ١٩٩211 المطلب الثا: منهجه في الترجي واستنباط الفوائد: يتكون هذا المطلب من فرعين : الفرع الأول :منهجه في الترجيح . أولا : تعريف الترجيح لغة واصطلاحا . الترجــــــيح تفعيــــــل مــــــن رجَّــــــح، وأصــــــلها مــــــن رجحــــــت بيــــــدي شــــــيئا : وزنتــــــه ونظــــــرت مــــــا ثقلــــــــه. وأرجحــــــــت الميــــــــزان : أثقلتــــــــه حــــــــتى مــــــــال. ورجــــــــح الشــــــــيء رجحانــــــــا ورجوحــــــــا، ثقــــــــل ومال.(٢) فالترجيح في اللغة إذن هو: التمييل والتغليب، يقال: " رجح الميزان " إذا مال، ويقال: " أرجح الميزان " إذا أثقله حتى مال.(١) واصـــــــطلاحا هـــــــو : إظهـــــــار فضـــــــل في أحـــــــد جـــــــانبي المعادلـــــــة وصـــــــفا لا أصـــــــلا فيكـــــــون عبــــارة عــــن مماثلــــة يتحقــــق بهــــا التعــــارض ثم يظهــــر في أحــــد الجــــانبين زيــــادة علــــى وجــــه لا تقــــو م تلــــــك الزيــــــادة بنفســــــها فيمــــــا تحصــــــل بــــــه المعارضــــــة أو تثبــــــت بــــــه المماثلــــــة بــــــين الشــــــيئين ومنــــــه الرجحــــــان في الــــــوزن فإنــــــه عبــــــارة عــــــن زيــــــادة بعــــــد ثبــــــوت المعادلــــــة بــــــين كفــــــتي الميــــــزان ، وتلــــــك الزيــــادة علــــى وجــــه لا تقــــوم منهـــــا المماثلــــة ابتــــداء ، ولا يــــدخل تحـــــت الــــوزن منفــــردا عــــن المزيـــــد عليــــــه مقصــــــودا بنفســــــه في العــــــادة نحــــــو الحبــــــة في العشــــــرة وهــــــذا لأن ضــــــد الترجــــــيح التطفيــــــف وإنمــــــا يكــــــون التطفيــــــف بنقصــــــان يظهــــــر في الــــــوزن أو الكيــــــل بعــــــد وجــــــود المعارضــــــة بــــــالطريق (٢) العين (3 /8 )وراجع : الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ 364). (١) المهذب في علم أصول الفقه المقارن (5 /3).
عدد الصفحات ٢٠٠210 الــــذي تثبــــت بــــه المماثلــــة علــــى وجــــه لا تنعــــدم بــــه المعارضــــة فكــــذلك الرجحــــان يكــــون بزيــــادة وصف على وجه لا تقوم به المماثلة ولا ينعدم بظ هوره أصل المعارضة .(٢) وعرَّفــــــه الآمــــــدي ؛ فقــــــال: "أمــــــا الترجــــــيح: فعبــــــارة عــــــن اقــــــتران أحــــــد الصــــــالحين للدلالــــــة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر ".(١) ثانيا : أهم صيغ الترجيح عند الشيخ الهلالي -رحمه الله - : لقـــــــــد تنوعـــــــــت أســـــــــاليب الشـــــــــيخ الهـــــــــلالي -رحمـــــــــه الله - في التعبـــــــــير عـــــــــن اختياراتـــــــــه في التفســــــير وترجيحاتــــــه بــــــين الأقــــــوال ، وتنوعــــــت تعبيراتــــــه عــــــن ذلــــــك وإن كــــــان مؤداهــــــا جميعــــــا واحد ؛ وهو التعبير عن القول الراجح عنده والمختار من بين أقوال المفسرين .. وبــــــالنظر الــــــدقيق في كتابــــــات الشــــــيخ -رحمــــــه الله - يتضــــــح أنــــــه عــــــبر بصــــــيغ مختلفــــــة عــــــن الــــراج ح عنــــده مــــن أقــــوال أهــــل العلــــم ، ويمكــــن حصــــر تلــــك الصــــيغ والأســــاليب الــــتي عــــبر بهــــا الشيخ عن هذا المعل في الصيغ التالية : 0 – التنصيص على القول بأنه راجح أو أنه يختاره ونحو ذلك: ومـــــن ذلـــــك مســـــألة المحرمـــــات في قولـــــه تعـــــالى : "قـــــل لا أجـــــد فيمـــــا أوحـــــي " حيـــــث نقـــــل عن الخازن ثلاثة أو جه(3) في تفسير الآية ، وهي: الوج ه الأول : لا أجـــــد محرمـــــا ممـــــا كــــان أهـــــل الجاهليـــــة يحرمونــــه مـــــن البحـــــائر والســـــوائب وغيرها إلا ما أوحي إلي في هذه الآية . (٢) أصول السرخسي (١/ 49). (١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4 /39). (3) لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن ( ١/ 5 )
عدد الصفحات ٢٠١212 الوج ه الث اني : أن يكــــون المــــراد وقــــت نــــزول هــــذه الآيــــة لم يكــــن محرمــــا غــــير مــــا ذكــــر ونص عليه في هذه الآية ، ثم حرم بعد نزوله ا أشياء أخر. الوجه الثالث : يحتمل أن هذا اللفظ العام خصص بدليل آخر. ثم قـــــــال -رحمـــــــه الله - : " وأنـــــــا أختـــــــار الوجـــــــه الثـــــــاني ، وقـــــــد فهمتـــــــه واخترتـــــــه قبـــــــل أن أطلـــــــع عليـــــــه في هـــــــذا الكتـــــــاب، وكنـــــــت أظـــــــن أني لم أســـــــبق إليـــــــه، وبيـــــــان ذلـــــــك أن الفعـــــــل المضارع إذا دخلت عليه "لا" النافية تعينه للحال . وإذا علمنـــــــا أن هـــــــذه الســـــــورة مكيـــــــة اتضـــــــح لنـــــــا أنـــــــه لم يكـــــــن في ذلـــــــك الوقـــــــت الـــــــذي نزلت فيه السورة شيء محرم من الحيوان وما يؤخذ منه إلا هذه الأربعة ".(٢) ومــــــن هنــــــا يتضــــــح أن الشــــــيخ -رحمــــــه الله - بــــــين اختيــــــاره بشــــــكل واضــــــح بقولــــــه : "أنــــــا أختــــــار" وقولــــــه : "وقــــــد فهمتــــــه واخترتــــــه"؛ ثم بــــــين مســــــوغات ترجيحــــــه لهــــــذا القــــــول ؛ وهــــــي عبارة عن مرجحين : الم رجح الأول : العامــــــل النحــــــوي حيــــــث إنــــــه قــــــال إن "لا" النافيــــــة إذا دخلــــــت علــــــى المضارع عينته للحال . الم رجح الث اني : العامـــــــل التـــــــاريخي المتمثـــــــل في كـــــــون الســـــــورة مكيـــــــة ؛ وحينـــــــذاك لم يكن قد حرم شيء من الحيوان غير الأربعة الم ذكورة في هذه الآية . (٢) الإلهام والإنعام ص5-6
عدد الصفحات ٢٠٢213 قلـــــــت: ويمكـــــــن أن يعـــــــترض عليـــــــه بـــــــأن هـــــــذا الحصـــــــر المـــــــذكور في إباحـــــــة غـــــــير الأربعـــــــة المـــــذكورة في هـــــذه الآيـــــة جـــــاء في ســـــورتين أخـــــريين همـــــا ســـــورة النحـــــل وهـــــي مكيـــــة وذلـــــك في سورة البقرة وهي مدنية في قوله تعالى: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ [البقرة : 3 ]. ولـــــئن ســـــلِّم لـــــه هـــــذا الوجـــــه في آيـــــتي النحـــــل والأنعـــــام لأنهمـــــا مكيتـــــان فإنـــــه لا يســـــلم لـــــه في البقــــــرة الــــــتي هــــــي مدنيــــــة ؛ فبــــــان مــــــن ذلــــــك أن هــــــذا الحصــــــر مســــــتقر حــــــتى بعــــــد تشــــــريع الشريعة واستقرارها . وأمـــــا قولـــــه -رحمـــــه الله - أنـــــه كـــــان يظـــــن أنـــــه لم يســـــبق لهـــــذا الوجـــــه فعجيـــــب لأن الوجـــــه المذكور موجود في جل التفاسير قبل ا لخازن وبعده .(٢) 2 –ترجيح قول بتقديمه مع الاستدلال له وتضعيف غيره : ومـــــــــن ذلـــــــــك قولـــــــــه -رحمـــــــــه الله - : ( "قـــــــــل للمخلفـــــــــين" مـــــــــن الأعـــــــــراب أهـــــــــل الباديـــــــــة "ســــــــــتدعون" أي تــــــــــؤمرون بقتــــــــــال قــــــــــوم "أولي بــــــــــأس شــــــــــديد" لا يقــــــــــدم علــــــــــى قتــــــــــالهم إلا الصــــــادقون المخلصــــــون الــــــذين يريــــــدون وجــــــه الله ، وقــــــد اختلــــــف المفســــــرون في هــــــؤلاء القــــــوم فقيــــــل هــــــم هــــــوازن وثقيــــــف الــــــذين قــــــاتلهم رســــــول الله - - بعــــــد فــــــتح مكــــــة وهــــــذا هــــــو الصــــحيح ، وقيــــل هــــم بنــــو حنيفــــة الــــذين ارتــــدوا عــــن الإســــلام وقــــاتلهم أبــــو بكــــر الصــــديق ، ومعــــــه أصــــــحاب رســــــول الله - - جميعــــــا ، وقيــــــل فــــــارس والــــــروم ، ولا يصــــــح شــــــيء مــــــن ذلــــــك القيــــــل لقولــــــه : "تقــــــاتلونهم أو يســــــلمون" وهــــــذا لا ينطبــــــق إلا علــــــى العــــــرب المشــــــركين إن كان الداعي هو رسول الله - - وإلا فإنه ينطبق على بني حنيفة أيضا)(١). (٢) انظر مثلا : تفسير الرازي (3 /٠٠٢) وهو متقدم على الخازن ؛ وانظر التفاسير المتأخرة عنه تجدها ذكرت هذا الوجه أيضا . (١) نبذة من علوم القرآن ص ٢.
عدد الصفحات ٢٠٣214 والملاحـــــــظ في هـــــــذا الـــــــنص أن الشـــــــيخ-رحمـــــــه الله - قـــــــدم القـــــــول الـــــــراجح عنـــــــده ونـــــــص علـــــى رجحانـــــه بقولـــــه "وهـــــذا هـــــو الصـــــحيح " ثم ذكـــــر الأقـــــوال المرجوحـــــة ، ثم اســـــتدل علـــــى ترجيحـــــه بـــــاللفظ القـــــرآني مبينـــــا أنـــــه لا ينطبـــــق إلا علـــــى هـــــوازن وثقيـــــف إن كـــــان الـــــداعي هـــــو رسول الله - - أو على بني حنيفة إن كان الداعي غيره --. ويمكـــــن أن يعـــــترض علـــــى تـــــرجيح الشـــــيخ -رحمـــــه الله - بـــــأن دليـــــل الترجـــــيح منطبـــــق علـــــى جميع الطوائف التي قيل بها في تفسير الآية الكريمة. ويمكــــــن أن يجــــــاب عنــــــه بــــــأن الشــــــيخ -رحمــــــه الله - اشــــــترط في ذلــــــك أن يكــــــون الــــــداعي هــــــــو رســــــــول الله -- ؛ وهــــــــذا لا ينطبــــــــق إلا علــــــــى هــــــــوازن وثقيــــــــف؛ حيــــــــث أن الــــــــداعي لفارس والروم ، والمقاتل لبني حنيفة إنما هم الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - . ويعـــــــترض علـــــــى هـــــــذا بـــــــأن التعبـــــــير القـــــــرآني بالمضـــــــارع المبـــــــني للمجهـــــــول في قولـــــــه تعـــــــالى "ســــــــتدعون" صــــــــريح في أنــــــــه لــــــــي بالضــــــــرورة أن يكــــــــون الــــــــداعي للقتــــــــال هــــــــو رســــــــول الله - - ؛ بل جائز أن يكون هو أو واحد من خلفاء المسلمين من بعده. ولهـــــذا رجـــــح إمـــــام المفســـــرين ابـــــن جريـــــر الطـــــبري -رحمـــــه الله - التوقـــــف في تعيـــــين هـــــؤلا ء القوم ؛ وجوز أن تكون الآية منطبقة على الجميع أو على البعض .(٢) ويمكـــــن أن يســـــتدل لترجـــــيح الشـــــيخ بـــــأن مشـــــركي العـــــرب هـــــم الـــــذين لا يقبـــــل مـــــنهم إلا الإسلام أو السيف . قلـــــت : ويمكـــــن أن يعـــــترض عليـــــه بـــــأن الإســـــلام المـــــذكور في الآيـــــة الكريمـــــة "تقـــــاتلونهم أو يســــــلمون" يمكــــــن أن يحمــــــل علــــــى الإســــــلام اللغــــــوي فيشــــــمل الاستســــــلام للجزيــــــة والإســــــلام (٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (١١/ ٢١١)
عدد الصفحات ٢٠٤215 الشـــــــرعي وغيرهـــــــا ؛ وحينئـــــــذ فهـــــــو مقبـــــــول مـــــــن جميـــــــع الأصـــــــناف المـــــــذكورة في تفســـــــير الآيـــــــة الكريمة . والله تعالى أعلم. والجدير بالذكر أن للمفسرين في هؤلاء القوم خمسة أقوال : أحدها: أنهم أهل فارس. الثاني: الروم الثالث: هواز ن وغطفان بحنين . الرابع : بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب الخام : أنهم قوم لم يأتوا بعد .(٢) 3 – ترجيح قول بتأخيره مع الاستدلال له : ومــــــــــن ذلــــــــــك قولــــــــــه -رحمــــــــــه الله - : ( اعلــــــــــم أيضــــــــــا أن بعــــــــــض أصــــــــــحاب رســــــــــول الله -- كعبــــــــد الله بــــــــن عمــــــــر– رضــــــــي الله عنهمــــــــا - لم يــــــــروا القتــــــــال مــــــــع علــــــــي ولا مــــــــع عثمــــــــان اجتهــــــــادا مــــــــنهم ، والصــــــــواب الــــــــذي لا شــــــــك فيــــــــه مــــــــا ذهــــــــب ]إليــــــــه[(١) جمهــــــــور الصــــحابة مــــن قتــــال البغــــاة الخــــارجين علــــى أئمــــة الحــــق، لقــــول الله تعــــالى في ســــورة الحجــــرات : "وإن طائفتـــــان" الآيـــــة فقتـــــال الخـــــارجين علـــــى عثمـــــان والخـــــارجين علـــــى علـــــي هـــــو الحـــــق بـــــلا شـــــــك ، لهـــــــذه الآيـــــــة، ولقـــــــول رســـــــول الله -- " :ويـــــــح عمـــــــار تقتلـــــــه الفئـــــــة الباغيـــــــة"(3) (٢) تفسير الماوردي = النكت والعيون (5 /5-6) (١) ليست كلمة : "إليه" في الأصل وقد أضفتها لحاجة اللفظ إليها. (3 )صحيح البخاري كتاب الصلاة باب التعاون في بناء المساجد حديث رقم ٠ (٢/ ٠) .
عدد الصفحات ٢٠٥216 وكــــــــان عمــــــــار يقاتــــــــل مــــــــع علــــــــي فقتلــــــــه جــــــــيش معاويــــــــة ، وقــــــــال النــــــــ --" :إذا بويــــــــع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"(٢))(١). ومــــن نظــــر في هــــذا الــــنص وجــــد الشــــيخ -رحمــــه الله - رجــــح مــــذهب الجمهــــور لكنــــه بــــدأ بقول عبد الله بن عمر وبعض الصحابة الذين رأوا عدم القتال في تلك الفتنة وتجنبها . وقـــــد اســـــتدل الشـــــيخ -رحمـــــه الله - علـــــى ترجيحـــــه للقتـــــال مـــــع علـــــي ؛ وكـــــون الحـــــق معـــــه بأدلة هي : أ – ظاهر القرآن الكريم في قوله تعالى : "وإن طائفتان" ووجــــه الاســــتدلال بهــــا أن فئــــة علــــي -- هــــي صــــاحبة الحــــق الأصــــلي ؛ وفئــــة معاويـــــة -- تأولـــــــــت واســـــــــتعجلت في تنفيـــــــــذ أحكـــــــــام قبـــــــــل أن يســـــــــتتب الأمـــــــــر لعلـــــــــي --؛ فكــــــــان الواجــــــــب هــــــــو قتــــــــال الفئــــــــة الباغيــــــــة، ونصــــــــر ولي أمــــــــر المســــــــلمين وخليفــــــــتهم علــــــــي --. ب– قوله - - " :ويح عمار تقتله الفئة الباغية" قلــــــــت : والحــــــــديث يعتــــــــبر نصــــــــا في المســــــــألة ومــــــــن الغريــــــــب عــــــــدول الــــــــبعض عنــــــــه مــــــــع صــــرا حته وصـــــحته ؛ وقـــــد حكـــــم فيـــــه رســـــول الله -- بــــأن الفئـــــة الباغيـــــة هـــــي الـــــتي ســـــتقتل عمارا وقد قتله جيش معاوية --، وهذا الحديث من علامات النبوة. ج – حديث : "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" ووجه الاستدلال بهذا الحديث من أوجه : (٢) صحيح مسلم كتاب الإمارة باب إذا بويع لخليفتين حديث رقم 5- (ج6 /ص3). (١) سبيل الرشاد ٢/449-٠.
عدد الصفحات ٢٠٦217 الوج ه الأول : أن عليــــــــا - - قــــــــد بويــــــــع بالخلافــــــــة قبــــــــل معاويــــــــة بــــــــزمن ؛ فكــــــــان الواجــــب قتــــل كــــل مــــن يطالــــب بالخلافــــة بعــــد ذلــــك دعمــــا لوحــــدة المســــلمين ، وعمــــلا بــــأمر رسول الله -- وحسما لمادة الخلاف في الأمة . الوج ه الث اني : دلالــــة الحــــديث علــــى بطــــلان بيعــــة معاويــــة لأنهــــا أتــــت بعــــد بيعــــة علــــي والمبني على باطل باطل . الوج ه الثال ث : أنـــــــــه لا يجـــــــــوز تعـــــــــدد خلفـــــــــاء المســـــــــلمين؛ يـــــــــل يجـــــــــب أن يكـــــــــون للمســـــلمين خليفـــــة واحـــــد تجـــــب لـــــه الطاعـــــة، ولـــــذا قـــــال --" :إذا بويـــــع لخليفتـــــين فـــــاقتلوا الآخر منهما". فـــــلا يجـــــوز إذن تعـــــدد الخلفـــــاء؛ ولا يمكـــــن وجـــــود خليفتـــــين تجـــــب لهمـــــا الطاعـــــة في نفـــــ الوقت.. وقـــــد اســـــتثل بعـــــض أهـــــل العلـــــم حالـــــة واحـــــدة وهـــــي أن يتباعـــــد الخليفتـــــان جـــــدا ومثـــــل لذلك بالأندل وخراسان؛ فأجاز الطاعة لهما معا كل في محله . قلت ويرد عليه من وجهين: أ – أنـــــــه مخـــــــالف لظـــــــاهر الحـــــــديث الصـــــــحيح المتقـــــــدم، والاجتهـــــــاد مـــــــع وجـــــــود الـــــــنص يسمى فاسد الاعتبار عند الأصوليين ؛ فلا يعول عليه . ب – أنه شاذ فلم يقل به من أهل العلم إلا أقل القليل(٢). (٢) أضواء البيان في إيضاح القرآ ن بالقرآن (٢/ ٢).
عدد الصفحات ٢٠٧218 4 – تفس ير الآي ة ب القول ال راجح عن ده م ع الإش ارة إل ى الق ول المرج وح بصيغة التمريض : ومـــــــــن ذلـــــــــك قولـــــــــه -رحمـــــــــه الله -: " مـــــــــن المعلـــــــــوم أن قولـــــــــه تعـــــــــالى : "فـــــــــاتقوا الله مـــــــــا اســـــتطعتم" مـــــن ســـــورة التغـــــابن وهـــــي مكيـــــة، وقولـــــه تعـــــالى : "اتقـــــوا الله حـــــق تقاتـــــه" مـــــن آل عمـــــــران ، وهـــــــي مدنيـــــــة، والآيـــــــة المكيـــــــة متقدمـــــــة علـــــــى الآيـــــــة المدنيـــــــة ؛ فكيـــــــف تنســـــــخها ؟ فالقول بالنسخ سهو، والصواب أنها محكمة كما قال ابن عباس ".(٢) وفي هــــــــذا الــــــــنص يــــــــرجح الشــــــــيخ -رحمــــــــه الله - عــــــــدم نســــــــخ قولــــــــه تعــــــــالى "فــــــــاتقوا الله" ويـــــــنص علـــــــى ذلـــــــك صـــــــراحة فيقـــــــول : "والصـــــــواب أنهـــــــا محكمـــــــة" مضـــــــعفا القـــــــول بالنســـــــخ مشــــيرا لـــــه بقولـــــه :"فـــــالقول بالنســــخ ســـــهو" مســـــتدلا علـــــى ترجيحــــه عـــــدم النســـــخ بـــــأن الآيـــــة الأولى مكية والثانية مدنية ؛ فكيف ينسخ المتقدم المتأخر ؟ قلت : ويعترض على دليل الشيخ في ترجيحه من وجهين : أ - أن التحقيق أن الآيتين مدنيتان ؛ فلا مانع من النسخ . ب – أنــــــه ممــــــا يقــــــوي كونهمــــــا مــــــدنيتان اخــــــتلاف أهــــــل العلــــــم في النســــــخ؛ إذ لــــــو كــــــان الأمر كما قال الشيخ -رحمه الله - فكيف يختلف حتى الصحابة -- في النسخ ؟ ولهــــــــذا قــــــــال الإمــــــــام الشــــــــاطبي -رحمــــــــه الله - : " وقــــــــال قتــــــــادة في قولــــــــه: ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ ]آل عمـــــــــران : ١٠٢ [ إنـــــــــه منســـــــــوخ بقولـــــــــه : ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ ]التغـــــــــابن: 6[ وقالـــــــــه الربيــــع بــــن أنــــ والســــدي وابــــن زيــــد ، وهــــذا مــــن الطــــراز المــــذكور؛ لأن الآيتــــين مــــدنيتان، ولم تنــــــزلا إلا بعــــــد تقريــــــر أن الــــــدين لا حــــــرج فيــــــه، وأن التكليــــــف بمــــــا لا يســــــتطاع مرفــــــوع فصــــــار (٢) سبيل الرشاد ٢/6.
عدد الصفحات ٢٠٨