145 لذلك يفكر بعض علماء الفيزياء الآن أن العالم الذي نراه الآن قد يكون مجرد صورة هولوجراميّة لعالم آخر رباعي أو خماسي الأبعاد..! هناك منهم من بالغ في الشطط وجزم بأن عالمنا يحتوي على أحد عشر بعدًا.. وكان يرى أن هذا هو الحل الوحيد لكي يتم حل معادلاته الرياضيّة.. لذلك، فحينما يتحدث القرآن عن صفات الله عز وجل التي تحارُ فيها العقول، ومنها بطبيعة الحال الطريقة التي كان الله عز وجل بها موجودًا قبل الوجود، فهو الأول الذي ليس قبله شيء.. يخبرنا القرآن أن هذا أمر طبيعي علينا ألا نقدر على استيعابه بشكل كامل..! كما يقول جل جلاله: ﴿وَلَُيَ ِيط ونَُبِهُِعِلْمًا﴾ .. وهذا لأن حدودك الإدراكية –كبقية البشر- بالغة الضيق فعلاً والصغر، وأنه ليست لدينا أدنى فكرة عن أي شيء يقع في خارج هذا النطاق الضيق، وهذه الحدود الصغيرة..! هل تعرف تلك الإصابات اليومية الصغيرة التي لا تكاد تخطئ أحدًا منا..؟ تلك القُررح الفرمروية البيضاء الأليمة التي تفاجئك بدون أن تتوقع في يوم ما حين تستيقظ من نومك مثلاً.. في هذه القرح تصبح الأعص اب الناقلة للألم مكشوفة أمام حركات لسانك العابثة.. فلا تستطيع أن تأكل أو أن تتكلم حتى..!
عدد الصفحات ١٤٥146 كل هذا بسبب نقص بعض الخلايا الطلائية Epithelium في مكان القرحة ذي البضعة ملليمتَات.. بينما يغطي الـ Epithelium جميع أنسجة جسدك، دون أن تتذكر على الإطلاق أن تشكر الله على هذه النعمة..! ماذا عن الشد العضلي الذي يصيب عضلة قدمك بعد مباراة حماسية من كرة القدم..؟ الألم المبرح الذي لا يعطيك الفرصة للكلام أو الشكوى، فقط تعض على أسنانك وتنتظر حتى ينتهي.. كل هذا الألم بسبب نقص بعض عملات الطاقة ATP في عضلتك عن مقدار حاجتها له، مم ا أدى إلى أن تدخل خلايا عضلتك في التنفس اللاهوائي وتنتج حمض اللاكتيك وتتألم.. فهل خطر على بالك حين تعد نعم الله عليك أن تضع في عين الاعتبار مليارات جزيئات الـ ATP التي تمرح في كل مكان من جسدك..؟! وهل تذكر حين تصاب ببعض الاكتئاب وتتمنى أن لو كنت في عداد الأموات، ويفتت الكرب فؤادك، دون أن يكون هناك سبب واضح لهذا الحزن..؟! تذكر أن كل هذا بفعل نقص بعض الدوبامين، الناقل العصبي الذي يمرح في الوضع الطبيعي بين نوايا مخّك القاعديّة، والذي يسبب نقصه كل هذا الاكتئاب والحزن، والذي لم نتذكره أيضًا من ضمن النعم التي أحببنا أن نحمد الله عليها..!
عدد الصفحات ١٤٦147 لذلك يعرف علماء الطب أن العضو الذي لا تشعر به هو على الأرجح سليم، والعضو الذي تشعر بوجوده في جسدك يعني على الأرجح أن فيه عطبًا ما..! والسؤال هنا: لماذا لا نتذكر النعمة إلا بعد فقدها..؟! لماذا لا نشعر بالامتنان لذلك الشيء الصغير الذي نملكه في كل حين إلا بعد أن نشعر بألم فقده..؟! لماذا نحتاج دائماً إلى تلك التذكيرات اليومية، وهذه الدروس اليسيرة حتى نفطن إلى معنى قول الله عز وجل: ىُبَِِانِبِهُِوَإِذَاُمَسَيه ُ َ عْرَضَُوَنَأ َ ِنْسَانُِأ نْعَمْنَاُعَََُالْْ َ ﴿وَإِذَاُأالشَي يُ فَذ وُد عََءُِعَرِيضِ﴾ ..؟ُ لماذا نعرض عند النعم وننسى، ثم عندما يصيبنا الشرّ نعوي بكل هذا البكاء، ونتذمّر بكل هذه الشكوى، ونلجأ لكل هذا الدعاء العريض..؟! منذ طفولتي وأنا أتمنى أن أستيقظ لأجد نفسي في مدينة البط، أو بلاد العجائب التي زارتها أليس، أو حتى عالم (أوز) المدهش.. إنه إبداع جريم وكارول وباوم وأندرسن وديزني وغيرهم، الذين أغرقوا خيال البشرية بعوالمهم السحريّة الرائعة المليئة بالغابات
عدد الصفحات ١٤٧148 الخضراء والخرفان البيضاء وكعك التفاح الشهيّ والحيوانات الثرثارة.. هذا جو غير ملائم في مصر على كل حال وغير مفهوم..! حاول أن تتخيل مثلاً ذات الرداء الأحمر وهي عائدة إلى جدتها على ظهر أتوبيس عام بعد أن اشتَت لها العشاء من كافيتَيا (الأنوار).. صعبة، أليس كذلك؟ أو تخيل موقف الضفدع الذي تحول فجأة إلى أمير، وهو يحاول أن يقنع مدام (سحر) في السجل المدني بأنه موجود ويستحق شهادة ميلاد..! معظم هذه القصص هي في الأصل أساطير وحواديت كانت تحكيها الجدات لأحفادها على مر العصور حتى جمعها هؤلاء أو استوحوا منها كتابتهم.. هي إذن قصص تتحدث عن الواقع البشري كما يتخيله البشر في أبسط الصور وأكثرها رمزية.. ولعل أكثر ما قد تلاحظه فيها هو عنصر المبالغة والحدّية..! فلابد للأميرة أن تكون جميلة كالأحلام، ولابد للمرأة الشريرة أن تكون ساحرة تستمتع بقتل الأطفال، بينما تجد (عبقرينو) الرمز المجرّد للعبقرية ، وعم (دهب) رمز الثراء، لديه خزينة أموال يسبح بها طوال اليوم. هذه المبالغات تدل على الحجم الضخم للمعنى المجرّد الذي يحمله صاحب هذا التَاث (الإنسان)..! الإنسان يحمل بداخلة صوره المثاليّة الصافية عن القيم، والتي تكون في العادة أكثر تركيزًا وأنقى كثيرًا من تلك المو جودة فعلاً في الواقع، وعلى مرّ أطوار حياته يتعلم الفجوة الكبيرة بين هذه القيم كما هي في وجدانه وبين نفس القيم كما هي في سلوكه وسلوك الناس من حوله..!
عدد الصفحات ١٤٨149 خذ عندك مثلاً المراهق العاشق الذي يقرأ شعر نزار قباني ويقطف الأزهار في الحديقة، هو في الواقع يملك بداخله المعنى المجرد للحب، ويبحث عن شخص يركّبه عليه، فما أن يجد أول فتاة قد تصلح لذلك حتى يهديها كل تلك المشاعر.. هناك فجوة بين القيم الصافية التي خلقها الله عز وجل في الإنسان وبين سلوكه المعتاد فعلاً، ليست الت جريديات والحدّيات موجودة في واقعه كما تخيل هو في أساطيره الشعبية، إنها اللحظة التي تصطدم فيها الطبيعة التجريدية للإنسان بكل خياله السريالي ومثاليته الحالمة، بالعالم المادي الذي وجد نفسه فيه وسط رائحة العوادم وصوت نفير السيارات.. اللحظة التي يدرك فيها الإنس ان أن وعاءه المادي الذي يحتوي روحه هو أصغر منها بكثير، وأن إنسانيته شيء وجسده شيء آخر.. اللحظة التي يدرك فيها عظمة الخالق سبحانه الذي أهداه منظومة قيم أوسع منه شخصيًا ويشتَك في فهمها جميع أبناء جنسه، ذلك الخالق الذي قد تفرّد بمصدريّة القيم والأخلاق، ثم تفرّد بالدلالة عليها..! القائل سبحانه: ﴿ق لُْهَلُْمِنَُ َكََئِك مُمَنُيَهْدُُِّ إِلَُالَْْقلُ ق لُُِاللَ ُُيَهْدُِّ ُلِلْحَقلُ ُفَمَن َ أُيَهْدُِّ ُإِلَُ ُالَْْقلُ ُحَق ُ َ أُن َ أُي تَبَعَُُمَن َ أُلَُ ُيَهِدلُّ ُإِلَُ ُُ َ أنُ ي هْدَى ُ ُفَمَاُلَك مُُْكَيْفَُ ُتََْك م ونَ﴾ ..
عدد الصفحات ١٤٩150 المكان الذي ذهبت إليه لإصلاح (فرامل) السيارة كان منطقة مليئة بأبناء أشياء ما..! سعيد فرامل ومحسن خراطة وعادل شكمان..! هذه ليست شتائم، بل هو مرتاح بتعريف نفسه لك بأنه سعيد فرامل..! تبين أن هناك مشكلة في (الطنبورة)، لا يمكنك أن تثق في شيء اسمه طنبورة على كل حال، بالتأكيد سيكون شيئًا وغدًا يعطل طوال الوقت..! وهناك (التيل) أيضًا الذي كان لابد أن يستبدله سعيد ولكن لا يوجد مثيل له عنده فكان عليه أن يأخذه إلى المخرطة حتى يجري بعض التعديلات عليه كي ينسجم روحيًا مع طنبورتي العجوز.. كل مصنع من مصانع السيارات المختلفة قد قرر أن يضع اللمسة الخاصة به على كل قطعة من السيارة ليجعلها متفردة عن باقي أنواع السيارات، صواميل العجلات والسيفتي فالف والبوجيهات وغيرها من الأشياء ذوات الأسماء الشريرة التي يمسكها (الصنايعي) في احتَافية ليصارحك بحقيقة (أنها مش بتاعتها)..! مشكلة التوافق المصنعي هذه تجدها بشكل أكبر في هواتفنا وحواسيبنا الذكيّة، وبعد المشكلة رقم أربعين تبدأ في الإدراك بأنها ليست ذكية إلى هذه الدرجة..! كم مرة وجدت نفسك في مشكلة مع (كارت) الشاشة الخاص بك الذي لم يعد يعمل بسبب تحديث سريع للويندوز جعله لا يتعرف عليه؟ تدخل إلى موقع الشركة لتحميل التعريف وتتوه قبلها وسط مئات التعريفات لمئات كروت الشاشة يملكها أناس (محتاسين) مثلك في جميع أنحاء العالم..
عدد الصفحات ١٥٠151 يمكنك أن تفطن أننا لا نجد هذه المشكلة في مخلوقات الله عز وجل، فنحن –كبشر- مثلاً جميعًا متشابهون، بل ومتماثلون في جوانب كثيرة.. لولا هذا التشابه لكانت الحياة أصعب كثيرًا مما تعودتر عليها.. يمكنني أن أؤكد لك أن طبيب العيون لن يستطيع أن يفصّل أي نظارة لو كان شعاع الضوء يسلك سلوكًا مختلفًا داخل كرة عين كل إنسان..! وأن الجرّاح لن يجرؤ على شق الجلد لاستئصال أية مرارة لو لم يكن يعلم أننا جميعً ا نملكها في نفس المكان بالضبط منذ أن تعرّفنا على علم التشريح..! يمكنك أن تتأكد أنه لا يوجد أي طبيب نفسي قد يفهم مشاعرك المعقدة المتداخلة تجاه (سها) إلا لكونك أنت نفسك عدة صفحات محفوظة في كتب علم النفس..! التشابه يكون أعجب من ذلك حين تفكر في المزيد من المخلوقات..! فالـ DNA الخاص بك يتشابه بنسبة خمسين بالمائة مع DNA الموز وبنسبة 67% معDNA الذرة..! والسلوك الدوراني العجيب لإلكتَونات ذرة الكربون في معطفك الخريفي هو ذات السلوك العجيب للذرات التي تكوّن جميع خلايا جسدك القابع أسفل هذا المعطف، وهو بالمناسبة سلوك دوراني مشابه لدورانات الأفلاك البعيدة التي تلمع في سماء ليل أبريل.. الأمر بسيط، فالصانع واحد إذن..! وصنائعه بديعة ومتفردة بشكل مذهل، مع كونها أيضًا متشابهة بشكل عجيب.. وجود هذه الصنائع يؤكد لنا وجوده، وتفرّدها يؤكد إبداعه، وتشابهها يؤكد وحدانيته، وإحكامها يؤكد حكمته، ونقصها يؤكد كماله، واحتياجاتها تؤكد رعايته.. ﴿ذَ لِك م ُُاللَي ُُرَب يك مُُْلَُ ُإِلََ َُ ُإِلَيُ ُه وَُُخَالِق ُُيُ ِ ك ُشََْءُِ ُفَاعْب د وه ُ ُوه وَُُعَََُ ُيُ ِ ك ُشََْءُِ ُ وَكِيلٌ﴾ ..
عدد الصفحات ١٥١152 الجمال النائم ليس في قصص (ديزني) فقط، بل من الممكن أن يُصاب به الناس في الحقيقة..! مثل المصابين بمتلازمة (كلاين ليفين) الذين يعانون من اضطراب في النوم يصل إلى درجة الغياب عن الوعي تمامًا لمدة تتَاوح من ثلاثة أيام إلى ثمانية أشهر..! في هذه الفتَة هم قد يضحكون ويبكون بلا سبب ويأكلون بشراهة ويتصرفون كالأطفال، ولكن في داخل رؤوسهم هم لا يفعلون شيئًا سوى مجرد حلم طويل يستيقظون منه بعد أشهر وكأنهم كانوا نائمين فحسب..! هناك اضطراب نومي آخر نعرفه جميعًا وهو السير أثناء النوم.. لكن ما يثير العجب أن هناك بضعة حالات تم تسجيلها لأناس خطوا خارج نوافذهم وهم نائمون، مثل مراهق وقع من الدور الرابع في 2007 ح كان يسير وهو نائم ثم لما وقع إلى الأرض أكمل نومه بشكل عادي جدًا ..! هناك (لي هادوين) الذي كان يعمل ممرضًا ولكنه كان ينام فيبدأ في الرسم..! الغريب أنه كان يخرج لوحات فنية فعلاً والأغرب أنه لم يهتم بالرسم في أثناء يقظته إطلاقًا..! وهناك مرض (أمبين) الذي يصاب به بعض السائقين حين يدخلون في نوم كامل ومع ذلك يستمرون في القيادة بأعين مفتوحة.. وهناك طبعًا حالات القتل التي تتم أثناء النوم، فحتى عام 2005 تم تسجيل 68 حالة قتل وقعت أثناء نوم القاتل وهو لا يدري شيئًا، مع العلم أن المحكمة لا تحكم للقاتل بهذا
عدد الصفحات ١٥٢153 إ بإثبات قوي مثل فحص كهربيّة المخ أثناء هذه النوبات العنيفة لديهم والتي تثبت أن مخّهم الآن في حالة نوم كامل، بل وهادئ أيضًا .. اضطرابات النوم كثيرة، حتى إن أحد فروع الطب في الدول المتقدمة مختص فقط في أمراض النوم ومحاولة علاجها.. وغالب هذه الاضطرابات غريب جدًا، وهي تفوق كل المواقف الغريبة التي نحفظها جميعًا عن أشخاص قاموا بأفعال غير معتادة أثناء نومهم، تلك الحكايات التي نرددها في جلسات السمر حول أكواب السحلب.. النوم يشبه الموت فعلاً، في حتميّته وقهره وقدرته على إفقاد صاحبه وعيه وبكل هذه السرعة والسهولة..! والله عز وجل وضّح لنا أن ما يحدث لنا عند النوم شبيه بالفعل لما يحدث لنا عند الموت، كما يقول الله عز وجل: ﴿اللَ ُُيَتَوَفَُُّنْف سَُ الَْْ ُحِيَُ ُمَوْتِهَاُوَُالَتُِ ُلَمُُْ تَم تُُْفُِِ ُمَنَامِهَاُفَي مْسِك ُ ُالَتُِ ُقَضَُ ُعَلَيْهَاُالْمَوْتَُُوَي رْسِل ُ ُخْرَى الْْ ُإِلَُ ُجَلُِ َ أُم سَمًَُّ ُإُِنَُُفُِِ ُ ذَلِكَُُلَْيَاتُِ ُلِقَوْمُُِيَتَفَكَر ونَُ﴾.. ما يحدث لنا إذن كل صباح هو في الحقيقة مثال على إحياء الله عز وجل للموتى، نستطيع أن نفهم حينها أن إحياء الله عز وجل للموتى يوم القيامة ليس بأمر معجز لله سبحانه، وأن استَدادك لذاتك حين البعث سيكون بنفس السهولة التي استَددنا فيها وعينا مع أصوات خطوات الباعة في الشارع أو رائحة الإفطار الخارج من مطبخ الوالدة..!
عدد الصفحات ١٥٣154 غُصّة هي في حلقي في كل مرة أجد فيها من يأتي إلى الكشف مصطحبًا أمه وطفله، إنه موعد الكشف عند الطبيب فيأتي بالعائلة وهذا يحدث أكثر مما تظن، بالكشف على عيني أمه العجوز يتبين أنها تعاني من لائحة طويلة من الأمراض، قرنية معتمة ومياه بيضاء وزرقاء وجميع ألوان المياه المتخيلة.. ولكنه حين عرف كان لا يبالي بحق، كان باردً ا متململاً ينظر في هاتفه ولم يسأل عن إمكانيات العلاج أو الجراحة، فقط طلب علاجً ا ملطفً ا لها وعلى الأرجح كان كل ما يهمه ألا تشتكي له من عينيها مجددًا..! وأما طفله الحبيب فكان يعاني من قصر نظر بسيط يحتاج إلى نظارة، وعند سماعه الخبر، انتفض بذعر حقيقي من أن يلبس ابنه النظارة، وأخذ يسأل عن احتمالية عملية تصحيح الإبصار لابنه الصغير..! لم تكن هناك خدعة ما، الأمر كان واضحًا للغاية، هو بالفعل لا يخفي عن نفسه ولا عن أمه العجوز أنه لا يبالي بحقيقة أنها لم تعد ترى تقريبًا بقدر ما يبالي بأن ابنه لا يرى كل الموجودات المملة من حوله بصورة سليمة.. إنه يتصرف مع أمه كأي شيء آخر من (الكراكيب) التي لا يُعرف لها فائدة، فقط إلى اللحظة التي ستموت فيها وحينها سيعزيه الناس في فقدانها وسيصطبغ وجهه بطابع الجدية الحزين وهو يقول: سعيكم مشكور.. هذا ليس برجل شرير إلى هذا الحد، بالأحرى هو ليس أكثر ولا أقل من إنسان وغد، ولو دققت لوجدت أن معظمنا كبشر في الحقيقة أوغاد..
عدد الصفحات ١٥٤155 نحب أن يبقى آباؤنا بجانبنا طوال العمر، من ذلك الشرير الذي لا يتمنى أن يتمتع بصحبتهما طوال حياته؟! ولكن الكثيرين منا قد يتَدد في الحقيقة قليلاً لو فطن إلى أن هذا معناه أنه سوف يكون مسئولاً عن صحتهما الآخذة في التدهور، وسوف تزداد أعباء الحياة بالنسبة إليه في كل يوم جديد يعيشونه في الشيخوخة المتعبة..! وحين يصبح الأمر غير محتمل بالنسبة إليه، حين يضطر إلى حمل أبيه المشلول أو الصياح طيلة اليوم في أذن أمه التي لم تعد تسمع تقريبًا، حين يحدث ذلك فإنه قد يفكر على استحياء خافت وبشكل سري للغاية في أنه سوف يصبح أكثر راحة بعد فراقهما. وحين يحدث ذلك بالفعل سيقف على قبرهما معزيًا نفسه بأنهما قد استَاحا من عناء المرض، وسوف يتجاهل ذلك التساؤل الخافت الذي سيأتي من أعماق الضمير قائلاً: تقصد أنت الذي استَحت..؟! كنت أتمنى أن أصرخ فيه حينها أن أمه -ككل أمهاتنا- كانت طوال حياتها عفيفة عن طلب الحاجة من أولادها، كانت تعتبر نفسها هي الراعية وليست المرعيّة.. كنت أريد إخباره أنها فعلت ذلك لأنها كانت تدّخر كل حاجاتها للحظات ضعف الشيخوخة حين يغدر بها الزمان، فقط كانت أحمق من اللازم حين فكرت أن تضع ثقتها فيك كي تحفظ لها مدخراتها .. كانت تظن أنك أمين ولا تضيّع الودائع..!
عدد الصفحات ١٥٥156 منذ عدة سنوات تم إصدار قانون في مدينة (مونزا) الإيطاليّة يقضي بعدم جواز احتفاظ محبو الحيوانات الأليفة بالسمكة الذهبيّة في أحواض السمك الكروية، وفسرّ مجلس المدينة السبب وراء هذا القانون بأنه شيء وحشي الاحتفاظ بها في حوض مقوّس الجوانب، لأنها حين تحدّق إلى الخارج ستتكون لديها صورة مشوّهة عن الواقع..! هذا مثال آخر على الرحمة عند الإنسان الغربي والتي لسبب ما لا تظهر كثيرًا إلا مع حيوان الباندا وحمايته من الانقراض، أو السمكة الذهبيّة التي سيتم تشويه صورتها عن الواقع.. بينما قد تجد أنه لا يهتم الإنسان الغربي كثيرًا في الحقيقة بأطفال العراق المقتولين بالقذائف، قدر اهتمامه بالحفاظ على كمية النفط الذي يسمح له بالاستمتاع بصوت ضخ البنزين في محرّك سيارته الـ (كاديلاك)، وقد لا يهتم بأطفال أفريقيا العاملين في مناجم الماس بقدر اهتمامه بحجم الماسة في خاتم الزواج، وقد لا يهتم قطعًا بأطفال البرازيل العاملين في حقول البنّ بقدر اهتمامه بكوب القهوة الصباحي الذي سينعشه بعد نوبة Hang-Over بسبب إفراطه في الشراب البارحة..! مجلس (مونزا) يرى أن السمكة سوف تتشوه صورتها عن الواقع لأنها ستنظر للعالم من خلال حوض مقوّس الجوانب.. فماذا عن تشوّه صورة الإنسان عن الواقع إذن..؟! يمكنك أن تظن أن ما تراه أمامك من الموجودات، هو كل ما هو موجود فعلاً حولك.. بينما في الحقيقة شبكيّة عينك لا يمكنها أن تشعر إلا بنطاق معينّ (ضيّق جدً ا) من الأطوال
عدد الصفحات ١٥٦157 الموجيّة للأشعّة الضوئية يقع بين 400 و 760 نانو متَ.. وكل ما يقع خارج هذا النطاق لا يمكنك رؤيته، ناهيك عن بقية نطاق الأشعة الكهرومغناطيسيّة والتي تقع خارج حدود الضوء أصلاً بين موجات الراديو ذات الطول الموجي الكبير (105 نانو متَ) وموجات الكوزميك (تلك القادمة من الفضاء وناتجة عن بقايا للانفجار الكبير) ذات الطول الموجي الدقيق جدًا (10–6 نانو متَ) هذا هو النطاق الذي نعرفه فقط حيث لا يمكننا التعرّف على شيء منها إلا ما تسمح أجهزة رصدنا بالتعرّف عليه.. يمكنك أن تظن أيضًا أن كل ما تسمعه هي كل الأصوات من حولك.. بينما في الحقيقة أذنك لا تستطيع التقاط موجات صوتية إلا في حدود ترددات معينة تقع ما بين 20 هرتز و 20 ألف هرتز (يقل هذا المدى الأقصى إلى 12 ألف هرتز فقط في حالة كبار السن).. هناك من الحيوانات ما يستطيع سماع نطاق من التَددات أكبر من ذلك بالمناسبة، وتبقى في النهاية الفكرة التي نريد إيصالها ثابتة: أنت لا ترى ولا تسمع ولا تشعر إلا بنطاق ضيق جدًا من هذه الحياة، وحواسك محدودة بالفعل..! وبالعودة إلى السمكة الذهبيّة، فإن حواسنا تقوم معنا بالدور الذي تقوم به جدران القفص الزجاجي المقوّسة : إعادة تهيئة للواقع بما يتناسب مع كيفية إدراكنا له..! هذا ليس هو الواقع كله، ولكن هذا هو مقدار الواقع الذي تمّت (تهيئتنا) على أن نعلمه..! مثل كيفيّات صفات الله عز وجل الواقعة خارج نطاق حواسنا المحدودة، كما قال سبحانه: ﴿لَُ ُت دْرِك ه ُ ُبْصَار ُ الَْْ ُوَه وَُُي دْرِك ُ ُبْصَارَُ الَْْ ُوَه وَُُاللَطِيف ُ ُالَِْبِي ُ ﴾..!
عدد الصفحات ١٥٧158 الروايات الخيالية تختلف عن الواقع في عدة أشياء، منها الأسماء مثلاً، كل أبطال الرواية يملكون أسماءً مميزة متفردة رنانة، خليل ومراد وأكرم ورشا، بينما في واقعنا الحقيقي كلنا تنويعات على نفس الأسماء تقريبًا، وليست الحياة غير مجموعة من محمد وأحمد ومصطفى وشيماء وبضعة أشخاص آخرين.. ولكن الاختلاف الأكبر بين الرواية والواقع أن بطل الرواية لا يموت -إن مات- إلا في آخر صفحاتها غالبًا. يموت البطل عادة في نهاية القصة بعد أن مرّ بأركان الرواية كاملة: الذروة والعقدة والحل، وتكون ميتته مليئة بالدراما وتأخذ وقتها بشكل كامل، حين يدخل على الأشرار في وكرهم ليحرر ابنه المخطوف فيموت في النهاية بطلقتين تسمحان له بأن يثرثر له بكلماته الأخيرة ثم ينظر له بحنان وينظر للسماء مرتين ويبدأ في الكلام مرة أخرى... باختصار يقتلك أنت بالملل قبل أن يموت فعلاً .. هذا غير أنه لا يموت طبعًا قبل أن يفهم هو ونفهم نحن جميعًا ماذا كانت وظيفته في الرواية وأتي إلى الحياة يفعل أي شيء، لقد كان لحياته معنى كبير احتجنا إلى بضع مئات من الصفحات حتى نستوعبه.. بينما الواقع يختلف كثيرًا عن ذلك، حيث ذكرت لنا إحدى الإحصائيات أن عدد الذين ماتوا في أستَاليا بسبب الحوادث الإرهابية فيما بين عامي 2003 و2012 هو ثلث عدد الذين ماتوا في نفس المكان خلال نفس الفتَة الزمنية بسبب الوقوع من على السرير..!
عدد الصفحات ١٥٨159 نموت غالبًا لأسباب عبثية تمامًا في ظاهرها وبشكل مفاجئ للغاية في توقيتها.. ما رأيك أن نأخذ هذه الغرزة في الطريق السريع لتختصر علينا المسافة؟ بوم! لقد متّ .. أو: ما هذا السعال المتكرر فلنذهب للطبيب، بوم! سرطان، لقد متّ أيضًا . في الواقع نجد أن حياتنا قد تنتهي في أحيان كثيرة قبل أن نعرف ماذا كان معناها..! وقبل أن نختبر الذروة المثيرة فيها حين نحقق ذلك الإنجاز الذي كنا نظن أننا أتينا الدنيا لأجله..! في الحياة الواقعية يموت البطل في موضع عشوائي تمامًا من الرواية قبل أن يفهم هو ما الذي يجري في قصة حياته، وربما قبل أن يستوعب أصلاً أنه هو بطل القصة..! ولكن لربما نحن لم ننتبه كثيرًا حين أقسم لنا الله بالعصر، وبالليل، وبالنهار، وبالضحى، أن هذه الأوقات تعني الكثير عنده.. لربما لم نفهم أن السبب الذي يجعل من موتنا المفاجئ صباح الغد مفهومًا أن مساء اليوم -وكل يوم- كان ذروة جديدة للملحمة التي تمنيناها..! فقط ننتظر كثيرًا قبل أن نصنع حياتنا، ننتظر أكثر من اللازم، ولا أدري ماذا ننتظر؟؟ ﴿فَهَلُُْ يَنْتَظِر ونَُ ُإِلَُ ُمِثْلَُُيَامُِ َ أُِينَُ الََُخَلَوْاُمِنَُُِْبْلِهِمُُْق لُُْفَانْتَظِر وا ﴾.. لربما كانت الرواية تحكي الكثير عن البطل في كل صفحة ولكننا أسأنا القراءة، ربما عشنا حياة كاملة ننتظر على هامش أحداثنا الكبرى، ولم نفطن إلى أن هذه الأيام المنقضية كانت هي أحداثنا الكبرى.. لربما اليوم، الحاضر، الآن، اللحظة الحالية، هذا هو كل ما هو موجود، هذه هي كل فرصنا، هذه هي ذروتنا المتخيلة قبل لحظة موتنا المفاجئة والتي - برغم ما قد نظن- ستكون في موعدها تمامًا، بنهاية طبيعية وغير مبتورة..
عدد الصفحات ١٥٩160 لاحظ الفيلسوف الإنسان (يفكر) تعني (يكون حزينًا)، ثم تساءل في عحب إن كانت هذه مجرد صدفة أم منطق خفيّ ..! التفكير يوقفنا على الحقيقة المزدوجة لهذا العالم ويبعدنا عن ظننا القديم بحدّيته، حين كنا نحسب أن هناك مسار واحد يفصل بين النجاح والفشل، أو بين الحرب والسلم، أو بين الراحة والعناء.. ثم لما تأملنا في الوجود أكثر وجدنا أننا بالأحرى في نظام زوجي متكامل..! فكما نحمل بداخلنا ما يدفعنا للفلاح من العزيمة والإرادة ووازع الله في صدورنا، فنحن نحمل حتماً ذلك الذي يجرّنا إلى أرض اليأس من سهولة الشعور بالإحباط والرغبة في التقاعس وحب الكسل.. كما نجد الخير مبهرًا في نقا ئه وصلابته وصلاحية منطقه، نجد الشر جذّابًا في بهرجه وسهولته ووعوده غير المنقطعة باللذائذ..! يجعلنا ذلك نشعر بالحزن وضعف الحيلة والانهزام من قبل البدء والاستسلام قبل كثير صراع.. التفكير يشعرنا بهذه الزوجية التي وجدنا عليها العالم من حولنا، وبشكل أخص، تلك الزوجية التي وجدناها في أنفسنا نحن..! النور والظلام، القبح والجمال، الأمل والقنوط، الخوف والسرور، وحب الدنيا والرغبة في سرعة الفناء.. هذه الزوجية التي قال عنها الله عز وجل: ﴿وَمِنُُْيُشََْءُِخَلَقْنَاُزَوْجَيُِْلَعَلَيك مُْتَذَكَير ونَُ ِ ك ﴾..
عدد الصفحات ١٦٠