المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ٦ من ١٥

81 كثيرًا ما كنت أتساءل عن السبب الذي يمكن أن يكتئب لأجله إنسان يعيش مدينة ساحلية بحيث يقدر في أي وقت على أن يطل على البحر..! كنت أتخيل أن نظرة طويلة على هذا الكائن الأزرق الجميل كفيلة بالشعور بأنه وإن غابت عنه السعادة الآن، فهي على الأقل موجودة، بل وممكنة أيضًا ..! عن نفسي أجرّب هذا الشعور لما يغمرني الحزن، فألجأ إلى كوب كبير من الشاي بالحليب، أو بعض المخزّنة على هاتفي لأنظر إلى صورة ابنة أختي الجميلة، إلى أسنانها الساذجة نصف النامية، وعينيها البر يئتين أكثر من الطبيعي ، ونظرتها الجادة، ولا شيء أدعى للابتسام من نظرة الأطفال الجادة.. حينها لا أملك إلا أن أشعر بالسعادة.. لم أحصّلها بعد لأن الأمر ليس بهذه السهولة، ولكني على الأقل أشعر أنها ليست فقط موجودة، وليست فقط ممكنة، بل وقريبة أيضًا ..! الجمال رائع! أن تكون الموجودات من حولك جميلة هذا شيء رائع بالفعل.. والأروع أنك لو فكرت لوجدت أن غرض خلق الله لنا -وهو عبادته في دار التكليف والبلاء- كان ليتحقق أيضًا في عالم بلا جمال..! كان من الممكن أن يخلقك الله في عالم قبيح أو لا يخلق فيك الإحساس بالجمال فتَى كل شيء بشكل قبيح، ثم مع هذا يأمرك بعبادته أيضًا..! ما كان ليتغير شيء.

عدد الصفحات ٨١

82 تخيل أن تستيقظ من نومك على صوت رديء مثير للاشمئزاز، هو صوت العصافير ع الشجرة القريبة..! تخيل لو قمت وفتحت النافذة ثم وجدت ملمس الهواء على بشرتك مقززًا وغير مريح..! تخيل لو نظرت إلى السماء فوجدت لونها الأشجار فوجدت لونها أسود..! تخيل لو أصلاً لا توجد ألوان، وكل شيء درجة من درجات الرمادي..! تخيل لو أن كل البشر يشبهون مهرّج السيرك ، أو أن كل الحيوانات تشبه الفأر..! تخيل لو كان أنفك تحت إبطك..! أو كانت عيناك فوق سرّتك..! تخيل لو كل ما تأكله له طعم واحد، يبقيك على قيد الحياة ولكن له طعم الطين..! تخيل لو كل المشروبات الساخنة بطعم زيت الخروع، أو أن كل الأزهار لها رائحة السمك..! تخيل الح ياة بدون جمال..! هل كانت الحياة الماد ية ستستمر؟ بالطبع نعم! بل و كانت لتكون الدنيا كافية أيضًا لتحقيق غرض العبودية لله عز وجل، فلماذا لم تكن كذلك؟ ببساطة لأن الله هو الجميل..! لأنه قد خلق مليارات النجوم أكبر من الأرض بملايين المرات، لماذا؟ كي تكون زينة ﴿وَلَقَدُْزَيَينَياُالسَيمَاءَُال ينْيَاُبِمَصَابِيحَُ ﴾.. لأنه لما يخلق، يخلق بجمال، لأن صفة الله أنه جميل، لأن تيسير الله لكل شيء تحتاجه جميل، لأن عناية الله بك عند الشدائد من النوع الجميل، لأن حنان الله عليك حين الأسى بالفعل جميل.. لو فكرتر وقت الحزن في جمال الله البادي في خلقه وسننه، لعلمتر أن السعادة ليس ت فقط موجودة، وليست فقط ممكنة، وليست فقط قريبة.. ولكنك مغموس فيها بالفعل..!

عدد الصفحات ٨٢

83 تثير غيظي بشكل خاص الإعلانات التي تعتمد على المشاهير.. فتجد مثلاً على قارعة الطريق لافتة عملاقة للإعلان عن أحد مزيلات العرق، يظهر فيها ممثل مشهور وهو سعيد جدًا لأنه تخلص من رائحة عرقه.. لا أفهم حينها ما المطلوب مني..! هل علي أن أسارع لشراء هذا المنتج لأن هذا الفلان سعيد به إلى هذه الدرجة..؟! افتَض أن مستقبلاته الشمّية الخاصة به مصابة بالعته..! ماذا أفعل حينها..؟! ولكني أقدّر من حجم انتشار هذا النوع من الدعاية أنه يؤتي حقًا ثماره.. هناك من الناس من لديه الاستعداد بالفعل للسماح لشخص غريب تمامًا عنه بأن يختار له العطر الذي يجب عليه أن يفضله، فقط لأن هذا الشخص محبوب عنده لسبب ما..! مونديال كأس العالم الذي ينطلق كل أربع سنوات يصيبك بدهشة أخرى، فهناك نسبة لا بأس بها أبدًا من البشر تقرر أن تعلّق أحزانها وأفراحها لمدة أسابيع على مقدار ب راعة لاعبي فريقها المفضل.. تخيل مدى السخرية في أن يكتئب أو يبكيبطولة..! هناك طائفة أخرى تفضل أن تعطي حق الولوج الاختياري لمشاعرها الداخلية لإنسان معينّ.. ربما تكون حبيبته من الجامعة مثلاً، تكفي رؤياها بالنسبة له لكي يشعر بعدة عصافير ملوّنة تحلّق حول رأسه من فرط السعادة، وتكفي مشاجرة بسيطة كي يرغب في الانتحار بسم الفئران.

عدد الصفحات ٨٣

84 مشاعرك الداخلية ليست مجرد ذكريات، أو أفكار، أو حوارات بينك وبين نفسك مشاعرك ليست مجرد حرارة غضب في صدرك، أو برودة حزن في قلبك، أو لذة انتشاء على شفتيك.. مشاعرك أعمق من كل هذا.. هي أمواج متلاطمة بداخلك، تارةً هي عميقة فلسفية غامضة، وتارة هي سطحية لا تريد من الحياة إلا متعتها الظاهرة.. تارةً تفكر في الغد في قلق أو في تفاؤل، وتارةً تفكر في ما مضى بالرضا وبالحسرات.. مشاعرك هي ما يحدد ما تكون عليه في هذه اللحظة، ما يحدد لك كيف ترى الدنيا من حولك، كيف ترى نفسك، كيف ترى الناس..! مشاعرك هي الغرفة المركزية الت ي تتحكم في أفعالك وتصرفاتك، هي الشفرة الوراثية التي تُنسخ منها كلماتك، هي القوة الخفية التي ستَسم عبوسك أو ابتساماتك، هي دفة روحك التي تحدد وجهتك.. ببساطة، مشاعرك الداخلية هي أنت..! لذلك كان من كمال وجمال التوحيد لله عز وجل أن توحده حتى في مشاعرك..! أن تحاول جاهدًا ألا يقف خلف الحزن والفرح، أو الحب والكره، أو التَدد والثقة، أو التفاؤل والقلق، أو الحبور والنفور، أو الملل والحماسة.. لا يقف خلف كل هذه الأحاسيس إلا سبب يتعلق بالله عز وجل.. فدع عنك الناس، فسوف تجد منهم أذىً قلّ أو كثر.. بينما مشاعرك أغلى من أن تضعها بأيديهم.. واسأل نفسك دائماً السؤال ال قرآني: ﴿د ونَُاللَيُِت رِيد و نَ﴾ ..؟!

عدد الصفحات ٨٤

85 الأحلام لها منطق خاص بها، كل شيء تراه واقعيًا ومنطقيًا تمامًا، ربما ترى مثلاً أن رئيس المجر في صالون بيتكم يشرب شايًا بالحليب، بينما تقفز ابنة أختك من الشرفة وتطير في السماء، قد تتعجب من هذا وأنت في الحلم ولكن ليس لأنك على علاقة شخصية برئيس المجر، ولا لأن ابنة أختك تجيد الطيران، ولكن لأنك كنت تظن أن الجميع على علم بأن رئيس المجر يحب أن يشرب الشاي (سادة)..! وحين تستيقظ تبدأ في اكتشاف الثغرات المنطقية الموجودة في هذا المشه د الذي كان واقعيًا تمامًا منذ قليل..! لذلك تجد أن العالم المُنسّق الجميل في نظرك وقتها، لم يكن بهذه المنطقيّة حين انتقلت إلى عالم آخر، له قواعده الأخرى.. البناء المتناسق نحرص على صنعه بأنفسنا حين نهتم بشيء ما فعلاً فنحرص على أن يبدو على قدر كبير من المنطقيّة..! نقوم بصياغة الحجج الذاتيّة لتصرّف ما أو اعتقاد معينّ.. ليس فقط لإقناع الآخرين أننا لا نقوم بأمر خاطئ، ولكن –والأهم– لإقناع أنفسنا نحن بذلك.. وهكذا تتوالى الحجج والبراهين..! فالكذبة كانت (مجاملة)، والسُبّة كانت (خروجًا عن الشعور)، وإفشاء السر كان (لأجل المصلحة)، والرياء كان من رجل أقنع نفسه أنه (قدوة)، وخيانة العهد كانت (لتغيرّ الظروف)، والنظرة المحرّمة التي نظر بها إلى زوجة جاره الحسناء، كانت فقط (للتأكد من شيء ما)..!

عدد الصفحات ٨٥

86 أكثر ما يمكن أن تجده مثالاً واضحًا لهذه (ا جّة الذاتيّة) هو أمر الكفر بالله عز وجل أو الجحود بنعمه أو عصيانه، فتجده يصنع لنفسه بناءً كاملاً متناسقًا في رأيه، للدرجة التي تجعله يجزم أنه سيستخدمه في الدنيا والآخرة، إن تبين له أن هناك بالفعل آخرة. هو يظن أن المنطق الذي يفكر به الآن، سوف يصطحبه معه إلى دار الآخرة بشكل كامل غير منقوص، وأنه سوف يقدر على صياغته بنفس العبارات الرنّانة ذات الصدى.. ولكنه في الحقيقة في العالم الآخر، ذي القواعد الأخرى، سوف ينهار هذا البناء المتَابط تمامًا، ويفشل هذا المنطق اللطيف، ويضلّ عن كل هذه الحجج المفتَاة.. تمامًا مثل حالنا في الحلم الذي نجد أنفسنا فيه منطقيين تمامًا، فقط إلى اللحظة التي نستيقظ فيها لنفطن إلى أن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق..! كما يقول الله عز وجل عن ذلك اليوم: ﴿انْظ رُْ ُكَيْفَُ نْف سِهِمُْوَضَلَيُعَنْه مُْمَاُكََن واُيَفْتَْ ونَ﴾ َ كَذَب واُعَََُأ .. سوف يضلّون ويتيهون عن كل ما كانوا يفتَونه من حجج، سوف ينسونها بشكل كامل..! سوف يُصابون بحالة ذهول تام عن كل ما كانوا جهّزوه، ونمّقوه من حججهم في ذلك اليوم.. ليس لأن أحدًا سوف ي قوم بإخراسهم، ولكن لأنهم سوف يتأكدون بأنفسهم، وحين تنكشف لهم حقائق الوجود ، أنهم لم يكن لهم أن يكفروا بالله عز وجل ولا أن يعصوه بأي حال..! وأنه لا توجد ثمّة حجة واحدة صامدة أمام براهين الإيمان والتقوى، التي كانوا في عمىً عنها في الدنيا، وصاروا الآن يرونها بشكل واضح تام دون التباس من هوى أنفسهم، ودون غمامة من غمامات غفلة الحياة الدنيا..!

عدد الصفحات ٨٦

87 صنع (المطاوي) من المسامير الكبيرة كان تسليتنا المفضلة أنا وزملائي في المدرسة الإعدادية.. نذهب إلى قضبان القطار لنضع عليه ما لذ وطاب من المسامير التي جمعناها طوال اليوم من فناء المدرسة والشارع دون أن نضع في الاعتبار كم ونوعية المواد العضوية التي لابد وأنها تلوثها.. ثم نأخذ ساترًا وراء المزارع وننتظر القطار المهيب يأتي على هذه المسامير ليحولها لأنواع من الأسلحة المختلفة، مع شعور التَقب والخطر واللهفة والتحدي بيننا عمّن سيحصل على أجمل (مطو اة)..! كنا نلقي بكل هذه الأشياء القذرة بعد ذلك في أقرب حفرة، ونتسلى في طريق العودة بقطف التوت من الشجر الحكومي. وبعد سنين كثيرة، ولأني كنت متأخرًا عن العمل في المستشفى سلكت طريقًا مختصرًا لأجد نفسي أمام ذات القضبان التي لم أزرها منذ ثلاثة عشر عامًا، كان الموقف على قدر كبير من الدراميّة والنوستالجيا.. الذكريات كانت تفوح من المكان.. في هذا المكان بالذات كنت ضحكت بهستيريا، وهنا تألمت بغباء، وهناك تعثرت أمام القطار المتحرك وشعرت بالخطر والأكشن، ثم أدركت بعد أن قمت سريعًا بأنه لم يكن ثمّة خطر أصلاً، في الواقع يمكنك أن تحتسي فنجانًا كاملاً من القهوة على القضبان ق بل أن يدركك القطار البطيء. أخذت نفسًا عميقًا وأنا أنظر إلى كل هذا الماضي وابتسمت.. ثم فطنت إلى أني لا أشعر بأي شيء على الإطلاق..! كل المشاعر التي يفتَض لها أن تأتي مع الذ كريات لم ت كن موجودة.. في الواقع هذا مجرد مكان خرر ب كنت أحبه في الماضي وقد تجاوزتُه الآن حقًا ..!

عدد الصفحات ٨٧

88 أحب الذكريات فعلاً، وجزء من حبي لها يكمن في أني أختبر مدى الاختلاف في نطر إليها بين زمنين.. مثل مسلسل الرسوم المتحركة الذي كان يمثل لي معنى البهجة الصافية بلا مبالغة، والذي لو شاهدته الآن فهو مجرد مسلسل ممل مليء بالأفورة، وعلى الأرجح سأنتقد كاتبه في دستة من الحبكات غير المتقنة. كانت نفسي تحتاج إلى هذا الدرس، في الأوقات التي يشعر المرء فيها أن ندوب جراحه ربما كانت أوسع من أن تلتئم هذه المرة، أنه يختبر أنواعًا من الألم جديدة تمامًا في نوعها، قوية بالفعل في شدتها، ومن المحتمل أنه لن ينجو كالمعتاد.. كنت أحتاج إلى أن أتذكر أن النقطة الزمنية التي أقف عليها الآن شاعرًا أنها لن تتزحزح سوف تمضي بالفعل وأسرع مما أتصور، وأن المشاعر التي تغمرني في هذه اللحظة أو تلك سوف تتبدل مهما كانت شدتها.. وأن قدرتنا على تجاوز متاعب الدنيا لا تكمن فقط في تغير الأحوال من حولنا، ولكن في أننا بذاتنا سوف نرحل عنها..! كنت أخاطب نفسي وقتها وأنا أراقبها وهي تنزف بنظرة مختلفة، نظرة مستقبلية رأيت من خلالها جرحًا ملتئماً تمامًا لم يبق منه إلا مجرد أثر، أو علامة، مجرد تذكار، ولكنه لم يعد يؤلم..! كنت أقول لنفسي حينها: أنت لست بخير الآن، ولكنك ستكون كذلك .. إياك أن تقلل من قدرتك على التجاوز، من احتمالية العبور، من مدى إمكانية التغير.. إياك أن تنسى جمال نعمة النسيان..!

عدد الصفحات ٨٨

89 في قبائل (دوجون) الأفريقيّة تحتل النساء الهستيريات منصب الكاهنات..! وتزداد الكاهنة في المكانة الدينية كلما زادت نوباتها العصبيّة..! فهي بالنسبة لهم على اتصال مباشر مع الآلهة، ومعظم الآلهة عندهم هي الأجداد الأسطوريون طبعًا، كل واحد يأتي إلى الأرض صبيًّ ا يبلل ثيابه ثم يكبر ليتعلم كيف لا يبلل ثيابه، ثم يشيخ فيعود ويبلل ثيابه، ثم يموت فيتم اعتباره رمزًا للحكمة وأسطورة للعطاء ويعبدونه. هذا مفهوم بالطبع..! برغم ذلك فإن قبائل (دوجون) تعتقد بوجود إله خالق أعظم وحيد، ويسمونه (أمّا) وأؤكد لك أن هذه التسمية ليس لها علاقة بكلمة (أمّا) المصرية الريفية التي تعني في اللغة العربية (أمي)..! وفي اعتقادهم فإن (أمّا) هو إله متعال على كل الآلهة الأخرى، ويقيمون له في كل بيت محراب طيني مخروطي، ويتم ذكر اسمه قبل أي إله (صغير) آخر. في غرب الكاميرون فالقصة مختلفة، هم يعتقدون أن الإله الأعظم خالق الكون اسمه (نيامبي) يعيش أعلى القمر، ولا أحد يستطيع أن يصل إلى مكانه. وأما قبائل أعالي النيل فتعتقد بوجود إله سماوي كبير، هذا الإله ليست له صورة مادية ولا شكل، خلق الخير والشر على سواء. وعند قبائل (البامبارا) يُعرف الإله الأعظم باسم (فارو). بينما يُعررف في (أشانتي) باسم (نانا). وفي (إيفا) باسم (ماوو). وفي (اليوروبا) باسم (أولورن). وعند (الإيبو) باسم (شوكو). وأما عند (كينيا) فالإله الأعظم عندهم اسمه (مولونجو). ويلقبه (السوازي) باسم (الرئيس الأكبر).

عدد الصفحات ٨٩

90 وهكذا جميع شعوب قلب أفريقيا تقريبًا –تلك الشعوب التي هي أقدم شعوب العالم أنثروبولوجيًا على الإطلاق– تعتقد بوجود إله متعال خالق للكون، وهناك وسطاء بين البشر وبينه هي ما يسمونه بالآلهة الصغرى.. وهم يتفقون على أن هذا الإله الأعظم قد بدأ الخلق منفردًا..! هذا الاطّراد التاريخي على وحدانيّ ة (الرب) لا يكاد يسلم منه أحد، ولا حتى الوثنيون الذين يعبدون الأصنام بشكل صريح وبطريقة تثير العجب، إذ إنك تعتقد أن الإنسان من المفتَض أن يكون ارتقى إلى الحد الذي يمنعه من أن يعفّر وجهه أمام تمثال جبسي غير محكم الصنع لرجل مفرط السمنة وعلى الأرجح كان يعاني من مرض البول السكري، فالوثنيّون في الحقيقة يعتقدون أن هذه الآلهة إنما هي وسيلة تقرّبهم إلى الخالق الحقيقي . هذا الاطّراد التاريخي بوحدة الخالق لربما هو من بقايا دين الفطرة ودين الأنبياء الذين أرسلوا في كافة بقاع الأرض يبلّغون رسالة الإله الذي استوى على العرش، تلك الرسالة التي تقول لكل كائن بشري على وجه الأرض: قِمُِ َ نَاُفَاعْب دْنُِوَأ َ نَاُاللَ ُلَُإِلَََُإِلَُأ َ ﴿إِنَنُِأ الصَلََةَُلَِِكْرُِّ﴾ .. لذلك يقول الله عز وجل متحدثًا عن هذه الرسالة الموحّدة التي صنعت هذا الاطّراد التاريخي البشري: لُْمَنُْ َ ﴿وَاسْأ ُجَعَلْنَاُمِنُْد ونُِ َ رْسَلْنَاُمِنَُِْبْلِكَُمِنُْر س لِنَاُأ َ أ الرَحَُْْ نُِآ لِهَةًُي عْبَد ونَ﴾ ..؟ في المرة القادمة التي تحتاج فيها إلى العون، وقبل أن تسأل الناس، انظر إلى الكون من فوقك وتذكر أن عامّة البشر مؤمنهم وكافرهم يقولون: لم يخلق هذا الكون إلا الله..!

عدد الصفحات ٩٠

91 قال له في حماس حقيقي"كثير من الناس مثلك يحبون نضارة وجه الأطفال الممتلئة بالدهون الناتجة عن حلوى النعناع عن جمود وجه الكبار الخالي من الدهون ومن الحلوى أيضًا..! لكني عن نفسي أفضل على ك ليهما تجعد ات وجوه العُجُز و العجائز الممتلئة بتضاريس من عاشته الحياة أكثر مما عاشها". رد عليه: "تجاعيد وجه العجائز جميلة طبعًا، لكن ماذا عن البراءة؟ لا يمكنك أن تقارن شيئًا بجمال براءة الأطفال الذين لم يتعرفوا بعد على شجرة الحياة المحرمة، ولم يأكلوا بعد من ثمارها الملعونة شيئًا". قال: "بل يمكنني، براءة العجائز أجمل..! إنها براءة من عفّ الثمرة بعد أن خبرها، واستبرأ من خبائثها بثلاثة أحجار منقّيات، الزهد والورع ومفارقة المألوف"..! غمغم صاحبه: "فماذا عن النقاء؟ كيف تدعي أن نقاء العجوز أكبر من نقاء الطفل؟ وماذا فعل الطفل في حياته كي يتقذّر ؟ إنه كحرلْبة اللبن الأولى، كندى الصباح المبكر، ك هواء البحر الآتي من جزر لم تسكنها البشر". قال:"نقاء العجوز أجمل، إنه نقاء المهاجر الذي قد سئم ما كان فيه من خبث ريح البلدة القديمة، نقاء من غرق ثم نجى، من مرض ثم عوفي، نقاء من اجتاز الضفة إلى الجهة

عدد الصفحات ٩١

92 الأخرى فخرج منها وقد ابتل بالماء، سرعان ما سيجف، بينما الطفل الذي لم ينزل إلى الماء بعد، فسرعان ما يبتل"..! رد عليه: "وضحكة الأطفال الرفيعة"..؟ قال: "بديعة بالفعل، ولكن هل سمعت من قبل ضحكة العجوز الخشنة سريعة الخفتان؟ إنها مرآة روحه بحق، يخبرك من خلالها بآلامه التي بداخله والتي لن يزعجك بها أبدًا ". قال:"وماذا عن سهولة خداع الأطفال؟ يمكنك أن تخدع الطفل بسهولة، فتشعر بأنه ضعيف بحق ويحتاج إليك، حينها لا تعدله بأي شيء في العالم". قال: "سهولة خداع العجوز أجمل، إنه ينخدع لك لا عن حمق، ولكن عن إذعان. إنه قد تنازل عن كبرياء البشر، وأودع ثقته في من هو أقل منه، لا لشيء إلا لأنه يحب لك أن تقوده وتدله، فهو قد علم من نفسه أنه لا يستطيع الاستقلال ب القيادة فعلاً. . أرأيت جم ال الضعف"..؟! سكت صاحبه ثم قال له: "نحن نحب الطفل والعجوز حقًا لأنهما ليسا مثلنا، أليس كذلك"..؟! ابتسم ابتسامة حزينة وقال له: "بلى يا صديقي.. أنا وأنت من المُلوّثين "..!

عدد الصفحات ٩٢

93 لا توجد إعلانات ت ليفزيونية لسيارة ال لامبورجيني، لأن هؤلاء الذين يقدرون على تحمل ثمنها لا يتواجدون حول التلفاز..! ذكرني ذلك بما قرأته عن بضعة شركات كبيرة منهم شركة (رولز رويس) للسيارات وشركة (زارا) للملابس، تفتخر هذه الشركات أنها قد وصلت إلى مرحلة شهرة وموثوقيّ ة لا تحتاج معها إلى الدعاية..! ومن ثمّ لا تقوم هذه الشركات بأي دعاية لمنتجاتها، بمنطق: ومن الذي يحتاج إلى أن يقنعه أحد بأن يشتَي من (زارا)..؟! وهذا شبيه بمنطق أساتذة الطب الذين لا يكتبون على عياداتهم أنهم حصلوا على درجة الدكتوراة..! يتَكون هذه الأمور للصغار كي يتفاخروا بها بينما هم قد وصلوا إلى الأستاذيّة وهو ما يجعلهم يستغنون عن هذا التفاخر، الذي هو بالفعل صغير بالنسبة لهم. فكرتُ في هذا حين لاحظت أن ا لله عز وجل قد أنزل القرآن على البدوي العربي القابع في صحرائه فلم يقل له: لعلمك هناك مجرة وهناك ذرّة، ولكنك لا تد ري..! هناك عالم خفي تمامًا عنك، هناك معجزات في الخلق لا يمكنك أن تتخيلها..! لا، لا يحتاج الإله حين يتكلم إلى هذا..! يستطيع أن يبهر هذا العربي تمامًا من واقع صحرائه وأنعامه وخيامه، لا يحتاج إلى أن ينظر إلى ما وراء زمنه وكأنه لا توجد معجزات كافية في زمنه..!

عدد الصفحات ٩٣

94 لا يحتاج الإنسان إلى أن يقدّر قدرة الله في مخلوقات بعيدة تمامًا عنه مكانًا وزمانًا، وكأن ما خلقه الله من حوله غير كاف ..! في المقابل كان ما قاله الله عز وجل لهذا العربي القديم: فقط، انظر بجانبك..! فَلََُ َ ﴿أ ِبِلُِكَيْفَُخ لِقَتُْ يَنْظ ر ونَُإِلَُالْْ * وَإِلَُالسَمَاءُِكَيْفَُر فِعَتُْ * ِبَالُِكَيْفَُن صِبَتُْ وَإِلَُالْْ *ُ رْضُِكَيْفَُس طِحَتْ﴾ وَإِلَُالَْْ .. وحين أراد الله عز وجل أن يجعله يعتبر بمن سبقه لم يقص عليه القصص التي لا ندري عنها شيئًا والخاصة بالأنبياء الذين أرسلوا إلى أستَاليا أو النبي الذي بُع ثر في الهنود الحمر.. بل حدّثه عن القوم الذين كانوا يسكنون المساكن التي يسكنها الآن، الذين تبلغ ديارهم مسافة عدة أيام من داره، الذين يمر على آثارهم في أسفاره: ﴿وَإِنَُل وطًاُلَمِنَُالْم رْسَلِيَُ * جَْْعِيَُ َ هْلَه ُأ َ إِذُْنَََيْنَاه ُوَأ * إِلَُعَج وزًاُفُِِالْغَابِرِينَُ * ث مَُدَمَرْنَاُالَْْخَرِينَُ * وَإِنَك مُْلَََم ر ونَُ عَلَيْهِمُْم صْبِحِيَُ * فَلََُتَُ َ وَبِاللَيْلُِأ عْقِل ونَ﴾ .. ﴿وَسَكَنْت مُْ ُفُِِ ُمَسَاكِنُِ ُِينَُ الََُظَلَم وا ُ نْف سَه مُْ َ أُوَتَبَيََُ ُلَك مُُْكَيْفَُ ُفَعَلْنَاُبُِمْثَالَ﴾ هِمُْوَضَََبْنَاُلَك م ُالَْْ .. لماذا..؟؟ لأن الإله لا يحتاج إلى أن يتفاخر بما لا يعلمه هذا الأعرابي ولا يبلغ عقله.. بل كل خلقه معجز، كل عقابه شديد، كل سننه ماضية، كل ع برر ه مبكية..! فقط، انظر بجانبك..!

عدد الصفحات ٩٤

95 أنظر إليها في عجب، إنها عمتي فلذا أشعر أنها بعيدة إلى ذلك الحد..؟! كانت تلعب وتأكل وتنام وتصحو مع أبي في بيت واحد، وبرغم ذلك فإنه لو سألني جورج قرداحي في سؤال المليون أن أذكر ثلاث معلومات عنها، لانسحبت. يأتي حفيدها ليلطخ ملابسي بالطين ويشرب مياهي الغازية ويتجشأ، بالنسبة لها هو أهم إنسان في الكون وهي تظن أنني أهيم به حبً ا أنا الآخر ويصيبني الأرق ليلاً من التفكير فيه بينما أنا مستعد لمبادلته راضيً ا ببعض التَمس من عند عم مصطفى..! من خلفها يقف جدي شامخً ا في صورة تذكارية عملاقة، أنا أحمل اسم ذلك الرجل، وجيناته تمرح في كل خلية من جسدي، وبرغم ذلك أحمل له صورة مبهمة مجملة مختصرة بشدة، بينما أعرف عن عم مصطفى أكثر مما أعرفه عنه.. لا أحسب أبدً ا أن النسخة الإعدادية من أبي كان يتخيل أن حياته كلها ستكون في بلدة لا يعرف هو وقتها أنها كانت موجودة، أو أن أبناءه سينظرون تلك النظرة الحائرة إلى أبيه الذي هو الآن ملء سمعه وبصره، وأنهم قد يخفقون في معرفة العدد الذي يملكونه من أبناء العمومة .. لشدّ ما تخدعنا الحياة حين توهمنا أنها ستطاوعنا الآن في خطانا التي حسبنا أننا نسير فيها، لشدّ ما تسخر منّا حين ننظر إلى صديق مقرّب ق ائلين في أنفسنا: "لن نفتَق حتماً "، أو حين

عدد الصفحات ٩٥

96 نظن أننا نعلم ما يضرّنا وما ينفعنا، وما يسعدنا وما يحزننا، حين نظن أننا نملك قلوبنا ثم نظن أنها لا تخطئ، حين نخطط في قلق من الغد بينما لا نعلم أي شيء عن مفاجآته، حين تتَاقص قلوبنا فرحً ا بتلك الأمنية التي تحققت، أو تنسكب دموعنا لفوات ذلك المأمول. دون أن نعلم أن هذه الأمنية، أو تلك المأمول قد يكونا إلى الجحيم أقرب..! نحن نجهل كل شيء، وأكبر جهلنا يتجلى في كل ما يتعلق بحياتنا نحن..! بينما الحال مع الله عز وجل جدً ا مختلف، فالله يعلم..! يعلم ما في الشهادة، ويعلم ما في الغيوب، يعلم على أيّ حال ستنهي يومك، في أيّ مجال سيجول خاطرك الآن، في أي مكان سوف ترسو سفينتك غدًا، يعلم في أي سحابة تقبع نقطة الماء التي ستَوي عطشك في يوم ما بعد العودة متعبًا من العمل، يعلم اسم اللحّاد الذي سيقلبك على يمينك في قبرك، يعلم ثمرات الحياة السامة التي سوف تمرضك، ويعلم كل شيء عن أدويتك مارة المذاق..! إنها حقيقة نختبرها في كل حين، حقيقة أن البون الشاسع بين جهلنا المطبق وبين علم الله الحكيم، لا يعطينا أبدًا الحق في الشكوى من أي شيء يصيبنا منه، هذا البون الشاسع لا نملك معه إلا أن يقودنا إلى الرضا الغريب عن كل ما نكرهه، إلى التصديق الأعمى بكل ما يقوله، إلى الاستسلام الكامل لكل أمر، إلى الحذر البال غ من كل نهي.. يدفعنا إلى رؤية الحق والخير في كل ما يقذفه إلينا من تشريع أو تقدير، لماذا؟ لأنه يعلم ما تجهله القلوب.. ﴿ق لُْ يُيَقْذِفُبِالَْْقِيُعَلََيم ُالْغ ي وب إِنَيُرَبِِ ﴾..!

عدد الصفحات ٩٦