المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ٧ من ١٥

97 لطيفة هي ثقة (جيمسآشر) الأيرلندي في 1650 حين كان يتولى منصب رئيس أساقفة أرماج لما استنتج من حساب تواريخ المواليد في الإنجيل أن الله قد خلق آدم في العام 4004 تمامًا قبل ميلاد المسيح عليهما السلام..! ويبدو أن هذا التاريخ كان فضفاضًا أكثر من اللازم بالنسبة إلى (جون لايتفوت) الإنجليزي من جامعة كامبريدج، فعدّل على آشر وأعلن أن خلق آدم عليه السلام تم في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 4004 ق.م. في تمام الساعة التاسعة صباحًا..! لم نكن نعلم أن السماء تتبع توقيت جرينتش ولكن لايتفوت كان واثقًا من ذلك على كل حال.. بطبعي أنفر من مقدار معين من الثقة، شخصيًا أعتبر أن الثقة في النفس يجب أن تكون بمقدار صغير ومحسوب للغاية وإلا أفسدت كل شيء، و كما يقولون: لولا ذلك الرجل المتشكك الذي اختَع الـ (باراشوت) لكنا عانينا كثيرًا من المتفائل الذي اختَع الطيران .. المشكلة الأكبر تبدأ حين يتم دمج هذه الثقة غير المفهومة بالحسابات الدينية، ما فعله آشر ولايتفوت شبيه بما نفعله نحن حين نجزم بأن النصر على اليهود (على وصول)، وأن الظالمين سوف نراهم قريبًا هالكين، وبالطبع لو تحجبت النساء فسوف يرتفع الغلاء..! لا أدري لماذا يتساهل أحدهم في تعيين نفسه كمتحدث رسمي عن الإله، أو يقوم بتلاوة بيان عاجل وصله من كتبة القدر بطريقة ما؟! وهل يا ترى من يوجب على الله طريقة

عدد الصفحات ٩٧

98 (كليشيهيّة محببة إلى نفسه في تدبير الأمور قد راعى مقام عبوديته بين يدي الله الذي وحده بيده كل شيء؟! في غزوة بدر أخذ النبي ﷺ يدعو ويتضرع أن ينصره الله على الأعداء حتى أنه لم يلتقط رداءه الواقع عن كتفه، ثم لما نزل عليه جبريل بالوحي أن النصر سيكون لهم، وقتها -فقط- استبشر وبشرّ المسلمين بذلك.. أظن أنه لو كان هناك برشريّ تجب على الله نصرته لكان خاتم الأنبياء، ولكنه ﷺ كان أفقه من أن يوجب على الله شيئًا لم يوجبه على نفسه..! يدعو أحدهم بدعاء ثم لا يستحاب فيقول إذن الله لا يسمعني! يرى بعضهم حال المسلمين البائس فيقول إذن الله لا يحبهم! يتعجبون من نوم الظالمين الآمن في فراشهم فيقولون إذن الله غير موجود! كفوا عن مجموعة الوعود الوهمية في عقولكم التي لم يعطها الله فعلاً لنا..! كفوا عن صكوك الأمان المغشوشة التي نتناقلها بثقة وننسى أننا نحن من كتبناها..! كفوا عن ادّعاء معرفة الطريقة الحصرية التي بها يُقدر الله لنا المقادير..! في موقع الإنسان من الإله فهو مفعول به مرفوع بالقضاء مكسور بالفقر منصوب على مصيره مجزوم على نفاذ كلمة الله فيه.. في موقع الإنسان من الله نحن نسمع ثم نخضع ثم نركع ثم يقول بعضنا لبعض: ﴿وَمَاُ َْنُِ أُعَنك مُملنَُُاللَُِ ُمِنُشََْءُِ ُإِنُُِالْْ كْم ُُإِلَُ ُللَُِِ ُعَلَيْهُُِتَوَكََّْت ُ ُوَعَلَيْهُُُِِ فَلْيَتَوَكَُّ الْم تَوَكَّل ونَُ﴾..

عدد الصفحات ٩٨

99 لا يوجد من يعقّد الفن مثل هؤلاء الذين يحاولون تقعيده..! مثلاً حين تشاهد لوحة جميلة مريحة للعين والأعصاب، فهذا منظر جميل، لقد صنعها الفنان ليبهجني وحصل على مبتغاه، وانتهت القصة عند هذا الحد، شكرًا لكم .. لكن يصر واحد من هؤلاء على أن يذكرك بأن هذه اللوحة رُس مرت في العصر كذا والذي كان لا يؤمن بـ كذا ، لذلك فهي تعبر عن بلابلابلابلا.. أجزم أن ذلك الذي رسمها لم يكن يعلم كل ذلك، لقد رسمها من أجل أن يبيعها ليطعم أولاده، وهذه البقعة لا تمثل إيمانه بالبوهيمية وإنما كانت بقعة زيت من بقايا البطاطس أيها البائس..! من فضلك دعنا نستمتع بهدوء، لقد عقّدتم الحياة بأكمله ا، وترفضون أن تتَكوا لنا بقعة واحدة هادئة بسيطة.. بالمثل لا أذكر أني استمتعت أبدًا بدروس (تاريخ الأدب) في الثانوية العامة، شعر (البحتَي) رائع حين تقرؤه عل فراشك في ليلة ممطرة، لكنه يتحول إلى كتلة من التعاسة في رأيي حين يندمج بتاريخ الدولة العباسية والصراعات السياسية التي أثرت عليه وتظهر آثارها في قصيدة وصف الربيع.. لماذا تكرهني؟! بالطبع لا أُقلّل قيمة الدراسة الأكاديميّة للفنّ، ولا النقد الأدبي التاريخي، هي ع لوم محتَمة ولها مريدوها، ولكني حتماً لا أستمتع بهما قدر استمتاعي بالفن أو بالأدب نفسه..! الحد الأدنى من تذوّق البلاغة قد لا يحتاج بالضرورة إلى شاعر ولا إلى لغوي ولا إلى فصيح، وبالتأكيد لا يحتاج إلى مؤرخ أو أكاديمي.. البلاغة مخلوق في الإنسان جهاز استقبال

عدد الصفحات ٩٩

100 لها يعرفها وهي قادمة ويهشّ لها ويبشّ، وترحل وهو قد تم إطرابه وإنعاشه.. وربما لهذا اعتاد الشعراء أن يحتلوا الجهاز الإعلامي كله بين العامة من الناس في العصور الوسطى والقديمة، انحسر هذا الدور الآن عنهم وتخلوا عنه للأفلام الهوليودية التي بالتأكيد ستتفوق عليهم في سحر مؤثراتها الآخذة. المحسنات البديعية والجناس والا ختصار والقصر والتقديم والتأخير والتشبيهات البلاغية والصور والقوافي يعشقها الناس جميعًا، خصوصًا هؤلاء الذين يعشقونها من دون أن يعلموا أن اسمها المحسنات البديعية..! يمكنك أن تختبر ذلك بالنظر إلى القصائد والأغاني -حتى الهابطة منها- التي تشتهر وسط العوام لتَى أنها مليئة بالقوافي، والتقطيعات الموسيقية للألفاظ..! ولأن القرآن قد نزل ليخاطب الناس على اختلاف مشاربهم، تجده أبلغ ما يكون حتى يوافق حبهم لهذه البلاغة، ولأن الذي خلقهم يعلم ذلك منهم: قْسِم ُبِالِْ نَسُِ ﴿فَلََُأ * الَْْوَارُِالْك نَسُِ * وَاللَيْلُِإِذَا ُعَسْعَسَُ * وَالص بْحُِإِذَاُتَنَفَسَ﴾ .. ﴿فَلََُ ُقْسِم ُ أُبِالشَفَقُِ * وَاللَيْلُِوَمَاُوَسَقَُ * وَالْقَمَرُِإِذَاُاتَسَقَُ * لَتَْْكَب َُطَبَقًاُعَنُْطَبَقِ﴾ .. الله عز وجل قد أنزل القرآن إذن يوافق حبك وتفضيلاتك للأمور. يحب الله تعالى لك إذن أن تنتفع فعلاً بهذا الكتاب..! يريد الله سبحانه لك فعلاً أن تتخذه ريبعًا لقلبك فسهّل لقلبك الوصول إليه..! يأمرك الله عز وجل بأن تراجع موقفك تجاه كتابه الذي يسره للذكر، حين دعاك لأن تكون له أول مدّكر..!

عدد الصفحات ١٠٠

101 نظر له بسخرية وقال"إذن أنت تظن أن هذه هي حكاية أخرى من حكايات الوعظ وقصص التائبين.. تظن أنني أكرر معك ما فعله قاتل المائة نفس وأشياء على هذه الشاكلة.. تظن أني تائب منكسر وأنت الشيخ الذي يقنعني بأن الله يقبل توبة التائبين..! ومن تظن نفسك حتى تعتقد أني بحاجة لك كي يقنعني بأن الله يقبل توبة التائبين".. تبسّم الآخر بهدوء وهمّ بأن يقول شيئًا ذكيًا لكن على ما يبدو لم يجد شيئًا يقوله والتزم الصمت.. ثم في النهاية قال بيأس من يعلم بأن ما يقوله على الأرجح لن يكون بهذا الذكاء: "صدقني، أنا أفهم ما تتكلم عنه، أنت لا تريد التوبة فعلاً، أنت فقط تريد أحدًا ما يخبرك بأن الله يقبل غير التائبين..! أنت تريد لأحدهم يطمئنك بأنه ثمة أمل لهؤلاء الذين لا يستحقون أدنى قدر من الأمل، أنه ثمّة رحمة لأولئك الذين لم يف علوا شيئًا لهذه الرحمة.. أنا أفهم ما تفكر فيه، أنت لا تريد أن تتدين فعلاً، أنت فقط تريد أن تطمئن.. ولكن حظك السعيد - أو التعيس، لا أعلم بالظبط - أوقعك في مقدار كاف من العلم تجعلك تفطن إلى أن هذا غير موجود، أنك تمارس مع نفسك أخطر أنواع الخداع، وأنه وقت موتك لن تكون سعيدًا حقًا كما كنت تظن في أحلام اليقظة خاصتك، أنت كنت تحلم أن تموت ساجدًا، أو على دفّتي كتاب عظيم ما، حتى وإن كنت غير مؤمن فأنت كنت تحلم بأن تموت ميتة بطولية كجيفارا وتصير أيقونة مخُلّدة.. أنت الآن قد كبرت ونضجت بشكل كاف وعلمت أنك ستموت على الأرجح في حادث عبثي على طريق سفر غير مهم إلى هذا الحد.. لذلك أتت

عدد الصفحات ١٠١

102 لك هذه الفكرة العابرة وسألتني عنها قبل قليل: إلى أي مدى تتسع رحمة الله..؟ كنت تريد أن تتأكد إن كان ما نسجته في خيالك من قيمتك سيكون وهمًا أم حقيقة، في النهاية لا شيء سيهم حقًا بعد أن نغمض جفوننا للمرة الأخيرة غير هذا السؤال: إلى أي مدى سوف تتسع رحمة الله.. لذلك يا صاحبي صببت جام غضبك علي حين ابتسمت لك في رأفة مصطنعة، وهي مصطنعة فعلاً لأني لا أعرفك، وقلتُ لك: "المدى هو كل شيء".. أنت ظننت أن هذه أحد قصص التوبة، بينما أنا أعلم أن موقفنا الحالي أكثر درامي ةً وحزنًا من أن تكون ه ذه مجرد قصة توبة أخرى".. لم يرد عليه.. فأكمل هو: "دائماً هناك أمل، وبخصوص حالتك أنت فهناك سببان لهذا الأمل، أول سبب أنك لم تمت بعد، وتملك كل فرص الدنيا".. ثم سكت، وبعد فتَة صمت همّ بالانصراف وقال له: "وأما السبب الثاني، أنك مازلت تسأل، مازلت تهتم"..! ثم بدأ في الانصراف فعلاً.. ناداه قبل أن يبتعد وبصوت عال قال له: "أنا لا أهتم إلى هذا الحد.. سؤالي لك كان عابرًا فعلاً، مبناه الحزن لا أكثر، كسرتني الحياة قليلاً وفكرتُ فيه، غالبًا سوف أنسى كل شيء حين تعود إليّ فرحتي ".. التفت له وقال: "دائماً الأشياء التي تخرج لنا حين يحفر بداخلنا الحزن هي تلك الأشياء التي بباطننا حقًا ونحاول أن نخفيها.. لربما أنت تهتم أكثر مما تظن"..!

عدد الصفحات ١٠٢

103 يحكي الصينيون عن زمن أثناء حكم سلالة2205-1782 ق.م) أنه تغيرت بيئة الكون بشكل مفاجئ، وظهرت عشرات الشموس في السماء، وعانى الناس على الأرض بشكل كبير، فأمر الإمبراطور أحد رماة السهام المهرة بإسقاط تلك الشموس الزائدة، فلما فعل كافأه بحبة لو تناولها فإنه ينال بها الخلود، ولكن زوجته سرقتها منه، ونُفيرت بسبب هذه الجريمة إلى القمر..! ما كل هذا الإبداع؟ أم تراه الأفيون؟ ولكن على كل حال، لم يكن علينا أيها الصينيون أن نبتكر هذه القصة لنثبت أننا محظوظون بشمسنا..! فنحن نعلم الآن أن وقوع (حظنا) في نجم متوسط الحجم كان مناسبًا تمامًا للمعدّل المتوازن الذي تفنى فيه الغازات المكوّنة للشمس.. ونعلم أن الأرض أيضًا في م وضع مثالي تمامًا بالنسبة إليها، فالشريط الصغير الذي تقع فيه ا لأرض حول الشمس والذي يُدعى باسم Goldilocks Zone ضيق للغاية، لا بد للأرض أن توجد في هذا الشريط –الذي هو صغير جدً ا بالمقارنة بالمسافة التي تفصلها عن الشمس – بحيث لا ترتفع الحرارة فيها لدرجة تبخّر مياه المحيطات ولا تنخفض للدرجة التي يتجمد بسببها كل شيء.. وجود الأرض في هذا الشريط الضيّق كان بسبب حسابات دقيقة جدًا تمت لكتلتها وحجمها وشكلها شبه الكروي.. يتكون جسدك بشكل رئيسي من الكربون، ولا تستطيع أن تنجو عدة دقائق بدون الأكسجين، فيكفيك أن تعلم أن لو كانت القوة النووية الكونية القوية تغيرت بقيمة 0.5%

عدد الصفحات ١٠٣

104 عن قيمتها الفعليّة، لما تكوّنت أي ذرة كربون أو أكسجين في المراحل المبكرة للكون بفرض أننا اعتمدنا نموذج الانفجار الكبير..! بينما لو كانت البروتونات في ذرات جسدك أثقل بنسبة 0.2% من كتلتها لتحللت إلى نيوترونات، ولما كنتر شيئًا مذكورًا ..! يمكنك أن تشعر في لحظات معينة من حياتك أنك عديم القيمة..! أنك لو لم تكن قد خُلقتر لما حدث أي شيء على الإطلاق..! تشعر في لحظة من لحظات انعدام التوازن، وتذبذب اليقين، واسوداد المشاعر، أنك وببساطة غير مهم Insignificant. لكن حين تفكر في هذه التفاصيلالعلمية البسيطة، أو تفكر في قيومية الله عز وجل في كل نسبة هرمونية، أو توافقات إنزيمية، أو توازن حمضي قاعدي في جسدك، حينها تشعر بالأهمية. تشعر بإرادة الله لك أنت بالذات أن توجد، وأن تبقى على قيد الحياة، وأن تكون أنت لا أحد آخر..! بكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تشعر بالخجل منها، أنت الذي ينام مع صوت شخير يصم آذان الجيران، أنت الذي يحتاج إلى طبقين من الأرز حتى ترضى عنه معدته، أنت الذي له مشية مضحكة، أو نظرة مرعبة، أو نكات سخيفة..! أنت لست بغير ذي قيمة على الإطلاق.. أنت إنسان وُج در بمقاييس دقيقة، واختير من بين الملايين الذين لم يولدوا بعد، والذين لن يولدوا أبدًا، وأُريدر له بالذات أن يكون هُور ..! كما يقول الله عز وجل: ﴿حْصَاه مُْوَعَدَه مُْعَدًّاُ َ لَقَدُْأ*ُوَكَّ ه مُْآَتِيهُِيَوْمَُالْقِيَامَةُِفَرْدًا ﴾.. أنت رقم عند الإله! أنت معدود، أنت مراقب، أنت معتنى بك، أنت لست بدخيل ولا غريب، بل الله هو من أراد بأن يأتي بك هنا.. أنت تنتمي إلى ملكوت الإله..!

عدد الصفحات ١٠٤

105 يا رب أناآسف ..! ها أنا ذا أتذكر نفسي وقد احتَتُ حين قرأتُ في كتابك أنك سميع الدعاء.. يا رب أعلم أنك سمعتني حين تكلمت بغير صوت وقلت : ولكني كثيرًا ما دعوتُ فما وجدتُ كثير إجابة .. يا رب أنا آسف، فقد تذكرتُ الآن ..! تذكرتُ حين كنت أدعوك منذ سنين لا أذكرها، أن ترزقني با لبيت الساكن، والزوجة الحنون، والرزق الحلال.. تذكرت حين دعوتك بتيسير العمل، وتيسير العلم، وتغيير الحال.. تذكرتُ حين كنت أدعوك من عدة شهور بأشياء صارت لي الآن.. يا رب أنا آسف لك حين أجبتر دعائي فنسيتُ أنا بأن هذا كان دعائي وقلتُ بلسان حالي: هذا هو المسار الطبيعي لحاجتي..! أنا آسف لأني ظننت أنها مجرد نعمة منك، ولم أذكر إلا متأخرًا بأنها كانت نعمة مخصوصة اختَتها أنا ودعوتُ بها وأنت استجبت ..! ثم أتيت بعدها يا رب واحتَتُ كيف إنك سميع الدعاء .. فيا رب أنا آسف .. ها أنا ذا أتذكر حين كنتُ أدعوك جاهدًا بأشياء لم تصبح لي بعدها، أتذكر كيف دعوتُك بأن تيسر لي عملي في مكان ما، وجاءني مكان آخر، حينها تضايقت، نعم يا ربي تضايقتُ لأني كنت أريد ما طلبتُه أنا..! أتذكر يا رب الآن كيف أنك بعدها بأسبوع أعطيتني ما ييسر لي بأن أختار بين المكانين بموافقة الجهات المعنيّة، ثم راقبتني وأنا أختار بإرادتي ذلك الذي كنتر لي اختَتر من البداية، بعدما تبين لي بعد قليل تفكير أنه كان أفضل..! كنت يا رب

عدد الصفحات ١٠٥

106 أدعوك بالحسن، فلم تعط ني الحسن، ولكنك أعطيتني الأحسن ! ثم يا رب ماذا فعلتُ أنا..؟ لقد احتَتُ حين قرأت بأنك سميع الدعاء .. فيا رب آسف..! آسف لأني تذكرتُ الآن كيف دعوتُك أن تنجيني من مأزق كبير، ثم التفتر خلفي فوجدتُ ه انتهى..! انتهى سريعًا حتى قلتُ في نفسي: كان الأمر بسيطًا، أتراه كان يستحق كل هذا التضرع مني؟! كانت إجابة دعائك لي أسرع من أن تدعني قليلاً كي أنتظرها. .! أو كتلك المرات الأخرى حين كنت أقول على قارعة الطريق: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل.. قلتُ في نفسي في أحد هذه المرات، وهل يجُدي هذا الدعاء..؟ ها أنا ذا أتذكر الآن أني لم أُصب بسوء في أي سفر، ولم أرجع إلى أهلي فوجدت ضررًا أصابهم، لقد كنتر تسمعني في كل مرة أدعوك فيها، لقد كنتر صاحبي في السفر وخليفتي في الأهل، ولكني يا ربي أنا لما قرأتُ أنك سميع الدعاء احتَت .. فيا رب أنا آسف..! يا رب لا أذكر مرة دخلتُ فيها المشفى مع قريب لي مريض إلا ودعوتُك بأن تخرجه وقد شُفي ، كان يا ربي بعد ذلك يخرج في كل مرة..! يا رب لا أذكر مرة عصيتُك فيها سرًا ثم دعوتُك أن تستَني، إلا وكنتر تستَني في كل مرة..! يا رب لا أذكر أني دعوتُك على طعام بأن تبارك لي فيه إلا وقد شبعتُ في كل مرة..! يا رب لا أذكر أني بكيتُ في سجودي بأن تريحني من الهمّ إلا وقد ارتحتُ من همومي قبل أن أنصرف حتى من الصلاة ..! يا رب كنتُ دائماً أسأل و كنتر أنت تجيب، ثم إني بعدها لما قرأتُ أنك سميع الدعاء احتَتُ، فيا ربر أنا آسف.. !

عدد الصفحات ١٠٦

107 في اللحظات التي تستيقظ فيها من نومك في الصباح تمرّ بمرحلة من حياتك أحب أن أسميها: (الدرهْورلة)..! أنت لا تعلم من أنت ولا ما أنت..؟ هل أنا جزء منفصل عن السرير الذي أنام عليه؟؟ نعم بدأت أتذكر، أنا كائن مستقل له وجود منفصل..! ثم من هي هذه المرأة التي توقظك والتي لم ترها من قبل في حياتك..؟ هي تصرّ على أنها أمك منذ فتَة لا بأس بها من الزمن..! تنظر لها بعينين حمراوين كالبنجر محاولاً أن تتذكر ما كانت خطة (تيمور لانك) في محاربة (دارث فيدر) على ظهر (الفيل دامبو) قبل أن تدرك أن هذا كله حلم متخلّف، وأن هذه هي أمك بال فعل..! وتبدأ حواسك كلها في العودة ببطء لتدرك أنك تحتاج إلى ملء معدتك وإفراغ مثانتك ومطّ عضلاتك ..! على مائدة الإفطار، تعال نحلل ظاهرة (الدرهْورلرة) هذه.. أنت كنت في حالة هلامية غير مفهومة، عالم الأحلام والسبات النومي الذي هو انقطاع بحق عن الحياة التي اعتدناها.. كنت دائماً أسخر سرًا من كُتّاب الروايات الذين يجعلون بطل روايتهم يحاول التأكد إن كان هو في حلم أم حقيقة، ويضيّع الأحمق نصف الرواية في محاولة التفكير في هذا اللغز بينما لا أحد يخلط في يقظته بين الحقيقة والحلم حقًا إلا لو كان مصابًا بـ Delirium كامل

عدد الصفحات ١٠٧

108 أنت في واقعك تشعر بالموجودات كلها حولك وتشعر بنفسك لتدرك أن هذا كله حقيقي تمامًا، وهو الفرق بين الحالة التي أنت فيها الآن تستمتع بأكل لقيمات البيض المقليّ وبين الحالة التي كنت فيها تطير فوق فيل مكتنز كبير الأذنين لتشارك في حرب النجوم.. الحالة الواقعية التي تخربرُُها الآن تميزها حواسك تمامًا وتجعلك تفصل بين الحلم واليقظة وبين المرض والصحة.. هي الأساس الذي تقيس عليه كل ما سواه إن كان واقعيًا أم لا.. فالقرآن كما اعتدنا يفهمك وتفهمه حين يقول الله عز وجل: رْضُِ ﴿فَوَرَبلُالسَمَاءُِوَالَْْ إِنَه ُلََْقٌُّمِثْلَُ نَك مُْتَنْطِق ونَ﴾ َ مَاُأ.. أي أن ما نعدكم به من الحياة الآخرة، لا شك فيه، سيكون الأمر حقيقيًا تمامًا وواقعيًا بشدة كمثل يقينكم في أنكم تنطقون الآن وتتكلمون..! كمثل ثقتكم في حواسكم التي تشعركم بأنكم موجودون في هذا العالم.. أليست هذه اللغة التي نتحدث بها..؟ أليس هذا هو الذي نقيس عليه واقعيّة الأمور..؟ ليس هذا وفقط، ولكن القرآن أيضًا يؤكد لك أنك ستعيش مثل هذه الحالة الواقعية في الدار الآخرة للدرجة التي ستشعر فيها أنها إكمال لحياتك التي تعيشها الآن.. ﴿قَال واُإِنَاُك نَاُ هْلِنَاُم شْفِقِيَُ َ َِبْل ُفُِِأ *ُفَُمَنَُاللَ ُعَلَيْنَاُوَوَقَانَاُعَذَابَُالسَم ومُِ *ُإِنَاُك نَاُمِنَُِْبْل ُنَدْع وه ُ إِنَه ُه وَُالْبََ ُالرَحِيم ُ﴾ .. ستشعر وكأن الفرق بين معيشتك في الجنة إن شاء الله ومعيشتك في تلك الغرفة الصغيرة في أحد أحياء (بولاق) كالفرق بين الأمس واليوم، حتى إنك ستتذكر كل التفاصيل، بل ستتذكر مشاعرك التي كانت وقتها، حياة واقعيّة هنا، وحياة واقعيّة هناك..

عدد الصفحات ١٠٨

109 ماذا لو قلت لك بأنه في إحدى الشركات النرويجية تعثر عامل نظافة فكسر مجموعة من الكريستالات يملكها مدير الشركة، كان يعرف أن المدير سيطرده بسبب ذلك وهو كان بحاجة للعمل لإطعام أطفاله، ولم يكن عنده حل لإتقاء غضب المدير إلا بأن كسر عمدًا يده اليمنى وزعم أنها قد كُسرت بسبب عثرته، حتى يفلت من عقاب المدير باعتبار أن المدير لن يعاقب رجلاً مصابًا بهذا الشكل وبالتأكيد سيرحمه، لم يلتئم الكسر بعد ذلك وصارت يده بعاهة طوال عمره، الجميل أن هذا العامل صار بعد ذلك رئيسًا لمصنع (فوتورسيل) أكبر مصانع النرويج لتصنيع الكريستال، وجعل (اليد) هو شعار ولوجو المصنع، إشارةً إلى يده التي فقدها في سبيل الكريستال..! قصة عجيبة جدًا ومؤثرة، وهي أيضًا غير حقيقية ومخُترلرقة بالكا مل وقد ألفتُها حالاً ..! لو بحثت عن السبب الذي جعلك تصدق هذه القصة بأنها حقيقية ستجد أنه بالتأكيد ليس براعة القصة، إذ إن الكريستال ليس غاليًا لهذه الدرجة كي يضحي العامل بيده، واسم فوتورسيل مضحك جدًا كما لاحظتر ، هذا غير أن فرصة عامل نظافة في أن يصير صاحب مصنع كبير ليست سهلة إلى الحد الذي يقنعنا به روّاد التنمية البشرية .. السبب الذي جعلك تصدق القصة أنه لا داعي لها فعلاً..! كل دوافع الكذب المفهومة لا تصلح دافعًا لهذه القصة الغبيّة، لم تجعلني قصة الكريستال أبدو أظرف أو أذكى أو أكثر علماً وثقافة، لن أجني شيئًا من اختلاقها على الإطلاق.. لذلك لابد أنها حقيقية..!

عدد الصفحات ١٠٩

110 نتفق جميعًا لا شعوريًا على أهمية وجود الدافع والمحرّك لأي إثم أو فعل مشين، ولأن الله عز وجل يعلم وساوس أنفسنا فهو قد جعل أوسع مغفرته لهؤلاء الذين يملكون أكبر دواعي المعصية، وجعل أشد عذابه لهؤلاء الذين يملكون أضعف هذه الدواعي.. مثل ما ذكر لنا النبي ﷺ عن بعض المجرمين الذين لا ينظر الله حتى إليهم يوم القيامة فكان منهم: الفقير المستكبر، والعجوز الزاني.. إنهم صنف المذنبين الذين تحب أن تقول لهم: (وعلى إيه يا حسرة؟!) انتفت دواعي معصيتهم فصاروا في نظر الإله أسوأ بكثير من المعتاد، إنهم يحبون أن يعصوا الله حتى لو لم يكن هناك سبب لهذا..! لو فتشت في نفسك لوجدت لديك الكثير من المعاصي تندرج تحت هذا النوع..! الكذبة التي قلتها لتُضحك جلساءك أو تبدو خبيرًا ببواطن الأمور، والسبة التي ألقيتها عن سائق سيارة أجرة اعتَض طريقك في الشارع دون أن تكون غضبانًا حقًا من فعلته، والفيلم الهابط الممل المليء بالرقصات الذي شاهدته برغم أنه يثير اشمئزازك فعلاً .. كل هذه الذنوب مكتوبة كلها يا صديقي برغم أنك لم تشعر بكبير لذة في فعلها حتى ظننت وكأنك لن تحُاسب عليها، بينما في الحقيقة حسابك عليها حسابان، مرة لأنك أذنبت، ومرة لأن إيمانك كان أضعف من أن يحتاج إلى سبب كبير لتحريكه عن مبادئه..! وهل معاصينا قليلة حتى نضيف إليها تلك التي ليس لها كبير داع ..؟! وهل ذنوبنا عند الميزان خفيفة الثقل فلا نعبأ من أن نضيف إليها المزيد بدون كبير سبب؟! وهل حبنا لله وخوفنا منه أقل فعلاً من تلك الآثام التي لم يكن الاحتَاز منها صعبًا إلى هذا الحد؟!

عدد الصفحات ١١٠

111 أظن أنه الكاتب الساخر (محمود سعد-ولست متأكدًا - الذي حكى عن موقفه حين كان في الحافلة العامة التي تحمل على متنها مجموعة مكدّسة كانت سابقًا من البشر وصارت كتلة من اللحوم والعرق و(الفرهدة)، وبينما هم كذلك إذ مرّ بجانبهم شاب صغير عابث في سيارة فارهة ثم نظر إليهم من شباك السيارة، وكله رضا عن نفسه بأنه (ابن الباشا) الموجود في المكان، ثم أتت سيارة أجمل وأكبر مرت بجا نبه وألقى صاحبها (ابن الباش ا الأكبر) عليه نفس النظرة وانطلق سريعًا.. على الفور شعر مع بقية ركاب الحافلة بالشفقة على هذا الشاب الذي يملك السيارة الأبطأ، وليس على أنفسهم..! ربما تكون أشهر الح كرم اللزجة هي تلك التي تقول أن السعادة ليست في المال، وهي حكمة لزجة لأنها صحيحة ولكنها غير مكتملة.. وثمّة رجل ذكي أكّد لنا أنه برغم أن السعادة ليست في المال فعلاً ولكننا نحب أن نبكي حزنًا على متن سيارة مرسيدس بدلاً من درجة قطار (مميزة) لا تتميز فعلاً إلا برائحة نشادر نعرف جميعًا من أين جاءت .. المال وغيره من (المادة) بكل ما تحويه من متعة هاتفك الحديث ومنزلك الفاخر ووجبة عشائك الدسمة وجمال زوجتك الحسناء هو من مسببات السعادة الهامة طبعًا، ولكن الإنسان -ذلك الكائن المعقّد نفسيًا - أكثر غباءً من أن يقنع بما يملكه منها، وسينغّص عليه دائماً ذلك الشعور بالفقد والألم النات ج عن أجزاء المادة الأخرى التي يراها تمر أمامه ويضيع معها الكثير من السعادة التي كانت من الممكن أن تكون له..!

عدد الصفحات ١١١

112 الألم في حقيقته واحد، والشعور بأن ثمّة ما ينقصك هو شعور لئيم بغض النظر عن إن كان ما ينقصك هو الركوب في درجة مُكيّفة من القطار العام أو امتلاك (لامبورجيني) بدلاً من المرسيدس..! ولأنك لن تمتلك كل المادة في العالم، ولأنك لن تسبح في شواطئ جميع الجزر التي تزين خلفية حاسوبك، ولأنك لن تأكل كل ما هو لذيذ من الطعام، ولأنك لن تتزوج من جميع الحسناوات.. لأنه سيكون دائماً هناك ما ينقصك ، فأنت سوف تعيش في الألم باس تمرار وتتلقى صفعات الحياة في كل صباح.. إلا إذا كان نظرك أوسع من تلك المتاهة الدائمة، وكانت روحك أسمى من تلك المادة المراوغة، وكان إيمانك أكبر من أن يضيع في اللهاث..! إذا لم تكن أعقل من الوقوع في فخ الجشع فسوف تحكم عليك الحياة بعقوبة أبدية تقضيها في سجن الألم، هو نوع جديد من الألم، أن تتألم بسبب ما تراه من اللذائذ..! هذا حكم بلا استئناف أو نقض، لسبب بسيط، أنك أنت من حكمت به على نفسك..! هذا سجن ليس له باب ولا سور قد دخلته أنت بقدميك فلا يوجد من يخرجك منه لأنك لا تحتاج في ذلك إلى غيرك..! هذا جزاء وفاق من الله عز وجل لكل من زهد في بقيّته التي أبقاها له واشرأبّ بعنقه إلى كل شيء قضاه لغيره..! ربما كان هذا هو بعض ما عناه (شعيب) عليه السلام حين نادى في قومه: ﴿بَقِيَية ُاللَيُِ ُ خَيٌُْلَك مُْإِنُْك نْت مُْم ؤْمِنِيَُ ُنَاُعَلَيْك مُْبَِِفِيظُِ َ وَمَاُأ﴾..

عدد الصفحات ١١٢