المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ٢ من ١٥

17 تكبر قليلاً قليلاً ثم سرعان ما تدرك أنهما يكبران معك، وترىتلك الحقيقة المفزعة أمام عينيك .. أنك قد تفقدهما قريبًا.. تحاول أن تتخيّل كيف سيكون حالك حين تدخل البيت بعد أن يكون خاليً ا؟.. أو كم هو مقدار الدمع الذي ستسكبه حين ترى مكانه المفضّ ل على الأريكة، الكوب الذي كان يشرب فيه الشاي، الهاتف العتيق الذي كان يتصل بك منه، فرشاة الشعر العزيزة، المصحف الكبير، حقيبة اليد التي لطالما أخذت منها مصروفك، والحذاء الذي حفظت صوت خطواته وهو يمر بجوار غرفتك .. تتساءل عن كنه ذلك المخلوق الذي يستطيع حلّ محلهما .. لما كنت تحاول أن تكذب على أحدهما فيبتسم في خبرة الفطن المتغافل، الذي نزلت دموعه من الفرح يوم نجاحك في تلك السنة العسيرة، وتجمدت نظرته في قلق عندما دخلت المستشفى لأول مرة في حياتك، الذي لما حكيت له عن أكبر أزمة نفسية مرت بك احتضنك في حنان عالمً ا أنك مجرد مراهق، والذي لم ينم في أول رحلة مدرسية خرجت فيها منتظرً ا في شرفته . تكفكف دمعك حينها، وتغلق نور الصالة لأن أمك كانت حريصة على إغلاقه ليلاً دائماً ، ثم تغلق باب الشقة خارجً ا عالمً ا أنه قد صار أحزن مكان على وجه الأرض.. وأنه لم يعد بيتك .. ب ر همُا قبل أن تندم..!

عدد الصفحات ١٧

18 هل سمعت من قبل عن قبيلة (تاساداي)؟ كانت حديث العالم في السبعينات.. حيث أعلن (إليزيدا) وزير الثقافة الفيلبيني في 8 يوليو1971 عن اكتشاف قبيلة من الع الحجري تحيا منذ مئات السنين في عزلة تامة، هذه القبيلة ليست فقط لم تعرف التكنولوجيا ولكنها لا تعرف أيضًا النحت ولا الأسلحة ولا الرعي ولا الزراعة ولا المنازل ولا حتى الملابس..! كان التاساداي رجال كهوف حرفيًا، يسكنون الكهوف ولا يستَون عوراتهم إلا بورق التوت، مع حياة مسالمة وعارية وفوضى جنسية كاملة.. كانوا يمثلون حلم العالم الغربي في السبعينات الغارق في شعارات الهيبيز والسلام والمخدرات والثورة الجنسية.. حاول علماء الإنسانيات من العالم كله زيارتهم ولكن الرئيس الفليبيني (ماركوس) اعتَض على تلويث براءتهم بالتجارب والفحوصات وأقام لهم مستعمرة ضخمة مغلقة في أواخر نفس عام اكتشافهم، وفي 1975 كتب جون نانس كتابه: (قبيلة تاساداي الوديعة) وبيعت منه أعداد مهولة .. وفي 1986 استطاع صحفي سويسري التسلل للمستعمرة فوجد أفراد التاسادي يلبسون الجينز ويأكلون الأرز ويتاجرون في السوسيس..! اتضح أن هؤلاء ممثلون وأن الأمر كله خدعة من وزير الثقافة الذي هرب خارج البلاد بملايين الدولارات التي جمُ عت كتبرعات للحفاظ على نقاء التاساداي .. كانت الثورة الجنسية تجتاح العالم وقتها، فلا يوجد أيسر من انتشار فكرة تدعمها الهرمونات لو أخذت رأيي..! وكان الشباب يفكر أن النقاء الفعلي هو نقاء الطبيعة والفطرة

عدد الصفحات ١٨

19 هي فطرة الحيوانات، ومقاومة الشهوة الجنسية شيء سخيف، وكانت التاساداي دليلاً على أن الإنسان كان ينعم بذلك السلام والتناغم الطبعي ولكن تلوث بالتابوهات والأديان، وبعد أن تبين أن التاساداي ليسوا إلا مجموعة شباب فلبيني يحبون السوسيس، تناسى العالم تلك الكذبة وكأنها لم تكن وتمسكوا بالفكرة وكأنه لم يتم (إحراجها)..! هذا معتاد بالنسبة للخدع العلمية عمومًا، فلديك (إنسان بلتداون) الذي تم اكتشافه في 1912 ليمثل الحلقة المفقودة بين الإنسان والقردة العليا، ولمدة عشرات السنين تم اعتباره الدليل الأعظم على التطور باعتباره الحفرية الأقدم للإنسان العاقل، وبعد أربعين سنة ثبت أنه كان مُزيّفًا بالكامل..! لم يشعر أحد من أنصار التطور بالـ (حرج) وقتها. أتذكر مثل هذه القصص في كل مرة يسألني أحدهم عن شبهة (رهيبة) تجتاح ذهنه عن الإسلام.. "انقذونا، فيديو لملحد يقول فيه أشياء مخيفة، لقد تذبذبت! يا إلهي! لقد تذبذبت للغاية! يا إلهي مرة أخرى!".. لا أدري ما سر شعور البعض بالـ (الحرج) من الدين بشكل أسرع بكثير من أنصار أي فكرة أيديولوجية أخرى؟! لماذا استسلم بكل هذه الوداعة عند أول نقاش، ولماذا يخجل من معتقداته بكل هذه السهولة؟! اهدأ، تبينّ، تثبّت، ابحث، ثم تذكّر .. تذكر من فضلك قول الله عز وجل: ﴿نزِلَُإِلََْكَُفَلََُيَك نُفُِِصَدْرِكَُحَرَجٌُ كِتَابٌُأ مِينْه ُ﴾.. وتذكر أن خلوّ صدرك من هذا الحرج مسئوليتك الشخصية التي لا يشتَك فيها غيرك.. وتذكر أنه لو كان غير المؤمنين بالله أشد يقينًا بكفرهم منّا بإيماننا، فتبًّا لنا جميعًا..!

عدد الصفحات ١٩

20 راكب الطائرة من لوس أنجلوس إلى الرباط يقضي عدة ساعات نائماً على كرسيه المريح، وما إن يصل إلى محطته حتي يبدأ في التذمر، تخيل أني ثنيتُ ركبتي خمس عشرة ساعة في هذه الرحلة، ثم اضطررت إلى الوقوف ساعة أخرى في المطار حين وصلت..! فنبدأ نحن في الرثاء لحاله بحق، لقد تحمل الكثير بالفعل. هذا قبل حتى أن نعلم أن الوجبة التي كان يأكلها كانت باردة والقهوة كانت رديئة ولم يكن الفستق طازجًا ..! لقد كانت هذه الرحلة أسوأ رحلة قام بها على الإطلاق..! برغم أن الرحلة التي قطعها في شطر اليوم اعتاد إنسان ما قبل القرن العشرين على أن يقطعها في ستة أشهر على متن قطعة خشب بلهاء تدّعي أنها سفينة مع عواصف ليلية دائمة ودوار بحر لا يمزح، ففقرات عظامه تئنّ من البرد ليلاً ومعدته تغرق ملابسه بالقيء صباحًا ، ومن آن لآخر ينزلق أحد أولاده إلى الماء، وفي النهاية، وباحتمالية ليست كبيرة إلى هذا الحد، تصل سفينته إلى وجهتها. لابد أنه سيكون وقتها قد نسي ما دفعه إلى القدوم إلى هنا..! لقد كانت هذه الرحلة أيضًا أسوأ رحلة قام هو بها على الإطلاق..! أحيانًا تأتي الفتيات إلى استقبال المستشفى الجامعي بهبوط نفسي حاد في الدورة الدموية، جهازها العصبي الباراسمبثاوي لم يتحمل ألمها العاطفي فأعطى إشارة إلى قلبها أن يبدأ في التكاسل التدريجي المتعمد عن أداء وظيفته وينهي حياة هذه البائسة.. بسؤالها عن السبب تنظر لك بـ (صعبانيّة) وتقول: "أحمد سامي تركني"..!

عدد الصفحات ٢٠

21 ولكن ماذا لو لم يكن أحمد سامي تركها..؟ ماذا لو كان تزوجها وقضت معه أحلى قصة حب لمدة سنتين ثم أخذها في رحلة، وتوقف بسيارته على جانب الطريق حتى يشتَي لها بعض الفول السوداني الذي تحبه فصدمته سيارة وهو يقطع الطريق لتستقر رأسه المقطوعة على حجرها وهي في السيارة..؟! ماذا ستفعل حينها..؟ جهازها العصبي لن يفعل شيئًا أكثر مما يفعله بها الآن..! الفكرة أن الإنسان لديه مقدرة معينة على الحزن لا تتعلق فقط بالحجم الحقيقي لمصائبه ولكن بالطريقة التي ينظر بها إليها..! الطفل الذي يبكي بحرقة لأنه لم يخرج مع زملائه إلى رحلة دريم بارك يعيش نفس مقدار الحزن الذي تعيشه أنت حين تفشل في زواجك أو عملك، هو فقط لا يعلم أنه يبالغ الآن. لم يتعلم بعد كيف يصنّف أحزانه إلى درجات وألوان معينة حسب شدتها لأنه لم يذق مقدارًا كافيًا من هذه الأحزان..! مع الوقت يبدأ في التعلم، وبعد أن يكسر ساقه، ويفقد جدته، ويرسب في الاختبار، ويهاجر صديق عمره إلى ليبيا يبدأ في فهم متى يحزن ومتى يبكي ومتى يتضايق قليلاً ثم ينسى كل شيء..! الحزن إذن هو ما يعلم الإنسان ألا يحزن..! تأتيه المصيبة فتتَبع على عرش آلامه النفسية فلما يصاب بأعلى منها تنزل الأولى عن عرشها منهزمة وتصبح شيئًا عاديًا يتعايش معه بسهولة..! هذه هي الطريقة التي نعتاد بها على الإسهال والزحام والأرق والحذاء الضيّق ورياح الخماسين وتمزق الرباط الصليبي وكرسي الطائرة المؤلم وخيانة أحمد سامي.. أننا جرّبنا ما هو أسوأ..! إنها رحمة الله عز وجل القائل: ﴿ثَابَك مُْ َ فَأُغ مَياًُُبِغَمِيُُلِيكَيْلََُ ُتََْزَن و اُُْعَََُ ُ مَاُفَاتَك مُُْوَلَُُمَاُصَابَك مُْ َ أ﴾..!

عدد الصفحات ٢١

22 ح تضطر إلى القيام بحركات (الكونج فو - وزن الفراشة) حتى تستطيع الوصول لسيارتك دون أن تغوص حتى كاحليك في مياه المجاري التي تحب أن تطفح في شارعك كل أسبوع على سبيل الهواية.. ثم بعد أن تركبها تجد أن هناك من رفع مساحات الزجاج، تخرج من السيارة لتنزل مساحاتك.. وبعد أن تستعد للرحيل بالسيارة، يأتيك رجل ظريف يطلب منك أجرة (رفع المساحات).. ويأخذ في تلطيخ زجاج سيارتك النظيف بقطعة قماش قذرة حتى تضطر إلى أن تعطيه مالاً ليتَكك في حالك ، لتفطن بعدها أنه رفع المساحات مرة أخرى قبل أن يرحل..! لو سمحت لنا دول العالم بتصدير الاستفزاز لها في أوان لصرنا من الدول الغنيّة جدًا .. الاستفزاز عندنا موجود بكميات غير محدودة وغير قابلة للنفاذ.. مثل ما تقوم به تايكونات شركات المحمول الضخمة ببطاقات شحنها التي في حجم وشكل إبهامك وتخدشها لتفاجأ بالأرقام مكتوبة بحبر باهت ضعيف لا يجيد التعبير عن نفسه..! والآن لك أن تتخيل، كم هي الملايين التي تدخل جيوب أصحاب شركات الاتصالات كل شهر، ومع ذلك يبخلون عليك ببطاقة شحن محتَمة تستطيع رؤيتها بالعين المجردة..! هذا الجشع المستفز لا تراه في الناس من حولك في المال فقط..! فأنت ترى ذلك الذي يقع في عشق فتاة جديدة كل سبعة وعشرين يومًا..! وتلك التي ملأت آخر ملليمتَ مكعب من دولاب ملابسها، وترغب دائماً في المزيد..! الكثير منا يعاني من الجشع.. قد تكونر

عدد الصفحات ٢٢

23 واحدًا من هذا الجمع الكبير دون أن تدري..! قد يكون هناك شيء ما لا تقدر على أن تتوقف عن حبه، وعشقه، وإدمانه، وجمعه، والتعلق به، والتحسرّ على ما فقدته منه.. المشكلة أننا سرعان ما نفطن إلى أننا لن نحصّل أبدًا القدر الذي نطلبه، وأننا طالما ارتضينا باتباع رغبتنا فلن نتوقف أبدًا عن الركض، ولن نحصل أبدًا على ما نريد..! ستسمع عن نصف نساء العالم اللاتي هنّ أجمل من زوجتك، وستسمعين عن معظم رجال العالم الذين هم ألطف من زوجك .. ستسمع أن هناك دائماً الكثير ممن هو أغنى منك، وهناك طبعًا الكثير ممن هو أظرف منك.. معظم الطعام الشهيّ لن نأكله، معظم النكات الجميلة لن نسمعها، معظم الأطفال الظرفاء لن نراهم .. هذه الرؤية الواقعية السوداء تمتزج بجشع رغبتنا في هذا الشيء أو ذاك، فتنتج حالة نفسية غريبة لا تتحمل معها مرارة فراق المفقود، ولا تقدر على ألم البذل والجود..! حالة نفسية غريبة هي مزيج من الخوف والقلق والتوتر، ممزوجة بالكثير من اللهفة والشغف والتعلق..! حالة نفسية غريبة جمعها القرآن في كلمة واحدة، ثم ذكر نتائجها: ﴿إ ن الإْ نْسرانر خُل قر هرلُوعًا * إ ذرا مرس هُ الشر ر جرزُوعًا * ورإ ذرا مرس هُ الخْريرُْ مرنُوعًا ﴾. إنه تعلق كامل إذن..! ليس بوسعك أن تتخلص منه إلا بتعلق أقوى، وصلة أمتن، وحبل أشدّ ..! ليس بوسعك أن تتخلص من إدمان الجمع، وقلق السمع، وحب المنع، إلا بصنع شغف آخر أهم، واعتياد لذة أخرى أجمل.. ثم الدوام على هذه الصلة الجديدة..! فكانت الآيات التالية تقول: ﴿إِلَيُ ُالْم صَلِييَُ ُ*ُِينَُ الََيُه مُُْعَََُ ُصَلََتِهِمُْ ُدَائِم ونَُ﴾..!ُ

عدد الصفحات ٢٣

24 الأديب التشيكي المكتئب الشهير (فرانس كافكا) كانت فلسفته الإيمانية بسيطة وصادمة للغاية: "الله موجود ولكنه شرير"..! وصدمتنا من هذه العقيدة يستدعي منّا أن نتساءل: لماذا نتعجب من إنسان يؤمن بذلك..؟! ربما العجيب بالفعل هو ما يفعله بقية الفلاسفة والمفكرين الذين تخاصموا في القضية الفلسفية الشهيرة الخاصة بوجود الشر، منذ أبيقور وحتى شوبنهاور، كان الخصام الرئيسي بينهم هو كيف يسمح الله مطلق الخيرية بوجود شرور في العالم، فيتساءلون: هل الله عاجز إذن أو شرير كي يحدث ذلك؟! من ثم انقسموا إلى من يؤمن بحكمة الله وعدله -وأحيانًا رحمته- من خلال الشرور، ومن يؤمن بعدم وجود إله أصلاً ..! رغم أن وجود الشر أمر مستقل عن وجود الله وكان الأقرب للمنطق هو الإيمان بعقيدة كافكا تلك عن الإلحاد بشكل كلي..! أم تُرى أن البشر مخلوقون بجهاز داخلي غامض مبرمج على أن الله لابد بألا يكون شريرًا ولا عاجزًا أبدًا ..؟! هذا شبيه بما يفعله بعض الناس حين يظنون أن في كتاب دينهم المقدس أخطاء علمية أو تاريخية، فيقررون أن هذا الكتاب ليس من عند الخالق، إذن فذلك الجهاز الغامض إياه يخبرنا أن الله لا يمكن أن يكون كاذبًا أو جاهلاً أيضًا ..!

عدد الصفحات ٢٤

25 وطالما نحن في هذه المنطقة فيمكننا أن نعرّج قليلاً على جدلية (التصميم والتطور) حين يتجادل المؤمنون والملحدون في بعض الأعضاء البشرية وعماّ إن كان لها فائدة ما أم أنها عشوائية، من جديد فإن الفريقين كليهما يصرخ بداخله شيء ما يقول أن الخالق لا يمكن أن يكون عبثيًا كذلك..! ط يب الله ورحمته وجماله وحكمته وقدرته وعلمه وصدقه هي من أكواد ذلك الجهاز الذي وجدناه في أنفسنا حين كنا بعد صغارًا لا نجيد جمع البرتقالات على أصابعنا وبرغم ذلك كنا مستعدين لفعل أي شيء (علشان ربنا يحبنا).. ﴿فِطْرَةَُ ُاللَيُِ ُالَيتُِ ُفَطَرَُ ُالَياسَُ ُعَلَيْهَاُ لُتَبْدِيلَُ ُلَِِلْقُِ ُاللَيُِ ﴾. نحن لسنا مفطورون فقط على وجود الله والحاجة إليه ولكننا مفطورون أيضًا على كل تلك الصفات التي يتصف بها الله وتجعلنا في اطمئنان كامل من أن تكون حاجتنا إليه..! نحن غارقون في قبح النقص ولكننا خُلقنا مُبرمجرين على أن الله له جمال الكمال، نحن نعيش في حياة شريرة ولكننا نعلم أن خالقنا طيّب وسوف يعيننا على النجاة منها، نحن نرى دناءات البشر من حولنا فتذكرنا قلوبنا بأن الله أعلى وأجلّ ..! تذكر أن الله قد خلقك على أن تنظر إليه بتلك النظرة لأن نظافة قلبك من سوء الظن به أمر عظيم الأهمية عنده.. تذكر أن الله قد أوكل إليك مسئولية الحفاظ على تلك النظافة من أوحال الشك واليأس والجزع والتدلل عليه.. تذكر أن الله قد يكون غضبانًا عليك إن لقيته بنظرة إليه مُلوّثة ..!

عدد الصفحات ٢٥

26 أنت كطبيب تعيش أزمة متكررة ومملة في كل مرة تضطر فيها إلى الكشف على طفل صغير لما يراك قادمًا نحوه بالمعطف الأبيض ويبدأ في صراخ حاد وهلع حقيقي لا يتأثر بابتسامتك الشنيعة.. كل ذلك بسبب أن أم هذا الطفل ككل أمهات الأطفال قد اعتادت على أن تقول له في كل مرة يرفض فيها أن يأكل القرنبيط المسلوق الذي تعده: "سأحضر لك الطبيب كي يعطيك الحُ قنة"..! إذن حضرتك أم كسولة قد قررتْ ألا تحُسّن من طهيها، ثم قررت ألا تتعلم أساليب تربوية جديدة أفضل من ذلك (الكليشيه) المحفوظ. أنت سمحت لهم يا صغيري أن يقنعوك أنني أكبر خطر يهددك في الحياة، وظننت أنك ستكون آمنًا طالما ابتعدت عن كل طبيب وعن كل حقنة، لكنك ساذج جدًا .. ماذا عن المغتصبين والسفاحين واللصوص والسايكوباثيين الذين يستمتعون بضربك دون سبب..؟! وماذا عن أبلة لواحظ مدرسة الحساب التي ستلاحقك بخرزانة أسوانية لأنك لم تجلد الكشكول بالجلاد السمني..؟! أبواك لطيفان يا صغيري فأخفيا عنك حقائق هذه الحياة.. قررا أن يقنعاك أن العالم مكان آمن لا داعي للخوف منه..! لقد فعلا ذلك فقط لأنهما مرعوبان بالفعل من كل شيء..! أنت تحسب أن الصغار هم من يخافون ولا تعلم شيئًا عن خوف الكبار..! مشاعر الخوف الحقيقية لم تختبرها بعد، ولكنك ستفعل.. حين تكبر سوف تتعلم الخوف من شرطي المرور بدفتَه الصغير، سوف تتعلم أن تشعر بضربات قلبك حين تراقب أسعار السلع التي

عدد الصفحات ٢٦

27 اشتَيتها على (الكاشير) في يوم قبضك لراتبك الهزيل، سوف تتعلم الفزع مع رقم 42 الذي سيظهر على (التَمومتَ) الخارج من حلق طفلك الصغير.. نحن الكبار نخاف جدًا يا صغيري، نخاف طوال الوقت.. الخوف المزمن هو معنى الحياة بالنسبة لنا، وتعريف (اليوم) هو مشقة وعناء القلق من الغد.. وما منا إلا وهو كذلك، ولكن يذهبه الله بالتوكل.. هذا الخوف مهم جدًا، بدونه كنا سنصبح جميعًا فراعنة.. أنت ترى كل هذا الجبروت في وجوه الناس، كل هذا الكبر، كل هذا الغرور.. تخيل أن كلهم يخافون مهما بلغت قوتهم وغناهم..! صاحب المليارات يكاد يجن من الهلع وهو يراقب حركة أسهم شركاته في البورصة، ورئيس أقوى الدول يموت من القلق على ابنه وإدمانه للمخدرات..! تخيل لو كان الله خلقنا في بيئة آمنة كيف كان ليكون تجبرهم وعنادهم..؟! كنا سنأكل بعضنا البعض يا صغيري.. إننا الآن سيئون، وبدون الخوف كنا لنصبح أسوأ بما لا يقاس..! هذه المُكابدة التي تصيب كل أحد هي رحمة من الله علينا..! الخوف والقلق والمشقة والعناء والتعب، كل هذه أدوية يا حبيبي، يعالجنا الله بها، حتى نتعلم أن البكتَيا تقدر علينا، والفقر يقدر علينا، والبرد يقدر علينا، والألم النفسي يقدر علينا، وظلم البشر يقدر علينا.. جميع نوائب الدهر تقدر علينا.. يعلمنا الله ذلك حتى لا ننسى ولو للحظة واحدة، أن خالق كل شيء ومدبر كل شيء بالفعل يقدر علينا..! هذا يا صغيري ما أخبرنا به الله تعالى: ﴿لَقَدُُْ خَلَقْنَاُِنسَانَُ الُْْفُِِ ُكَبَدُِ * يََْسَب ُ َ أُن َ أُلَينُيَقْدِرَُ ُعَلَيْهُُِحَدٌُ َ أ﴾..؟!

عدد الصفحات ٢٧

28 بالنسبة إلى الأم الشاب ف منظر نوسفيراتو خارجًا من تابوته بأنياب ملوّث ة بالدماء لا يقارب في رعبه منظر طفلها الذي يجري ضاحكًا وعلى وجهه علامات النشاط في الثانية صباحًا ..! تنظر له في هلع وهي تتخيل الساعات الخمس التي ستقضيها في محاولة إنامته.. سيقف حولها زوجها في سعادة بمنظر هذا الطفل الضاحك، وسيتلقفه بالأيدي مسرورًا ، فقط لأنه يعلم أن هذا لن يؤثر لحظة في ساعات نومه التي سيأخذها بشكل كامل، يأتي الرجل ليلاعب طفله قليلاً ثم ينام، وتحمل الأم الطين على رأسها، وهو تشبيه معنوي، ولكنها ستودّ وقت تغيير الحفّاضة، لو كان التشبيه ماديًّا، وكان هذا طينًا فعلاً ..! لو كنت تظن أن هذه أصعب مرحلة تمرّ بها الأم، فلتتذكر من فضلك أنه ما زالت أمامها مرحلة [البيتادين]ح يفتَض الطفل أن من واجبه أن يصاب في ركبته كل أسبوع مرة على الأقل، على أن يعوّض الأسبوع الذي لا يحدث فيه هذا بأن يكسر المزهريّة التي اشتَتها هذه الأم المسكينة بمدخراتها الغالية قبل زفافها..! ثم تأتي مرحلة [وعهد الله]التي يبدأ يشعر فيها الطفل بأن خيوط فطر العفن المتكونة فوق شفتيه تعطيه الحق في الصراخ والاحتجاج على كل شيء، ويبدأ في التعرف على مجموعة منحطة من الرعاع يجعلونها تسهر طوال الليل وهي تفتش في قلق عن زجاجة الخمر التي لابد هو يخفيها في جيب قميصه، أو الفتاة الماجنة التي يطويها في حقيبة مدرسته، حتى ولو

عدد الصفحات ٢٨

29 كانت قوانين الفيزياء لا تسمح بحدوث هذا، فهي قد اعتادت على أن المراهق كائن شيطاني خارق لن يستطيع العجوز نيوتن أو أرشميدس منعه من تحقيق أهدافه.. وهكذا ترى أنه لا يكون هناك سوى الأم لتحمل عناء هذا الطفل في مراحل حياته المختلفة التي يظل طفلاً في معظمها، فقط يتغير حجمه وتزداد كمية الطعام التي يحتاج إليها لكن تظل روحه طفلة بالنسبة لها، وخلال مشاكله ومتاعبه التي يمرّ وتمرّ بها لا تتخيله إلا في صورته الأولى، حين كان طفلاً يأتيها ضاحكًا وهي تحتاج النوم، فتنظر له في رعب، وتتحمل التعب في صمت، ولكنها لا تستطيع أبدًا التخلي عنه..! وحين يصير ناضجًا أخيرًا يتخلى عنها إلى بيته الآخر، لينشئ أسرة أخرى، ويربي أطفالاً آخرين، وينجح في حياته ويتلقى المدح والثناء على إنجازاته وأخلاقه، دون أن يعلم أي أحد ذلك البطل المجهول الذي حول كائنًا أخرق تمامًا إلى كائن مسئول.. إن لم يكن هذا هو أكبر إنجاز في الحياة فلا أدري ما هو..! دع الرجل يفرح بإنجازاته الصغيرة إذن، دعه يسير في الحفلات ليتفاخر بالبيت الذي بناه، وبالماشية التي سمّنها، وبالكتاب الذي كتبه فصارت أوراقه في كل بيت حول أقراص الفلافل، وبالشركة المساهمة الصغيرة التي أنشأها لبيع خلّة الأسنان..! دعه يشعر بأن له القيمة الأكبر، والمهمة الأعظم شأنًا.. دعه يحاول إقناع الجميع بذلك ويدّعي بأنه يهتم بالمرأة المسكينة التي ليس لها دور في الحياة إلا تربية أولادها كي تبدأ في المساهمة الفعليّة في المجتمع وتأتي لتعمل سكرتيرة في شركته المساهمة الصغيرة لبيع خلة الأسنان..!

عدد الصفحات ٢٩

30 كل منا لديه أمنية ما يضعها نصب عينيه.. يظن أن حياته ستتغير تمامًا فقط لو أنه استطاع أن يحوز على هذه الأمنية أو تلك.. ينظر لصديقه الذي عنده ما يرغب فيه.. ويتساءل ترى هل هو يقدر النعمة التي هو فيها..؟؟ ألا يعلم أنه مستعد لفعل المستحيل في سبيل ما هو عنده..؟! بينما لا تعلم أن هناك آخرين ينظرون لك قائلين في أنفسهم نفس الشيء..! هناك حتماً من يتمنى من سويداء قلبه شيئًا لربما أنت تملكه ولا تدري كم هو نفيس إلى هذا الحد. ماذا عن الألبينو (عدوّ الشمس) ذي البشرة باهقة البياض والذي يتمنى أن يحصل منك على بعض الخلايا الصبغيّة ..؟ هناك من يتمنى شريانًا تاجيًا أوسع قليلاً .. أو نسبة أقل من حمض البولينا في دمه فيحميه من أوجاع النقرس الذي لا يريد أن يتَك أصبع رجله الأكبر في حاله أبدًا ..! وهناك من يحقن نفسه بالإنسولين كل صباح متسائلاً كيف كانت لتكون الحياة لو كان عنده إنسولين طبيعي مثلنا..؟! كانت لتكون أسهل بالتأكيد. كل منا لديه أمنية ما.. ولا يعلم أنه قد حصل بالفعل على آلاف الأمنيات..! فقط، كانت هذه أمنيات الآخرين..! في المقابل فنحن نرى المنعّمين ولا ندري أنهم يعانون مثلنا وأكثر..

عدد الصفحات ٣٠

31 فالممثل المشهور الذي حاز الشهرة والمال والرفاهية، لربما هو واقع في إدمان حفنة من (الكوكايين) ونحن لا ندري، فنحسده نحن على ماله، ويحسدنا هو على العافية من ألم التعلّق والإدمان..! والمتزوج من أجمل امرأة في العالم لربما زواجه منها سبب تعاسته، لربما هي متكبرة أو متعجرفة أو سيئة الخلق أو يشك هو في سلوكها وإخلاصها له، من جديد هو يتمنى أن يحصل على زوجة غير جميلة ونأخذ منه زوجته..! بطل كمال الأجسام ذو العضلات المنفوخة لربما يموت من جرّاء تضخم عضلة قلبه في النهاية، وعالم الرياضيات المشهور الذي يحسده الناس على ذكائه لربما هو مصاب بالوسواس القهري فيحيل حياته جحيماً، وحاكم أقوى بلد في العالم ربما لا يستطيع النوم ويخاف على حياته في كل لحظة من أتباعه المقرّبين قبل أعدائه..! لذلك قبل أن تنظر إلى أحد بنظرات الشفقة تذكر أن نعم الله عز وجل كانت أكثر من ذلك البلاء الذي تراه عليه.. وقبل أن تنظر إلى أحد بنظرات الغبطة والحسد ضع في الاعتبار كم الحرمان الذي لربما هو فيه مقابل هذه النعمة أو تلك..! هذا هو ما أخبرتنا به الآية القرآنية: ﴿اللَ ُُلَطِيفٌُ ُبِعِبَادِهُُِيَرْز ق ُُمَنُُْيَشَاء ُ ُوَه وَُُالْقَُوُِّ ُُ الْعَزِيز ُ﴾.. فالله تعالى قد ذكّرك بأن اللُطف الإلهي في الحقيقة قد طال الجميع، وأنه لا يكسب أحد كل شيء ولا يخسر كل شيء..! ومهما كان نصيبهم من توزيعة الأرزاق، مهما كنت تراهم أوسع منك رزقًا أو أشد منك حرمانًا، في النهاية فالله قد لطف بنا وبهم، ونعم الله علينا جميعًا أكثر دائماً من حرمانه..!

عدد الصفحات ٣١

32 يحكي (أنيس منصور) في كتابه (حول العالم في 200 يوم) عن رحلته التي قام بها للقاء الدلاي لاما الرابع عشر (تينزن جياستو) زعيم التبت (وإلههم) والذي طردته الحكومة الصينية إلى الهند بعد احتلالها للتبت في أوائل الخمسينات والذي كان في وقت زيارة الأستاذ أنيس له شابًا ثلاثينيًا نحيلاً ، يحكي لك كيف وقف الريفيون البوذيون البسطاء أمام شرفة الدلاي لاما بالساعات كي يخرج عليهم ليتمتم بكلمات غامضة سريعة ثم يرحل وكلهم هناء وسرور أن تفضّل عليهم الإله بالخروج عليهم من (البلكونة). ثم يحكي لك الأستاذ أنيس كيف أنه قد نال شرفًا لا يتخيله أحد هؤلاء القوم بأن وضع الدلاي لاما يده على أرنبة أنفه في أول اللقاء، وبعد أن جلس، لاحظ الأستاذ أنيس أن ساق الدلاي لاما كانت مليئة بالدمامل وعليها آثار الحكّ، وهذا يعني أن يده المباركة التي وضعها على أنفه نقلت له كل جراثيم الدنيا..! وكانت هذه الذكرى المقززة من أقوى ذكرياته في هذا اللقاء. دائماً وأبدًا كان من عادة الدجاجلة على اختلاف دياناتهم، استغلال الدين للتمسّح بصفات الإله وادّعاء القدرة على دفع الضرر وجلب المنافع.. ومن الغريب أن أدعى الناس لفعل ذلك (الأنبياء أنفسهم) كانوا في حالة إنكار تام للذات، بحيث لم يدّخروا جهدًا في إقرار وتكرار أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم..! أنهم لا يعلمون إلا ما يُعلّمهم الله إياه.. أنهم مجرد بشر مثلنا مثلهم..

عدد الصفحات ٣٢