113 من بين جميع الأفعال الغبيّة للكائنات البشرية التي تملأ التاريخ، تثير عجبي بشكل خاص (سرّة الدنانير) السمينة التي يكافئ بها الملك ذلك الشخص الذي يدخل عليه ليشرح كيف أنه أعظم ملك في العالم..! وكل هذا المال هو من قوت الشعب المسكين بالمناسبة..! يبدو أن هذا هو أقدم مثال للعبارة الخالدة: (أراك تبقشش من جيب أمك)..! لكني قدّرتُ أن الملك يحاول أن يثبت عظمته بمكافأة من يحسن إليه بما يفوق كثيرًا ذلك الإحسان.. لابدّ أن هذا أشعره أنه أعظم ملك في العالم بالفعل. يرتبط هذا في ذهني بشكل ما بـ (شطيرة الشاورما)..! فهي ذات شعبيّة كبيرة، ولابد أن كثيرًا ممن يأكلها يشعر بمقدار من اللذة تجعله ممتنًّا بالفعل لذلك الشيف العظيم ا لذي مسّ شغاف قلبه.. ولكني أتساءل عن عدد هؤلاء الذين سيمتنّون لسنابل القمح التي أنتجت هذا الخبز الرقيق الهشّ.. ولحمض الخلّيك الذي سمح لهم بالاستمتاع بطعم (المخلّل).. ولاجتهاد ضوء الشمس في دوام عمله الذي لو قلّ عن 12 ساعة ما كانت نبتت أي حبّة بصل.. ولدرجات الحرارة العالية التي سمحت بنموّ حقول الفلفل الأخضر.. ولحموضة تربة الطماطم والتي لم تزد عن 7 أبدًا ولو على سبيل السهو فسمحت بنموّه.. ولتلك العلاقة الحسابيّة غير المتوازنة بين وزن الدجاجة الثقيل وقوة أجنحتها الضعيفة، فجعلت ذلك الطائر اللذيذ من الدواجن الرخيصة التي تقدر على شرائها، فلابدّ أن (شاورما الحمام) كان سيكون أغلى ثمنًا بكثير..!
عدد الصفحات ١١٣114 كم من الناس سيفطن إلى كمّ المخلوقات التي خلقها الله عز وجل ، وكم الظروف، والشروط، والمعايرة، التي ضبطها وهيّأها الله عز وجل ، حتى تستطيع أن تأكل هذه الشطيرة فتشعر بلذة الشبع وانتشاء الطعم اللذيذ..! لو وُج در ذلك الذي فكّر في كل هذا وهو في مطعم (عبده ما) فلابد أنه قد قال بقلبه قبل أن يقول بلسانه: "الحمد لله".. ثم لابد أنه شعر بالخجل من نفسه لأنه استقلّ هذه الكلمة البسيطة ..! لذلك كان حديث النبيّ ﷺ الذي يقول فيه: "إ ن الله ر لريررْضىر عرنْ الْعربْد أرنْ يرأْكُلر الأْركْلرةر فريرحْمردرهُ عرلريْهرا أروْ يرشرْربر الشر ْبرةر فرير حْمردرهُ عرلريْهرا " من أغرب وأجمل الأحاديث التي سمعتها على الإطلاق.. تبين لي أن الله ليس فقط قد قرب لر من ذلك الشخص كلمته البسيطة التي تمتم بها في ثانيتين بعد أن أتى على شطيرته في نهم..! وليس فقط أن الله قد اعتبر أن هذه الكلمة الصغيرة قد قامت مقام الشكر على كل هذه النعم..! وليس فقط أن الله قد اعتبر أن شكرك له على تلبية حاجة جوعك (عملاً) يكافئك عليه أصلاً..! ليس كل هذا فقط.. بل وكان الجزاء الذي ترتب على هذا والمكافأة التي نلتها أعظم بما لا يقاس أو يُتخيل من أي شكر قد تقوم به أصلاً..! المكافأة التي تتمثل في (رضاه)، أي الشيء الذي لا ترجو أن تخرج من دنياك إلا به..! ذلك لأن الله ليس كذلك الملك الذي بالغ في مكافأته كي يشعر بعظمته، بل هو عظيم بالفعل، عظيم جدًا.. ! وعلى قدر عظمته كان كرمه. فافرح بكرم ربك، واحرص على كرم ربك، ثم لا تغتَّ بكرم ربك..!
عدد الصفحات ١١٤115 بداخل كل منا طفل صغير يتمنى لو كان للحياةلوحة Keyboard!.. تخيّل كم اللذات والمتع التي ستحصل عليها لو كان لديك F3 عندما يقرر هاتفك المحمول أن يختبيء أسفل المكتب، ولا يحلو له ذلك إلا لو كان صامتاً..! أو عندما تجد F5 في لحظات السأم والتعب..! تخيل لو تستطيع أن تنسخ من محبيك عدة نسخ وترفعها على بريدك الإلكتَوني كاحتياط في حالة فقدتهم..! أو لو كان لديك Anti-Virus لتنظيف كل هؤلاء السخفاء ثقيلي الظل معدومي الوفاء من قلبك..! تخيل سهولة الحياة لو استطعت أن تضغط على Ctrl+S في كل مرة تذاكر فيها بضعة صفحات من المادة الصعبة سريعة التبخّر والطيران..! تخيل لو تستطيع أن تضغط على Ctrl+Z بعد أن تتلفظ بكلمات غبية تسيء إليك أو إلى أحد أصدقائك في أحد المحافل العامة..! لو كان يكفي Alt + Shift كي تتحدث بعدة لغات..! لو استعضنا عن وظيفة الطبيب النفسي بـ Alt + Ctrl + Delete ..؟ أن تتحكم في حياتك، وتأخذ بزمام الأمور، لهو حلم بشري عتيد.. من منا لم يندم أو يتحسر على مفقود؟ من منا لم يتمنى وصل المحبوب؟ من منا لم يبك في لحظات الشعور بالضياع، وفقدان الأمل، وينظر حوله في ذهول متسائلاً: ترى ما أحضرني هنا؟ والآن تخيل لو أنك أُعطيتر هذه القدرة في مساحة محددة هي جسدك..! حاول أن تشكّله كما تشاء..!
عدد الصفحات ١١٥116 أستطيع أن أتخيل أنك ستتصرف بنفس الحماقة التي كنت سأتصرف بها.. ستجد أن كل عضلة من جسدك أقصر من اللازم، أقصر من المسافة بين منشأها Origin ومدخلها Insertion.. تمط شفتيك متعجبً ا من ذلك ثم تقوم بمطها إلى الطول المناسب، فقط لتتسبب في ضياع الشدة الانقباضية الدائمة فيها Tone وتضمر هذه العضلات للأبد..! ستحاول تنظيف الأمعاء الخاصة بك من كل هذه البكتيريا Flora التي وجدت أنها تسكنها بشكل دائم، ولكنك ستدرك الخطأ الذي وقعت فيه حين ترى كم الالتهابات التي كانت تحميك منه هذه الطفيليات الكريهة..! ستفكر أنه سيكون لطيفًا لو امتلكت المزيد من مصانع الدم (نخاع العظام)، ستجد أن ليست كل العظام بها نخاع ، ستقوم بزرع نخاع بداخل كل عظمة، فينتفخ وجهك وتبرز أسنانك وتتشوه..! ستضاعف قوة جهازك المناعي لتفرّ م ن أمراض العدوى بالبكتيريا والفيروسات ، فقط لتقع في أحضان أمراض المناعة الذاتية حين يبدأ جهازك المناعي الشرس الجديد في مهاجمة خلاياك الخاصة ..! ستق وم بإغلاق جميع الفتحات في جماجم الأطفال Fontanelles لحماية مخ الطفل من الصدمات، فقط لتتسبب عن غير قصد في تقهقر نمو مخه وذكائه..! بعد عدة محاولات خرقاء مثل هذه ستفطن أخيرً ا للحقيقة.. أنك لست أفضل من يدبر حال نفسك.. بل على الأرجح أنت أسوأ من يدبر حال نفسك..! لو أن الله قد ترك لك مهمة تدبير جسدك لتسببت في دماره في عدة دقائق.. فلماذا أيها المسكين تظن أنك قادر على تدبير أمر حياتك كلها، وتحزن لأنك لا تستطيع ذلك ..؟! بل دبّ ر لنا يا رب فإنا لا نحسن التدبير..!
عدد الصفحات ١١٦117 هناك قصة فانتازيّة شهيرة جدًا في التَاث الغر للأديب البريطاني (سومرست موم)، تُدعى (موعد في سامراء).. وهي عن التاجر الذي يسكن في بغداد وأرسل خادمه إلى السوق، فيرى الخادم ملك الموت يحدق فيه بثبات، ففزع منه وشعر أن موعد موته قد حان.. فامتطى جواده وانطلق يعدو نحو سامرّاء.. فلما رأى التاجرُ ملكر الموت بعد ذلك سأله لماذا كنت تحدق في خادمي حتى أفزعته..؟ قال لم أقصد أن أخيفه ولكني كنت متعجبًا جدًا من وجوده في بغداد، حي ث من المفتَض أن أقبض روحه غدًا في سامراء ..! خطرت هذه القصة على ذهني حين فكّرتُ بأن مريض ا لسكر قد يعيش طوال حياته يعاني من ارتفاع السكر في الدم، ثم لا يموت بعدها إلا بغيبوبة نقص السكر..! بينما مرضى الضغط العالي من أسباب موت بعضهم هو (الهبوط) الحاد في الدورة الدموية بعد أن تسبب ضغطهم العالي في نزيف داخلي.. والطفل الذي يعاني من الجفاف، قد لا يقتله إلا الطبيب حين يحاول أن يعيد إليه السوائل بطريقة سريعة.. الهروب إلى سامراء يتكرر في دروس الطب، ولكنه يتكرر أكثر في دروس الحياة ..! كم م ن رجل ادّخر أمواله لشراء سيارة فارهة، كانت بعد ذلك تابوته الحديدي السامرّائي على قارعة الطريق..! وكم من مجتهد للوصول إلى كلية، أو درجة وظيفية، أو
عدد الصفحات ١١٧118 مكانة علمية، صارت بالنسبة إليه المعنى المجسّد للفشل واليأس.. وكم من حبيبين قد وصلا في الرومانسية إلى حد اللزوجة، ثم هما الآن في محاكم الطلاق، وعلى وجههما أعتى علامات البؤس والعذاب..! لقد فرّ كل منهما إلى سامراء الخاصة به . في مدرسة الحياة نتعلم أن الإنسان لا يتعلم أبدًا من مدرسة الحياة..! أنه يسعى أحيانًا إلى جنته، ولا يدري كم ألوان العذاب التي قد تحويها جنته، أنه يهرب من شقائه ولا يتخيل لكم سيشتاق إليه..! Ups & Downs ببساطة هما ركنا تلك الحياة.. السعادة والشقاء، العتامة والضياء، الإنعام والبلاء.. لكل إحساس يغمر قلبك، هناك نقيض..! ولكل حال أنت عليه الآن، هناك زوج آخر..! يلمسك جدًا هذا المعنى في سورة الذاريات: ﴿يُشََْءُِخَلَقْنَاُ ِ وَمِنُك زَوْجَيُِْلَعَلَيك مُْتَذَكَير ونَُ ﴾.. لذلك أنت في حاجة دائمة إلى الفرار..! تحتاج إلى أن تفرّ من أحدهما إلى الآخر، أن تهرب من موطن الشقاء إلى موطن السعادة.. ولكن تخاف أن تفرّ إلى سامراء.. ! فتجد أن الآية التي تليها تحكي عن الفرار الأمثل، والهروب المضمون: ﴿فَفِر يواُإِلَُاللَيُِ ﴾.. الفرار إلى الله لن تخطيءر فيه طريق الضياء.. لن تخُدرع ، لن تألم، لن تجزع، لن تندم.. لن يكون أبدًا موعدًا آخرر في سامرّاء..
عدد الصفحات ١١٨119 تحوي مكتبتي -بحمد الله- قرابة المئة من الكتب فيما يتعلق بالإلحاد وفهمه والردود عليه، وقضيت فتَة لا بأس بها في الاهتمام بالأمر وخضت الكثير من الحوارات، وألفتُ كتابًا في ذلك وحقيبتين تدريبيتين، ولا يوجد بحمد الله سؤال في ما يشتبه على الناس من أمر الإيمان إلا وأعرف الجواب عنه على الأقل في نفسي، وإن لم أحسن عرضه.. أقول ذلك –فقط- لذكر أني برغم ذلك لا أطيق ولا أتحمل أن أتابع بشكل دائم على السوشيال ميديا (فولو) أحد حسابات الإلحاد أو التشكيك في الدين، حيث يضيق صدري بكلامه وأشعر بخفقات قلبي الخائفة المستنكرة حين تُعررض على قلبي فكرة احتمالية عدم صدق ديني، وبرغم أن نفسي لا تتعرض لأي شك بحمد الله إذ إني أعرف جيدًا مدى سخافة وسطحية وخطأ الكلام المكتوب أو المسموع، وأستطيع الرد عليه بسهولة، إلا أن انقباض صدري لا يزول إلا بالخروج من قفص هذه الظلمات التي أتعرض لها..! لذلك أجمع كل هذه الحسابات في قائمة مخصصة أدخل إليها وقت الحاجة ولا أتركها في (النيوز فيد) تأتيني وقتما شاءت دون أن تبالي في أي حالة من الإيمان أنا..! أخي الكريم، بالله عليك، لا يكن أول ما تقرؤه عن الإيمان من كتاب يهاجم الإيمان، لا تكن أول معرفتك بالله من كلام من لا يؤمن بالله، لا يكن أول ما تعرفه عن الرسول ممن يهاجم الرسول..! لماذا حين دعاك الناس إلى تعلّم دينك ومعرفة عقيدتك قلتر: لا أريد، والآن لما دعوْك للتشكيك فيه قلتر: أريد..؟ !
عدد الصفحات ١١٩120 أخي الكريم، لا تظن أن هناك من الناس من هو كبير على وسوسة الناس والشيطان، وإياك أن تظن أنك بالذات طالما تعرف جواب بعض الشبهات فلن تتضرر من القفز في مستنقعات الوحل لظنك بأنك تجيد السباحة.. أخي الكريم، من فضلك لا تسمح لكل صاحب فكرة أن يدخلها إلى قلبك بكل هذه السهولة، لا تسمح لكل متكلم أن يجد عندك آذانًا مصغية، لا تسمح لكل محب للشهرة أن تكون عنده رقماً في عدد متابعيه، وتعطي له حق الولوج الإجباري لنافذة عقلك وقلبك في أي وقت شاء بكتابة ما شاء.. أخي الكريم، والله لا يأتون بجديد، ولا يحرجون أهل الإيمان في شيء.. والله محاجّاتهم هي قصور من ورق (الكوتشينة) لا تحتاج إلى كبير عناء، كل الشبهات مجابة، كل الأسئلة معادة، كل السخرية قديمة، كل التشكيك ضعيف..! ولكن قلبك لا يعلم كل ذلك، ولم يطلع على كل المكتوب، ولم يسمع كل التفسيرات، فلا تقتله بسمومهم بيدك، ثم تقول: لماذا متر؟! لقد مت لأنك أضعف قليلاً مما تبدو، وأضعف كثيرًا مما تظن ..! أخي الكريم، لا أدعوك للتقوقع ولكن أدعوك للتمييز، لا أدعوك للانغلاق الفكري لكن أدعوك للتعالي عن الرديء من الأفكار، لا أدعوك للهروب ولكن أدعوك للتَقّي في طريق العلم والفهم والإيمان دون التفاتات هنا وهناك تضيع وقتك وتنقص إيمانك وتفتَ عزيمتك، ثم تقف بعدها على محراب الصلاة لتجد أنك لم تعد أنت..! أخي الكريم، إن الله اصطفى لك الدين، فلا تموترنّ إلا وأنت من المسلمين.. !
عدد الصفحات ١٢٠121 في معلّقةالشاعر الجاهلي الف طرحل زهير بن أبي سلمى نجد البيت الشهير: سرئ م تُ تركاليفر الحرياة ورمرن يرع ش... ثرمانينر حرولاً لا أربا لركر يرسأرم ثم أنهى زهير معلقته بـ: ورمرن يزل حاملاً على الناسر نرفسرهُ ... ورلا يُغن ها يرومً ا م نر الدرهر يُسأرم هذا رجل قد ملّ من الحياة، لا شك في هذا، وعنده كل الحق، حين تجاوزتُ العشرين عامًا من عمري شعرت أني عشت كل الحياة ثم بدأت في الإعادة والتكرار مرة أخرى..! وشيء ما يخبرني أنني لست الوحيد الذي يشعر بهذا.. الأيام متشابه ة بعنف، والجمعة تأتي وترحل دون أن تنتبه.. نفس المشاجرات المتبادلة المعتادة، نفس التحليلات السياسية العقيمة المعادة، وبطولات الكرة التي يتناوبون عليها تشجيعًا..! نفس تضاريس غرفتك القابعة أمام عينك مهما حاولت تغييرها، فإنك دائماً ستظل تراها بنفس الروح الملول ، ونفس المنشورات على الفيسبوك، كل واحد منا لديه نوع ما منها لا يغيره..! إنه كما يقول ["كل شيء قد قيل من قبل، ولكن لأنه لا أحد كان يستمع، علينا أن نبدأ من جديد"..! بالفعل هذا هو ما أشعر به تمامًا.. مباراة معادة تحفظ كل خطأ وكل هدف فيها ومجبر على مشاهدتها كل يوم..!
عدد الصفحات ١٢١122 يمكنك أن تلاحظ أن هذه الإعادة المتكررة هي سنة الحياة من حولك..! يمكنك أن تلاحظها في جميع خلايا جسدك التي تتجدد باستمرار باستثناء خلاياك العصبية، حتى أنك بعد فتَة من الزمن تكون قد حصلت على كبد جديد تمامًا، وقلب مختلف، وجلد شخص آخر..! تلاحظها في الفكرة الملحّة التي تأبى أن تموت، في العزيمة الراقدة على سرير اليأس تحتضر، ولكنها تتمالك وتحاول القيام من آن لآخر، تلاحظها في الدمعة التي تتساقط مرارًا لنفس الأسباب، وفي الروح المرحة التي سرعان ما تعود بعدما ظننت أنك لن تبتسم مرةً أخرى..! التكرار قد يثير مللك، أنا أعلم هذا. ولكن هل يمكن أن تنظر له بنظرة أخرى، بنظرة الاطمئنان والأمل..؟! الاطمئنان بأن الهواء العليل الذي سيختفي بعد وقت الضحى سيعود فجر الغد مرة أخرى، بأن الفرصة الرائعة التي فاتتك اليوم ستأتيك غدًا ربما في صورة أفضل، بأن الضحكة التي تأخرت عنها اليوم، غدًا تجلس في انتظارها، بأن الذنب الذي اغتنمك على لحظة ضعف، غدًا يأتيك وأنت قوي منيع ضده . بأن اليوم ليس مجرد نسخة أخرى مما قد سبق. بل ربما كان فرصةً أخرى تجلّت لك في الأفق..!
عدد الصفحات ١٢٢123 في المرة القادمة التي تأكل فيها إحدى شرائح البيتزا فعليك أن تلاحظ ذلك الم زيج الجميل في طعم المكوّنات المختلفة من صلصة الطماطم وشرائح الفلفل الأخضر وقطع الزيتون الأسود وعجين الدقيق وفطر عيش الغراب.. ما يصنع هذا المذاق الفريد هو التجاور بين المذاقات المختلفة لهذه النباتات المتباينة في فمك.. والعجيب أنها نبتت كلها من نفس التَبة ونفس الماء الذي يرويها ونفس الطلّة الش مسيّة..! كما قال سبحانه: ﴿وَفُِِ ِيلٌُصِنْوَانٌُوَََيْ ُصِنْوَانُِي سْقََُ عْنَابُِوَزَرْعٌُوَنََ َ رْضُِقِطَعٌُم تَجَاوِرَاتٌُوَجَنَاتٌُمِنُْأ الَْْ بِمَاءُِوَاحِدُِوَن فَضلل ُبَعْضَهَاُعَََُبَعْضُِفُِِ ك لُِإِنَُفُِِذَلِكَُلََْيَاتُِلِقَوْمُِيَعْقِل ونَ﴾ الْْ .. بصمة اليد تشبه البيتزا بطريقة ما..! فالخبراء الجنائيون يعلمون أن الخطوط والدوائر التي تشكّل شكلاً مميزًا على جلد الإنسان لا يتكرر إلى يوم الدين، كل البشر يملك كل واحد منهم بصمة متفرّدة تميّزه عن الآخرين، وبنفس الطريقة التي يتميز بها بالنمط الفريد للاختلاف التضاريسي الدقيق على قزحيّة عينه، أو في بصمة صوته، أو في طريقة مشيته..! وماذا عن اختلاف لغات البشر ولهجاتهم..؟ ليس فقط بين اللغات المختلفة التي يقال أن عددها يصل إلى سبعة آلاف بحسب منظمة اليونسكو.. ولكن أيضًا في اللكنات واللهجات بين أبناء اللغة الواحدة..! كنا نظن أن هناك إنجليزيّة واحدة مثلاً، ولكننا اكتشفنا أن هناك الـ Posh Accent التي يتحدثها بعض الإنجليز وهم يشربون شاي الساعة الخامسة، وهناكلهجة طبقة العمال
عدد الصفحات ١٢٣124 الفقة Cockney Accen t،واللهجة الدارج ة Standard English، ولهجة السود BVE ناهيك عن أهل مقاطعة(ويلز) الذين ليسوا فقط ذوي لكنة خاصة، وإنما لهم لغة أخرى مغايرة للإنجليزية تمامً ا. ثم هناك الإنجليزية الأسكتلندية، وهناك الإنجليزية الأيرلندية، وهناك الإنجليزية الأمريكية، وهناك الإنجلي زية الأستَالية التي هي شيء مختلف تمامًا برغم أنها نفس الألفاظ اللغوية..! حين يكون (الحصان الميّت) تعبير يعني (الكاتشب)، و(لا تبصق الدمية) معناه: (أشعر بالأسف من أجلك)..! مرة أخرى نحن أمام معجزة تنويعية من الله عز وجل القائل : ﴿وَمِنُْآيَاتِهُِخَلْق ُالسَمَُ رْضُِ اوَاتُِوَالَْْ لْوَانِك مُْإِنَُفُِِذَلِكَُلَْيَاتُِلِلْعَالِمِيَ﴾ َ لْسِنَتِك مُْوَأ َ وَاخْتِلََف ُأ .. هذا التنويع يشمل أيضًا الطباع والعادات بين أهل الثقافات المختلفة، فلديك مثلاً الصوماليون الذين يقسّمون الذبيحة لأفراد العائلة حسب مواقعهم، ففخذ الذبيح ة للفتيات العازبات، بينما الرقبة للمتزوجات..! ربما المتزوجات في قبائل (الهوتنتوت) أكثر حظًا حيث يقتصر حضور حفلات الزفاف عليهنّ دون العازبات ..! هذه لا شك من لمحات الخالق العظيم الذي نوّع بيننا إلى هذا الحد، كما قال : ﴿مَاُلَك مُْلَُتَرْج ونَُللَُِِ ُوَقَارًاُ *ُطْوَارًا﴾ َ وَقَدُْخَلَقَك مُْأ أي نوع بينكم في الأخلاق والأحوال والصفات.. هذا الإله البديع الذي ليست لديه طريقة واحدة ولا شكل واحد للخلق ولا طريقة واحدة للأحياء في معيشتهم.. هذا الإله الذي يبدع في كل حين شكلاً جديدًا ونمطًا جديدًا للحياة.. هذا إله يحب أن يرينا من آياته، يحب أن نشعر بعظمته، يحب أن نوقن بقدرته، يحب أن نرى إعجاز صنعه وصنيع إعجازاته. ولكن الكثيرين منا غافلون..!
عدد الصفحات ١٢٤125 في عام1905 عالج (فرويد) الطبيب النفسي الشهير، ابنًا لأحد أصدقائه كان يعاني من خوف عصابي غير مبرر من الخيول، وهو ولد صغير يدعى هانز جراف، وبعد جلسات التحليل النفسي خرج فرويد بأغرب نظرية ممكنة حيث قرر أن خوف هانز الصغير من الخيول سببه شعور الولد بالذنب الناتج عن رغبته الدفينة بممارسة الجنس مع أمه والتي كبتها في نفسه خوفًا من أبيه الغيور..! ثم ذكر فرويد نتائج هذا التحليل في كتابه: (تحليل فوبيا لدى صبي ذي خمسة أعوام) والذي ذكر تلاميذه بعد ذلك أن بوادر نظريته الخاصة بعقدة أوديب (وهي تفسير مادي مشوه لنشأة الدين لدى الإنسان) قد جاءت براهينها من خلال هذه الواقعة.. واعتبروا واقعة هانز مع الخيول تلك لحظة فارقة للبشرية ككل، كما ذكر تلميذ فرويد (كورت آيسلر). جاء بعد ذلك (كريستوف إيشينرودر) وقدم تفنيدًا لتحليل فرويد في كتابه (هنا أخ طأ فرويد)، وذكر تحليلاً مختلفًا ، حيث اعتمد على واقعة حدثت بالفعل وهي أن هانز قبل أن يصاب بهذه الحالة مباشرة رأى حصانًا يسقط من إعياء العمل وهو عاجز مقيد في لثامه مما أصابه بالخوف والصدمة.. لذلك يقول (إيشينرودر) أن نظريات فرويد كانت مجرد وهم وثرثرة فارغة، ويقول عالم البيولوجيا البريطاني الحائز على جائزة نوبل (بيتَ م دوّر) أن التحليل النفسي غير العلمي هو الخدعة الأكثر بشاعة في القرن العشرين، ويرى الرسام (أندريه ماسون) أن هذا النوع من التحليل النفسي يعتمد كله على الأساطير اليونانية.
عدد الصفحات ١٢٥126 نظريات فرويد قد سادت (المجتمع العلمي) لفتَة لا بأس بها حيث قدمت تفسيرًا ماديًا إلحاديًا للوعي الإنساني والعقل الجمعي البشري فيما يخص الإله والدين.. وكعادة هؤلاء استمدوا نظرياتهم من (زاوية رؤية) و(اتجاه منظور) خاص بهم لملاحظات بريئة بسيطة نسجوا حولها (الأساطير العلمية)، لتتحول في النهاية مشاعر خوف صبي من الخيول، إلى نظرية عقدة أوديب التي تفسر تأليه الإنسان البدائي الأول لللإله بأن هذا يرمز لشعوره بالذنب تجاه أبيه بعد قتله له لأنه كان ينافسه جنسيًا على أمه..! العلم لم يقف موقف الضد من الإله والإيمان حتماً، وإنما النفوس المريضة لبعض البشر هي التي أوقفته كذلك، ونسجت الأساطير حول الظواهر البريئة، وأطلقت عليها المسميات المختلقة، وأقامت البناء الهرمي الكامل على قواعد (مخُتَرعة)، و قامت ب تأليف المصطلحات، ثم توفيق الأدلة على هذه المصطلحات ..! لتبقى في النهاية المُؤلّفات ا لتي بنيناها بأنفسنا في نظرنا وكأنها كيان مستقل، وكأنها حقائق مفروغ منها، لتتخذ مكانها وسط المحاجّات المنطقيّة، دون أن نتذكر أو نعبأ بأن نتذكر أننا نحن من بنينا كل هذا..! متى يفطنون أن مصطلحاتهم لا تمثل حجة في ذاتها، وليس لها عندنا كبير قيمة؟ إن هي إلا أسماء..! إن هي إلا ظاهر من القول ليس له كبير حقيقة..! سْمَاءُِ َ تُ َادِل ونَنُِفُِِأ َ ﴿أ مُْت نَبلئ ونَه ُبِمَاُلَُيَعْلَم ُفُِِ َ نْت مُْوَآبَاؤ ك مُْمَاُنَزَلَُاللَ ُبِهَاُمِنُْس لْطَانِ﴾ُ﴿أ َ سَمَيْت م وهَاُأ مُْبِظَُ َ رْضُِأ الَْْ اهِرُِمِنَُالْقَوْلُِبَلُْز يلنَُلِلََِّينَُكَفَر واُمَكْر ه مُْوَص د واُعَنُِالسَبِيلُِوَمَنُْ ي ضْلِلُِاللَ ُفَمَاُلََ ُمِنُْهَادِ﴾ .. بينما كان الصغير هانز بريئًا من كل هذا..!
عدد الصفحات ١٢٦127 [هو شخص أمريكي ظريف وفيزيائي شاب، قام بإخراج كتاب في 2009 عنوانه – إجابات علمية على أكثر الأسئلة عبثية]ق المتعة يحاول الإجابة بشكل علمي بحت عن الأسئلة المتخلفة التي قد تراود أذهاننا..! منها على سبيل المثال: ماذا سيحدث لو ضرب البرق رصاصة منطلقة في الهواء..؟! لو اختفى DNA شخص فجأة، كم من الوقت سيمضي حتى يموت..؟! لو قفزت من طائرة ومعي أنبوبة هيليوم وبالون لنفخه، من أي ارتفاع علي أن أسقط حتى يتسنى للهيليوم نفخ البالون بشكل كاف كي أهبط بسلام..؟! كم مكعبات الليجو التي تحتاجها لبناء جسر من لندن لنيويورك..؟! ما هو أطول غروب للشمس يمكنك مشاهدته في حالة قيادتك باتجاه الغرب بالالتزام بحدود السرعة..؟! لو اتصلت برقم تليفون عشوائي وقلت هي احتمالية أن يكون هذا الشخص كان قد عطس للتو..؟! كان والأرقام والمعادلات والرسوم التوضيحية، ليصل في النهاية لإجابة كل سؤال بشكل حاسم.. طوال الكتاب كان ينتابني شعور بالانبهار.. ! منبهر ببراعة الكاتب الذي كتب هذا الكتاب في وقت فراغه أثناء دراسته، بدلاً من أن ينشغل بمحاولة تحطيم النسبية كأي طالب في بلادنا يحتَم نفسه.. ومنبهر بالعلم التجريبي الذي يعرف الكثير ويبدو كموظف أرشيف ينظر لك بمزيج من الخبرة والملل من فوق نظارة القراءة.. ومنبهر قبل ذلك كله بأناقة الكون نفسه..!
عدد الصفحات ١٢٧128 لماذا توجد أحكام سائدة في كل ركن من أركان هذا الكون العملاق..؟! لماذا يستطيع طالب جامعي أن يحسب مصير رصاصة منطلقة من مسدس صاعقة برق..؟ لماذا يتصرف البرق أصلاً في كل مرة بنفس سرعته ونفس طاقته المعلومة..؟ لماذا يمكننا حساب قوة الجاذبيّ ة الشمسيّة أو حجم الأرض أو المقدار الدقيق لثابت (بلانك)..؟! لماذا نعرف أن سرعة الضوء تساوي تمامًا: 299792458 متًَا في الثانية، وأن نسبة كتلة البروتون إلى كتلة الإلكتَون تساوي بالضبط: 1836,15..؟لماذا لا تجرؤ أي واحدة من قوى الطبيعة على مخالفة القانون الثابت الموجود في كتاب فيزياء مهتَئ في حقيبة طالب ثانوي نحيل ذاهب لمدرسته على ظهر! إنها نفس الدهشة التي أصابت مفهوم..! إنها نفس الأناقة الكونية التي خلّبت لُبيكف عن الحديث عنها بصوته المعدني.. إنها نفس المشاعر التي وقعت في قلب الكتب والوثائقيات عن عظمة الكون ويبرر ذلك بأنه قد وقع في الحب..! إتقان كامل من مُوجد هذا العالم في إسباغ قوانينه، وإقرار سيادتها، وإحكام فاعليتها في خلقه..! إتقان على مخالفة سيدها..! إتقان يعلمنا أن الله لا يحب العناد ولا التمرد ولا الخروج عن القانون.. يعلمنا أن نخجل من عصياننا حين نرى الفيزياء شاهدةً على طاعة كل الوجود..! يعلمنا أن مخالفاتنا لن تمرّ بسهولة ولن يُغفلر عنها على الإطلاق..! يعلمنا أن الله خبير بما نحن فاعلين..! ﴿تقَنَُك َُشََءُِإِنَه ُخَبِيٌُبِمَاُتَفعَل ونَُ َ ُُِّأ ص نعَُالُِالََ ﴾..
عدد الصفحات ١٢٨