المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ١٣ من ١٥

193 تلبس قميصك الأبيض قبل الذهاب للعمل فتفكر في حقول القطن التي رواها الله عز وجل بالمطر..! تجلس على مائدة طعامك فتفكر في البحر الذي سخره الله لنا والذي لولا ما يمدنا به من ملح لكنت تأكل الآن شيئًا شبيهًا بالصابون..! تقرأ في صفحات كتابك البيضاء فتفكر في الدبابير التي أوحى الله إليها بأن تمضغ لحاء الأشجار ثم تصنع منه بيوتًا كرتونية، ليتعلم منها البشر كيف يصنعون الورق..! تعبث بأصابعك على شاشة هاتفك الذكيّ فتفكر في السليكون الذي أسكنه الله الأرض وجعل له ص فات كهربائية خاصة للغاي ة، لنتمكن من تحويله إلى التَ انزستور الذي تقوم عليه صناعات نا الإلكتَونية..! تج لس على الكرسي الخشبيّ فتفكر في الأرنب الذي خلقه الله عز وجل، والذي نصنع من حافره الغراء الذي يُعاون المسامير في ربط أجزاء هذا الكرسي بعضها ببعض..! تشرب من زجاجة المياه فتفكر في الغزال الذي خلقه الله عز وجل ثم أقبره في باطن الأرض من ملايين السنين ليتحول إلى نفط يستخلص منه البشر (الإيثيلين) ويحولوه إلى تلك الزجاجات البلاستيكية..! تنظر إلى مرآة سيارتك الجانبيّة لتتفادى الصدام مع الشاحنة العملاقة فتحمد الله على خلقه لضوء يتمتع بخاصية الانعكاس على الأسطح اللامعة..! يمكنك أن تقوم بهذا التأمرل طوال اليوم.. تنظر إلى كل شيء في حياتك بنظرة مختلفة، وتتجاوز حدود تفكيرك القديمة إلى حدود أبعد.. وتنظر إلى كلمة (نعمة) بشكل أوسع مما قبل.. لتصل في النهاية إلى الحقيقة التي أودعها اللهُ الكونر من حولنا. . وهي أن كل شيء منه وإليه، وأن له الملك وحده، وأن له الأمر وحده، وأن له الحمد وحده.. حينها تفهم مدى عظمة هذا التساؤل القرآني: ﴿يُشََْءُِ ِ بْغُِِرَبياًُوَه وَُرَب يُك َ ََيَُْالليُِأ َ ق لُْأ ﴾..؟!

عدد الصفحات ١٩٣

194 هلجرّبت أيام اختبارات الجامعة أو أيام العمل المضغوطة حين كنت تضطر إلى شرب عدة أكواب من القهوة..؟ وسواء كانت قهوة أمريكية مائعة أو قهوة تركيّة ثقيلة ذات رائحة زكيّة وقوام سميك، ففي كل الأحيان أنت تعلم أن الإكثار منها سيؤدي بك إلى الإكثار من زيارة الحمام..! إنه تأثير القهوة المدرّ للبول (Polyurea) وهي تأثيرات مزعجة دائماً ولكن هذا يجعلك تتساءل عن كُنه النشاطات اليومية غير المحببة للنفس التي يبذلها مكرهًا مريض الـسكر (Diabetes Mellitus )أو بشكل أشد مريض السكر الكاذب (Diabetes Insipidus) ،والذي قد يصل به الحال إلى إفراغ عشرين لتًَا من البول يوميًا..! المحاولات المثيرة للشفقة التي تقوم بها بالسيارة عندما تكتشف فجأة أنه يوجد مطب وقح لم تره من قبل على بعد عدة أمتار بينما أنت تسير على سرعة 90..! تتذكر حينها معاناة المصابين بق صرر النظر (Myopia) حين لا يستطيعون رؤية الموجودات البعيدة، والذين قد يتعرضون لمثل هذا الموقف عدة مرات يوميًا حتى لو كانوا يسيرون على الأقدام..! وعندما تستيقظ من نومك من الاختناق والحاجة للهواء لأن الغطاء الذي كان عليك التفّ أثناء نومك حول رقبتك بالخطأ فحرمك من الهواء، تتذكّر حينها أن المُصابين بالتهاب الجيوب الأنفية أو ضيق الشعب الهوائيّة، كثيرًا ما يستيقظون من نومهم أيضًا بحثًا عن الهواء..!

عدد الصفحات ١٩٤

195 هذه الأمثلة التي حكيتها تقع في نطاق يسمّى (الأعراض الفيسيولوجية)، وتعني هي الأعراض التي تشبه الأعراض المرضيّة في صورتها ولكنها تقع لأسباب طبيعية تمامًا. أتخيل أن الله عز وجل من حكمته في خلق هذه الأعراض الفيسيولوجية أن يذيقنا جزءًا من المعاناة التي عند غيرنا، ولو مرة، ولو بشكل مخفف للغاية، ولو على سبيل التذكرة وليس الابتلاء. يذيقنا ما يشعر به هذا وذاك من الذين حرموا شيئًا بسيطًا جدًا أنت تتمتع به ولا تدري لكم هو عزيز حقًا ..! إذن نحن أمام نظام متكامل من النعم التي نحن غارقون فيها ولا ندري، في الواقع نحن نفطن إلى هذه النعم فقط حين نُحرم منها.. حينها نتساءل عن رحمة الله عز وجل في أن يحرمنا من هذه النعمة أو تلك، دون أن نفطن إلى كم النعم الأخرى التي نحن غارقون فيها دون أن نعيرها انتباهًا.. كما يقول الله سبحانه: ِنْسَانَُمِنَاُرَحَْْةًُث مَُنَزَعْنَاهَاُمِنْه ُ ذَِْنَاُالْْ َ ﴿وَلَئُِِْأ إِنَه ُلَََئ وسٌُكَف ورٌ﴾ ..! إن الأعراض الفيسيولجية تخبرنا بقاعدة يسيرة تتمثل في أن كل لحظة تمر عليك في عافية لهي هدية ثمينة قد عرفت أنت الآن قيمتها، وأنها محض فضل من الله عز وجل الذي قد يلحقك بهؤلاء الذين منها قد حُر موا..! قاعدة قد نصّت عليها الآية: ﴿وَمَاُبِك مُْمِنُْنِعْمَةُِفَمُِ نَُاللَيُِث مَيُإِذَاُمَسَيك م ُالض ي يُفَإِلََْهُِ ر ونَ﴾ َ تَُْأ ..!

عدد الصفحات ١٩٥

196 كانت مفاجأة لكثير من علماء الفيزياء والفلاسفة الملحدين والذين قدّموا الأدلة والبراهين لمئات السنين على أن الكون قديم منذ الأزل ثم تبين خطؤهم حين فاجأهم (فيستو سليفر) و(إدوين هابل) و(ميلتون هيوماسيون) باكتشافهم العلاقة بين الانزياح الأحمر للمجرّات (Red Shift) وب المسافة، ويعني ذلك الطريقة التي يتغير بها ضوء المجرّات حين تبتعد عن أجهزة المراقبة، هذا أثبت بعد ذلك أن الكون في الواقع يتمدد، وهي الملاحظات التي أدت إلى نظرية الانفجار الكبير (Big Bang Theory)، وتعني أن الكون المشاهرد بدأ في التكوّن منذ 13.7 مليار عام تقريبًا، والتي بقيت مجرد فرضيّ ة حتى أتت الدلائل عليها من قياس الخلفية الإشعاعية الكونية عام 1964.. هناك الكثير من الإثباتات العلميّة الأخرى التي تبينّ بعد ذلك أنها كانت خاطئة..! مثل القنوات المريخية Martian Canals والتيلاحظها أول مرة الفلكي الإيطالي (جيوفاني سكيابارلي) عام 1877، ومن بعده الكثير من الفلكيين، وهي شبكة من القنوات تظهر على سطح المريخ، وأخذ الأيرلندي (تشارلز بورتون) في عمل خريطة كاملة لهذه القنوات، وبعد كل ذلك تبينّ للجميع في بدايات القرن العشرين أن هذه القنوات مجرد وهم بصري Optic Illusion ناتجة عن التلسكوبات العتيقة..! وهناك أيضًا الـ Phrenology أي علم معرفة الدماغ، الذي كان سائدًا في القرن التاسع عشر وسط الأطباء وعلماء النفس، ويعني القدرة على استنتاج أبعاد الشخصية وما يحب وما يكره الإنسان فقط من شكل

عدد الصفحات ١٩٦

197 تضاريس جمجمته من الخارج، فتجد الطبيب يمسك برأس المريض و(يحسّس ) عليها حتى يدرس شخصيته..! مات هذا العلم تمامًا الآن وتم اعتباره من خرافات العلم الهامشي (Fringe Science) ..وهناك نظرية الفلوجيستون Phlogistion theory الذي كانوا يظنونه جزيء غير مرئي لا يظهر إلا بالاشتعال ويفسرّ عملية الاحتَاق.. ونظرية الطبعة الأموميّ ة Maternal Impression، حيث تؤثر الأم في شخصية جنينها من خلال أفكارها الداخلية..! وغير ذلك الكثير من الأمثلة على الطريقة الغريبة التي يتم بها تضليل المجتمع العلمي بفكرة خاطئة قد تستمر لمئات السنين قبل أن يتبين أنها مجرد حماقة..! حين نتحدث عن خطايا التعامل مع العلم التجريبي، فإليك الخطيئة الأولى: الغرور والتعالي، والظن الأجوف بدون كبير داع أننا قد وصلنا إلى القمة العلمية التي ليس من بعدها بعد..! هذا الغرور الذي نبّهنا القرآن على قبحه: ﴿فَلَمَاُجَاءَتْه مُُْر س ل ه مُْ ُبِالََْيلُ نَاتُُِ فَرِح واُبِمَاُعِنْدَه مُْ ُمِنَُُالْعِلْمُِ﴾.. والغرور سيقودك إلى الخطيئة الثانية: الجدال بعلم ناقص، والعجز عن التفرقة بين المساحة المضيئة بـ (الحقائق) العلمية، وبين المساحة المُغري مة بـ (الفرضيّات) والتي ليس لك أن تثق فيها إلى هذا الحد: ﴿هَاُنْت مُْ َ أُهَؤ لَءُِ ُحَاجَجْت مُْ ُفُِيمَاُ لَك مُُْبِهُُِعِلْمٌُُفَلِمَُُتَ َاج ونَُ ُفِيمَاُلَيْسَُ ُلَك مُُْبِهُُِعِلْمٌُُوَاللَ ُُيَعْلَم ُُنْت مُْ َ وَأُلَُ ُتَعْلَم ونَُ﴾.. وهذا يذكرنا ب الخطيئة الثالثة: الخلط بين (اليقين) و(الاحتمال)، وبين (القانون) و(النظريّة).. وهذا ما ربّانا عليه القرآن حين ذكرنا أن نفرّق بين (العلم) و(الظن الواهم): ﴿وَمَاُلَه مُُْبِهُُِمِنُُْعِلْمُُِإِنُُْيَتَبِع ونَُُإِلَُ ُالظَنَُ ُوَإِنَُُالظَنَُ ُلَُ ُي غْنُِ ُمِنَُُالَْْقلُ ُشَيْئًا ﴾..!

عدد الصفحات ١٩٧

198 بشكل حقيقي تمامًا أتت هذه الفكرة في ذهني: "تبًا..! هل سأصعد كل هذا السلم بنفسي حقًا ..؟!"، هذا حين وجدت السلم الكهربائي في السوق التجاري الكبير لا يعمل.. كانت هذه من اللحظات التي شعرت فيها بعدها بأنني كتلة من الأنسجة الدهنية اللزجة عديمة النفع.. في الماضي كانوا يصعدون بالتسلق أو بالحبال ربما، والآن أركب سلماً آمنًا يتحرك بطريقة سحريّة ما بينما أتصفح هاتفي لأرى آخر إشعارات السوشيال ميديا حتى أصل للطابق المُراد، ثم أتأفف حين يعطل هذا السلم ويضطرّني إلى الصعود بنفسي والقيام بمقدار قليل من الجهد.. كيف يجرؤون..؟! لم يكن هذا هو أسوأ كسلي.. في الواقع كنت أكتب مرة على محرك البحث (جوجل) جملة شائعة لأبحث عنها، من المعتاد أن يتوقع (مستَ جوجل) ما أريد قوله ويكمل الجملة نيابةً عني، لكني فوجئت بأن هذا لم يحدث، تقريبًا كان هذا خللاً في الاتصال بالانتَنت أو شيء من هذا، كان رد فعلي وقتها هو ضيق حقيقي من مُطوّري الموقع الذين سيضطرونني إلى كتابة كل ما أريد بنفسي..! كنت أشعر فعلاً وكأن العالم يدين لي بهذا بشكل ما..! لربما كانت هذه من صفات الإنسان المدلل بطبعه، والذي يعتبر كل تلك الأشياء الجميلة التي اعتاد عليها حقًا ثابتًا له، فقط لأنها تكون دائماً هناك..! يعتبر الإنسان ذلك الذي يحسن إليه بإحسان ما لمرة واحدة أنه كريم، ولو مرتين أنه جواد، ولثلاث مرات أنه طيّب.. وأما لو أحسن إليه ألف مرة فيعتبره بشكل ما يقوم بتأدية

عدد الصفحات ١٩٨

199 واجبه نحوه وليس تفضلاً منه أو منة..! بل ويتهمه بالتقصير ويصب جام غضبه عليه في اللحظة التي يتوقف فيها عليه إحسانه.. أين حقي يا هذا..؟! ربما لهذا مثلاً قد نشعر بالامتنان للصديق الذي يعد لنا وجبة الطعام في السفر، وقد لا نشعر بهذا الامتنان لأمنا التي تعده لنا في كل حين..! وفي مقام الإحسان والمنن والعطايا فلا يوجد مثال أوضح من ذلك الرب الرؤوف ُِّ ﴿الََيُعْطَى َ أُك َيُ ُشََْءُِ ُخَلْقَه ﴾، أي أعطى خلقه كل شيء..! منن الله عز وجل وعطاياه اعتدنا عليها في حياتنا دائماً، ليس لأننا نستحق ذلك بشكل ما، ولكن لأن رحمة الله عز وجل وكرمه كانا أكبر منا ومن حقوقنا بكثير..! فحين نفقد أحد هذه المنن في وقت ما نتلفّت حولنا بغضب ونقول: أين هي؟ أين الصحة التي كنت أملكها؟ أين المال الذي فقدته؟ أين كبريائي الذي تبعثر في هذا الموقف المحرج؟ أين درجاتي التي فقدت كرامتها في ذلك الاختبار العسير؟ أين سعادتي التي تاهت عن الطريق لقلبي منذ عدة أسابيع؟ لذلك تجد أن شعور السخط والغضب حينها هو أمر شديد الصفاقة والوقاحة منا..! نحن اعتبرنا كل منن الله علينا من أساسيًات حياتنا وواجباته نحونا، سبحانه عن ذلك.. اعتبرنا أننا قد ظُل منا أو بُخ سنا حقنا حين نفقد بعض هذه النعمة في يوم ما بعد آلاف الأيام من امتلاكها.. كما يقول الله عز وجل: ﴿إِنَيُُِنسَانَُ الُْْلِرَبِيهُُِلَكَن ودٌ،ُوَإِنَيه ُُعَََ ُ ُذَ لِكَُُلَشَهِيدٌُ ﴾.. كفران النعمة كانت من طباع هذا الإنسان دائماً الذي لم يهذب نفسه بالإيمان.. ولكن ما يخيفنا حقًا، أن الله عز وجل على كل هذه الوقاحة منا: شهيد..!

عدد الصفحات ١٩٩

200 في الماضي حين كانت أمي الغالية تطلب مني كوبًا من الشاي، كنت أستخدم ثلاث ملاعق، واحدة للتقليب، وواحدة أخرى للشاي، وواحدة مخصوصة للسكر، والسبب في ذلك أنه يجب ضبط مقدار الشاي والسكر جيدًا .. ومع ذلك، في 30% تقريبًا من الحالات تطلب مني بعد أن تذوقه أن أضيف القليل من السكر، وبيد مرتعشة، وتقدير متَدد أحاول ضبط الكمية القليلة المطلوبة، ثم كما لابد أنكم توقعتم، يصبح الشاي عصيرًا من البنجر بالنسبة لها، ولا تقوى على احتمال حلاوته الزائدة..!أتخيل حينها أني ورثت مستقبلات التذوق الخاصة بي من زوجة عمي مثلاً ..! إجادة العثور على النقطة الفاصلة بين (قليل جدًا ) و (أكثر من اللازم) والوقوف عليها (راضيًا)، فن لا يتقنه إلا القليل.. ربما الكثير من الناس يظنون أن (الأخذ) أفضل دائماً من (المنع).. وأن كل ناقص لديهم سيكون أجمل لو اكتمل.. بينما في الحقيقة قد يكون النقص هو عين الحسن..! الغماّزات التي تجمّل الوجه هي في الواقع ضعف أو انشقاق في عضلة من عضلات الوجه تدعى بالـ Zygomaticus Major !..والعيون الزرقاء كان جمالها بسبب فقرها من الخلايا الصبغية Melanin في قزحيّتها..! بينما الشعر الناعم الأملس أصبح كذلك لأنه ليس لديه طبقة نخاعية Medulla غنية بالبروتين كتلك التي تملكها الشعور الخشنة المجعدة..!

عدد الصفحات ٢٠٠

201 هناك أمثلة كثيرة للفكرة الفلسفية ذاتها.. أحيانًا كثرة الموارد أسوأ من قلتها، أحيانًا بطر النعمة لا يقل سوءًا عن ألم الفقد، أحيانًا يكون عدم كمالك هو سبب جمالك..! قد تكون مُن عتر شيئًا كنت تريده لأنه كان (أكثر من اللازم) بالنسبة لك، وكان سيحوّل شايك المقبول طعمه الآن إلى عصير من البنجر غير مستساغ..! لذلك كان بعض الحُكماء يقولون: "واعلم أن نعمة الله فيما منعه عنك أعظم من نعمته فيما أعطاك"..! غير أنه من العسير علينا تصديق ذلك.. أو على الأقل من العسير أن نصدق ذلك الآن.. ولكن لمّ ا نصاب بالفعل بتجربة أو اثنتين سوف نتأكد من هذا بأنفسنا .. هذا ما وقع للناس الذين عاصروا مال (قارون) ورفاهيته فتمنّوا ما كان عليه من هذا النعيم.. هذا التمنّي الذي كان شديدًا لدرجة أن هناك من العقلاء من نصحهم وقال: ﴿وَيْلَك مُُْثَوَاب ُُاللَُِ ُخَيٌُْ ُلِمَنُُْآمَنَُُوَعَمِلَُُصَالًِْا ﴾.. فلم يأبهوا كثيرًا بنصيحتهم..! ولكن لمّا رأوا بأعينهم أن رفاهية قارون جعلته مفسدًا في الأرض، وأن هذا الفساد جلب عليه الوبال والغضب الإلهي والعقاب الشديد.. لمّا رأوا بأعينهم كل هذا وشاهدوا بيت قارون مخسوفًا به الأرض، حينها فهموا وأدركوا: ﴿صْبَحَُ َ وَأُِينَُ الََُتَمَنَوْاُمَكََنَه ُ ُمْسُِ بِالَْْ ُ يَق ول ونَُُنَُ َ وَيْكَأُاللََُ ُيَبْس ط ُ ُالرلزْقَُُلِمَنُُْيَشَاء ُ ُمِنُُْعِبَادِهُُِوَيَقْدِر ُ ُلَوْلَُ ُنُْ َ أُمَنَُُاللَ ُُعَلَيْنَُاُ لََِسَفَُ ُبِنَاُنَه ُ َ وَيْكَأُلَُ ُي فْلِح ُُالْكََفِر ونَُ ﴾..!! الآن رأوا أن حرمان الله عز وجل لهم كان نعمة ومنة..! الآن شاهدوا فضل الله في منعه بعد أن كانوا يشاهدونه فقط في عطائه..!

عدد الصفحات ٢٠١

202 كنت أرى دائماً أني أميز الحب من اللوعة التمثيلية الفارغة..! و كنت أشعر أن الحب يظهر باحتمال الألم أكثر مما يظهر بالابتسامة الواسعة والآمال العريضة. كنت أرى الحب في نظرة قريبتي الحزينة وهي تطبب زوجها المريض دون أن تظهر أي عاطفة أخرى غير مجرد الحزن الكتوم، أراه في احتمالها الصامت لكل المتاعب التي تمر بها جرّاء الاعتناء برجل بالغ بعد أن بات بسبب عجز المرض كالطفل الرضيع .. كنت أراه في ذلك الذي كان يشتكي ألمًا بالغًا من سوء معاملة صديقه له، كل هذا الألم كان ليختفي في اللحظة التي ينسى وجوده فيها، ولكني كنت أرى الحب يمنعه.. لم أجد الحب كثيرًا في سرب الفراشات أو زهور الحديقة أو كلمات الأغاني العاطفية، ولكني رأيته حتماً بالأمس في ضحكات ذلك الرجل العالية وهو يستمع إلى حكايات ابنته الصغيرة عن المدرسة وهو يقلّها عائدًا إلى بيتهما على ظهر دراجة نارية فقيرة.. لم يكن حب النبي ﷺ هو ما أراه في احتفالات الصوفية بالمولد النبوي، أو رقص الحضرات، أو تواشيح الإذاعة، ولكني رأيت حب النبي ﷺ حتماً في إقبال ذلك الشاب الصغير المتحمس على أكلة (الكوسة) لأنه علم أن النبي ﷺ كان يحبها، لم أشأ أن أخبره أنه لا يؤجر بذلك لأنها ليست من الأمور التي نقتدي بالنبي ﷺ فيها، لم أشأ أن أخبره بهذا لأني كنت أستمتع برؤية الحب في كل مرة أراه يأكل فيها الكوسة التي لا يحبها كثيرًا ..

عدد الصفحات ٢٠٢

203 لم أكن أجد الكثير من الحب في نظرات (الكوبلز) الجالسين على رصيف الجامعة، ولكني كنت أجد قدرًا كافيًا منه في ضحكات زوجين قديمين في اجتماع عائلي على نكتة سخيفة لم يضحك عليها سواهما مع نظرة ذات معنى يلقيها أحدهما للآخر، على الأرجح كان هذا (ثيماً ) بينهما لا نعرفه.. لم أعرف الحب كثيرًا في الهدايا الغالية ذات الغلاف الأحمر، ولكني عرفته بالطبع في كاشير سوبر ماركت حين رأيت الرجل العجوز بجانبي يحاسب على الكثير من الحلوى، الكل يعلم أنه اشتَاها لأحفاده، ونظرة الفخر على وجهه وهو خارج كانت لا تقدر بثمن، فخور بنفسه لأنه سيفرح أحفاده اليوم إلى هذا الحد. لم يكن الحب أبدًا بالبساطة والـ (كلاشيهيّة) التي يدعونها، كنت أراه أعمق من هذا بكثير.. الحب يعني القدرة على التضحية بسعادة، والشعور بالألفة والارتباط، والشعور بأن بوصلة قلبك تتجه إلى مكان ما رغماً عن أنفك..! الحب يعني أن ينطبع إنسان إلى الأبد في البطانة الداخلية لذاتك.. يعني أن تتلاقى نغمتك الروحيّة بمعجزة غير مفهومة مع نغمة أخرى ذات تردد مختلف تمامًا عنك وبرغم ذلك تتشكلان من جديد لبعضكما البعض..! الحب ببساطة يعني أن تصبح إنسانًا أفضل..! الحب هو أقرب لشفرة تفاهم بين أنواع خاصة من البشر، أنواع أنقى من أن تختزل هذا الحب في ما يظهر للناس، وأتقى من أن تستغل اسمه لتُخفي حبها للشهوات العاجلة.. والحب بالمناسبة ككل شيء جميل في هذه الدنيا، يكون أجمل بحُمرة الخجل..!

عدد الصفحات ٢٠٣

204 هاك سرر آخر لم تخبرني به ولكني أعلمه، لربما أنت لا تحب رمضان..! تراقب الأيام المتبقية عليه في قلق، تتضايق حين ترى زينته، تعتبر هؤلاء الذين يبالغون في الفرحة بقدومه أنهم مدّعون، لا تفهم ما المقصود بـ (اللهم بلغنا رمضان)، ما هي المزية الكبيرة من هذا؟ الشياطين التي تُصفّد؟ أنت راقبت نفسك عدة سنوات ولاحظت أن ذنوبك لا تتأثر بهذا، بل ربما تزيد.. الصيام الذي سيأجرك الله عليه؟ أنت تشعر من داخلك أن شيئًا ثقيلاً على نفسك كالصيام لا يمكن أن يأجرك عليه ذلك الإله الذي يطلع على مكنونات الصدور.. صلاة التَاويح والقيام؟ ها أنت ذا تتذكر حين تنهض متثاقلاً عن مائدة إفطارك وكل أملك في أن تنام أو تستلقي ولكنك تذهب بدلاً من هذا إلى المسجد لتقف ساعة أو ساعتين، تتساءل الآن بصوت خافت: هل حقًا أحب صلاة القيام؟ قالوا لك أن رمضان شهر القرآن والتعبد والدعاء والتوبة والإنابة إلى الله.. المشكلة أنك لا ترغب في أن تفعل ذلك الآن، لم تستعد نفسك بعد بأن تدخل إلى محراب العبادة الآن فقط لأنه من المفتَض لها أن تفعل ذلك، أنت لا تشعر بكبير رغبة في أن تقتَب من الله الآن، ولكنك تشعر بالعبء في أنك لو لم تقتَب منه أكثر في رمضان فأنت أسوأ بالفعل مما تعتقد، وأسوأ من معظم المنافسين من حولك.. بالمناسبة، أنت تكره المنافسين من حولك، فهم يشعرونك بأنك أسوأ دائماً ..!

عدد الصفحات ٢٠٤

205 يا حبيبي هوّن على نفسك.. فالأمر ليس كذلك..! لا تفكر في رمضان على أنه موسم مشقة ونفير وحرب، فكّر فيه على أنه هدية مجانية من السماء تأتيك وأنت في أشد الحاجة إليها، حين نظر إليك الله فعلم أنك لا تقدر على كثير عبادة واجتهاد فخصّص بعض أيامه بأجور مضاعفة، فتجتهد في القليل لتحصّ ل به كل ما فاتك طوال العام ويزيد. لا تفكر في رمضان على أنه منافسة بيننا بمن قد فاز ومن قد خسر، وتشعر بالحسرة والغبن كلما رأيت من هو أنجح منك، بل فكر فيه على أنه اختبار جماعي نخوض فيه، فما تراه من نجاح الناس من حولك ينبئك بسهولة الاختبار حقًا، وأن عليك أن تستبشر بأن نسبة اجتيازه أعلى مما تظن. لا تفكر في رمضان على أنه محطة انطلاق من شخصك المتواضع إلى نسختك العصريّة من أبي بكر أو خديجة، أنت لست صحابيًا ولست متنسكًا ولن تكون كذلك في الساعات التي تفصل مغرب آخر أيام شعبان بأول صلاة تراويح.. فكر فيه على أنه محطة تحلية من نسختك الحالية إلى نسخة أجمل منك بقليل.. فكر فيه على أنه محاولة يسيرة منك لأن تكون أفضل قليلاً من ذي قبل، هي فروقات يسيرة في أعيننا ولكنها في عين الإله أكبر من ذلك بكثير، إنها إرادة النجاة.. والله ينجّي دائماً ذلك الذي يريد النجاة. لا تفكر في رمضان على أنه مجرد وقت يجب فيه أن تقتَب من الله، ولكن فكر فيه بأنه وقتر أن أحب الله أن يقتَب منك..!

عدد الصفحات ٢٠٥

206 بأسعار زهيدة لا تصدق: - شريط صوتي مسجل عليه حوار يومي معتاد وممل بين أفراد عائلتك يظهر فيه صوت أبيك بوضوح ثلاث مرات، وصوت أمك بجودة متوسطة مرتين.. السعر: فقط 3 آلاف جنيه.. - خدمة في شركة المحمول التابعة لك بعمل اتصال عشوائي ثلاثة مرات شهريًا من رقم هاتف والدتك القديم، مسجّل فيها رسالة بصوتها تطلب طلبًا ما، ملحوظة: الاتصال سيكون غالبًا في أوقات غير مناسبة لك، السعر: 900 جنيه شهريًا - شريط فيديو مدته دقيقة وعشرون ثانية، يظهر فيه أبوك وهو يعلمك القيادة، ومسموع فيه بشكل واضح صوت صراخه فيك بسبب سرعتك الزائدة.. السعر: 4 آلاف جنيه.. - طبق من الأرز الأبيض بنكهة شبيهة بطعم الأرز الذي كانت تطبخه أمك بنسبة تقتَب من 90% ..السعر: 750 جنيه للحجم الوسط، 1000 جنيه للحجم الكبير.. - (سكرينشوت) لتعليق بسيط من والدتك على صورتك على السوشيال ميديا، التعليق لا يحمل أي إعجابات منك حيث أنه قد أحرجك وقتها بشدة.. السعر: فقط 1250 جنيه

عدد الصفحات ٢٠٦

207 - دقيقة كاملة من عناق متصل مع مانيكان صناعي مجهّز بمحاكاة لنفس تضاريس جسد والدك، ومفاجأة العرض: المحاكي الصناعي مزوّد ببصمة صوت والدك وهو يقول لك: "معلش".. السعر للدقيقة 2000 جنيه فقط. - صورة فوتوغرافية مهتَئة تعرض لأول مرة تظهر فيها أمك مبتسمة وعلى وجهها أمارات السعادة.. السعر: فقط 3 آلاف جنيه.. - زجاجة عطر كاملة من العطر المفضل الذي كانت تضعه والدتك، ومفاجأة العرض: أضفنا عليه رائحة الكمّون والبقدونس والبصل الذين كانوا يلطّخون ملابسها في العادة، السعر: فقط 4 آلاف جنيه.. - محفّز عصبي يؤدي إلى احتمالية 40% بأن تحلم بأحد والديك في المنام في خلال أسبوع ، السعر: 300 جنيه للكبسولة الواحدة - صندوق عتيق مهتَئ به مجموعة من (الكراكيب) عديمة النفع كانت ملكًا لأمك، ونسيت أنت كل شيء عنها منذ زمن.. السعر: 2000 جنيه فقط ملحوظة: عروض الشركة خاصة فقط بمن فقدوا والديهم، فإن شركتنا تعلم أنهم فقط من سيقدّرون بضائعنا. .! من جديد: ب رّ هما قبل أن تندم..!

عدد الصفحات ٢٠٧

208 تتنافس الدول على تنظيم المونديال، لأسباب كثيرة لعل من أكبرها الانتعاش الاقتصادي [السياحي غالبًا]مثلاً دخل البرازيل من مونديال 2014 –آخر مونديال تم تنظيمه حتى وقت كتابة الكتاب- حوالي 11 مليار دولار من 600 ألف سائح خارجي، و3 ملاي سائح داخلي، فرصة العمر هي إذًا بالنسبة للبرازيل.. لكن السعودية مثلاً ولأنها تمتاز بميزة دائمة وهي البيت الحرام، يبلغ عائدها المادي من رحلات الحج والعمرة في عام واحد فقط حوالي 16.5 مليار دولار، من 12 مليون زائر في العام، وهذا كل عام بالمناسبة.. هذا غير دخلها من النفط، وهو حوالي 336 مليار دولار في عام واحد فقط، يعني تقريبًا تريليون ريال وأكثر.. وماذا عن مستقبلها الاقتصادي؟ تملك واحدًا من أكبر احتياطي النفط في العالم، بالإضافة إلى كميات كبيرة من اليورانيوم حتى يستمر اقتصادها على خير حين يتحول العالم إلى الطاقة النووية.. ذكرتُ هذا لمعرفة ماذا فعلته دعوة إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿ريبينَآُإِنيَُ ُسْكَن َ أت ُُمِنُ ذ ريييتُِ ُبِوَادُُُِِ ََيُْذُُِّزَرْعُُِعِندَُُبَيْتِكَُُالْم حَريمُِ ُرَبينَاُلَِ قِيم واُُْالصيلََةَُ ُفَاجْعَلُُْفْئِدَُ َ أةًُُمينَُُالياسُِ ُ تَهْوَُُُِّإِلََْهِمُْ ُوَارْز ِْه مُُْمينَُُالثيمَرَاتُُِلَعَليه مُُْيَشْك ر ونَ﴾ .. فقد كانت مكة وما حولها واديًا قحطًا لا زرع فيها ولا ثمر، ولكن الله أجاب دعوة عبده فساق إليها أموال وثمرات العالم كله: ﴿أوَلَمُُْن مَكِينُلَيه مُُْحَرَماًُُآمِناًُُيَ ْبَُ ُإِلََْهُِ ُثَمَرَات ُُيُ ِ ك ُشََْءُِ ُرِزْقاًُُمِنُلَي نَيا﴾.. هذه آثار دعوة واحدة..! من ذا الذي يعجز عن دعوة واحدة..؟!

عدد الصفحات ٢٠٨