33 ك أمر الله عز وجل نبيه محمد ﷺ أن يقول: ﴿ق لُُْلَُ ُمْلِك ُ َ أُلَِفْسُِ ُنَفْعًاُوَلَُ ُضًََّا ُإِلَُ ُ مَاُشَاءَُ ُاللَ ُُوَلَوُُْك نْت ُُعْلَم ُ َ أُالْغَيْبَُُلَسْتَكْثََْت ُ ُمِنَُُُِ الَِْيْ ُوَمَاُمَسَنَُِ ُالس وء ُ ُإِنُُْنَا َ أُإِلَُ ُنَذِيرٌُ ُ وَبَشِيٌُ ُلِقَوْمُُِي ؤْمِن ونَُ﴾.. هذا الفقر المطّرد، وهذا الاعتَاف بالضعف، بسبب أنهم مجرد بشر، يفعلون ما يفعله البشر. وكان لا بد من أن يكونوا بشرًا لأن بشريّتهم ستوقعهم في الخطأ..! وحينها سيتسنى لك أن ترى كيف يتعامل البشري الصالح مع الله عز وجل حين يخطئ، وكيف يتعامل الله معه.. سوف ترى كيف هي رحمة الله عز وجل وعفوه، وكيف هو خوف النبي ﷺ ورهبته من خطئه..! لا بد أن يكونوا بشرًا محدودي القدرات كغيرهم من البشر: ﴿مَاُعِنْدُِّ ُمَاُتَسْتَعْجِل ُ ونَُُ بِهُُِإِنُُِالْْ كْم ُُإِلَُ ُللَُِِ ُيَق ص ُ ُالَْْقَُ ُوَه وَُُخَيْ ُُالْفَاصِلِيَُ ﴾.. لا بد من ذلك حتى ندرك من هذه الإمكانيّات المحدودة أنه وبرغم كونهم قد صاروا أنبياء إلا أن هذا لن يجعلهم أبدًا يشاركون أو ينازع الله عز وجل في ملكه، أو إرادته، أو قدرته، أو علمه.. لا بد أن يكونوا بشرًا ممّن خلق ليست لهم من المكانة والمنزلة عنده أكثر من أن يكونوا مجرد عباد صالحين له سبحانه.. لا بد من أن يكونوا كذلك حتى ندرك أن مكانتهم السامية بين خلقه، ومنزلتهم الرفيعة عنده، لن تعفيهم من أن يكونوا لله ذليلين، له منقادين، ليس لهم عليه سلطان، ولم يتخذ منهم أحدًا وليًا من الذل..! كان لا بد للأنبياء أن يكونوا بشرًا، حتى نعرف نحن من هو الله حقًا ..!
عدد الصفحات ٣٣34 لو كنت تسكن في مدينة ساحلية وكنت تقرأ هذا الكتاب في وقت الصيف فعليك أن تذهب إلى البحر الآن لتَاقب الأطفال وهم يلعبون بطائراتهم الورقيّة.. انظر إلى هذه الطائرة، لماذا لا تسقط على الأرض..؟! هذا لأن قوة الرياح ومقاومة الهواء كانا أكبر في حالتها من قوة الجاذبية، بينما الرياح لا تستطيع أن تحمل جسدك ذا الثمانين كيلو جرامًا بهذه السهولة، في حالتك فقوة الجاذبية أكبر.. لكنك بالطبع لا تسكن في مدينة ساحليّة لأن الحياة ليست بهذا السخاء، وعلى الأرجح تقرأ هذا الكلام في الشتاء، لذلك انس كل شيء قلته..! حين نشاهد الموجودات من حولنا في الحياة نلاحظ أن ثبات هذه الموجودات إنما يكون بفعل التوازن بين قوتين مختلفتين، الأرض تحب أن تطيش لتصطدم بالزهرة وتهلكنا جميعًا، لكن قوة الطرد المركزية الناتجة عن دورانها حول الشمس تمنعها من ذلك، وهي أيضًا تحب أن تحتضن المريخ من آن لآخر، إلا أن قوة جاذبية الشمس لها لا تسمح..! حين تتفكر في صفات الله عز وجل وأفعاله بنا، فإنك تجد تأرجحًا دائماً في حالتك الشعوريّة بين الإحساس بالتهديد والاطمئنان..! والجمع بينهما عسير عمومًا حين تتعامل مع واحد من البشر له صفات ناقصة فيغلب عليه إما الشدة أو اللين، أما مع الإله فإن رحمته كاملة وكذلك عزته، هو حليم إلى أقصى درجة قد تتخيلها وأعلى من ذلك، وإن عذابه شديد إلى درجة لا يتحملها بشر..!
عدد الصفحات ٣٤35 هذا التأرجح الشعوري يصفه الله عز وجل في كتابه فيقول: ﴿اللَ ُُنَزَلَُُحْسَنَُ َ أُالَْْدِيثُِ ُ كِتَابًاُم تَشَابِهًا ُمَثَانَُِ ُتَقْشَعِر ُ ُمِنْه ُُج ل ود ُُِينَُ الََُيََْشَوْنَُ ُرَبَه مُُْث مَُُتَلِي ُُج ل ود ه مُُْوَُق ل وب ه مُُْإِلَُ ُ ذِكْرُُِاللَُِ ﴾. إن المؤمن الكامل إيمانه يفتَض أن يصاب بقشعريرة حين يسمع آيات الله عز وجل والتهديد الذي يملؤها، إنها قشعريرة حقيقية كتلك التي يصاب بها جلدك حين يفاجئك قط مذعور يجري نحوك في فناء بيتكم المظلم في ليل ساكن.. لكن ما أن تكمل سماع آيات الكتاب الحكيم حتى يتم استبدال هذه القشعريرة بلين كامل واطمئنان نفسي هادئ كذلك الذي تشعر به مع نسمات الصباح الدافئة والشمس المنيرة وحركة الناس إلى أعمالهم بعد أن قضيت ليلة سوداء مع رواية رعب بارعة قرأتها وأنت تسكن في البيت وحدك بدون سبب واضح.. كل شيء على ما يرام، الحياة هادئة وساكنة..! هذا التَدد الشعوري وهذه القشعريرة المتقطعة تنقلك باستمرار بين حالتيْ التَغيب والتَهيب، يبقيك هذا في موضعك دون أن تطيش نحو اليمين أو الشمال، وبنفس الطريقة التي تبقى فيها الأشياء حين يؤثر عليها قوتان متضادتان في الاتجاه متساويتان في القوة..! أنت في هذه الحالة أكثر اتزانًا وعقلاً واستيعابًا لحقائق الوجود.. أنت في هذه الحالة لا يغلب عليك اليأس العدمي (الن يتشرو ي ) إياه، ولا يغلب عليك المرح البوهيمي المنحلّ، أنت تشعر بالخوف من أن تضيع حياتك في الاتجاه الخاطيء، وتشعر بالأمل لكونك تدرك
عدد الصفحات ٣٥36 أن هناك أصلاً اتجاه صحيح..! أنت في هذه الحالة أقرب ما تكون لله عز وجل! حين تحب أن تخاف منه، ثم تخاف من أن يغرّك حبه! في الولايات المتحدة نوع من الإعدام بالـ Lethal Injection أي الحقن القاتل،عن طريق مجموعة من الأدوية أغلبها منومات تُدخل المعدوم في النوم الذي لا يستيقظ منه.. المشكلة أني سمعت أحدهم يذكر أن القائمين عليه يقومون بمسح ذراعه أولاً بالكحول قبل تركيب (الكانيولا) القاتلة..! لم أصدق في البداية ولكني وجدت هذا الكلام موثّ قًا بالفعل على ويكيبديا..! وظيفة الكحول في الحقن الطبي عمومًا هو تطهير الجلد من البكتيريا حتى لا يصاب المريض بالعدوى، والآن تخيل كمية السخرية في أن تحمي الرجل الذي تقوم بقتله الآن من أن يصاب بالعدوى أثناء العملية..! التفسير النفسي الوحيد الذي وجدته لهذه المفارقة هو الهوس البشري العتيد بالـ (الخطة المُ فتَر ضر ة).. دون أن نكتَث أن هذه الخطة قد تكون سخيفة جدًا في وقت ما، أو لا معنى لها في موقف بعينه.. طالما الأمر يسير وفق الخطة فلا بأس..! لابد من أن تبدأ انتقادك لأحدهم بـ (مع احتَامي لفلان) حتى لو كان مضمون كلامك هو الشرح لماذا هذا الفلان غير محتَم أصلاً ..! ولابد من شراء (طقم الصيني) قبل الزواج، ولابد من أن تقسم العروس لأمها بعد ذلك أنها لن تستخدمه أبدًا إلا في المرات القليلة التي تأتي فيها ملكة بريطانيا إلى بيتها للعشاء..! لابد أيضًا من (اللبّانة) في طقم الشاي، برغم أني لم يقدم لي
عدد الصفحات ٣٦37 طوال حيا الشاي بجانب اللبّانة في أي بيت أزوره..! فلابد إذن أن الملكة إليزابيث المحظوظة هي من تنال وحدها هذا الشرف..! الخطط المفتَضة ليست منطقية على الإطلاق، والمشكلة الحقيقية معها هي أنه بالإضافة إلي الخطط العامة، فإن كل إنسان لديه مجموعة خاصة به منها، سيتصرف هو ويحاكمك أنت بناءً عليها، وحين تتعجب من غياب ضميره في هذا الفعل الشرير أو ذاك ستفطن إلى أن ضميره قائم كله على أساس خططه المفتَضة. والتي معظمها مجهول لديك بالمناسبة..! لذا فالإسلام قد حذّر من أهم وأخطر أنواع هذه الخطط المفتَضة وسماها: (الهوى).. وبينّ لك كيف أنه يدفعك إلى الاعتقاد بأن كل أحكامك على أفعالك وعلى أفعال الناس رائعة للغاية..! وكيف أنه يؤدي بك إلى الإصرار على السقوط في بركة الوحل بينما على وجهك ابتسامة بلهاء. وفي طريقة التخلص منه، لم يطالبك بأن تتخلص منه..! لأن هذا ضد الطبع البشري أصلاً، سأظل أنا وأنت دائماً، لنا تفضيلات وافتَاضات، ومخططات ومنطلقات، ومقاييس خاصة نحاكم بها أنفسنا وغيرنا، لن نستطيع أبدًا أن نقتل كل خططنا المفتَضة .. ولكن الإسلام يطالبك بأن تنزل من عليائك، وأن تنزل عن ذلك العرش الذهني الذي نصبه كل واحد منا في ذهنه فوق الناس جميعًا ثم تربّع عليه، تنزل من هذا العرش المزيّف وتتخلى عن السلطة، وترضى بأن تنقاد بذلك الشرع..! يطالبك بأن تعيد برمجة جميع خططك حتى(تتبع) هذا (الكود) الجديد.. يطالبك بأن تتحمل آلام فعل كل هذا، وبأن
عدد الصفحات ٣٧38 يص هذا الألم بعد ذلك عندك لذة..! يطالبك بأن تحقق مراد النبي ﷺ منك حين قال: "لاريُؤْم نُ أرحردُكُمْ حرت ى يركُونر هرواهُ تربرعراً لم را ج ئْتُ ب ه "..! اليابانيون يرون أن المرأة الجميلة لا بد أن تكون دقيقة القدمين وضيّقة الخطى، ويُفضّل أن تكون قصيرة القامة.. الأمريكيّون يختلفون في الرأي بشدة، فالمرأة الجميلة لديهم طويلة القامة وشقراء.. ومعنى هذا أن المرأة الأمريكية الجميلة لن تساوي أربعة جنيهات في دول وسط وجنوب أفريقيا الذين يعتبرون صفار الشعر عيبًا أو عقابًا إلهيًا، في المقابل هم يعشقون المرأة شديدة سواد البشرة التي تدل على جمال أصلي المنشأ، وعرق شديد الصفاء.. الإسكيمو لن يبالوا بكل هذه الأشياء لأن أصل الجمال عندهم في الرائحة..! لم نتفق على مواصفات تفصيليّة واضحة للجمال إذن.. المسألة نسبيّة في معظم هذه التفصيلات.. بالمثل يمكنك أن تجد مواصفات (الظرافة) تختلف من ثقافة لأخرى، السينما الألمانية الصامتة، والـ (سيت كوم) الأمريكي، والـ (ستاند أب) البريطاني، والمشخّصاتي المصري.. كل هذه وسائل قد جادت بها المخيّلة البشريّة لإضحاك الناس.. اختلاف الثقافات لا يعني فقط اختلاف (الخلفيّة) المفتَضة للنكتة، ولكن أيضًا يعني الاختلاف الكبير في الوسيلة
عدد الصفحات ٣٨39 المفضّلة لتلقّيها.. مرة أخرى نتعام ل مع مسألة كنا نظن أنها عالميّة الذوق ثم تبين أنها نسبية تمامًا..! العديد من الأشياء التي تعتبرها مقاييس عامة ومتفق عليها للأشياء يتبين لك ببعض التأمل أنها في الحقيقة عامة فقط في المحيط الذي حولك.. بينما بالفعل قيم الحرية والصدق والوفاء والعدالة والعطف على الفقير والإحسان إلى الناس هي قيم مشتَكة تمامًا بين جميع البشر، إنها شفرة مكتوبة بعناية يسير عليها كل هؤلاء دون خلاف يذكر.. فيمكن أن يشكك بعض الذين نكّسوا فطرتهم في أي شيء، يمكنهم أن يقنعوا الناس بعبادة الفئران كما يفعل كهنة معبد (كارنيماتا).. أو بأن يقتلوا أنفسهم لإنقاذ البشرية وجلب التوازن للعالم كما يدّعي أنصار الـ Euthansia ، أ و بأنه لا توجد مشكلة في أن نقوم بإخصاء ضعاف العقول والفقراء والأغبياء من أجل مستقبل أفضل للبشرية كما يزعم أنصار اليوجينيا .. أو بأنه يج ب عليك أن تتَك منزلك وأسرتك وتعيش في الشوارع وتتعاطى المخدرات كما يؤمن الهيبيز.. وبرغم هذه القدرة الهائلة من البشر على إفساد كل شيء جميل، إلا أن أحدًا من هؤلاء لن يجرؤ على أن يشكك مثلاً في قيمة العدل بمعناه المطلق، أو يدّعي أن علينا أن نكون ظالمين..! مهما بلغت غرابة معتقداتهم، لا يمكنهم أن يتملّصوا من هذه القيمة مثلاً التي أخبرنا القرآن عن أن الله عز وجل قد جعلها سائدةً في الأرض يوم خلقها..! كما قال
عدد الصفحات ٣٩40 سبحانه وتعا ﴿وَالسَمَاءَُرَفَعَهَاُوَوَضَعَُالْمِيزَانَُ * لَُتَطْغَوْاُفُِِالْمِيزَانِ﴾ َ أ..! ومثلها قيم الحق والإحسان والخيرية المطلقة والرحمة بالضعيف وأداء الأمانة وإتقان العمل. يمكنك أن تتخيل إذن أهمية هذه القيم عند الله عز وجل حتى يجعل أكوادها محميّة بهذه الطريقة وبهذا التنزيه عن أذواق العابثين حين خلق الله الأرض وما عليها..! رأيتُ شابًا يرتدي كنزة صيفية قصيرة الأكمام في البرد القارص.. في الحقيقة ليس لدي مشكلة مع هذا فأنا أؤمن بالحرية الشخصية، لكن المشكلة أنه كان يبدو سعيدًا جدً ا بنفسه..! إذن أنت لا تشعر بالبرد. أين الإنجاز؟! هذا يعني على الأرجح أن أعصابك الحسية ليست على ما يرام، أو أنك مشبّع بمواد كيماوية معينة. أحيانًا أشعر أن الإنسان كائن دخيل على بقية الكائنات في الكوكب، كل الكائنات من حوله تتأقلم تمامًا مع ظروفها، بينما نحن نحتاج إلى الكثير من الضبط والتغيير..! فأنت ترى الدبة القطبية تعيش في درجات حرارة أسطورية دون أن تحتاج إلى معطف صوفي أو جورب شتوي من (قوطونيل).. وترى الثعلب الاستوائي يعيش في مناخ مجرم في حرارته دون أن تبدو عليه أعراض الـ (فرهدة) التي نراها على أوجه الناس في (أتوبيسات) شهر يونيو..! وبالطبع لم تجُرّب سمكة القرش أي أطعمة أخرى بخلاف الـ (سي فود) دون أن تشعر بأنها بحاجة إلى كوب شاي أو حلوى جيلاتينية ما لتغيير مذاق الفم..!
عدد الصفحات ٤٠41 أظن والله أعلم أن البكتيريا لا تُصاب بالانهيار العصبي، وأن صرصور الحقل لا يشعر بالوحدة وبأنه لا أحد يفهمه في العالم..! أحسب كذلك أن إجراءات الزواج بين عصافير الكناريا لا تشتمل على زيارة (دمياط) ولا دهانات (يوتن). الفكرة أننا كبشر نعاني من (الاحتياج) أكثر بكثير من أي كائن آخر، دائماً هناك شيء ما نحتاجه كي نبقى على قيد الحياة، ثم هناك أشياء أخرى نحتاجها حتى نشعر بكمال الرفاهية التي نحتاج إليها، وعندما تُلبّى كل رغباتنا نقوم بابتكار عادات وحاجات جديدة، ونبكي عندما لا نحصّلها ..! هذا يتفق فيه الجميع بالمناسبة، فصاحب أعلى شهادة علمية في الفيزياء التجريبية يحتاج إلى سخان ماء في حمامه، وصاحب النصيب الأكبر في أسهم سلسلة مطاعم (ماكدونالدز) يحتاج إلى (ملاّحة ) على سفرته، وكلاًّ من (بوتين) و(ميريكل) يحتاج إلى صديق أو حبيب حتى يحتفظ بمستويات الدوبامين والسيروتونين اللازمة كي لا يُصاب باكتئاب حاد.. إذن من بين سكان الأرض نحن الأحوج والأنقص والأضعف..! نحن أكثر الكائنات امتلاكًا لخلل واضح في ملكيتها لأنفسها..! لو كان أذكى كائن في الأرض بكل هذه المسكنة وقلة الحيلة، فنحن نعيش إذن في غابة مليئة بالكائنات المسكينة غير المسيطرة، وأشدهم مسكنةً هو - يا للعجب - أكثرهم غرورًا ..! هذا وحده كفيل بشعورك بوجود إله فوقك كما قال الله تعالى: ﴿ق لُلِيمَنُُِرْض ُ الَْْ ُوَمَنُفِيهَاُإِنُك نت مُُْتَعْلَم ونَُُ* سَيَق ول ونَُ ُللَِيُِ ُق ُلُُْفَلََُ َ أُ تَذَكَير ونَ﴾ ..؟!
عدد الصفحات ٤١42 تشعر بالله جدًا وتتذكره حقًا عندما تتأكد من أنك لا تعلم أي عنوان سكن لكائن يملك أمر نفسه فضلاً عن أن يملك الأرض ومن فيها..! حينها تفهم أن هناك إله مالك.. إله متصرف في ملكه.. إله ليس لنا أن نحاسبه أو نراقبه، بل نسجد ونذل ونخضع له.. ونعبده طوال عمرنا في خوف ورهبة منه، ونموت ونحن نوقن أننا لم نعبده حق عبادته .. لا نفعل ذلك تطوّعًا منا أو فضلاً .. بل لأنه ليس لدينا خيار آخر..! لم تكن لي بالأستاذ محمد المصري علاقة قوية خاصة، في أثناء حياته رحمه الله كنت كلما تذكرته تذكرت عتابه لي على خطأ علمي أو لغوي وقعت به عقب أحد الدروس في المسجد، لم تكن هناك أبدًا ضغينة، ولك ن لسبب ما كانت هذه أقوى ذكرياتي له. عندما تُوفي رحمه الله في حجّ ه في حادث منى 2015 صرت أتذكره كثيرًا، ربما أكثر بكث مما يحتمله المنطق الرياضي بالنسبة لمدى علاقتي به، أتذكر هذه المرة تفاصيل أكثر كنت قد نسيتها، عندما كان يوزع (بواكي) البسكويت على زملاء يحيى ابنه في المدرسة الإعدادية وأنا منهم طبعًا، وعندما أبهرني بالكوب الفخاري السحري الذي يتلون حين تضع أي شيء ساخن به، وعندما كان يغرق الجميع بتفاحه الأحمر بعد القيام في رمضان. كنتُ أقرأ لعالم وراثة مصري وأعجبني أسلوبه للغاية ولكني كنت أنتقده في كثير من الأشياء، وعندما أنهيت له أول كتاب قرأت سيرته الذاتية فوجدت أنه قد مات في 2006
عدد الصفحات ٤٢43 إثر إصابته بجلطة مخية حين كان يشاهد صور موتى أطفال لبنان بعد القصف الإسرائي إياه..! كم واحدًا تعرفهم قد قتله وبشكل حقيقي فعلاً حزنه على الأطفال..؟! فلما بدأت أقرأ له كتابه الثاني كنت أشعر أني أقرأ لجدي، لم أعد أتضايق كثيرً من اختلافاتي معه . نفس ما يحدث حين أتذكر صديق طفولتي: معتز، والشهير بـ موزة، فقبل موته لم أكن أتذكر له إلا أنه لم يمرر لي الكرة قطّ في المباريات.. بينما بعد موته تذكرت كم كانت أسنانه المفلّجة جميلة حين كان يضحك. الأموات طيبون، الأموات رائعون، الأموات لم يفعلوا لنا شرًا قط..! هكذا ينظر معظمنا لهم، هكذا نؤمن وهكذا نفكر، وفي اللحظة التي قد ننسى فيها أو نتناسى معظم وصايا النبي ﷺ، فإننا لا ننسى بسهولة أن نذكر محاسن موتانا.. عليك أن تكون أغلظ قلبًا مما تتخيل حتى تستطيع بسهولة أن تكره رجلاً قد مات طيبًا . لماذا يحدث ذلك؟ هل لأنهم لن يؤذوننا ثانيةً؟ أم لأننا نشعر بالشفقة لحالهم؟ أم أننا ببساطة نشتاق لهم؟! أظن أن السبب الأكبر أننا أغلقنا آخر صفحة من كتابهم وأخذنا في النظر بعين الطائر على ما تركوه لنا فوجدنا أنه جميل.. مثل القمر الذي نتغنى بحسنه ولو اقتَبنا منه لوجدناه مليئًا بالحُفر والصخور.. مثل البحر الذي نعشق أمواجه ولو كنا بداخله لوجدناها مليئة بمخلفات الأسماك وبقايا الطحالب.. نحب الأموات لأننا نظرنا لحياتهم بشكل مكتمل فوجدناها طيبة رائعة جميلة، أغلفنا الكتاب فوجدناه براقً ا ملونًا سميكًا ذا رائحة طيبة، ولم نعد نرى (شخابيط) الأطفال وبقع
عدد الصفحات ٤٣44 القهوة الموجودة تقريبًا في كل صفحة منه.. لو فعلنا ذلك مع الناس جميعًا قبل أن نفقدهم، لو عاملنا الجميع بنفس المنطق ونظرنا إلى أفعالهم بشكل جمعي متكامل، لو طبقنا فيهم قول الله تعالى: ﴿وَلَُتَُ نسَو اُالفَضَلَُبَيْنَك م ﴾، وقول النبي ﷺ: "إ ن كرر هر م نهرا خُلُقًا ررضي ر م ن هرا آرخررر "، لو اعتدنا أن نداوم على النظر إلى غلاف الكتاب قبل صفحاته، وإلى جمال بياض ورقه قبل بقعاته، لربما حينها ننظر إلى أحدهم في حياته فنتذكر كم هي ابتسامته مشرقة، كم هو حنانه جارف، كم كانت شهيةً تلك التفاحة الحمراء التي أخرجها لنا في إحدى ليالي رمضان..! القرود في مختبرات البيولوجيا والوحوش في السيرك وحتى الأطفال في سنين التَبية الأولى يتم توجيه سلوكهم وتصرفاتهم وتوجهاتهم العامة عن طريق التشجيع في اتجاه واحد، بحيث يحصل على تقدير ومكافأة حين يقوم بالفعل المطلوب في صورة موزة أو قطعة لحم أو بعض الحلوى. ومن حسن وسوء الحظ فهذه طبيعة نفسية في الإنسان تصاحبه حتى بعد أن يبلغ من العمر السنين الكثيرة، فإعجاب من حوله بسلوك ما يجعله لا يتوقف عن فعله ويستمر في سلوك الأفعال المشابهة، لذلك تجد صديقك (الألاّش) لن يتوقف عن هذا النوع من المزاح أبدًا طالما يسمع الضحكات مهما أكد له الجميع أنها ضحكات استخفاف، وصديقك المتعالم
عدد الصفحات ٤٤45 لن يتوقف عن ادعاء الثقافة طالما وجد نظرات الانبهار برغم علمه بأنهم ينبهرون بشخص مزيف..! الإعجابات المادية والمعنو ية من الناس الذين يحيطون بك تعني أنك تندمج مع من حولك، ونحن مخلوقون على حب الاندماج والتآلف وقبول الآخرين لنا. هذه هي الطريقة النفسية التي خلقها الله عز وجل للإنسان كي يتوافق ويتشابه اجتماعيً ا مع من حوله، فيمكننا بها أن نصبح شعوبًا وقبائل لنتعارف، بدلاً من أن نصبح متنافرين على قدر مزعج من الاختلاف. وككل دواء له أعراضه الجانبية، وككل استَاتيجية لها مخاطرها الخاصة، فإن هذه الحاجة النفسية الموجودة لدى الجميع تحتاج منك إلى تركيب مكابح (فرامل) خاصة تمنعها من أن تقودك إلى اتجاه يرغب به الآخرون ولا ترغب به أنت..! مكابح تمنعك من أن تشعر بالرضا عن نفسك فقط لأن الآخرين راضون، أو أن تشعر بالخجل فقط لأنك خالفتهم في أمر أو أمرين. مكابح كتلك التي أمرنا يها الله عز وجل حين قال: ﴿فَُلََُ َََُُ اف ُوه ُمُوَُخَُاف ُونُِإُِ نُك ُنت ُمُ م ُؤمُِنُِيَُ﴾ُأو كتلك التي ذكرنا بها النبي ﷺ حين حذّرنا من أن نكون إمّعة تحسن حين يحسن الناس وتسيء إن أساؤوا.
عدد الصفحات ٤٥46 وككل مكابح، لا نقوم بتشغيلها إلا عند الحاجة، خصوصًا إذا أحطنا أنفسنا بالنوع الصحيح من البشر، إذ إن توجيه الناس من حولنا لسلوكنا هو الوسيلة الأسرع لأن نصبح أفضل. لا نحتاج إلى هذه المكابح في كل حين إذن، ولكن نحتاج إليها فقط حين نشعر أن هويتنا يتم سرقتها منّا أو تزييفها، حين نشعر أننا لم نعد نتعرّف على أنفسنا بسهولة، حين نفطن إلى أن السبب الذي أوصلنا إلى هذا الشاطئ ليس هو إبرة بوصلتنا الشخصية ولكن لأنه كان طريقًا أيسر في الإبحار وأقل في المقاومة وأسرع في الاندماج..! لذلك دائماً وأبدًا ستظل من أكبر التحديات التي ستواجهك في الحياة أن تدخل إليها وتخرج منها إنسانًا أفضل، ثم لا تكون بعد ذلك إلا نفسك..! مشكلة الطب عندما يُقرأ بالعربية أنك تتعرف على ترجمة الكلمات اللاتينية الأنيقة التي كانت تملأ كتب التشريح لتكتشف أنها في الأصل ليست بهذه الأناقة..! فت جد أن مخ الإنسان مثلاً فيه البصلة Myelencephalon والصنوبرPineal body واللوزة Amygdala .. اللوزةوالبصلة والصنوبر توحي أنك في الواقع في محل بقالة..! أصغر الأعضاء المذكورة، وهي الأميجدالا، مسئولة وظيفيًا عن شعورك بالهلع والاضطراب..! وهي السبب في كون المرأة تجد أحيانًا وحشًا في غرفة المعيشة المظلمة له
عدد الصفحات ٤٦47 جسم كروي وثلاثة أذرع وصوت خوار، فتفزع وتصرخ قبل أن تدرك بعد أجزاء من الثانية أن هذا ابنها الحبيب الذي يشرب المياه الغازية ويتجشأ وهو يحك بطنه العملاق..! هذا لأن الأميجدالا وصلتها المعلومات مرتين، مرة بشكل سريع وغير دقيق عبر المهاد المخّي، ومرة بشكل أبطأ وأكثر دقة عن طريق قشرة المخ الأكثر اتزانًا وهدوءًا واستيعابًا للموقف.. فالأميجدالا تدرك أنك في موقف خطر الآن وبناء عليه تتخذ وضعيّة الهروب أو التصرّف، حتى أنها تخاف قبل أن تدرك ما هذا الذي تخاف منه..! هذه الحساسية المفرطة من الأميجدالا تحمينا من أدنى احتمالية لأن نتأذّى على حين غفلة. غير أن هذا غير كاف في الحماية، فلو لاحظت لوجدت أننا لا نعيش فوق الشجر، حيث الخطر لا يُشتَط أن يكون غريزيًّا دائماً، بل هناك خوف لابد لك أن تتعلمه..! لابد لك أن تفهم أن الكهرباء مؤذية قد تقتلك، وأن الرسوب في الامتحان قد يتسبب في ضياع عام من عمرك، وأن جمهور المستمعين قد يلفظك بعد ذلك إن بدوْتر أمامهم متلعثماً. هناك من الخوف ما هو مهم لنا أن نتعلم أن نشعر به..! هذا ضروري لنا حتى لا نتأذّى -وبرغم وعينا بالموقف - عن جهل من أن هذا أو ذاك قد يؤذي. ومرة أخرى فالأميجدالا هي المسئولة عن هذا أيضًا، عن تعلّم واكتساب الخوف بواسطة بروتين (ببتايد المفرز من الجاستَين) : GRP.. ولكن عملية تعلم الخوف التي كان الغرض منها الحماية لربما تسببت أيضًا في قلق غير مبرر، أو هلع زائد عن الحد..! حتى الخوف الغريزي منه أيضًا ما نحتاج إلى أن ننساه، فأنت
عدد الصفحات ٤٧48 مفطور على الخوف من ذوات الأنياب، لكن تحتاج إلى أن تتعلم ألا تخاف من الكلب الذي اتخذ - رغماً عنك - مدخل بيتكم سكنًا دائماً له .. لذلك خلق الله عز وجل لنا وسيلة لنسيان الخوف.. شفرة كمبيوتر تمحي تركيبة العواطف المعقّدة التي تسببت في هذا القلق.. ومرة ثالثة أودع الله عز وجل هذا السر في الأميجدالا، وفي مستقبلات NMDA الخاصة بها..! إذًا اللوزة الصغيرة الموجودة في منطقة ما من مخك تقوم بحمايتك جسديًا واجتماعيًا ونفسياً دون أن تشعر..! تقوم بالمحافظة عليك من أقل الأخطار، وتعلمك ما هي هذه الأخطار، وتجعلك تنسى الخوف من الأخطار الزائفة..! نوع من الرعاية لا تراه، ولكنه قريب منك جدًا..! رعاية تصلح كمثال على رعاية الله عز وجل لنا، تصلح كدليل على أنه لم يهملنا، تصلح كتذكير دائم لنا بمدى قربه منا سبحانه القائل: ﴿وَلَقَدُُْخَلَقْنَُاُِنسَانَُ الُْْ وَنَعْلَم ُُمَاُت وَسْوِس ُ ُبِهُُِنَفْس ه ُ ُوَنََْن ُ ُقْرَب ُ َ أُإِلََْهُِ ُمِنُُْحَبْلُُِالْوَرِيدُِ﴾.. في عام 1798 نشر القسّ الإنجليزي (توماس روبرت مالتوس) كتابه الشهير: مقالة عن السكان، قال مالتوس أن أعداد السكان تتزايد في العالم بشكل رأسي، بينما تتزايد الرقعة المزروعة فيه بشكل أفقي، ومن ثمّ –حسب مالتوس– سيأتي على البشر زمان يتقاتلون فيه من أجل لقمة العيش. كلام جميل، غير أن مالتوس كان مخطئًا في ثلاثة أشياء.
عدد الصفحات ٤٨