225 ملاي الاختيارات العشوائية والخطوات العبثية ( كما قد تبدو لنا وهي ليست كذلك ) أدّت إلى تلك المجموعة المعقدة من الاحتمالات التي أدعوها مجازاً : حياتي.. حينها أتذكر قول النبي ﷺ في دعاء الهمّ والحزن لما يقول : (نراص يرت ي ب يرد كر )..! الناصية هي مقدمة الرأس، أشرف ما بالإنسان، والله عز وجل يقودها كما يشاء ويوجه أفعالنا حيث شاء..! فلو فهمت معنى الناصية جيدًا لتوكلت على ذلك الذي يملكها حتماً، كما قال هود عليه السلام: يُ ﴿إِنُِتَوَكََّيْت ُ ُعَََُ ُاللَيُِ ُيُ رَبُِِوَرَبِيك مُُْمَاُمِنُُْدَابَيةُُِإِلَيُ ُه وَُُآخِذٌُُ بِنَاصِيَتِهَا ُإِنَيُُيُ رَبُِِعَََُ ُصَِِاطُِ ُم سْتَقِيمِ﴾ .. لهذا السبب إذن كان النبي ﷺ يتذكر مصير ناصية رأسه الذي هو بين يدي الله عز وجل لما يصاب بالهم والحزن..! ثم كان يقول ﷺ بعدها في نفس الدعاء : (مراض في حُكْمُ كر، عردْل في قرضراؤُكر ).. فشعورك بحتمية القدر ليس كافيًا للاطمئنان وللتسليم (السعيد) له إلا عندما تجمع إليه يقينًا بعدل ورحمة هذا القدر..! فأخبرني إذن حين تتمتم بهذه الكلمات: " الل هُم إ نيِّ عربْدُكر، ابْنُ عربْد كر، ابْنُ أرمرت كر، نراص يرت ي ب يرد كر، مراض في حُكْمُكر، عردْل في قرضراؤُكر، أرسْأرلُكر ب كُلِّ اسْم هُور لركر سرم يْتر ب ه نرفْسركر، أروْ أرنْزرلْترهُ في ك تراب كر، أروْ عرل مْترهُ أرحردًا م نْ خرلْق كر، أرو اسْترأْثر رْتر ب ه في ع لْم الْغريْب ع نْدركر، أرنْ تجرْعرلر الْقُرْآنر ررب يعر قرلْب ي، ورنُورر صردْر ي، ورجرلارءر حُزْني ، ورذرهرابر همرِّي ". كيف يبقى بعدها في قلبك أي همر أو حزن ؟!
عدد الصفحات ٢٢٥226 الكوليسيتا لونجياريولاتا Culiseta longiareolata هو كائن حقيقي تمامًا، وبرغم أنه يختلف عن صورة دراكيولا ذي العباءة الحمراء والأنياب البارزة إلا أنه بالفعل يعمل بشكل أساسي كمصاص دماء محتَف، يتغذى على السكر الموجود في الدم ويعتمد على بروتيناته لتغذية أطفاله، ربما يكون أخطر وأذكى بكثير من دراكيولا إذ إنه شره للغاية يمتص كمية من الدماء تعادل تقريبًا حجم جسده، كما أنه مدرب على الوصول بأنيابه إلى الأوعية الدموية المباشرة للكائن الحي بعد أن يحقنه بمادة مخدرة من لعابه تجعله يستسلم تمامًا لهذه الأنياب المؤلمة.. احتمالية تعرضك لهذا الكائن المرعب أكثر مما تظن، في الواقع غالبًا قد امتص دماءك عدة مرات في هذه الليلة بالذات، إذ إننا جميعًا نعرفه باسمه الآخر: البعوضة أو الناموسة.. وبقدر ما أنا آسف لك لهذا (البلوت تويست) الرخيص الذي قمت به، والذي كان على الأرجح متوقعًا وغير بارع إلى هذا الحد، إلا أني أدعوك معي لوقوف وقفة تأمل مع هذه القصة التي توضح لنا كيف تحول كائن مخيف تمامًا في صورته واسمه اللاتيني المتحذلق وصفاته المثيرة للخيال، إلى كائن تافه للغاية لا يخاف منه أي أحد. ثمّة رجل حكيم قال مرة: "إذا كنت ترى أنك منعدم التأثير لضآلة حجمك عليك أن تحاول أن تنام في غرفة فيها بعوضة حائمة".. وهو قول حكيم بالفعل فقط في حالة لم يكن معك مبيد حشري أو كنت لا تجيد التصويب بكفك على الموجودات.. في الحقيقة إن
عدد الصفحات ٢٢٦227 البعوضة مهما بلغ إزعاجها فهي غير مؤثرة فعلاً بشكل كبير لأنها هشة صغيرة تافهة حقيرة بالنسبة إلى قوة الإنسان الحقيقية.. فقط عليك أن تنظر لها بالعين المجرّدة بدون أي عدسات ميكروسكوبية مكبرّ ة كي تفهم هذا.. مثلما فعل العز بن عبد السلام حين دخل على السلطان الظالم المفتَي ينصحه ويزجره وينهاه فلما تعجبوا لماذا لم يخف منه، قال لهم إنه لما استشعر عظمة الله عز وجل صار السلطان في عينيه كالقط..! لقد أزال مولانا العز -حين تذكر قوة ربه الكبير المتعال- كل العدسات الميكروسكوبية المكبرّة من أمام عينيه ونظر إلى كائن الكوليسيتا بعينه المجردة ليكتشف أنه ليس أكثر من مجرد بعوضة.. لقد فعل ما قاله الله عز وجل: ﴿إِنَيمَاُذَ لِك م ُُالشَييْطَان ُ ُيَ َوِيف ُ ُوْلََِاءَه ُ َ أُفَُلََُ ُ َََاف وه مُْ ُوَخَاف ونُُِإِنُك نت مُم يؤْمِنِيَ﴾ .. انكسارات الفشل وعبرات الحسرة وأنات المرض وعضّات الفقر وتأوهات القهر وزلات الآثام، كل هذه مجرد بعوض في حقيقته أحقر بكثير من أن ينال منا حقًا .. فقط صورته مخيفة، عضته مؤلمة، أنيابه تجيد حقًا ما تفعله فتأخذ بعضًا من دمائنا.. ولكننا سرعان ما نفطن إلى أن ما ناله منا ليس إلا شيء يسير يتناسب مع حجمه كونه مجرد بعوضة يمكنك أن تقتلها (حرفيًا) بضربة على قفاها..!
عدد الصفحات ٢٢٧