المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ٥ من ١٥

65 اعتدتُ أن أُصاب بجلطة معنويّة، في كل مرة يقف فيها أمامي فجأة سائق ليُنزل زبونه، غير عابئ بي أو بأحد من السيارات خلفي، والجميل أنه يخرج حينها رأسه من النافذة ليصب جام غضبه على ذلك الوغد الذي فكر في إطلاق سارينة سيارته للاعتَاض على ما حدث.. حينها تكون من اللحظات التي أتعرف فيها على السفاح الذي في داخلي، وأبدأ متلذذًا في تخيرل جثة هذا السائق الممزقة. ولكني ركبت مرة مع أحد هذه الوقوف فجأة أمام سيل من العربات المتعجّلة ، حتى يُنز لر راكبة مسنة تحتاج إلى النزول هن ا بالذات، ورأيت الصراع النفسي في صوت السائق وهو يصرخ فيها لتُسرعر في النزول، ويصرخ في صاحب السيارة الملاكيالرقيعر بسارينة سيارته، فمخالفة واحدة من هذه تعني ببساطة عرق أسبوع كامل..! اعتدتُ أيضًا أن أكره كوكب الأرض بأكمله في كل مرة أجد فيها من ينشر على الفيسبوك صورة فوتوشوبيّة فيها مثلاً عصفور يشرب القهوة، مع إيمان كامل و يقين غير منقوص أن هذا من إعجاز خلق الله في الطبيعة، لكني فكرتُ أن هذا الشاب المسكين قد كان من الجيل الذي أقنعوه بأن يحوّلوا بأن هذا فعلاً نوع من التكنولوجيا..! حينها تفهم أن كثيرًا من هذه التصرف ات لها ما يبررها.

عدد الصفحات ٦٥

66 لا يوجد بين الناس قديس ولا إبليس..! قاعدة نؤمن جميعًا بشقها الأول، ولكن القليل منا من يؤمن بالشق الباقي.. لربما كثير من الأبالسة حولنا قد نلتمس لهم عذرًا لا يعفيهم بالكامل من المسئولية، لكن يفسرّ لنا الكثير من الأشياء.. لربما كثير من الأب السة فيهم جانب خير ما، وكونك لا تراه الآن، لا يعني أنك لن تراه غدًا . من أشرس السموم التي اكتشفها الجنس البشري سم البوتيلينيوم، الذي يمكنه قتلك في عدة دقائق، ومع ذلك يستخدمه الأطباء لعلاج البواسير وأشياء أخرى كثيرة.. والإيثانوللك الأبله الذي شرب عدة زجاجات من الميثانول..! ربما يرى البعض أنها سذاجة أن ترى الجانب الخيرّ في أسوأ الأشياء وأسوأ الناس طُرًّا.. البعض الآخر سيرى أنها رومانسية زائفة أو رفاهية عاطفية.. لكني أراها شيئًا آخر.. نوعًا من الشفقة والإنصاف مع إنسان رأينا منه خطأه، لكننا لسوء حظه لم نكن هناك حين ظهر منه جماله. لحسن الحظ الله لا يفعل مثلنا، بدلاً من ذلك فالله قد يتجاوز عن آثام سنوات لامرأة بغيّ، ولا يتجاوز عن خمسة دقائق أو عشرة في حياتها سقت فيها كلبًا غفر الله لها به ..! هناك حكمة جميلة تقول[ : المعطوبة تخبرنا بالوقت الصحيح مرتين في اليومعز وجل: ﴿فَإِنُْ نُْتَكْرَه واُشَيْئًاُوَيََْعَلَُاللَي ُفِيهُِخَيًْاُكَثِيًا َ كَرِهْت م وه نَيُفَعَسََُأ ﴾.

عدد الصفحات ٦٦

67 كنت أتمنى أن أجذبه برفق وأقول له: أعلم كل شيء بخصوصك..! أعلم أنك تكره مواقع التواصل الاجتماعي ولكنك لا تقدر على فراقها، أعلم أنك لا تحب ألعاب هاتفك المحمول كثيرًا ولكن من حولك يرونك دائم العكوف عليها، أعلم أنك لا تحب حقًا قراءة الروايات الطويلة بقدر حبك لشيء ينتشلك من هذا الواقع، أعلم أنك لا تحب أن تخلد للنوم إلا مقتولاً من التعب، أعلم أنك تخاف كثيرًا أن تذهب إلى سريرك نصف واع فتقضي عدة دقائق مرعبة تحدق في السقف. أعلم أنك تهرب من نفسك اللزجة، من أفكارك الرديئة، من ذكرياتك العالق ة، من أصواتك الداخلية الصاخبة. نعم، أنا أعلم كل شيء عن أصواتك الداخلية الصاخبة. أعلم نظرة الحزن التي تكسي وجهك في كل مرة تودع أصحابك فيها وأنت عائد إلى بيتك بمفردك، إنها نظرة من ينتظر عدوًا سيفتك به في اللحظة التي ينفرد فيها به بعيدًا عن هؤلاء الذين يقومون بحمايته. أعلم أن أسوأ كوابيسك هي الو حدة، أن ألد أعدائك هو الفراغ، أن أكثر نظرات الكراهية تجدها في مرآتك صباحًا قبل أن تتمرّن على ابتسامتك الواسعة التي ستقابل بها الناس.

عدد الصفحات ٦٧

68 سرعان ما ستفطن يا صاحبي إلى أنك لن تستطيع الفرار إلى الأبد، سرعان ما ستعلم أنك طالما كنت أنت عدوّك فلا يوجد أي ستَ قد يخفيك، أو ظهر قد يجيرك، أو ظل قد يظلّك. سرعان ما ستفطن إلى أن مهاراتك في الفرار سوف تقل، وأن عدوك سوف يدركك على أشد لحظات ضعفك..! سرعان ما ستفطن إلى أن جدراك السميك العازل الذي وضعته بينك وبين العالم سوف يتآكل، سوف يبدأ الناس في التساؤل: هل أنت بخير؟ لماذا تغيرت؟ ماذا أصابك؟ هم لا يعلمون أنه لا يوجد جديد بخصوصك، هم لا يعلمون أنه أنت الذي أصابك..! تصالح مع نفسك يا صديقي. تصالح معها قبل أن تضيع حياتك في محاولات النسيان، وإتقان الهروب، وإدمان لبس الأقنعة. تصالح معها، أنا أعرف أنها ستكون قاسية معك، رافضة لصلحك، غير عابئة بصدق مودتك، ولكنها في النهاية طوع أمرك إن عزمت، وخادمتك إن أنت أردت. تصالح معها فالأمر ليس عسيرًا إلى هذا الحد، إنما هي توبة ودعاء ثم لا تُبال بعدها على أي ضفاف الحزن هبطت. تصالح معها فإنك لن تجد أسفل ورقة التفاهم بينكما إلا خانة توقيع واحدة..!

عدد الصفحات ٦٨

69 كتب رائد الأدب الإنجليزي (هربرت جورج ويلز1904 قصة (وادي العميان وتحكي عن مجموعة من المهاجرين من أمريكا اللاتينية سقطت عليهم انهيارات صخريّة في جبال الإنديز فعزلتهم بشكل كامل عن بقية العالم، ثم انتشر بينهم مرض أدى إلى التهاب أعينهم وفي النهاية أصيبوا بالعمى هم وكل من ينجبونهم، وبعد عدة أجيال صارت هذه المنطقة المعزولة مدينة كاملة كل من فيها عميان ولا يعرفون أي شيء عن العالم، أو يصدقون أن هناك أصلاً شخص يمكن أن يرى شيئًا غير الظلام الدامس . استمر الحال على ذلك حتى سقط في واديهم مغامر بريطاني كان يستكشف الجبال ، وعرف أنه لا يستطيع الخروج من هذا السجن.. في اللحظة الأولى ظن أنه سيكون ملكًا عليهم، إذ إنه الوحيد المبصر وسط العميان.. لكنه فطن بعد ذلك إلى أنهم كانوا يعتبرونه مجنونًا ولم يصدقوا أن هناك نور بالفعل وإبصار وأشياء من هذا القبيل.. في النهاية ولكي يندمج هذا البطل المبصر مع بقية السكان ويتزوج من حبيبته منهم، فكّر في أن يفقأ عينيه، ولكنه تراجع عن ذلك في اللحظة الأخيرة لما رأى جمال أشعة الشمس وعلم أنه لن يتخلى عن هذا بسهولة من أجل حفنة من الأغبياء. لو احتَت في شيء من صفات وأفعال الله عز وجل، فتذكر أن هذا ما هو مفتَض أن يحدث..! فبرغم أن الله هو الظاهر الذي ظهر علينا وظهر لنا بكل شيء، فليس ثمّة شيء فوقه، أو أوضح منه، إلا أنه هو أيضًا اللطيف الباطن الذي لا يوجد ما هو أخفى منه..!

عدد الصفحات ٦٩

70 هذا التباين نجده في المثال الذي ساقه الله عز وجل لنا في القرآن حين يقول: ﴿اللَ ُن ور ُ نَهَاُ َ رْضُِمَثَل ُن ورِهُِكَمِشْكََةُِفِيهَاُمِصْبَاحٌُالْمِصْبَاح ُفُِِز جَاجَةُِالز جَاجَة ُكَأ السَمَاوَاتُِوَالَْْ كَوْكَبٌُد رلٌُُّّي وقَد ُمِنُْشَجَرَةُِم بَارَكَةُِزَيْت ونَةُِلَُ ََُِِْيَةُِوَلَََُرْبِيَةُِ ُيَكَاد ُزَيْت هَُاُي ضِِء ُ ُوَلَوُْ لَمُْتَمْسَسْه ُنَارٌُن ورٌُعَََُن ورِ﴾ .. كوّة في الجدار تسبب تضخيم للضوء وتحميه من التشوّش والتشتت، تحوي بداخلها زجاجة شديدة اللمعان والنقاء كأنها نجم في سماء الصحراء الصافية، والزجاجة تحوي مصباحًا يأخذ وقوده من زيت شديد الصفاء، هذا الزي ت لم يأت من أي شجرة، بل كانت شجرة مباركة في موقع متميز من أشعة الشمس التي لا تغيب عنها مما يؤهلها لإنتاج أفضل الزيتون وأكمله، مما يجعل زيتها نضرًا صابحًا يكاد يضيء بدون حتى أن تمسّه بالنار . مثال تشبيهي رائع..! لا يمكنك أن تتخيل نورًا أنقى ولا أظهر من ذلك النور.. وبرغم ذلك، لا يدرك ذلك النور أي أحد..! فبعد هذا المثال مباشرةً يقول الله عز وجل في نفس الآية: ﴿يَهْدُُِّاللَ ُلِ ورِهُِمَنُْيَشَاء ﴾ .. ليس كل أحد يقدر على رؤية هذا النور إذن..! وبنفس منطق الرجل المبصر في وادي العميان.. لماذا كانوا عميانًا..؟ لأن آلة إدراكهم قد فسدت فلم يروا هذا النور.. فلا تفسدها أنت بيديك عمدًا مأخوذًا بسلطة العميان كي تكون مثلهم، ثم تقول: لا أراه.. بالطبع لن تراه حينها أيها البائس..! أنا حزين فعلاً من أجلك..!

عدد الصفحات ٧٠

71 موقف غير ظريف حدث لـ (ويلي أندرسون) في لندن عام1931 حيث كان في جنازة أمه، وفي أثناء إنزال تابوتها إلى القبر انفجر فجأة في الضحك، حاول أن يكتم ضحكه فلم يستطع، غطى وجهه فظل صوته مسموعًا، لا تنس أنها جنازة الست الوالدة حيث هو محط أنظارالجميع باعتباره صاحب ال يوم، لك أن تتخيل النظرات الوقحة التي وُجِّهت إليه ومصمصة الشفاه من سيدات لندن الأرستقراطية البغيضة.. في النهاية قام من مكانه وجرى خارج الجنازة دون أن يستطيع التوقف عن الضحك، بعدها بيومين مات (ويلي) وبتشريح جثته عرفوا أنه كان يملك ورمًا شريانيًا بقاع المخ والذي انفجر في الجنازة لفرط حزنه، ليضغط الدم على الهيبوثلاموس (تحت المهاد المُخّي ) وتسبب في عاصفة الضحك الغريبة.. يعني في الوقت الذي كان فيه يموت حرفيًا من الحزن على أمه، كان ما رآه الناس منه هو ضحك هستيري متواصل و (قلة أدب) لا ينكرها أحد..! حكى لي أحدهم هذه القصة محاولاً إقناعي أن الظاهر لا يدل على الباطن، وأننا نحكم على الناس بما نراه ولكن لا نعرف ما بداخلهم حقًا ، قلت له أن كل هذا جميل، وأنني حين أجد من يضحك في جنازة أمه فلن أحكم عليه حتى أتأكد من نتيجة تشريح جثته، ولكن هل تسمح لي وقتها لو وجدت الهيبوثلاموس سليماً أن أفتَض أنه قليل الأدب؟! أنا في الحقيقة أكره هذا النصب، وأجد الادعاء الدائم بأن ظاهر الإنسان لا يدل من قريب أو من بعيد على باطنه أمرًا شديد السخافة ..!

عدد الصفحات ٧١

72 نعم، هناك من الناس من تخرج منه أفعال تخالف ما هو عليه بالفعل. هناك من اللصوص من هو أكثر إيمانًا من داخله من آلاف المعممين على المنابر. هناك من الراقصات من هنّ أكثر حبًا لله من المحجّبات . كل ذلك أؤيده، ولكنه خلاف الأصل..! إنها الشواذ التي تؤكد القاعدة والاستثناء الذي خرج من القانون..! ذلك القانون الذي يقضي بأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.. تلك القاعدة التي نص الله عليها بأن (يعمل) مثقال ذرة خيرً ا يره ومن (يعمل) مثقال ذرة شرًا يره .. الحقيقة أنه لو صلح الباطن لصلح الظاهر في أغلب الأحوال، الحقيقة أن من خاف الله حقًا راعى محارمه وتوقف عند حدود معاصيه، الحقيقة أن من أحب الله بصدق امتثل أوامر ربه وفضل ما يحب على محابّ ه هو عند غلبات الهوى.. فحين تقيّم نفسك كإنسان صالح فلا تلتفت فقط إلى ما تظن أنه بداخل قلبك من الإيمان ولكن عليك أن تضع في الحسبان كل هذه البذاءات التي تخرج من لسانك مازحًا، وكل تلك الصور غير اللائقة التي تشاهدها على هاتفك، وكل تلك الملابس الضيقة المقطوعة التي تخرجين بها كي تثيري إعجاب الشباب..! كل ذلك محسوب.. أنت إنسان صالح حين ينتظم ظاهرك وباطنك، حين نكف عن النصب باسم القلب وما يحوي، ونتخفّى وراء إيمان عميق نزعمه، ثم حين نعمل، لا نقوم بعمل المؤمنين..! فمن نحن نخدع؟ الله؟ فالله أعلى وأجلّ..!

عدد الصفحات ٧٢

73 كثير من الناس يظنون أن (كوبرنيكوس) قد أعدمته الكنيسة الكاثوليكية حين خرج بنظامه الفلكي المضاد لذلك المذكور في الكتاب المقدس، ولكن الحقيقة أن كوبرنيكوس قد مات بشكل طبيعي في السنة التي طُب ع كتابه فيها، واشتُهرت نظريته بعد موته.. وبالمثل جاليليو لم يتم إعدامه حين نصر أفكار كوبرنيكوس ولكن تم اضطهاده بشكل شنيع بالطبع، وتمت محاكمته واعتذر هو عن أقواله فيها من وراء قلبه، اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية عن تلك الإساءات لجاليليو في 1992، أي بعد موته بـ 300 عام! يبدو اعتذارًا متأخرًا قليلاً على كل حال..! ربما من تم إعدامه بالفعل وحرقه من قبل الكنيسة هو عالم الفلك والفيلسوف جوردانو برونو، وسبب ذلك على الأرجح كان إنكاره لكثير من العقائد اللاهوتية الكنسية مثل وجود الجنة والجحيم والثالوث وليست آراؤه الفلكية.. العدد الأكبر من الذين نالوا الاضطهاد الكاثوليكي الحقيقي بأبشع صوره من الحرق والتعذيب كانوا من المخالفين في العقيدة مثل محاكم التفتيش التي أعدمت الآلاف من المسلمين والبروتستانت، وأما العلماء التجريبيون فبرغم أن الكنيسة عادت كل نت ائجهم التي أظهرت عوار اعتقادهم، إلا أنهم لم ينالوا كل هذا الكم المشهور من الاضطهاد والتضييق، بل ذ كر لورانس برنسيبيه مؤلف كتاب الثورة العلمية أن معظم العلماء التجريبيين الذين قادوا عصر النهضة كانوا ينطلقون من أساس ديني وإيماني في الأصل..

عدد الصفحات ٧٣

74 في المقابل لو أردنا أن نلقي نظرة خاطفة على الثورة الفرنسية والتي هي علمانية في أصلها ونهجها، نجد أنها أعدمت الكثيرين من المثقفين والعلماء لشك قادة الثورة في انتماءاتهم مثل عالم الفلك باتي وعالم الكيمياء أنطوان لافوزييه، وكان يقول قاضي الإعدامات وقتها: الثورة لا تحتاج إلى عباقرة.. الساسة الملحدون نالوا القسط الأكبر من ذلك التاريخ العدائي مع العلم التجريبي، مثل ستالين الذي حرّم قوانين مندل الوراثية لأنها تعارض الحتمية المادية الذي يؤمن بها، وأعدم نيقولاي فافيلوف من أجل ذلك.. وأما ماو تسي تونج زعيم الصين الملحد وقائد الثورة الشيوعية هناك فقد كان صاحب السمعة الأقذر في معاداة المثقفين والعلماء في الفتَة التي عُرفت باسم الثورة الثقافية، بل وصرّح في اجتماع لحزبه عام 1958 بأنه دفن46 ألف عا وهم أحياء.. وأما كمبوديا في فتَة حكم الملحد بول بوت فقد قامت في الفتَة بين 1976 و1979 بإعدام كل من يرتدي نظارة سميكة خشية أن يكون مثقفًا..! لا تسمح لكل من يكفر بالله عز وجل بأن يتكلم عن (العلم) وكأنه قد اشتَاه من البقالة تحت بيتهم، ويضعك رغماً عنك في خانة المتدين الوغد معادي العلم.. لا تسمح له بأن يقنعك بأن كل ما يتلفظ به هو علمي تمامًا وأنه إنما يتبع التجربة والدليل أينما ذهبا به.. لا تسمح له بأن يتستَ بأفكاره القبيحة خلف ستار العلم الجميل.. وحين ترى من يثرثر بكلام كثير لا يفهمه حق فهمه لأنه قرأ ثلاثة كتب ونصف فاعتبر نفسه عضوًا في نادي المثقفين، فلا تسمح له أخي الكريم حينها بأن يصدق نفسه..!

عدد الصفحات ٧٤

75 تأخذني الجلالة أحيانًا للبحث عمّن فاز بجائزة نوبل كل عام.. في كل مرة أتخيل أ سأسمع عن اكتشافات علمية مثيرة، لكني أصاب بالإحباط حين أجد أن آخر الفيزيائيين حصولاً على نوبل مثلاً كان اثنان بسبب اكتشافهما أن (النيوترينو) له كتلة..! تبًا لك أيها النيوترينو، من أنت؟! وأين عباءة الإخفاء وسيوف الليزر وآلة الزمن..؟! مع التقدم العلمي والتوسع المعرفي اكتشفنا أن المنجزات العلمية باتت أوسع من أن يقوم بها رجل واحد، ربما لأن المعارف قد تشعبت من مرحلة كتاب (الحاوي) النحيل في علوم الطب للرازي، إلى مرحلة (المجموعة الأمريكية في طب العيون) التي تبلغ خمسة عشر كتابًا دسماً تتحدث فقط كلها عن كرة العين الت ي نصف قطرها واحد سم..! كل هذه المعارف كانت مبثوثة في الوجود من دون أن يعيرها أحد اهتمامه لقرون طويلة، والآن نحاول أن (نلملم) ما نستطيعه منها، منذ اللحظة الأولى التي اكتشف الإنسان فيها أنه لا شيء وسط الكون الفسيح، وبعد أن اكتشف صانع نظارات هولندي بالصدفة أنه يمكنه أن (يلعب) بتَتيب العدسات المحدّبة والمقعّرة ليصنع منها تلسكوبًا..! ومع تطور هذه التليسكوبات حتى وصلت إلى تلسكوب كيبلر ثم هابل، نكتشف كل يوم أن هناك المزيد والمزيد من تلك الأجرام الضخمة التي لا نساوي شيئًا بجانبها.. نتعلم كل يوم أن الكون أوسع مما كنا نظن في اليوم الذي قبله..! وأن السبب الوحيد الذي لا يجعلنا نرى المزيد منه هو محدودية آلات فحصنا نحن..!

عدد الصفحات ٧٥

76 في المقابل، وبعد أن اكتشف (هوك) الخلية الحية واكتشف (ليفنهوك) الأجسام الصغيرة التي تسبح في الدم، بدأ العلماء يدركون أن هناك المزيد والمزيد مما لا نراه في أجسامنا، نظرنا بالمجهر الضوئي، فوجدناه غير كاف ، نظرنا بالمجهر الإلكتَوني فوجدنا أننا لن نشبع أبدًا..! هناك دائماً أجزاء صغيرة تتكون من أجزاء أصغر، وهكذا، إلى أن نصل إلى الذرّات الكيميائية البسيطة فائقة الصغر والتي لا نستطيع أن نرى ما بداخلها، ولكن فقط ندرك وجود البروتونات والإلكتَونات من تأثيراتها الكهربية، وفي العصر الحالي فإن أقصى ما وصلنا إليه هو (الكواركات) التي تكون هذه البروتونات.. ماذا يوجد داخل الكواركات؟ بالتأكيد عالم آخر أوسع مما نظن..! من جديد يدرك الإنسان أن هناك عالمًا أوسع بكثير من أن يستطيع أن يحيط به لأن آلاته ليست بالقوة الكافية. الوجود غير متناه بالنسبة إلينا، وهو واسع للغاية على (مقاساتنا)..! أكبر منا بكثير أو أصغر منا بكثير.. لابد إذن أننا جزء صغير في مكانة متوسطة من هذا العالم الواسع..! وما نراه منه هو وسيلة لإثارة دهشتنا بتخيّل كم ما لا نراه. نحن هنا نشاهد في الوجود صفة الله (الواسع) الذي يسع كل شيء برحمته وبعلمه وبقدرته وبإدراكه..! إنها رسالة إلى كل من يحصر صفات وأفعال الله الواسع في حيّز محدودية التصور الإنساني، رسالة إلى كل من يحصر طريقه الواسع في حيّز رؤيته الشخصية لهذا الطريق، رسالة لكل من يحصر جنته الواسعة على مجموعة ضيقة من البشر، رسالة لكل من يتخيل نطاقًا ضيقًا لرزقه وفضله الواسعينْ.. رسالة تقول: ﴿إِنَيُُالْفَضْلَُ ُبِيَُدُُِاللَيُِ ُي ؤْتِيهُُِ مَنُيَشَاء ُ ُوَاللَي ُُوَاسِعٌُ ُعَلِيمٌ،ُيََْتَص يُ ُبِرَحَْْتِهُِ ُمَنُيَشَُ اء ُُوَاللَي ُُذ وُالْفَضْلُِ ُالْعَظِيمُِ ﴾..

عدد الصفحات ٧٦

77 لا أدري ما مشكلتي مع الكاميرا، لا يوجد بيننا عمار بشكل عام..! عادةً أكون في وضع مثالي تمامًا للصورة، وأتأكد من أن ابتسامتي وسط ما بين (أنا ثقيل الظلّ لا أضحك) وبين (أنا أبله وسعيد جدًا).. ثم أتأكد من أن ملابسي مضبوطة، بحيث لا تطلّ برأسها أي ملابس وقحة غير مرغوب فيها من تحت عنق القميص.. تواجهني بعد ذلك مشكلة في وضع يدي، في النهاية أقرر أن أنسب وضع لها أن أجعلها تنسدل بشكل مستقيم بجانبي، وضع دبلوماسي محايد جدًا ، وهكذا أكون مستعدًا لضغطة الكاميرا بلا مشاكل .. ثم تظهر الصورة لأُفاجأ بكائن سمج لزج، خفيف سخيف.. وبالطبع هناك بالفعل ملابس غير مرغوب فيها تطل برأسها من تحت عنق قميصي..! بعد عدة محاولات فاشلة، فهمت أن الكاميرا تكرهني لسبب أو لآخر، وبقي أن أبحث عن سبب هذه الظاهرة الغريبة.. فكرتُ أن السبب أني لا أحب الادعاء وأكره ألا أكون على طبيعتي، لكني فطنتُ إلى أن هذا تفسير متعجرف جدًا ، وأنه يعني أنني أذكى من أن تكون صوري جميلة..! في النهاية فهمتُ أنني بالفعل أبدو على طبيعتي في الصور، لكن ما يزعجني فعلاً هو شكلي الطبيعي الذي يراه الناس طوال الوقت ولكني وعلى خلاف الآخرين لم يتسن لي الوقت الكافي لاعتياده..! بينما لا أجد أي غرابة في صورة صديقي، هذا وجه معتاد تمامًا بالنسبة لي، وأفهم كل تفاصيله، وأدرك على الفور ما الحرسرن فيه وما هو على غير ما يرام..!

عدد الصفحات ٧٧

78 الحل الوحيد حتى أمتلك نفس الذاكرةالبصريّة لوجهي هو أن أنظر في المرآة أكثر مما أنظر إلى العالم الخارجي، وقد علمتني قصة سنو-وايت أن هذا تصرف غير صحي. مشكلة أخرى للكاميرا أنها متعلقة بالشكل الخارجي فقط، و لم يختَعوا بعد للأس ف الكاميرا التي تصوّر الوجه الحقيقي للإنسان، المتعلق بالسلوكيات أو الأ خلاق..! لو تخيلنا أنهم فعلوها، فإنك ستفاجأ بنفس الظاهرة وربما بشكل مضاعف.. تنظر إلى الصورة التي يبدو فيها مقدار جشعك للمال، فتَى صورة تاجر البندقية اليهودي ينظر للكاميرا في ريبة.. والصورة التي تظهر مقدار صدقك ستدهشك غالبًا بأنف ب ينُوكيروي طويل..! ستبدو الصور الخاصة بك غريبة وستبدو صور أصدقائك طبيعية ومعتادة، لأننا لم نعتد أن ننظر إلى سلوكيات أنفسنا بنفس المقدار الذي ننظر به في سلوكيات الآخرين..! وعلى خلاف الوجه المادي، فإن حل المرآة مناسب جدًا، أن تعتاد النظر في هذه المرآة أكثر بكثير من المعتاد..! مرآة من نوع خاص، تجعلك ترى صورتك الحقيقية كما يراها الناس.. لن يكون هنا ك إذن المزيد من مفاجآت الكاميرا ، لن تكون هناك مساحة اختلاف مثيرة للجدل بين ما تراه أنت وما يراه الناس.. هذه المرآة تضمن لك أن تعتاد وجهك الحقيقي، فتفطن لأقل تغيرّ غير محبب للنفس.. تضمن لك ألا ينفر منك أحد دون أن تعرف السبب.. هي مرآة رائعة إذن..! وككل شيء رائع عرفناها أيضًا من النبي ﷺ حين قال: "المُؤْم نُ م رْآةُ أرخ يه المُؤْم ن ".. فهل ستَفض نصائح هذه المرآة..؟!

عدد الصفحات ٧٨

79 عبور ذلك الحاجز الشفاف الموضوع بدقة بالغة بين مرحلة (الشباب النفسي) وب ين (الكهولة النفسية)، هذا العبور لا تفطن له في البداية ولكنك تفاجأ بعد التغير رقم 36 أنك لم تعد نفسك بشكل كامل..! بعض هذه التغيرات حسن وبعضها قبيح وبعضها يقع على أعراف الحسن والقبح..! مرحلة الكهولة النفسية تشعر بها حين تدرك أنك لم تعد تفضل مشروب (الشيكولاتة الساخنة) كثيرً ا، وأنك بدلاً من هذا بدأت تفهم كيف تتلذذ بالينسون والقرفة..! حين تبدأ في تفضيل طبق القلقاس الكلاسيكي على شريحة البيتزا الإيطالية..! وتدرك أن السروال الكتاني أكثر أناقة من الجينز..! حين تحس أن الاختلاط بالناس بات شيئً ا (لابد منه) بعد أن كان (مرغوبً ا فيه).. حين تتعلم كيف تحب إخفاء رأيك السياسي في الجلسات العامة، أو تفضل الاستماع قبل الكلام، والشراء قبل البيع..! حين يتغير نمط قراءاتك، فتبدأ في التلذذ بالكتاب الدسم المعقد عن ذلك الكتاب البسيط الواضح..! حين تبدأ في الاهتمام بأقوال ابن عباس في الآية أكثر من أقوال ابن عاشور..! حين تبدأ في النفور الطبعي من المبالغات وأصحابها، وتبدأ في التشكك من ذلك الذي يبدو واثقً ا في رأيه أكثر من اللازم..! حين تشعر أن راحة أعصابك في قريتك الريفية ذات حقول البصل وفدادين النخيل أكثر من تلك التي تنالها في المدينة الساحلية الكبيرة..!

عدد الصفحات ٧٩

80 حين تتعلم كيف تجتنب مواطن الجدل لأنك تعلم أنها تنتهي دائما بانتصار الطرف وبخسارتهما أيضا..! حين تفهم أن علاقتك بالناس أهم كثيرً ا من المواقف العابرة فتتعلم الانتظار قبل أن تخرج منك الكلمات الجارحة التي تتَك جروحً ا لا تندمل..! حين تكون قد أخذت بعض دروس الحياة، وتنتظر في قلق باقيها.. حين يمتلئ غلاف قلبك الداخلي بالكثير من الندوب والعلامات التي أحيانا تعبر عن أناس وضعوا على شفتيك ابتسامة، وأحيانا يضعون الدموع.. تعبر عن آمالك الخائبة، وعن نجاحاتك غير المتوقعة.. تعبر عن ذكرياتك السعيدة وتلك التي كانت مؤلمة أكثر من اللازم.. تعبر عن مفاجآتك بالكثير من البشر، ومفاجآتك أكثر بنفسك أنت..! نعم، بالفعل هي مرحلة أكثر نضجً ا من التي قبلها، ولكنها أيضً ا أكثر حزنً ا، أكث ر شيخوخة، أكثر حذرً ا، أكثر خوفً ا بما لا يقاس. مرحلة تذكرك بأنك لست متحكماً في نفسك ولا ذاتك.. بل أنت بذاتك تتغير. فكيف لا تؤمن أنك مفطور على الحاجة، مقهور على الضعف، مجبور حين تنكسر، مكسور حين تتجبر، مسرور وقت الطاعة، مستور وقت العصيان..؟! كيف بعدما ترى المتغيرات من حولك، وترى كل شيء يركب طبقا آخر بعد طبقه.. وتعرف أنك نفسك من الآفلين، كيف لا تؤمن بعد ذلك بدوام وجه رب العالمين..؟! ﴿فَلََُ قْسِم ُبِالشَيفَقُِ أُ*ُوَاللَييْلُِوَمَاُوَسَقَُ ُ* وَالْقَمَرُِإِذَاُاتَيسَقَُ ُ*ُلَتَْْكَب َيُطَبَقًاُعَنُْطَبَقُِ ُ*ُفمَاُلَه مُْ لَُي ؤْمِن ونَُ﴾..؟!

عدد الصفحات ٨٠