209 عندما تجد المُقعرد على كرسيه المتحرك يجاهد كي يصل إلى قلم أوقعه على الأرض، ولا يستطيع، بينما أنت تفكر أن القلم قريب منه جدًا، وبينه وبين ذراعه ذراع، ومع ذلك لا يقدر على الوصول له، حينها تفطن إلى معنى من معاني العجز..! ليس العجز أن تعجز عن الوصول للشمس، ولكن أن تعجز عن الوصول لشيء يسير عليك جدًا أن تصل إليه. وحين تجد من له ابن قد أسرته حفنة من (البودرة)، ويشعر أن فلذة كبده الذي هو رأس ماله في هذه الحياة والذي أنفق ما مضى من عمره في صناعته، يضيع من بين يديه، حينها تدرك معنى آخر من معاني العجز..! ليس العجز أن تعجز عن شيء قليل الأهمية والقيمة بالنسبة لك، ولكن العجز فعلاً أن تعجز عن قمة أولوياتك وأقصى أمانيك. وبينما تراقب رضيعًا صغيرًا يبكي بسبب ذبابة تقف على حاجبه، وتأبى أن تتَكه ينام في سلام، بينما تلويحة يسيرة بيدك تكفي لإراحته من همّه، حينها تقف على معنى آخر من معاني العجز..! فليس العجز هو أن تعجز عن رفع الأطنان، ولكن أن تعجز عن شيء يحتاج منك إلى أقل الجهد وأيسر القوى. فلو جمعت ماسبق من تلك المعاني الثلاثة، لعلمتر أن أعجز الناس من يعجز عن شيء قد ضمن الله له نتائجه، فصار يسيرًا جدًا عليه تحقيقه.. من يعجز عن شيء يحقق به كل آماله وأولوياته في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. من يعجز عن شيء لا يحتاج منه إلا لثوان قليلة، وقلب مخلص، وتمتمة لسان..! أو كما قال النبي ﷺ: "أرعْجرزُ الن اس مرنْ عرجرزر عرن الدرعراء "..!
عدد الصفحات ٢٠٩210 الأزمة الاقتصادية الراهنة هي عدو الشخص القلوق بطبعه مث أسير في الش ارع أتأمل في عدد المحلات التجارية المفتوحة تنافس بعضها البعض، والأطباء الذين يتخرج منهم كل عام الآلاف ليحاولوا حشر أنفسهم وسط الأطباء القدامى بعياداتهم الجديدة..! أقول في نفسي: ومن يضمن لكل هؤلاء النجاح..؟! المنافسات دائماً تقلقني، والمثير للسخرية أن الحياة الدنيا كلها منافسات، الموارد تبدو من حولنا محدودة للغاية، القليل من فرص العمل في الدولة المتسوّلة أصلاً ، القليل من الأخلاء الأوفياء، القليل من شركاء الحياة لطيفي المعشر صالحي الديانة.. القليل من الفرص، تعني غالبًا الكثير من الحسرات..! ولكن مما علمني الطب أن هذا القلق لا مبرر له..! فخلايا جسدك لا تعيش على هذا التنافس المقلق، فكل ما تحتاجه تحصل عليه تمامًا.. لديك مثلاً مريض أنيميا الفول الذي يملك نقصًا في إنزيم (مختزل الجلوكوز سادسي الفوسفات) G6PD والذي يمكنه بسبب ذلك أن يتناول أي عوامل مؤكسدة .. ولكن من ضمن العوامل المؤكسدة هي الأدوية المضادة للملاريا، فماذا سيحدث لو أصيب هذا المريض بالملاريا؟! الحقيقة أنه لا داعي للقلق لأن دودة الملاريا لا يمكنها النجاة في جسد العائل بدون دورة أيضية معينة تدعى: Pentose Shunt والتي لا تتم بدون إنزيم G6PD نفسه..! أي أن دودة الملاريا تدخل إلى جسد ذلك الذي لا يستطيع تناول علاجها فتموت من تلقاء نفسها..!
عدد الصفحات ٢١٠211 هرمون الكالسيتون Calcitonin يضمن لكل عظمة في جسدك ألا تُظلرم وتُسلرب ما تحتاجه من الكالسيوم.. والقُطر المناسب للأناببيب الطحالية Splenic Tubercles يحافظ على حق خلايا الدم صغيرة السن الشابة في الحياة، فلا تتكسر إلا الخلايا العجوز ذات الأربعة أشهر من العمر.. بينما لا يمكن أن تتذمّر خلايا مخك من كثرة الأعباء لأنها الأوفر حظًا بحصولها على خمس الدورة الدموية بالكامل.. هذا هو عدل الله عز وجل وإنصافه.. فلا يوجد داعي للقلق..! ولكن هل شعرت يومًا بشعور المدلل، حين يكرمه أحدهم بأكثر ما يحتاج، أكثر من الحد الذي يتوقف عنده قلقه، يتخطاه إلى ذلك الحد الذي يجعله في أمان واطمئنان كاملينْ..! إن كبدك الذي يعمل بـ 20% من طاقته، ويراقب في كل يوم مخزونه الاحتياطي رباعي الأخماس، يشعر بهذا التدليل..! كليتاك التي تعمل بدلال واستَخاء وهي تعلم أن نصف كلية واحدة قادرة على الوفاء باحتياجاتك، تشعر بهذا التدليل..! سُئ لر علير رضي الله عنه عن قول الله تعالى : ﴿م ر ُبِالْعَدْلُِوَالِْحْسَانُِ ْ إِنَُالَُيَأ ﴾ فقال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضّل.. نعم عدل الله رائع، وأروع منه حين تذوق إحسانه..! لما يتفضل عليك بأكثر من حاجتك، لما تصيبك عطاياه دون أن تحتسب، لما تُفاجأ بخيرات إضافية، بينما أنت مازلت في خيراته القديمة..! فلا أقلّ من أن نحاول أن نقوم بالمثل في عبادتنا ومعاملاتنا مع الناس، ألا نتوقف عند ما أوجبه الله علينا، ونتخطاه إلى الإحسان..! ﴿حْسِنُ َ وَأحْسَنَُاللَي ُإِلََْكَُ َ كَمَاُأ﴾..
عدد الصفحات ٢١١212 بكاء الطفل الرضيع أمر يبعث على القلق والتوتر ويثير العاطفة بشدة، أنت لا تحب لهذا الكائن اللطيف أن يتألم.. وبرغم ذلك فإن بكاءه من ألذ ما قد تسمعه في لحظة الولادة، حين يصافح بوجهه الصغير دنيانا الأصغر منه ، وحين يبدأ بأنفاس متلاحقة وصرخات مرتابة رحلة حياته الأشد تلاحقً ا وارتيابً ا.. بكاؤه في تلك اللحظات هو الطبيعة التي لا طبيعة غيرها، ونزوله من الرحم هادئً ا يدل على مشكلة في تنفسه..! ومنظر الدماء أمر مخيف ويثير في النفس الرهبة والارتياع، ولكن حدثني ماذا سيكون شعورك لو جرحت إصبعك جرحً ا غائرً ا ثم لم تر نقطة واحدة من الدماء..؟ حينها سيكون الأمر أشد رهبة وخوفً ا بما لا يقاس.. من المفتَض أن تنزل الدماء وإلا كان هذا معناه خلل غير طبيعي في شعيراتك الدموية أو صفائحك البلازمية..! والألم الحارق المستفز الذي يعكر مزاج يومك بعدما تخطو بقدمك على مسمار صغير مشاكس هو الأصل.. لو لم تشعر بهذا الألم لكان هذا خبرً ا مزعجً ا يتمثل أنك في مرحلة متقدمة من مرض السكر أو أنك مصاب بالجذام مثلاً لا قدر الله..! في سنن الحياة القدرية نتفهم وندرك أن أذى الألم قد يعني أحيانا شذى الأمل، وأنه بالعناء قد يقوى الرجاء، وأننا قد نستدل على قدوم اليسر بما نلاقيه من العسر، وأننا قد نحسب الشر في حادثة قدرها الله للخير، وأننا لا نعلم شيئً ا إلا ما يرينا الله إياه، وأنه ﴿مَاُ صَابَُ َ أُمِنُُْم صِيبَةُِ ُإِلَُ ُبِإِذْنُُِاللَُِ ُوَمَنُُْي ؤْمِنُُْبِاللَُِ ُيَهْدُُِقَلْبَه ُُوَاللَ ُُبِك للُُشََْءُِ ُعَلِيمٌ﴾..
عدد الصفحات ٢١٢213 سنن الحياة القدرية تخبرنا أن علينا ألا نتوقف مع صورة الألم الظاهرية وننسى الرحمة المختبئة بداخله، تخبرنا أن علينا أن ننصت جيدًا لصوت الع برة المصاحب لأصوات عربرراتنا، تخبرنا أن علينا ألا ننسى أن كل هذا قد أُنز ل بعلم الله. فعدني ألا تنسى هذا..! هل تذكر يا صاحبي يوم كذا وكذا حين استيأست؟ حين ظننت أن هذا على الأرجح آخر يوم تريده من الحياة؟ حين كنت تتساءل في تعجب: وهل سيأتي علي يوم أبتسم فيه من جديد؟ حين كنت ترمق كل من يطمئنك بأن الغمة سوف تنكشف بنظرات الكراهية والتكذيب؟ أتذكر هذه الأيام؟ لقد انتهت يا صاحبي، عدني ألا تنسى هذا..! عدني بالله عليك..! عدني أن تكون عادلاً مُنصفًا شاكرًا حافظًا لجميل صنع الله فيك، عدني أنك لن تكون صاحب ذاكرة متحيزة ناقمة لا يعلق بها إلا مواضع الألم والحزن وتطرد منها عامدًا كل شيء لطيف .. عدني ألا تتذكر المرات التي دعوت الله فيها فلم تجد الإجابة العاجلة وتنسى كل تلك المرات التي وجدت إجابة دعائك أسرع مما ظننت.. عدني ألا تنظر إلى من حولك نظرة من يقول: يا ليتني كنت مثلهم، ثم لا تنصت السمع لأصوات نظراتهم المصوبة إلى بعض نعمك الخفية وهم يقولون: ويا ليتنا كنا مثله.. مثلما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَاُصَابَُ َ أُبِهُُِمَنُيَشَاء ُمِنُُْعِبَادِهُُِإِذَاُه مُُْيَسْتَبْشِ ونَُ ُ*ُوَإِنُ كََن وا ُمِنَُِبْلُُِن َ أُي نََلَُ ُعَلَيْهِمُملنَُِبْلِهُُِلَم بْلِسِيَُ ُ*ُفَانظ رُْ ُإِلَُ ُآثَارُُِرَحَْْتُِ ُاللَُ ﴾.. فحين تأتيك البشرى بعد الإياس، فعليك أن تنظر حينها إلى آثار رحمة الله .. عدني يا صاحبي ألا تنسى أنك رأيت يومًا آثار رحمة الله..!
عدد الصفحات ٢١٣214 منذ أن كنّا في الثانوية العامة ونحن نقنع أنفسنا أن القادم أفضل وأننا الآن في عنق الزجاجة، ثم كبرنا وأدركنا كما يقول د. أحمد خالد توفيق أن هذه أنبوبة اختبار وليست زجاجة أبدًا ..! فأنت بعد الليالي الطويلة في الا ستذكار الجاد تدخل الكلية التي تر يدها أخيرًا، فتَاقب الأيام الباقية على الخلاص منها، وبعد أن تنتهي منها بالفعل تفاجئك فتَة الامتياز، وهي أولى خطوات دخولك إلى عا لم العمل الحكومي الرحب، حيث تكتشف حقيقة أن (إمضاء الحضور والانصراف) هو ليس فعلاً يُقام به ولكن مكان يُذهرب إليه..! إحساسك بذاتك مفقود تمامًا حيث تقوم في عز البرد لا للعمل ولكن لوضع توقيعك التعيس في ورقة أتعس أمام عيني موظف مكتئب..! محاولاً ألا تتقيأ وأنت تشمّ في الصباح رائحة طهي (الكبد) الشريرة القادمة من كافيتَيا المستشفى.. لماذا يسمحون لأناس يأكلون شطائر الكبد في التاسعة صباحًا بالدخول لحرم المستشفى.. ؟! بعدها تبدأ فتَة (التكليف الإجباري) في الوحدة الصحية التي تذهب فيها إلى عملك راكبًا حمارة صغيرة متسخة..! ثم تبدأ في التدرّج الوظيفي وتنطلق في رحلة عملك الروتين ية المملة، يتحول يومك إلى رحلة شاقة تهدف إلى الوصول للفراش ليلاً.. وعندما تصل تتساءل في تعجب عن السبب الذي قد يدفعك إلى القيام ثانيةً..؟ ! تتزوج غالبًا من كائن مجهول تمامًا بالنسبة إليك، ولربما تكتشف أنه كائن مجنون كذلك، تنظر إلى الكبار نظرة رعب واستعطاف للمساعدة فيبتسمون في تشفي غامض..!
عدد الصفحات ٢١٤215 تنجب طفلاً صغيرًا تحبه في البداية، سرعان ما ترجع عن رأيك حين يكبر قليلاً ويتحول إلى آلة محطمة لكل ما هو جميل في الحياة بصوت صراخه المزعج.. وبعد أن يكبر أكثر يجعلك تمر معه بكل الأطوار التي كرهتها في حياتك ثانيةً : المدرسة ثم جحيم الثانوية ثم الكلية والعمل والزواج.. وعندما يستقل أبناؤك بحياتهم، تكون هي اللحظة التي تفر فيها من متاعب الحياة لتقع في أحضان سرطان البروستاتا وضيق الشرايين التاجيّة..! أنت قد اختَت لنفسك عذابها لو كنت تنوي أن تكون هذه هي حياتك..! مجموعة من المراحل المؤلمة التي تنتظر نهايتها، تعيش في بحث مستمر عماّ يكفل لك المزيد من العيش، وكأنك في حلقة مفرغة ودائرة لا نهائية. بينما الله عز وجل قد دعانا أن نكون أكثر عقلانيّ ة، أن ندرك أننا أتينا لهدف أعظم من ذلك.. وأنه ليس لأحدنا من هذه الدنيا إلا ما أكل فأفنى، ولرب سر فأبلى، وتصدق فأبقى.. وأن تكون في الدنيا كعابر سبيل يوشك أن يرحل عنها، وأنه لا عيش إلا عيش الآخرة، وأنه من أرادها وسعى لها سعيها وهو مؤمن فالله يحييه حياةً طيبة سعيدة ويوم القيامة هو أسعد، وأنه من كان في هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً ..! هذان خياران غير متكافئينْ إطلاقًا، فالدنيا التي نحيا فيها سريعة الفناء والتحوّل والتغيرّ ، وهي قطعًا لا تستحق..! مثلما قال الله تعالى: ُ َ ﴿إِنَمَاُمَثَل ُالَْْيَاةُِال نْيَاُكَمَاءُِأ نْزَلَْاه ُ مِنَُ رْض ُ خَذَتُِالَْْ َ نْعَام ُحَتََُّإِذَاُأ ك ل ُالَاس ُوَالَْْ ْ رْضُِمِمَاُيَأ السَمَاءُِفَاخْتَلَطَُبِهُِنَبَات ُالَْْ وُْنَهَارًاُفَجَعَلْنَُ َ مْر نَاُلََْلًَُأ َ تَاهَاُأ َ نَه مُْقَادِر ونَُعَلَيْهَاُأ َ هْل هَاُأ َ ز خْر فَهَاُوَازَيَنَتُْوَظَنَُأ اهَاُ حَصِيدًُ مْسُِكَذَلِكَُن فَصلل ُالْْيَاتُِلِقَوْمُِيَتَفَكَر ونَ﴾ نُْلَمُْتَغْنَُبِالَْْ َ اُكَأ..!
عدد الصفحات ٢١٥216 أتعلمون..؟ أفكر في أننا نثق في أمور غريبة لا تستحق الثقة ..! نثق في ذاكرة ذلك الطبيب الباطني أن يتذكر معلومات طبية لربما لم يمرّ عليها منذ عدة سنوات.. أن يتذكر العلاج المناسب لحالتنا وألا يختلط في ذهنه بـ"سيانيد البوتاسيوم" على سبيل السهو.. قد كانت ذاكرته وخبرته العلمية وتعابير وجهه التي تدل على منتهى الحكمة والرضا الكامل عن النفس يكفون من وجهة نظرنا أن نسلّم له مستقبل غدتنا الدرقيّة ..! نثق بعدها في خطه الذي يشبه تعاويذ سحرة الويكا بأن يقرأه بشكل صحيح ذلك الصيدلي.. ولربما لم يكن الصيدلي موجودًا واعتمد على "سيد شحاتة" العامل الشاب الذي يفكر في زواجه وأمه المريضة وصاحبه "متولي" الذي يدينه بعدة مئات من الجنيهات.. ومن جديد نحن نسلّم مستقبل ك ليتنا إلى عقل "سيد شحاتة" وقدرته على التَكيز..! نثق في محركات الطائرة الاثنين وهي تطير بنا على ارتفاع عدة كيلومتَات فوق سطح البحر.. لو قرر أحدهما أن يداعبنا بماس كهربائي لوجدنا أنفسنا نتعرّف على الذبحة القلبية في عز شبابنا حتى لو نجت الطائرة بعد ذلك ..!
عدد الصفحات ٢١٦217 نثق في مكابح السيارة التي نقودها بسرعة 140 اعتمادًا على سلاسة الطريق السريع مع تأكيدات من "حسين" بأنه لا يوجد رادار.. نثق أنه في اللحظة التي سنحتاج فيها إلى ضغط المكابح أن نجد "التيل" سليماً غير متآكل من كثرة الاستخدام، أن نجد (زيت الفرامل) في ماكنه بدون تسريب، أن نجد (ديسك الفرامل) متحملاً للاحتكاك المباشر مع الحديد .. إن مصير ذلك الحضن الغالي مع تلك الشاحنة العملاقة يعتمد على كل هذه الثقة العمياء..! نثق في أشياء غريبة.. غير مرئية، غير ملموسة،َُيُواضحة،َُيُم عتَمدُعليهاُفُِالواقع..ُ ومعُذلكُلوُط لِبَُ ُمنُأحدناُ-ُوجْيعنا ُكذلك-ُأنُيثقُولوُمرةًُُواحدةًُُبأنُماُيدبرهُ الُلاُفُِالِفاءُأفضلُمماُنتمناهُلْنفسنا..ُ أنُماُينتظرناُفُِتلكُالكواليسُالمخفييةُهوُتقديرٌُُمنُالْميلُاللطيف..ُ أنُالُيَبُلاُالِيُعَُعكسُماُقدُيبدوُلاُمنُأولُوهلة..ُ ُلوُط لِبَُ ُمنُأحدناُذلكُلربماُوجد ُصعوبةُفُِالثقةُبهذاُالموعودُفقط ُلْنهُلُ (يراه)..!ُُ ﴿فَمَاُظَن ك مُْ ُبِرَبلُُالعَالَمِيَ﴾ ..!!
عدد الصفحات ٢١٧218 بعد أن تمت إبادة معظم السكان الأصليين لأمريكا المعروفين بالهنود الحمر،وبعد بضعة مئات من السنين، قامت حكومة الولايات المتحدة أخيرًا في 2010 بـ (الاعتذار) عن تلك الأفعال العنيفة والتهميش والعنصرية ، ولكن الحقيقة أن هذا الاعتذار جاء محشورًا في الصفحة رقم 45 من مشروع قانون مكون من67 صفحة..! أظن أن الاعتذار هو أشد وقاحة من الجرائم نفسها..! لريما كان هناك اعتذار أوقح من ذلك حيث قام اثنان برفع فيديو على الانتَنت يقومان فيه بفصل رأس شخص ما، ولكن تبين بعد ذلك أنه كان الشخص الخطأ..! من ثمّ قاما بعمل فيديو آخر يعتذران فيه عن ذلك الخطأ غير المقصود، ويطلبان المسامحة والتفهم من أهل المقتول..! غير أن هذا لا يعد شيئًا أمام اعتذار (توني بلير) الذي كان رئيس وزراء بريطانيا أيام الحرب الأمريكية البريطانية على العراق، وبعد أن تسبب بقتل مليون عراقي على الأقل بسبب الحرب وتداعياتها وبناء على معلومة خاطئة ادّعوها بشأن أسلحة العراق النووية، خرج توني بلير بعدها بسنين ليعلن أنه (آسف) على ذلك.. بالمناسبة هو كان يتأسف على قتلى البريطانيين في الحرب طبعًا وليس بقية البشر لا سمح الله.. هناك نوع أكيد من الصفاقة في بعض الاعتذار، بالنسبة لي كإنسان فسأظل متذكرًا دائماً لأشياء هي أكبر بكثير من كلمة (آسف) مهما كان صدقها البادي، هذا لا علاقة له بقلبي
عدد الصفحات ٢١٨219 الأسود، ولكن لأن مقدرتي على الغفران والتسامح محدودة كمحدودية حكمتي وجمالي وقدرتي العضلية..! لا تتعامل معي كإنسان ناقص، ثم لما تخطئ ترجو مني عفوًا كاملاً .. الحذر في معاملة الناس أمر له كبير الأهمية إذن، فأنت لا تعرف ما هو الذي سيكون أكبر من اللازم بالنسبة له..! لا تعرف ما الخطأ الذي سوف يتعدى بقيمته قمية اعتذارك اللاحق، لا تعرف How much is too much .. من حسن الحظ أن إلهنا الذي في السماء ليس بشريًا ولا يحمل من صفاتنا المحدودة شيئًا، بالنسبة للإله لا توجد حدود للخطأ المتبوع بالتوبة لأنه لا يوجد حدود للغفران..! إن قدرة الله على التجاوز عن السيئات غير نهائية، وكأي شيء غير نهائي (Infinity) لا نستوعبه بسهولة.. الله يقول لك بوضوح وفي عشرات الآيات القرآنية: أنا أغفر كل شيء، أنا لست كالبشر الذي تراهم حولك، فقط اعتذر عن هذا الخطأ أو ذاك، استغفرني من هذه المصيبة أو تلك، اندم على سابق أفعالك، احزن على ما سبق وفرطت فيه، اطلب مني أن أعفو عنك، سوف أفعل، سوف أسامحك، لا تقلق من محدودية مغفرتي بعد ذلك..! أتعلمون ما المخيف والعجيب في كل ذلك؟ أننا جميعًا نعلم هذا.. فقط نحن لا نريد أن نعتذر..!
عدد الصفحات ٢١٩220 من الصعب تحديد ما هو أبلغ ما قاله شعراء العرب، على أن معلّقة امرؤ القيس من ضمن المرشّحات لذلك بالتأكيد، تلك التي تبدأ بالبيت الشهير : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحوْمل ... هذا رجل قد هام حبًا بحبيبته، بمنطق: إذا كان يحفظ العنوان التفصيلي للبيت الذي كانت تسكنه، فما بالك بما هو أهم من ذلك وأعظم..؟! يشيع هذا المنطق لدينا ويعرفه كل واحد منّا حين يقال له: (فلان يحضرّ الدكتوراه في لبن العصفور).. فما دام يعرف في لبن العصفور فلا بد أنه يعرف إذن كل شيء..! حين يحدثنا القرآن عن مثل هذه الأجزاء الصغيرة فإنه لا شك يتَك المجال لخيالن ا البشري –وما أوسع الخيال– لتخيّل ما أكبر منه من الأجزاء.. وما خفي كان أعظم.. مثلاً يقول الله جل جلاله: ﴿وَلََ ُمَاُسَكَنَُفُِِاللَيْلُِوَالَهَارُِوَه وَُالسَمِيع ُالْعَلِيم ﴾ .. وهو هنا يوجّه فكرك إلى ملك الله وإحاطته بتلك الأشياء الساكنة الخفية الصغيرة في الليل، مثل دبيب أقدام النمل على رمال الصحراء، أو حفيف أوراق الشجر اليابس في غابة مهملة على حدود سيبريا.. فما بالك بإحاطته بما يتحرك في وضح النهار، بما هو أظهر لأعيننا ووعينا..؟!
عدد الصفحات ٢٢٠221 ويقول ا عز وجل: ﴿إِلََْهُِي رَد ُعِلْم ُ ُكْمَامِهَاُوَمَاُ َ السَاعَةُِوَمَاََُْر ج ُمِنُْثَمَرَاتُِمِنُْأ نْثَُوَلَُتَضَع ُإِلَُبِعِلْمِهِ﴾ تََْمِل ُمِنُْأ .. حينها لا تتساءل عماّ هو أكبر من ذلك، تقلبات الأمم، ونزوات الأفراد، وغلبات الشهوات، وتضرعات الليل.. كل ذلك كان أظهر وأسهل في أن يعلمه الله عز وجل من علمه لتلك الثمرات التي تخرج من قشرتها.. وفي مجال الإنعام والفضل والتكرّم من الخالق، فحين تسمع قول الله عز وجل: ﴿وَالَليُِ وَالزَيْت ونِ﴾ .. تفكر في كرم الله سبحانه وتعالى الذي يذكرك بفضله في خلق هذا النبات البسيط وتلك الفاكهة الصغيرة حلوة المذاق والتي لو لم تكن موجودة لما أثّر ذلك على حياتك المادية ولا وجودك في شيء.. ولكن منّ الله عليك بها لأنه هو الأكرم الذي يعطي بسبب وبلا سبب، يعطي من يستحق ومن لا يستحق، يعطيك ما تحتاجه وما لا تحتاجه..! حينها تتذكر كرم الله عز وجل في ما هو أكبر من التين ومن الزيتون.. وهذا كثير لا يحصى..! أجزاء صغيرة ذكرك الله عز وجل بها في ما يتعلق بصفاته، حلمه وعلمه وقدرته وإحاطته وملكه وكرمه ورحمته، كل هذه الصفات العلى لا تُكال عند الله عز وجل بالمكاييل الضخمة المضيّعة للمواقف الصغيرة..! ولكن تُكال بالذرة..! ينبهك القرآن إلى أنك سوف ترى في حياتك ربوبية الله عز وجل في الأجزاء الصغيرة لتنظر إلى الصورة الأكبر والأشمل من باب الأولى، حينها يصل لك الجواب في نفسك بشكل أضخم بكثير مما قيل في اللفظ بالفعل..! وتصل إلى الجواب عن تساؤلاتك بشكل أوضح مما كان يبدو ظاهرًا على هذه الآية أو تلك..!
عدد الصفحات ٢٢١222 في أحد المطاعم الفاخرة طلبت طبقًا بسيطًا من حساء العدس ، فأشار لي النادل إلى قدر عدس عملاق في جانب المطعم حيث من المفتَض أن أ ساعد نفسي بنفسي وأذهب إل يه لأغتَف منه ما أريد، هذه من التغيرات الحضارية الأخيرة، صار من الرقيّ أن تقوم لتحضر طبقك و (تهلهط) منه على نفسك وأنت سائر به..! أين العصر الفكتوري الجميل الذي كان النادل فيه يساعدك على الجلوس وهو يؤكد لك أنها (سعيدة مبارك)..؟! بنفس الطريقة أيضًا اختَ ع الإنسان الحديث رحلات (سافاري) ، دعنا نستمتع ق ليلاً بتسلق الج بل وركوب الجمل، ونقطف بعض التوت البرّي ونصطاد الأسماك..! دعنا نتجاهل حقيقة أن السبب الوحيد الذي يجعلنا نستمتع بهذا هو أننا اشتقنا إلى الحياة البدائية التي حجبناها نحن عن أنفسنا بكل هذه المربعات الخرسانية. عملية التمدّن هذه ساعدتنا كثيرًا ولكنها آذتنا بأن أخفت عنا أصول كل شيء، حتى صار عليك من العسير أن تتذكر بأن حياتك بأكملها تعتمد على قطرات الماء المتساقطة..! فسواء كنت تشرب ماءك من صنبور بيتكم أو كنت تشربه من زجاجة مياه معدنية، ففي كل الأحوال أنت لا تشرب إلا ماء المطر..! فمنبع نهر النيل عبارة عن بحيرة فيكت وريا العملاقة التي تتكون من الأمطار الاستوائية الغزيرة ، وبنفس الطريقة التي ينبع به ا نهر الأمازون من الأمطار المتساقطة على جبال الإنديز.. وتدّعي شركات المياه المعدنية أنها استخلصت ماءها من الآبار العميقة وليس من (التَعة) أمام مصنعهم، وعلى فرض أننا
عدد الصفحات ٢٢٢223 صدقناهم فمياه الآبار أيضًا ليست إلا تجمعات الأمطار التي تساقطت فوق حيوان الماموث من آلاف السنين..! أنت تشتَي عشاءك من البقالة في صورة معلبات الف ول والجبن الرومي وشرائح البطاطس، ولكنك لم تكن لتنعم بهذا العشاء لولا المطر الذي أنبت البطاطس والفول والعشب الذي تغذت عليه أنثى البقر التي تأكل لبنها في صورة قطعة جبن رومية صفراء. ماء المطر مسئول أيضًا عن قميصك الذي تلبسه وسواء كان من الكتّان المزروع أو من الصوف المأخوذ من خروف لم يكن ليحيا لولاه.. وعن الخشب الذي يكوّن أجزاء سريرك أو مقعدك الذي تجلس عليه الآن.. بل وحتى عن الوقود الذي يملأ خزان سيارتك، فما هو إلا زواحف عملاقة مدفونة منذ ملايين السنين كانت في شبابها أيضًا تحيا بماء المطر ..! إنها القوة التي أودعها الله عز وجل في قطرات بسيطة وأخبرنا عن هذا السر العجيب: ﴿ِيُ وَجَعَلْنَاُمِنَُالْمَاءُك َيُشََْءُِحَ ﴾.. إنه الخيط الذي يربط عرائس الماريونيت المغرورة التي تدعي أنها كائنات ذكيّة قادرة على غزو الكون.. إنه دليل الرحمة الذي لم يقطعه الله عنا منذ خلقنا برغم كل ما نقوم به من إمعان في الفساد في الأرض.. إنه برهان الفقر والضعف، إنه دليل العجز والحاجة، إنه التذكير لنا بأننا وب رغم شهادات ال ـ MIT ومصانع طوكيو وناطحات سحاب دبيّ، سنظل دائماً في حاجة إلى إمدادات السماء التي اختص الله وحده بعلمها: ِيل ُالْغَيْثَُ ﴿إِنَيُاللَيَُعِندَه ُعِلْم ُالسَياعَةُِوَي نَ ﴾..! إنه الدليل على أننا لا نملك شيئًا ولكننا برغم ذلك لا نحتاج إلا لله..!
عدد الصفحات ٢٢٣224 تعلمون أندرجات شهادة الثانوية العامة تحدد الكلية التي تدخلها بعد ذلك، ومن ثمّ أصدقاؤك وعملك ولربما زواجك أيضًا .. وقد كانت درجاتي هي تقريبًا درجة كلية الطب تمامًا.. وأتذكر أنه في امتحان مادة اللغة الألمانية كان هناك سؤال اختياري MCQ حللته بأسلوب أقرب إلى الـ (حادي بادي) ثم تبينّ أن حلي كان صحيحًا .. أي أن كل حياتي في هذه الكلية بأشخاص عرفتهم ومعلومات أثرت فيّ ومشاكل اجتذبتني ومزايا اكتسبتها، وكل حياتي بعد الكلية من طبيعة عملي وطبيعة أحلامي وطبيعة عقدي النفسية.. كل هذا كان ليتغير فقط لو أن (سيدي محمد البغدادي) أوقعته الأغنية في اختيار آخر..! أحياناً يأخذني تفكيري إلى ما هو أبعد من هذا .. فأنا أشعر أنني موجود.. موجود بشدة..! لكن ماذا عن كل تلك المسارات التي أدت إلى التقاء أمي (من محافظة الشرقية) بأبي (من محافظة الغربية)..؟ نحن نتحدث عن خليط من الجينات من الشرق ومن الغرب حرفيًا.. ماذا لو كان قد تغير من هذه المسارات مسار واحد..؟! وماذا عن تلك المسارات الأخرى التي أدت بالتقائي بزوجتي؟ كل منا لديه حكاية طريفة لذلك، وهي تبدو طريفة فقط لأنه كان من الممكن جدًا ألا تحدث أو تتم..! وماذا عن أصدقاء عمري الذين هم فقط أصدقاء عمري لأن مساراتهم الغامضة التقت بمساراتي على مقاعد نفس الفصل المدرسي..؟!
عدد الصفحات ٢٢٤