المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ٤ من ١٥

49 أول هذه الأخطاء أنه أساء تقدير القدرة الاستيعابية للأرض، فحسب مالتوس مثلاً يمكن أن تستوعب الجزيرة البريطانية أكثر من عشرين مليون إنسان.. بينما بعد صدور كتابه بمئة وخمسين عامًا استوعبت الجزيرة البريطانية ثلاثة أضعاف هذا العدد.. الخطأ الثاني كان الافتَاض القائم على أنه طالما نحن نزداد في العدد الآن فسنظل نزداد إلى ما لا نهاية حتى يأكل بعضنا بعضًا..! علماء الإحصاء الآن يتحدثون عن نظرية بديلة، فكما يقول عالم الإحصاء السويدي (هانز روزلينج) فإن هناك انخفاضًا شديدًا حدث بالفعل في أعداد المواليد منذ 1980، والسبب الذي يجعلنا لا نشعر بهذا الانخفاض، بل نشعر بالزيادة، أننا نعيش الآن ما يسمّى بالفجوة الإحلالية الكبرى، وسببها انخفاض معدل الوفيات.. وهذا سيؤدي بنا إلى الوصول إلى رقم عشرة مليارات ومن ثمّ يغلب الظن أن عدد البشرية سيثبت ويتوازن تقريبًا على ذلك خلال الثلاثين سنة القادمة. على أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه مالتوس في توقعاته، أنه توقع الزيادة الغذائية ستكون بطيئة خطية تزداد بشكل أفقي فقط رغم أن التطور الكبير الذي حدث في التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية فيما يعرف باسم الثورة الزراعيّة أتاح للبشرية أن يحصلوا على أضعاف الإنتاج الغذائي من نفس المساحة الزراعية..! على سبيل المثال اجتاحت أيرلندا في أربعينيات القرن التاسع عشر مجاعة رهيبة كان سببها أن فطرًا أصاب البطاطس بـ (اللفحة)، هذه المجاعة عُر فت باسم (مجاعة ال بطاطس)، نتج عن هذه المجاعة موت مليون أيرلندي وتهجير مليون آخر..! أي فقدت ربع سكانها

عدد الصفحات ٤٩

50 مرة واحدة.. وتسبب هذا في تغيير فاصل في تاريخ أيرلندا، بسبب هذه اللفحة..! بينما تمكن العلماء مؤخرًا باستخدام (البيوتكنولوجي) من أن ينقلوا جينًا من البرسيم إلى البطاطس يجعلها مقاومة لهذا الفطر، وهكذا تم ببساطة الحفاظ على المحصول..! هذه تجربة شبيهة بنقل الجينات المسئولة عن تكوين (البيتاكاروتين) إلى الأرز فيجعله غنيًا بفيتامين أ مما يكفي لتحصين الكثير من أطفال دول العالم الثالث من العمى.. وهذا غير التهجين الطبيعي الذي جعلنا نتعرف على سلالة القمح الصلد مثلاً (الذي تفصل منه قشوره بسهولة والذي يصنع منه المكرونة)، ثم تهجين آخر نتج عنه قمح الخبز العادي الذي نأكله ويعطي لعجينة القمح الخصائص المتفردة فنصنع منه المخبوزات. عندما وصل العالم إلى حدود فوضويّة في ظنهم اكتشفوا أنهم كانوا فقط على أعتاب طفرة جديدة من التوازن الإلهي الذي أقرّه الله عز وجل على هذه الأرض.. هذا التوازن الذي يتغلغل كل شيء في هذه الحياة بدءًا بأعداد الأحياء والأموات على الأرض وقابليّتها لاستيعاب الناس جميعًا: رْضَُكِفَاتًاُ لَمُْنََْعَلُِالَْْ َ ﴿أ*ُحْيَاءًُ َ أوَُمْوَاتًا﴾ َ أ.. وانتهاءً بالتوازن في كميات النباتات والزروع: نْبَتْنَا َ ﴿وَأُفِيهَاُمِنُُْك لُ ُشََْءُِ ُمَوْز ونُِ﴾..! الإنسان الأحب إلى قلبك سوف يموت، والجمال الناضر في وجه حبيبتك سوف يذبل، والعزيمة المتقدة بداخلك قد تنكسر قريبًا مع موجة فشل أكبر من قدرتك على الث بات. ملابسك الجديدة البرّاقة سوف تبلى ألوانها، الألوان في حد ذاتها خدعة من الضوء الذي هو

عدد الصفحات ٥٠

51 في حقيقته أبيض، اللون الأبيض سوف يتلوث بذنوب الصدّيق . الصدق سوف تنساه مع خطايا الزمان، والزمان سوف يتبدل وسوف يبدلك معه . الحياة سوف تخدعك مجددًا، والخدع لن تكون بهذه المهارة. مهاراتك أقل في الحقيقة من أحلامك، أحلامك قد تنحصر في حلم واحد من شدة يأسك، وهذا الحلم الواحد قد لا يتحقق أبدًا، وحين تبكي قد يطلب منك الناس أن تخفض صوت بكائك لأن بهم ما يكفيهم. براءتك سوف تتلوث مع الأماني المحرّمة، المحرّمات سوف تصبح أكثر لذة مع إيمانك الضعيف، الضعف سوف يصل إلى صحة والديك، وحين تتناقص أيام صحتهما سوف تدرك أن كل ما مررت به من الأحزان لم يكن شيئًا، وأن الحزن الأكبر سوف يبدأ بعد قليل. على عتبات المستشفيات سوف تموت أمانيك الصغيرة، على أبواب المقابر سوف تتوارى في خجل كل أحزانك التافهة، والتفاهة في حد ذاتها سوف تفقد معناها. المعاني سوف تدور حول رأسك للأبد عاجزة عن الدخول، عاجزة عن الخروج. سوف تقضي بقية عمرك على حدود المادة والمعنى، ليس لديك من المادة ما يكفي كي تنغمس فيها، ليس لديك من المعنى ما يكفي للزهد في الحياة. الحماسة سوف تبرّدها رياح الممكن القادمة من جهة لم تشملها الجهات الأربعة المعتادة، والممكن نفسه لربما يضيق مع الأيام. الأيام سوف تمر إلى أن تنتهي، النهاية سوف تأتي في آخر المطاف . المطاف متعب لقدميك، قدماك سوف تؤلمك في آخر ا ليوم حين تعود إلى سريرك متعبً ا من عناء العمل، والعمل لن ينتهي. النهاية لن تكون نهاية سعيدة، ولا حتى مفاجئة، النهاية حرقتها مئات الحكايات من قبلك . حكايات أفراحك ستصبح مملة بعد

عدد الصفحات ٥١

52 فتَة، وحكايات أحزانك س وف تصبح أكثر مللاً . الملل سوف يعتادك ثم يحبك، ا لحب سوف يعذبك ثم يموت، الموت سوف يكون بعد كل هذا هناك دائماً في انتظارك . لا تُبال بالصغير من الأشياء إذن، لا تُبال بمن رمقك بنظرة استهزاء أو ألقى إليك تعليقًا سخيفًا في لحظة كنت تتشكك فيها عن ذاتك، لا تُبال بذاتك كثيرًا . لا تُبال بمدى رضاك عن نفسك، أو بذكرياتك عن الفشل، أو حجم انكساراتك هذا الصباح، لا تُبال بالانكسارات في وسط روعة الصباح. لا تُبال بالمواقف المحرجة التي تعرضت لها بالأمس، أو بالمواقف البطولية التي خضتها بالأمس. لا تُبال بأي شيء حدث بالأمس، لا تُ بال بالغد أيضًا، أتعلم؟ ولا حتى باليوم! لا تُبال بالزمن وتقسيماته وأفعاله، لا تُبال بظروف المكان والزمان والأحوال ولا بالمفعولات المطلقة. لا تُبال بسعادتك قصيرة العمر ولا بأحزانك الأقصر عمرًا . لا تُبال بالألم، لا تُبال بالشفاء كذلك. لا تُبال بالانتصار، لا تُ بال بالهزيمة، لا تُبال بأن تبالغ، ولا تُبال بأن تتقلل. كن بسيطًا في لحظتك الصغيرة بهدوء روحك الساكنة وبسمة من يعلم ألاّ شيء يس تحق العبوس لأنه لا شيء يستحق الابتسامة..! باستثناء الـ (السوشي) لا أظن أن هناك أية كلمات يابانية أخرى نحفظها غير هيروشيما وناجازاكي، من ذا الذي لم يسمع عن قنابل أمريكا النووية..؟ التي لم يكن لها داع فعلاً إلا

عدد الصفحات ٥٢

53 فرض الرعب والهيمنة، وبنفس منطق البلطجي الذي يلوّح بالـ (سنجة) في المطريّة..! إنها الإبادة الشنيعة التي قام بها طيار أمريكي بضغطة زرّ ليتسبب بموت مائتيْ ألف ياباني . غير أننا لم نسمع غالبًا عن مدينة (نانجن ج) الصينية التي اجتاحها اليابانيون أنفسهم وقبل أعوام قليلة من تاريخ القنبلتين الشهيرتين، ليقوموا بقتل ثلاثمائة ألف إنسان..! هذه المرة كان القتل بالرصاص والسونكي حيث تتلاقى عينك بعين قتلاك دون أن تعبأ بذلك..! الجريمة أبشع بلا شك، خصوصًا لو عرفت أنها من أشهر المذابح التي ارتبطت بالاغتصاب في التاريخ، حيث تم اغتصاب عشرين ألفًا في اليوم الأول فقط. احتفط التاريخ بمذبحة (نانجنغ) وغيرها من مذابح اليابانيين في سجلاته المخفيّة حيث لا يتذكرها أحد تقريبًا، وبنفس الطريقة التي احتفظ بها بسجلات قتلى (ستالين) في الحرب العالمية الثانية التي فاقت ضعفي عدد قتلى (هتلر)، لكن بالطبع الكل يعلم أن هتلر مجرم حرب سافل قد نال جزاءه، بينما ستالين استمر في حكمه إلى أن مات على فراشه بجوار زجاجات الفودكا وتشييعات الملايين من محبيه بأعينهم الدامعة. ماذا عن (ماو تسي تونج) الذي قتل ستين مليون إنسان من أجل إقامة الثورة الشيوعية في الصين..؟ لم ينل هذا الوغد جزاءه أبدًا إلى أن مات. .! وماذا عن جنكيز خان وهولاكو وفلاد المُخوزق وكاليجولا ونيرون، وغيرهم من معاتيه التاريخ الذين نشروا الدماء في كل مكان ومات معظمهم على فراشه بسلام لم يعكّره عليهم أحد .

عدد الصفحات ٥٣

54 التاريخ لا يرحم أحدًا فعلاً لكنه لا يمانع أحيانًا في الواقع من أن يسجل كل شيء غرفة مكتبه الخاصة بسجلات باهتة لا يطّلع عليها أحد..! العدل - ككل شيء في هذه الدنيا - ناقص بحق..! والذين يفلتون من العقاب أكثر من أن نحصيهم. لم يتسنّ لك أبدًا الانتقام من ابن العميد الذي أخذ مكانك في الجامعة، ولا بائع الفاكهة الذي باعك البطيخة البيضاء، ولا سائق سيارة الأجرة الذي سبّ أمك ثم لاذ بالفرار..! لم يُقتصّ أبدًا من المسئول عن شهادة البكالوريوس التي حصل عليها ابنك دون أن يتعلم حقًا، ولا عن مياه النيل التي قتلت أباك بالفشل الكلوي، ولا عن دخان قشّ الأرز الذي تقضي كل عام بسببه شهرًا في صداقة دائمة مع السعال.. ول ربما لا تستطيع أن ترى بعينيك نهاية أي سفّاح من حولك، وما أكثر السفّاحين من حولك..! مظالم الدنيا من حولنا بشعة، ربما أبشع من أن يتحملها المرء في كثير من الأحيان..! إنها مرارة القهر، ودموع الحسرة، والرغبة العارمة في الانتقام، والحاجة الصادقة للقصاص، ونظرات العين المنكسرة في صمت بليغ..! إنه جوع قارص، وظمأ قاتل.. وككل ظمأ في الدنيا هناك ما يرويه ويشبعه.. هناك في مكان ما، أو زمان ما، هناك عدل كامل، هناك انتقام جبار، هناك قصاص نافذ..! ﴿الََْوْمَُ ُتُ ْزَى ُ ُك يُُنَفْسُِ ُبِمَاُكَسَبَتُْ ُلَُ ُظ لْمَُ ُالََْوْمَُ ﴾.. لا ظلم هناك، في ذلك اليوم..!

عدد الصفحات ٥٤

55 امتلأت الثقافة الشعبية الغربية بقصص ألواح التوراة، وصارت مادة خصبة للخيال نسج الأساطير حولها، نحن أمام الكتاب الوحيد الذي تواتر للبشر نزوله من السماء مكتوبًا كما هو، هذه قدسية خاصة بالتأكيد. تحدثوا عن أن هذه الألواح تحتوي أسرار المخلوقات الأخرى الغيبية من غير البشر، أو أنها تحدد بوضوح موعد القيامة، وأنه ليس لأي أحد أن يقرأها. ربما كانت من هذه المبالغات الخيالية ما وصل إلينا عن بعض التابعين من أخبار إسرائيلية واضحة أن هذه الألواح كانت تزن سبعين بعيرًا وأنه لم يطلع عليها إلا أربعة منهم موسى وعيسى عليهما السلام.. الله أعلم بحقيقة هذه الألواح، إلا أن أقل ما يمكن أن نتفق عليها أنها بالفعل مميّزة..! مما ذُك رر لنا في القرآن من ميزاتها هي أنها تحوي تفاصيل كل شيء، كما قال عز وجل: لْوَاحُِ ﴿وَكَتَبْنَاُلََ ُفُِِالَْْ ُمِنُْك لُشََْءُِمَوْعِظَةًُوَتَفْصِيلًَُلِكُ لُشََْءِ﴾ حتى قيل إنها كانت سبعة أجزاء رُف عرت ستة منها لما ألقاها موس ى عليه السلام في لحظة غضب حين رأى قومه يعبدون عجلاً سمينًا لمجرد أنه له خوار ..! قيل إن هذه الأجزاء الستة المرفوعة كانت تحوي تفاصيل كل شيء فعلاً، وإنما بق ي السبع الأخير فقط الذي يحوي المواعظ والأحكام.. على أن الأرجح عند الكثير من علماء التفاسير

عدد الصفحات ٥٥

56 أن هذا غير صحيح، لقد برق يرت ألواح التوراة كاملة مع موسى عليه السلام، وكانت تحوي تفاصيل كل شيء بالفعل كما ذكر القرآن، ولكن ليس بالمعنى المتبادر للذهن من كلمة (كل شيء)، بل المقصود كل ما ينفع بني إسرائيل من المواعظ والأحكام..! على هذا المعنى فالقرآن الذي بين أيدينا يحوي كل شيء أيضًا، بل وأكمل وأنفع.. اللهم إلا أنه قد يكون أقل في تف اصيل تقرير الأحكام التي جعل الله عز وجل لنا فيها مجالاً للاجتهاد في أمة محمد ﷺ لم يكن موجودًا مثله عند بني إسرائيل، وهذه رحمة إلى الأمة التي ستبقى حتى آخر الزمان بكل ما يشهده من تغيرات وتطورات تستدعي الاجتهاد وتستدعي الأحكام الواسعة التي تدل على أن هذه الأمة قد أوتيت مع كل عسر يُسررين .. لذلك فتفاصيل القرآن أبعد ما تكون عن الحشو الفارغ والاهتمامات الدنيا..! كمثال على ذلك انظر إلى قصص موسى عليه السلام.. 136 مرةهي عدد مرات ذكر اسم نبي الله (موسى) عليه السلام في القرآن.. ورد ذكره في 34 سورة من القرآن..! أي تقريبًا ثلث سور القرآن.. ومع ذلك أنت لا تستطيع أن تعرف إن كان له من الإخوة أحد غير هارون وأخته التي راقبته من بعيد.. لا تستطيع أن تعرف إن كان وُل در له من الأولاد أحد، أو عماّ إذا كان غنيًا أو فقيرًا.. لا تستطيع أن تعرف ماذا كانت مهنته بعد أن خرج من مدين، أو ماذا كان لباسه المفضل، أو كم تزوّج من النساء .. القرآن يعلمنا إذن أن نحرص على ما ينفعنا، وأن الله يحب من الأمور معاليها ويكره سفاسفها، وأنه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه..!

عدد الصفحات ٥٦

57 البرتقال والمطر والقدرة على لبس أي شيء متخلف تحت المعطف قبل الخروج هي الأشياء الوحيدة التي أحبها في الشتاء.. صحيح أن البرتقال قد تم نفخه بمواد كيماوية غامضة، والأمطار تصل إلينا ملوثة بشكل مستفز، والشمس تستعيد صحتها ظهرًا بشكل مفاجئ فتجعلك تكره حياتك بهذا المعطف الثقيل والذي لا تستطيع خلعه لأنك تلبس تحته أشياء متخلفة كما اتفقنا..! لكن في الجملة هذه الأشياء الثلاثة محببة إلى نفسي فعلاً .. وفيما عدا ذلك فأنا أكره بعنف كل ما يتعلق بالشتاء. غير أني أكره الصيف أيضًا..! في الواقع أنا أكره بدايات كل منهما حين تضطر إلى تغيير أسلوب حياتك بالكامل بعد أن تعودت عليه أخيرًا.. ! تغير موعد نومك، واستيقاظك، ومشروبك المفضل، والملابس المعلقة وراء الباب. ما يثير الإعجاب حقًا أن كل هذه التغيرات التي يضطر كل منا إلى صنعها بحياته كانت نتاج تغير زاوية ميل أشعة الشمس على أحد نصفي الكرة الأرضية..! فقط زاوية الميل تصنع بنا كل هذا..! قانون واحد بسيط صغير أودعه الله عز وجل الكون وقت خلقه.. ولكنه يتحكم في كل شيء يتعلق بك..! عندما تسمع عن الراكب المسكين الذي غرقت به سفينته في عرض البحر فمات ظمئًا على قطعة خشب طافية، فتذكّر مدى قوة قانون مشاكس صغير كقانون الذوبان والذي جعل ملايين الأمتار المكعبة حوله من مياه البحر الذائب فيه الملح غير صالحة لإرواء عطش

عدد الصفحات ٥٧

58 من يحتاج إلى كوب واحد..! عندما ترى ممثلة كانت تخلب لب الرجال، وقد بلغت من العمر المئتين من السنين وقد صار وجهها يخيف صغار السن وكبار السن ومتوسطي السن، فتذكّر حينها مدى فاعلية وثبات قانون الشيخوخة ا لذي سنه الله تعالى في خلقه..! حاول أن تلحظ بسمة قانون الجاذبية المتشفية في هاتفك الجديد بعد تهشمه على الأرض.. أو تلحظ النظرات الشريرة على وجه قانون القصور الذاتي بعد أن تسبب لتوه في قتل شاب نسي حزام أمانه.. أو تلحظ روعة قانون الغليان في كوب الشاي الممتع..! تشتَك هذه القوانين وغيرها في أنها ثابتة لا تتغير بالظروف، وقوية لا تتأثر بالعواطف.. محكمة في الصنع، وبسيطة في الطبع.. لن تظلمك ولن تحابيك، لأنها ببساطة لا تعرفك أصلاً ولا تهتم بك.. هي قوانين لطيفة وغير مؤذية إن تعلمت كيف تتعايش معها، وخطيرة جدًا وقاتلة إن قررت تجاهلها أو الاستهانة بها. الجميل أن سنن الله عز وجل في شرعه وأمره تشبه سننه في خلقه.. هي أيضًا ثابتة وقوية ولا تتغير ولا يُنصرح أبدًا بتجاهلها ..! الظالم لن يهنأ، والكاذب لن ينجو.. العاصي في شقاء، والطائع في أمن واهتداء.. عاق والديه سيراها في أولاده، والسارق سيراها في بركة ماله.. هدايات القرآن باقية، وأنوار الصدقة ساطعة، والداعي لا يُردر صفرًا ..! مئات القوانين في شرع الله وفي خلقه، وجميعها ثابت، وجميعها بسيط، وجميعها محفوظ..! لن تتبدل هذه السنن إلى شيء مغاير، ولن تتحول إلى أناس آخرين..! ﴿ِدَُ فَلَنُتَُُلُِس نَيةُِالُِ ِدَُلِس نَيةُِالُِتََوِيلًَُ تَبدِيلًَُوَلَنُتَُ ﴾..!

عدد الصفحات ٥٨

59 اختزلوا يا سيدتي كل ما في داخل رأسك من الفكر، كل ما بروحك من الأحلام، كل ما بنفسك من ترددات الظن واليقين وتخبطات الخوف والسرور وصراعات الوحدة والزحام، اختزلوا كل ذلك في وجهك الجميل، ثم صنعوا منه واجهةً لبيع سلعهم الرخيصة . معجون أسنانهم عليه وجهك المبتسم، مسحوق غسيلهم عليه وجهك المتعب بالغسيل، ألبان أطفالهم عليه وجهك وأنت أم، وفي جانب لافتة دعاية ذلك الطبيب الباطني هناك وجه كبير لك ليس له معنىً في دعايته إلا جذب اهتمام المارة الذين يحبون النظر إلى وجوه النساء الجميلات..! بالمناسبة يا سيدتي كم ممثلة سينما تعرفينها غير جميلة ؟ هل ترين يا سيد تي في كل هذه الوجوه على الدعاية الاستهلاكية من وجه قبيح، أو متوسط الجمال، أو ملئ بالبثور وحبوب الشباب؟ هل رأيت على أحد صور الدعاية لشركات الملابس صورة فتاة بدينة، أو نحيفة، أو فارعة الطول، أو شديدة القصر؟ لا، لابد من أن يستخدموا صورة الوجه الملائكي والجسد المثالي ونسب الجسم المتوازنة بإتقان. لابد أن تشعري بالنقص في حضرتهم إن لم تكوني مثل هؤلاء النساء الجميلات اللاتي لا يأبهون إلا لمثلهنّ..!

عدد الصفحات ٥٩

60 لقد علموك يا سيدتي ألا ترضين عن نفسك، ألا تحبين وجهك غير المثالي، ألا تسا جسدك غير الرشيق، لقد علمك البشر أنهم لا يأبهون بجمال روحك بقدر حبهم للجمال الذي يرونه هم منك . صرت في حالة يرثى لها حينها، تخرجين إلى الشارع فنرى نحن كل هذه المحاولات منك لإظهار كل شيء جميل لديك تحبين إظهاره، لربما لا يتعلق الأمر فقط بحب جذب أنظار الشباب، لربما لا يتعلق الأمر فقط بحب إثارة غيرة بقية الفتيات، لربما أنت تحتا جين أن تشعري بالكمال الذي تعلمت أن هذه هي طريقته الوحيدة. البشر ظالمون، البشر سطحيون، البشر سينبذون من كان رزقها أضيق من مقاييسهم الخاصة، وسيعيبون من كان جوهرها أجمل ما فيها. البشر أغبياء يا سيدتي. الله عز وجل ليس مثلهم، الله لا ينظر إلى وجوهنا ولا إلى صورنا ولا إلى أرقامنا على الميزان، الله عز وجل ينظر إلى ما نكونه نحن حقًا، إلى تلك الكينونة العميقة التي نحملها بداخلنا ونتحسر حين يرى الناس منا قبحنا لأننا نعلم أن ما نحن عليه فعلاً أجمل مما يبدو لهم، ونقول: يا ليتهم يعلمون. ولكن الله يعلم..! الله يا سيدتي أجمل منهم.

عدد الصفحات ٦٠

61 مهما كان المركز الذي يحتله الطعام في قلبك، ومهما كان الرقم الذي يظهر لك ع ميزانك، فإننا جميعًا وبلا استثناء قد جربنا تلك اللحظة المريضة التي نتعرف فيها على لؤم الجوع حقًا، ونعرف لماذا أجمع الناس على تكفيره..! حينها لو خلوْ ت بطبق تشتهيه من الطعام تذوق أجمل معاني الحب.. إنها العاطفة الصافية التي لم تلوّثها الضغائن ، والعشق المجنون الذي كان سيجعل قيسًا يخجل من فشله . وبعد أن تنتهي المذبحة، وتستلقي على الأريكة بزاوية 14ْ لتساعد حجابك الحاجز على القيام بعمله وإبقائك على قيد الحياة.. حينها لابد أن تفكر في عدد الملايين من البشر الذين يعانون في هذه اللحظة بالذات مما كنت تعاني منه قبل عدة دقائق..! وكم يا ترى تكون نسبة من سيحصلون على مثل هذا الطبق العزيز من هؤلاء..؟! تكبر قليلاً وتراقب في سعادة مغتاظة، أو حزن مستلذ، زميلك الذي كان يجلس بجانبك في درس الكيمياء، وهو يسير بجانب كائن منفوخ البطن، ويحمل كائنًا آخر منفوخ الخدود وأنت لم ترزق بأي شيء من هذا بعد.. فتسعد له وتغتبط، ولكنك أيضًا تتأثّر وتتذمّر، وتحُ برط وتتحسرّ..! يجعلك هذا تفكر في حال الذين زاروا ساحل الأربعين من العمر، ولمّا يُرزرق وا بعد.. وهكذا... في كل مرة تذوق نوعًا من الألم، تفطن إلى حجم خزانة هذا الألم من حولك، تفطن إلى معنى جديد من معاني المعاناة، وهي أن تعاني من كثرة ما تراه من المعاناة..! أن

عدد الصفحات ٦١

62 ترى هذا وذاك من المبتلينْ فتشعر بالحزن لحز نهم، وتتمنى لو كان بإمكانك أن تشتَي فرحتهم بكل ما تملكه. لو صارت أصوات البشر من حولك تتناغم وتتآلف وتخُتصرر في صوت واحد، لسمعت صوتًا يشبه في بعض جوانبه صوت الأنين. الأنين هو صوت المحرومين.. هو صوت المحتاجين.. هو صوت ذلك الذي لا يجد ما يحتاجه من مال، وتلك التي لم تكن دنياها على مستوى حلمها.. صوت الشاب الذي لم يرصر ْ زوجًا، وصوت الزوجة التي لم ترصر ْ أمًّا . وهو أيضًا صوت ذلك الجنين في بطن أمه وهو يعاني من كمية الأكسجين الشحيحة المارة بحبله السرّي.. صوته وهو يتسائل لماذا لا يحصل على ما يحتاجه..؟ ولماذا يكون رز قه شحيحًا..؟ دون أن يعلم أنه لولا هذا الحرمان الهوائي التي تعيشه خلايه ، ما كانت أفرزت كليتاه هرمون الإريثروبويتين، وأنه ما كان ليحصل بفضل ذلك على معدلات هيموجلوبين تتجاوز حد العشرين وأنه ما كان له أن ينجو بسهولة بعد الولادة بمعدلات أقل من ذلك من هذا النوع من الهيموجلوبين الطفولي الذي يتمتع به..! قد حصل الجنين على إجابته إذن..! حرمانه مما يحتاج، كان هو عين ما يحتاج..! إن صوت الأنين المتصاعد يسأل عن حاجاته، عن إكمال أرزاقه، عن أحلامه وأمانيه.. يجيبه صوت آخر شجيّ يتصاعد من مكان ما ويتلو علينا: ﴿وَلَوُُْبَسَطَُ ُاللَي ُُالرِيزْقَُُلُِعِبَادِهُُِ لَََغَوْا ُفُِِ ُرْضُِ الَْْ ُكِنُْ وَلَ ُِيل ُ ي نَُبِقَدَرُِ ُمَاُيَشَاء ُ ُإِنَيه ُُبِعِبَادِهُُِخَبِيٌُُبَصِيٌ﴾ ..!

عدد الصفحات ٦٢

63 لقد اعتدتُ أن أعلق الكثير من الأشياء على تلك اللحظة الجميلة التي تهبط عليّ فيها الهداية من السماء وأكون رائعًا..! لا أدري ما الذي زرع تلك الصورة الذهنية الخيالية في عقلي، وأقنعني أن الهداية تأتي بهذه الطريقة..؟! ربما من أفلام الخمسينات حين كان البطل يتحول من راسبوتين إلى القديس يوسف بـ [الأطفال Fairy tales التي كانت دائماً تنتهي بلحظة الـ Happily never after!.. إنه ذلك الشعور بأن الهداية لم تأت بعد، وأنك لن تموتر أبدًا إلا بعد أن تحصلها تتخيل أن موتك سيكون على معصية من تلك المعاصي المعتادة التي أنت عليها الآن، أو أن لحظة خروج روحك قد تكون في وسط الساعات الخرافية التي تقضيها على سريرك..! لا، لابد أنها ستكون لحظة درامية للغاية، وعلى حال جميل يلخص كل هذه المعاني الجميلة والنيات الحسنة التي تدخرها في قلبك.. ولكن كيف هذا..؟ بالهدية الثمينة التي ستهبط على قلبك من السماء يومًا ما وحينها ستكون رائعًا..! دعني آخذك إلى مشهد مختلف تمامً ا.. إلى تلك اللحظة التي تتأمل فيها مندهشًا كيف يصل الحيوان المنوي الجاهل إلى وجهته القابعة في أعلى قناة فالوب ملتوية بعد أ ن يقطع مسافة تساوي ما تقطعها سمكة السالمون حين تعبر طرفي المحيط الأطلسي، كيف يصل إلى وجهته بميكانيزم ما زال مجهولاً عند علماء الطب ..؟! أو آخذك إلى اللحظة التي تفهم فيها تفاصيل لعبةتقوم بها الجسيمات المضادة المسّاكة للأجسام الغريبة في

عدد الصفحات ٦٣

64 الجسم ثم تقدمها للأجسام المضادة الآكلة في نظام معجز شبيه بالفعل بنظام المخابرات والشرطة والقضاء..! إنها من تلك اللحظات التأمّلية الجميلة التي تفطن فيها إلى صفة من صفات مخلوقات الله.. أنها جميعها مهتدية إلى بغيتها، قد حصلت من الله على الهُدى الذي يكفيها كما حصلت منه على الخلق الذي كوّنها: ﴿عْطَىُك َيُشََْءُِخَلْقَه ُث مَيُهَدَى َ ِىُأ رَب ينَاُالََي﴾.. قاعدة قد فطن لها إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿ُُِّخَلَقَنُِفَه وَُيَهْدِينُِ الََي﴾.. الذي خلق كل هذه الأهواء بداخلي، وذلك العقل الذي يصيب حينًا ويخطئ أحيانًا.. وهذا الكسل، وهذه الفتَة، وذلك الغضب، وتلك الحيرة.. الذي خلق كل هذا، سيهديني، لأنه أرحم وأجمل من ألا يفعل..! بينما من ضلّ، لربما هو قد حصل بالفعل على نصيبه من الهداية ولكنه رفضها: ﴿مَياُثَم ود ُفَهَدَيْنَاه مُْفَاسْتَحَب يواُالْعَمََ ُعَََُالْه دَى ُ َ وَأ﴾.. ربما لا تحصل على لحظتك المثاليّة الخاصة، ربما لا تهبط عليك الهداية في يوم ما لتصير رائعًا.. لربما ستظل دائماً متعرّضًا لنداءات الباطل، وإغراءات الغواية.. لربما ستظل بين الحين والآخر تغتالك الحيرة، أو يتمكن منك الفتور.. لربما سيحدث كل هذا، ولكنك ستظل تشعر بأثر تلك الهداية في نفسك.. وحين يهرب منك ذلك الأثر أحيانًا فلن يتطلب منك الأمر إلا كلمات يسيرة تتمتم بها عدة مرات كل يوم تضمن لك إن صدقتر فيها أن تبقى قريبًا من الهدية الثمينة: ﴿اِهْدِنَاُالصِِيَاطُ الْم سْتَقِيم ﴾..

عدد الصفحات ٦٤