129 لم أستمتع بقراءة دوستيفيسكي وتولستوي وديكنز وماركيز قدر استمتاعي ببطوط وتان تان ومغامرات البحار الغبي..! دائماً أجد أن أبسط الأشياء هي أجملها..! قاعدة أحفظها منذ عدة سنوات وألاحظها في كل حين، الشاي بالحليب أشهى كثيرًا من الكابتشينو بالكريمة الذي يستغرق إعداده عدة مئات من السنين، والسماء الزرقاء فوق سطح بيتنا تبدو أجمل من المناظر الطبيعية المعقدة التي أضعها على خلفية الشاشة، والبسكويتة التي أتقاسمها مع زميلي تتَك في النفس أثرًا أحلى من وجبة فاخرة في أغلى المطاعم. لا أعلم لماذا ينشغل الكثير من الناس بالماكرو -ن عرم، ويغفلون عن عالم الميكرو الدقيق..؟! أتصور أن ابتسامة أبيك الراضية في وجهك والتي تقول الكثير، هي نعمة أجمل وأغلى من هاتف آيفون جديد. أو أن صوت البكاء الأول لوليدك القادم إن شاء الله هو نعمة تفوق السيارة الفارهة ذات الدفع الرباعي التي تتمناها. أبسط الأشياء دائماً هي الأهمّ أيضًا.. فمن العجيب أن تلاحظ أن تلك الأشياء البسيطة، وتلك الدقائق الخفيّة هي ما يتحكم فيك..!
عدد الصفحات ١٢٩130 أن تلاحظ أن أصابعك التي تجري الآن على لوحة مفاتيحكتستطيع تحريكها إلا ببعض ذرات الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والكلور. تخيّل أن تنظر إلى بعض ذرات الملح على الطاولة وتفكر أن حركتك تعتمد على مثل هذه العناصر..! ثم أن كل ذرة منها تحوي داخلها عالمًا آخر، وتتحكم في تكوينها أشياء أبسط وأدقّ . لذلك لا أتعجب أبدًا من أننا سوف نتفاجأ في يوم القيامة (يوم انكشاف معنى الحياة بأكملها) بأبسط الأشياء..! سوف نتفاجأ بأن سيكون أثرها أكبر كثيرًا مما تخيلنا، حتى تُذكرر في كتبنا البساطات قب ل العظائم ﴿لَُ حْصَاهَا َ ُي غَادِر ُصَغِيَةًُوَلُكَبِيَةًُإِلَيُأ ﴾..! سيتفاجأ صاحب الكذبة الصغيرة التي أضحك بها زميله، وصاحب النظرة القصيرة التي أرضى بها فضوله، وصاحب الصدقة اليسيرة ذات العملتين. سيتفاجأ من لديه ذاك المعنى الدقيق الذي وقر في سويداء قلبه دون أن يشعر، من لديه تلك الجرزْعة الخفيفة في نفسه على كل مأمول فاته ، من تصطبغ شفتاه دائماً ب ظهر يد أمه..! ستفاجئنا حتماً يومها أبسط الأشياء.
عدد الصفحات ١٣٠131 مما نفعل، وا نقول، وما نخاف، وما نشاء..! عندما تركب سيارتك الواقفة في الشمس في وقت الظهيرة في أحد أيام شهور الصيف القائظة، لتفاجأ بشدة حرارة هواء السيارة، والذي لا يكتفي بإلهاب جلد وجهك، وإغراقك في عرقك في عدة ثوان ، بل يتسلل أيضً ا مع أنفاسك مارً ا بالحلقوم وبطانة أنفك خارجً ا وداخلاً مع كل شهيق وزفير، حينها تشعر وكأن روحك تلتهب حقً ا من الداخل.. حينها لا بد أنك سوف تتذكر قول الله تعالى عن أهل الشقاء من أصحاب النار: ﴿مَياُ َ فَأ ِينَُشَق واُفَفُِِالَيارُِلَه مُْفِيهَا الََيُزَفِيٌُوَشَهِيقٌُ ﴾.. ولربما بعدها تسعك ثقافتك أن تتذكر ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "الزفير إخرا ج النفس، وهو أن ي متلئ الجوف غماً فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس".. ثم يزيدنا القرطبي بقوله: "والزفير والشهيق من أصوات المحزونين.."! وحين تجد أن حلقك قد تحول إلى قطعة كبيرة من القطن.. تسرع إلى بيتك حينها لتتوجه أول ما تدخل إلى ثلاجتك وتفتح زجاجة المياه الباردة، وقبل أن تشرب منها تنظر لها بكل امتنان وحب وحنان، ثم تروي ظمأك..! هذا هو ما فعله عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما شرب ماءً ا باردً ا، فبكى فاشتد بكاؤه، فقيل له: "ما يبكيك؟" قال: "ذكرت آية في كتاب
عدد الصفحات ١٣١132 ا﴿وَحِيلَُبَيْنَه مُْوَبَيَُْمَاُيَشْتَه ونَُ ﴾، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل: ﴿وُْمِمَياُرَزَقَك م ُاللَي ُ َ فِيض واُعَلَيْنَاُمِنَُالْمَاءُِأ َ نُْأ َ أ﴾..! وحين تصطدم بأي شيء في هذه الحرارة الشديدة، فإن الحر الذي ألهب روحك، كفيل بأن تؤثر عليك هذه الخبطة أكثر كثيرًا م ن المعتاد على المستويين الجسدي والنفسي.. حينها لا بد أنك سوف تتذكر قول الله تعالى عماّ يضرب به أهل النار على رؤوسهم: ﴿وَلَه مُمَيقَامِع ُمِنُْحَدِيدُِ ﴾.. كما جاء في مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ: "لروْ أرن م قْمرعًا م نْ حرد يد وُض عر في الأْررْض فراجْترمرعر لرهُ الث قرلارن مرا أرقرلروهُ (أي ما رفعوه) م نْ الأْررْض ".. فأي قوة تلك التي يهُوى بها على رأسه ؟! وأي معدن ذاك الذي لا يذوب بنار جهنم؟! وأما حين يدخل فصل الشتاء فإنك لا بد تتذكر أن العذاب بالبرد موجود في جهنم، وأنهم وقتها يهربون من النار إلى البرد: كما رُو ير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر " .. وعن مجاهد: "يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض".. فلما يجدوا أنها كانت فكرة بائسة يهربون من البرد إلى النار..! كما يقول كعب: "إن في جهنم بردًا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم".. وعن عبد الملك بن عمير قال بلغني: "أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد" ..!
عدد الصفحات ١٣٢133 إنهادائرة جهنمية مغلقة..! علينا أن نخاف..! علينا أن نخاف للغاية..! لم يجد اليابانيّون القدماء سببًا قويًا يفسرّ لهم القوة التي تقف خلف الشلالات ومجاري الأنهار والأمواج المتلاطمة إلا أن تكون مسكنًا للعديد من أرواح الكائنات البشريّة (الحساسة) والتي يسمّونها: (الكامي)..! وأما السبب الكامن وراء اضطراب الأمور في بلاط الإمبراطور كان الشياطين والأرواح الخبيثة، لذلك كان الحرّاس في بلاط الإمبر اطور مأمورين بأن يقذفوا رماحهم بشكل دوري دائم منتظم وبطريقة عشوائية تمامًا من أجل طرد وإخافة الأرواح الخبيثة التي تحاول التسلل لما وراء الأسوار العظيمة..! وأما البابليون القدماء فكانوا يفسرّون (سبب) المرض والوباء بأنها شياطين استطاعت أن تتسلل من أبواب البيوت والشقوق، وأما سبب مرض الأطفال المتكرر بشكل خاص عند الآشوريين فهو أن هناك شيطانًا متخصصًا في الأطفال فقط، وهو عدوّ الأطفال واسمه (لايارتو)..! ولذلك كانت مهمة الطبيب عندهم أن (يفاجئ) الشيطان الذي يسكن جسد المريض بأنه يعرف اسمه، فيأخذ في ذكر أسماء الشياطين المحتملين..! على ما يبدو كان هذا الإجراء يصيب الشيطان بـ (الحرج) من أنه قد انكشف أمره..!
عدد الصفحات ١٣٣134 وأما (الفايكنج–وهم جدود ساكني بلاد (النرويج) الآن– فقد فسرّوا ظاهرة قوس قزح، بأنها مسكن الآلهة حيث مستقرّ (أودين) كبيرهم وزوجته (فريجا) الجميلة الفاتنة..! وفي هذا المكان تقام الاحتفالات بالأبطال الشجعان الذين يموتون في الحروب.. وأما سبب السحاب من وجهة نظرهم، فهو أن (فريجا) تغزل هذا السحاب بتوكيل من بقية الآلهة.. وأما سبب البرق والرعد، فهي تعبيرات عن غضب (ثور) ابن (أودين) و(فريجا) الذي يمل ك مطرقة هائلة من الفولاذ ويطلقها على الأعداء والعصاة فيقضي عليهم.. ويملك (ثور) اثنين من الإخوة التوائم، وهما (بولدر) الجميل الذي يفسر لنا ضوء الشمس وفصل الصيف الرائع، و(هولدر) الكفيف الحزين الذي يفسر لنا الظلمة وفصل الشتاء القاتم..! اعتاد القدماء –ممّن لا يملكون علماً تجريبيًا ناجحًا ولا يملكون هدًى من السماء ولكن يملكون قدرًا واسعًا من الخيال– أن يفسرّوا الكثير من الظواهر اعتمادًا على هذه الأفكار الخيالية، وبعد أن تقدم بالناس العلم، أخذوا في فهم الظاهرة العلميّة الحقيقية التي جعلها الله عز وجل (سببًا) وراء هذه الأحداث، فالزلازل ناتجة عن انزلاقات في الصفائح الصخريّة للأرض، والأمطار الغزيرة سببها التقاء رياح مختلفة في درجة حرارتها ورطوبتها، وأما اختلاف فصول الشتاء والصيف كان بسبب (ميل) محور دوران الأرض حول الشمس بزاوية (23,5) درجة. يمكنك أن تتخيل كمّ الأخطاء العلمية التي كان سيقع فيها القرآن لو كان (اختلاقًا) من بشري عاش قبل الثورة العلمية بأكثر من ألف عام..! كم الأساطير والخرافات التي كنا
عدد الصفحات ١٣٤135 وقتها سنجدها فيه تشرح لنا (السبب) المادي الذي يقف حول هذه الظواهر..! كم (الاختلاف) الذي كان من المفتَض أن نجده وقتها بين الكلام الذي يُدّعى أنه من عند الله وبين خلق الله وسننه في الوجود فعلاً..! يذكرنا ذلك بقول الله عز وجل: فَلََُيَتَدَبَر ونَُ َ ﴿أ ُِاللَُِلَوَجَد واُفِيهُِاخْتِلََفًاُكَثِيًا﴾ الْق رْآنَُوَلَوُْكََنَُمِنُْعِنْدََُِيْ .. أعلم أن مثانتك -كمعظم البشر- تتغابى كثيرًا، ففي أوقات الحاجة الشديدة لدخول الحمام تكون قدرتها على التحمل كبيرة جدًا فقط إلى اللحظة التي تقتَب فيها بالفعل من أحد دورات المياه، حينها تصاب مثانتك بالجنون الفوري، وتفقد كل قدرتها على التحمل..! وسبب ذلك أن خلاياك العصبية على قدر من الذكاء يجعلها لا تستثار كثيرًا بالإشارات التي ترسلها لها المثانة حتى يكون هناك مجال لإفراغها بالفعل، خلاياك العصبية وقت ها تحرص على ألا تحيل حياتك جحيماً..! لحسن الحظ مثانتك لا تتغابى عند النوم، برغم أنك قد تنام أكثر من سبع ساعات متواصلة إلا أنها لا تزعجك في الغالب برغبتها في دخول الحمام، هذه المرة فالسبب هو هرمون الـ ADH الذي يزداد إفرازه بشكل ملحوظ من غدتك النخامية ليلاً عند النوم،
عدد الصفحات ١٣٥136 فيعمل الهرمون على تقليل ترشيح الماء من الكلى إلى المثانة، بمعنى آخر كمية بول أقل مثانتك تستطيع تحمّلها، حتى تواصل نومك من دون أن تبلل فراشك. وحين تصاب بالرعشة في البرد وترتجف فإن جسدك في الحقيقة لا يقوم بعمل عابث، بل هو يعلم تمامًا ما يفعله، هذه الرعشة مسئوولة عن إكساب الحرارة بالطاقة الحركية لخلايا جسدك التي تعاني من نقص درجة الحرارة في هذا الجو البارد، فيبقى سيتوبلازم الخلايا في حالة سائلة ودرجة لزوجة مناسبة. تتثاءب فتعلم أن جسدك يحتاج إلى النوم، يسيل لعابك فتعلم أن الطعام الشهي الذي أمامك مفيد لك غذائيًا، تعطش فتتدارك نفسك قبل أن تدخل في نوبة جفاف، وتشعر بالألم فتفهم أن هناك جرح لا تراه في ظهرك يحتاج إلى أن يُعالرج حتى لا يتلوث.. جسدك يعتني بنفسه بشكل جيد، بل بشكل ممتاز..! وربما أكثر من أي كائن حي آخر..! لا يوجد الكثير مما تقلق بشأنه بخصوص جسدك وقدرته على تكييف أوضاعه مع الظروف المحيطة، لقد خلقك الله بنظام تشغيل داخلي رائع وUpdates متجددة في كل ثانية..! قد فرّغك الله من مشقة الاعتناء بتَيليونات الخلايا التي تملكها، وهناك جيوش من الإنزيمات والهرمونات والأنسجة الضامّة المتخصصة تسهر على عنايتك 24/7.. ترى هل أرادنا اأن نتفرّغ لما هو أهم من تنظيم جدول إفراغ مثانتنا أو ملء بطوننا؟ ترى هل أرادنا الله أن نهتم بكل تلك الأشياء الرائعة التي تكوّن جوهر الإنسان حقًا؟
عدد الصفحات ١٣٦137 التأمّل والتعقّل والارتقاء والاعتبار والتمييز والإحساس وتحمل المسئولية وإدراك المآل وإرادة العُلى، لا بد أن هذه هي الأشياء التي أراد الله لنا أن تكون شغلنا الشاغل، لا بد أنه فرّغنا من مسئوليات الجسد لأنه يحب لنا أن نتميز كبشر على أن نكون عبيدًا لأجسادنا! مثلما قال سبحانه: ﴿رْضُِوَاخْتِلََفُِاللَيْلُِوَالَهَارُِلَْيَاتُِ إِنَُفُِِخَلْقُِالسَمَاوَاتُِوَالَْْ ولُِ لْل ُ ِينَُيَذْك ر ونَُاللََُِِيَامًاُوَِ ع ودًاُوَعَََ ُج ن وبِهِمُْوَيَتَفَكَر ونَُفُِِخَلْقُِالسَمَاوَاتُِ لََْابِ،ُالََ الَْْ ُ رْضُِرَبَنَاُمَاُخَلَقْتَُهَ ذَاُبَاطِلًَُس بْحَانَكَُفَقِنَاُعَذَابَُالَارُِ وَالَْْ ﴾.. نعم، لأولي (الألباب)..! يحكون أن موظفًا دخل على مديره ليطلب منه يومًا إجازة، فأجابه: أنت تريد إجازة يوم واحد..! ألا تعلم أن السنة فيها 365 يومًا؟ وخلال هذه المدة أنت تعطل يومين كل أسبوع؟ أي يبقى من السنة 261 يومًا، ولا تنسر أنك تق 16 ساعة من اليوم في البيت، وهذه تعادل 174 يومًا، فيبقى للعمل 87 يومًا فقط.. ثم إنك تقضي نصف ساعة يوميًا الاستَاحة لتشرب الشاي والقهوة، وهذه تعادل 23 يومًا في السنة، أي يبقى للعمل64 يومًا فقط.. وكذلك فإنك تأخذ ساعة يوميًا للغداء، وهذه تعادل46 يومًا، وبالتالي يبقى للعمل 18 يومًا.. ومن عاداتك أن تأخذ إجازة مرضية لمدة يومين كل سنة، فيبقى للعمل 16 يومًا، وفي العيد الوطني نحن نعطل وهذا يخفض عدد أيام العمل إ15 يومًا، وشركتنا
عدد الصفحات ١٣٧138 تعطيك إجازة سخيّة مدتها14 يومًا في السنة، فلا يبقى للعمل سوى يوم واحد..!! أ أكون غبيًا إذا أعطيتك هذا اليوم إجازة..؟! سواء عليك تخيلت هذا المدير بنبرة صوت حازمة ونظرة مخيفة وسيجار كوبي، أو تخيلته بـ (بليزر) رمادي ومنديل محلاّوي وكوب شاي أسود.. ففي كل الحالات ستُعجب ببراعة هذا المدير الذي قام بالتطبيق الكامل لمعنى (القررطرسة)، وأقنع الموظف المسكين عن غير وجه حق أنه كائن زائد على الثدييات الرئيسية لا قيمة إضافية لحياته أو لعمله.. نحن لا نملك أوقاتنا فعلاً ونعيش نفس معاناة هذا المدير مع موظفيه حين لا يستطيع أن يقتنصهم وهم يعملون.. كم مرة لم تستطع فيها أن تقوم بالمهمة التي أجلتها منذ عدة أيام لأن أحدهم قاطعك بطلب أو مكالمة هاتفية طويلة..؟ كم مرة كانت الظروف مواتية تمامًا لإكمال قراءة الكتاب الذي بدأته منذ أسابيع ولم يعطلك أحد هذه المرة ولكنك فطنت أنك أكثر اكتئابًا من أن تهتم بما يوجد في الكتاب حقًا..؟ ! لحظات الحياة الجادة قليلة، معظم العمل يضيع في الدردشة، معظم الصلاة هي في الواقع شرود، معظم أوقات العمرة في النزهة وصور (السيلفي) مع الأصدقاء..! من حسن الحظ أن الله عز وجل الذي خلقنا يعلم ذلك، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟! يعلم الله عز وجل أن معظمنا لا يملك الوقت الكافي للنجاح، وبعد أن يخصم من وقته القدر الذي لابد من صرفه على العمل والزيارات العائلية وطبيب الأسنان، أن معظمنا لا يجيد السباحة وسط أمواج الشهوات اللزجة، أن الكثيرين لا يستطيعون مقاومة ثقل
عدد الصفحات ١٣٨139 ه لب أهواء أنفسهم الذي يصر على الزج بهم في القاع، وأن الباقين الذين اجتازوا كل ذلك لربما هم ببساطة أكسل من أن ينجحوا في العبور بالفعل..! لذلك جعل الله لنا الأبواب الخلفية ذات الوصول السريع اللازم، الثقوب السوداء التي تبتلع المسافات وتختصر الوقت..! إنها رحمة الله الذي شرع لنا صيام يوم عرفة حين يكفر ذنوب سنتين، وأذكار الصباح ذات الدقائق العشر التي تحرم جسدك على النار..! الذي شرع لنا العمرة التي تغسل الخطايا، وصلاة الجماعة التي تضاعف الحسنات..! هذه الأبواب الخلفية هي الفرص الممتازة حقًا ، هي يوم العمل الواحد بعد عام مليء بالإجازات والاستَاحات المتواصلة..! ألا نكون أغبياء حقًا إن أخذناه إجازة..؟! في أواخر القرن التاسع عشر وحيث كان (مندل) ما زال يلعب بحبوب البازلاء، لم يكن علم الوراثة الذي أسسه قد اكتمل بعد، وبرغم ذلك ظهرت في الأوساط العلميّة فكرة (اليوجينيا) لتدّعي أن علينا أن نسعى إلى التحسين الوراثي للبشر، ونعامل بني آدم بالطريقة التي عامل بها مندل البقوليات، حتى نقضي في النهاية وبالتدريج على الأنواع الغبية والمريضة والفقيرة من البشر عن طريق تحديد نسلهم نهائيًا..! كانت فكرة أن هناك أجناسً ا من البشر أفضل وأعلى وأذكى من الباقي متداولة وغير مستهجنة في السبعين عامًا التالية، وسواء كانت من ساسة مثل هتلر وتشرشل، أو فلاسفة
عدد الصفحات ١٣٩140 مثل برتراند راسل.. أو كانت من رجال علم مثل جوليان هكسلي آمنوا بها كامتداد طبيعي لإيقانهم بالتطور.. أصغى هتلر لأفكار اليوجينا وكان أشد المتحمسين للتجربة، وأمر بإخصاء نصف مليون من السود واليهود والغجر لأنهم لا يملكون حق إمرار جيناتهم للجيل الجديد. وأما في الولايات المتحدة فقد تم التعقيم القسري لـ 63678 شخصًا في بين عامي 1907 و1964 كما يقول (آلان تشيس) في كتابه (تركة مالتوس بعد الحرب العالمية الثانية التي خسرنا فيها عدة عشرات من الملايين من البشر، صارت العنصرية من التابوهات المحرّمة، وصار رجل الشارع يشمئز من الشخص الـ Racist ولكن هذا لم يستمر طويلاً، فمع انحسار اليسارية بدأت اليوجينيا في الظهور مرة أخرى، ففي عام 1994 تم نشر كتاب (منحنى الجرس) وتم اعتباره كتابًاعلميًا، الكتاب بسيط للغاية ويدعو لفكرة واحدة: الذكاء صفة وراثية فبالتالي هناك من الشعوب ما هو أذكى من الآخر، لذلك علينا نحن البيض أن نشفق على السود لأنهم لن يتقدموا أبدًا ولا مانع من أن نحكمهم من آن لآخر..! وفي عام 2001 تم نشر كتاب (اليوجينيا، إعادة تقييم وهو كتاب عنصري مقرف للغاية، ومن جديد تم قبوله في الأوساط العلمية.. كيف ينجح رجل لا يخفي عنصريته المريضة مثل (دونالد ترامب) بالحصول على مفاتيح البيت الأبيض؟ أو كيف يقف قادة المجر بكل صراحة ويعلنون أنهم لا يسمحون بدخول اللاجئين المسلمين إلى بلادهم ؟ أو كيف قامت صحفية شقراء بركل الأطفال السوريين لأنها أصيبت بالذعر لما رأتهم يجرون نحوها وكأنهم مجموعة من الفئران؟ أو كيف لم يحز الرجل البيروتي القمحي اللون الذي يزرع أشجار الأرز ويأكل التبّولة على عُشر مق دار
عدد الصفحات ١٤٠141 التضامن الذي لاقاه الرجل الباريسي الساكن في شارع الشانزليزيه، برغم أنهم تعرض وا لنفس الإرهاب في العام الماضي (2016) من نفس الجهة في نفساليوم تقريبًا؟ الرجل الأبيض عنصري جدًا ولكنه يحاول إقناع نفسه بالعكس، قارن سريعًا بين نظرته التي تصنّف الناس حسب كمية الميلانين في بشرته، أو العائد القومي لبلاده، أو اللغة التي ينتج بها أفلامه الدراميّة.. وبين نظرة المسلم الذي يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَاُي يُ َ أهَاُالَياس ُ ُإِنَياُ خَلَقْنَاك مُمِينُذَكَرُُِنثَ ُ وَأُوَجَعَلْنَاك مُُْش ع وبًا ُوََِبَائِلَُُلََِعَارَف وا ُإِنَيُُكْرَمَك مُْ َ أُعِندَُُاللَيُِ ُ تْقَاك مُْ َ أ﴾.. وقول النبي ﷺ: "لار فرضْلر ل عررربي ي عرلىر أرعْجر م يي ورلار ل عرجرم يي عرلىر عررربي ي ورلار لأ رحمْررر عرلىر أرسْوردر ورلار أرسْوردر عرلىر أرحمْررر إ لا ب الت قْورى ".. حينها تعلم أن الإنسان بطبعه مريض وأن هذا الدين هو ترياقه الوحيد..! هنا رمقه بنظرة غريبة، إنها نظرة تجمع بين الاستخفاف والعطف والغضب، وأغلق الدفتَ الذي أمامه، وقال له: دعني أعلمك شيئًا عن الحياة..! نحن يا بني في هذه الحياة أضعف كثيرًا مما نتصور، الثقة في النفس وهم بنيناه من عشرات النجاحات الصغيرة، وما أصغر هذه النجاحات..! نحن لم نخ ض أي اختبار حقيقي بالفعل في حياتنا، كي نطلق عليها حتى كلمة نجاحات.. هل سرقتر من قبل يا بني؟ لم تفعل، أنت أمين حقًا..!
عدد الصفحات ١٤١142 ولكن أخبرني إلى أية درجة كانت تبلغ أمانتك لو وجدتر أمامك حقيبة مكدّسة من الأموال في ظلام دامس وحاجة يد شديدة ومن حولك فراغ مطلق من عيون الناس..؟ هل زنيتر من قبل يا بني؟ لم يحدث، أنت عفيف إذن..! ولكن إلى أي مدى تظن أنك كنت ستحافظ على عفتك لو كانت الممثلة الهوليودية الحسناء التي تتلصص على صورها تطاردك شخصيًا بضراوة وواقعة في عشقك؟ هل كنت ستملك الكثير من الفرص؟ هل تحافظ على صلاتك يا بني؟ هذا جميل منك، ولكن لو كانت الفروض خمسين بدلاً من خمسة، إلى أي مدى كانت لتكون تقواك حينها..؟ لو حدث كل هذا، فأنت قد تنجح وقد لا تفعل. وأظن أنك تعلم من نفسك بعض النقاط الواهية التي تحافظ عليها بالكاد..! تعلم أنك لم تكن لتحتمل مزيد ضغط في هذه النقطة أو تلك.. والسبب الوحيد الذي منعك من هذا الضغط الزائد أن الله يعلم أيضًا نقاط وهنك، ويحب لك ألا تنكسر..! هذا يا بني ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَيُمَاُالَْيَاة ُال ينْيَاُلَعِبٌُوَلَهْوٌُوَإِنُت ؤْمِن واُوَتَتَيق واُي ؤْتِك مُْ مْوَُ َ لْك مُْأ َ ج ورَك مُْوَلَُيَسْأ أالَك مُُْ*ُلْك م وهَاُفَي حْفِك مُْتَبْخَل واُوَيَ ْرِجُْ َ إِنُيَسْأ ضْغَانَك مُْ َ أ﴾.
عدد الصفحات ١٤٢143 فايأمرنا في الدنيا بغير الإيمان وبعض التقوى، ولو أراد أن يقسو علينا في اختباره لسألنا أن نخرج من جميع أموالنا، ولو فعل ذلك لررسبنا جميعًا ووقعنا في فضيحة ذلك الذي ظهر على ما هو عليه حقًا ..! ننجح فقط يا بني لأن الله أرحم من أن يضعنا في اختبار كامل غير مُيسرّ. ننجح فقط لأن الله يعلم أننا أضعف مما نحسبه من أنفسنا. ننجح فقط لأن الله يحب أن يستَنا..! فخلِّ عنك يا ولدي ثقتك، خلِّ عنك فخرك بنفسك واعتدادك، فنحن في الدنيا ما بين راسب ومجبور، ما بين خاطئ ومرحوم، ما بين مجرم ومستور.. نحن ما بين ضعيف وضعيف، والله -وحده- هو القوي..! أقنعني أحدهم أن رواية (إدوين إبوت) القس الإنجليزي الشغوف بالرياضيات، التي كتبها في العام 1884 وتُدعى (الأرض المسطحة) هي رواية ماتعة للغاية، ومن ثمّ قرأتها بناءً على هذه التزكية، ليتبين لي أنها لا شيء أكبر من مجرد (فكرة غريبة) معروضة في قالب أقرب للإملال. على أنني وقعت في غرام الفكرة البسيطة التي قدّمها والتي سأحكيها لك حالاً إن شاء الله..!
عدد الصفحات ١٤٣144 نحن نعيش في عالم ثلاثي الأبعاد: الطول والعرض والارتفاع.. على سبيل المثال أنت تنظر إلى الكتاب الموضوع أمامك على المنضدة فتشاهد له عمقًا، فتعلم أنه كتاب، لو لم تشاهد هذا العمق لقلت عنه أنه (صورة كتاب) ملصوقة على المنضدة.. فماذا سيحدث لو كان هناك عالمًا ثنائي الأبعاد وكل ما في هذا العالم هو كائنات لها طول وعرض فقط..؟ هذا هو ما تخيله إدوين إبوت في روايته: الأرض المسطحة، رحلة إلى عالم ثنائي الأبعاد.. تذكر أنهم لا يملكون البعد الثالث، أي أننا لو شاهدنا هذا العالم من أعلى سنرى المربع والمستطيل والدائرة وهم يحتسون القهوة، بينما هم لا يستطيعون النظر من (أعلى) لا يوجد لديهم (أعلى) أصلاً، بل عندهم فقط (أمام) و(خلف) و(يمين) و(يسار) . فبالنسبة لهذه الكائنات، فإنك لو أخذت قلم رصاص وخرقت هذه الورقة التي يعيشون عليها فإنهم لن يشاهدوا هذا القلم قطعًا، ولا حتى سيشاهدون الخرق الذي سيحدثه فيها، ولا حتى سيشاهدون الفتحة وهي تتسع مكان القلم، بل كل ما سيشاهدونه من رؤيتهم هو خط يبدأ صغيرًا (في اللحظة التي يختَق فيها سن القلم الورقة) ثم يزداد (كلما ازداد القلم في اختَاق الورقة) حتى يصل إلى أكبر حجم له (في اللحظة التي يختَق القلم الورقة بالكامل) حتى يدخل جسم القلم كله.. بعد ذلك لن يشاهدوا شيئًا ولن يلاحظوا أي تغيير لو أدخلنا القلم وأخرجناه مئة مرة (لأن الفتحة لن يزداد عرضها أو يقل..!). هذا هو ما سيحدث لنا تمامًا لو زار نا كائن من بعد آخر لا نعلمه، لن نرى منه إلا انعكاس أو ظل أو آثار، ولربما لا نلحظ أي شيء على الإطلاق..!
عدد الصفحات ١٤٤