المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أسمار .

مهاب السعيد

صفحة ١٢ من ١٥

177 شيئًا.. هذه هي قواعد الحياة البسيطة التي نتوارثها منذ القدم عن أجدادنا الأولين.. و القرون القادمة ستتغير الكثير من العادات والتقاليد والقيم لكن ستبقى أمثال هذه القواعد (النذلة) باقية محفوظة لا تمُرس . غير أننا لا نبخل على الناس بكل شيء، هناك الكثير من الأشياء التي نراها مجانية فنبذلها بلا عناء.. لا أحد يبخل بإعجابات الفيسبوك، أو بكلمات المواساة، أو بنظرات الشفقة.. ربما يصلح هذا في الحقيقة كمعيار لمدى قيمة الأمور لدينا، فالأشياء التي لا نرى لها كبير أهمية نعطيها بسخاء. فحين يقرر أحدنا في أن يرائي بعمله عيون البشر في عباداته فهو قد جعل العبادة الشريفة التي هي حق الله عز وجل من الأمور الرخيصة التي يتصدق بها أحدنا على الناس بسخاء، ولا يساويها حتى بتلك الجنيهات القليلة التي نتقاتل عليها..! مثلاً في قول الله تعالى: ﴿ِينَُه مُْي رَاء ونَُوَيَمْنَع ونَُالْمَاع ونَُ الََي﴾.. يتبين لك أن هناك من سيهب أجر الصلاة نفسها لعيون جاره، فيجمّ ل صلاته لأجله حين يراه في المسجد يوم الجمعة.. وبرغم ذلك فحين يطلب منه نفس الجار (ماعونًا) كإناء الطهي ليستعمله ثم يعيده، فإنه سيبخل عليه به..! لذلك استحق المرائي أن يبغضه الله كل ذلك البغض، واستحق أن يبطل عمله مهما كانت عظمته، واستحق أن يكون هو أول وقود جهنم.. لأنه أعطى حق الله عز وجل عليه هدية لنفس الشخص الذي يبخل عليه بـ (حلة التيفال)..! فما هو يا ترى قدر الله عنده..؟!

عدد الصفحات ١٧٧

178 منذ اللحظات الأولى لطفولتنا كنا نرسم القلوب الحمراء بكثرة غير منطقية في دروس الرسم، ثم مررنا بفتَات المراهقة حيث أحب البعض أن ينحته على الأشجار، ثم هناك بالطبع (إيموشونات) السوشيال ميديا.. نرسم هذا الشكل دون أن نبالي أن جميعنا يعلم بالفعل أن شكل القلب الحقيقي ليس كذلك. القلب مميز بالفعل في كل شيء، فهو العضو الوحيد الذي يحُرّك نفسه بنفسه دون حاجة إلى تعليمات المخ، وهو العضو المانح الموزّع لكل احتياجات الجسد، وبرغم أنه من الناحية التشريحية عضو عضلي أجوف إلا أننا ندرك تمامًا أنه بالطبع أكثر من ذلك..! يكفي أنه يفهمنا حين يتسارع في عمله في أوقات صعوبة الشك أو الحيرة، ويرأف بنا حين يتباطأ قليلاً وقت أن تفتَ رغبتنا عن الحياة فيرسل كمية أقل من طاقة الحركة لعقلنا كي يكف قليلاً عن الضجيج، ثم أنه في النهاية يفضحنا بالنبضات حين نهتم لشيء ندّعي من داخلنا أننا لا نهتم له..! عضو عضلي أجوف؟ لا أصدق حقًا أنه أجوف، لربما كنا لا نرى ما بداخله ولكننا نرخبره قطعًا.. نشعر بكل هؤلاء البشر الذين يسكنون بداخله ، لو لم يكونوا بداخله فكيف نرى صورتهم دائماً أمامنا

عدد الصفحات ١٧٨

179 من دون أن تراهم العين؟ نشعر بكل هذه المبادئ تنحشر بداخله، لو لم تكن بداخله فلماذا نوقن بها إلى هذا الحد من دون أن نتعلمها في المدارس؟ فوائد القلب كثيرة هي إذن. لربما لم يكن هو العضو الذي يفكر حقًا ولكنه يتفكر أكثر مما نظن، لربما لم يكن هو من يحُرّك أطراف أجسادنا ولكنه هو المسيطر عليها بالتأكيد، لربما ليس فيه مركز الضحك والحب والنشوة والأمل، ولكننا حتماً نعلم أنه دائماً هو أول من يعلم بمشاعرنا، ربما قبل أن نعلم بها نحن. على أن فائدة القلب الأكبر هي أنه حلقة وصل المادة والمعنى، بوابة الربط بين الواقع والحقيقة، نقطة تسجيل الخروج من وحل (الدنيا) وتسجيل الدخول إلى مملكة (الحياة). القلب، ذلك الذي يفكر بداخلك حقًا عوضًا عنك، تلك الأمنيات الباطنة القوية، اختلاجات المشاعر الفاضحة، واضطرابات الفكر الناضجة، هذا القلب هو الموضع الذي ينظر إليه الله منك، هو الميزان الذي يخبرك أنت من هو أنت فعلاً، هو شهادة الضمان التي تدخل بها إلى ملكوت الرحمن يوم القيامة حين لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. القلب هو مرآة تنظر بها إلى مكانتك عند ربك، فأنت ستعرف قدرك عند الله بالقدر الذي ستَاه لله في قلبك..!

عدد الصفحات ١٧٩

180 لا بد أنهفي مقر أحد الصحف المحلية شديدة (الصُفرة) يقبع صحفي ترع س وسط عدة صراصير تع سرة بدورها، ويبحث عن شيء ما لكتابته، هنا يتذكر ما درسه في (كورس البؤس الإعلامي) من ضرورة استخدامه لمصطلح (كشف المستور) أثناء كتابته للخبر مرتين أسبوعيًا على الأقل..! إن الصحيفة الصفراء التي لا تحتوي على خبر بعنوان (كشف المستور عن ...) ليست بائسة بالقدر الكافي ولا تجيد عملها على الإطلاق. لسبب ما يعشق الناس هذه الكلمة، سارع إلى معرفة السر الذي عرفه الفريق صلاح الدماطي من المشير عبد الحكيم عامر شخصيًا.. هل أنت مستعد لمعرفة (المستخبي)..؟ إن عبد الناصر كان يعشق صيد البط وهو يلبس (الفانلة) الداخلية البيضاء..! ثم بعد أن تعرف السر تدرك أن المعرفة عبء بالفعل..! أن تعيش في مجتمع من السُذّج ممن يظنون أن عبد الناصر كان يصيد البط مرتديًا بزّته الأنيقة بينما أنت وحدك تعلم الحقيقة. وبرغم هذا الفضول البشري الخرافي، فإننا نتقبل بسهولة أن تكون هناك أسرارًا غير مفهومة فعلاً.. بل وقد نجد لذة لهذا الجهل أو ذاك ويصبح مادة خصبة لإثارة الخيال الشعبي.. أتحداك إن كنت ستتذكر من هو (كينيدي) لو كان قاتله قد عُر فر وقتها..! أو إن كان (جاك السفاح) سيحصل على هذه الشهرة لو كان قد تم القبض عليه بالفعل..! نتقبل كل هذا لأننا برغم أنوفنا ورغم فضولنا لمعرفة كل شيء، وكل سر، وكل مستور.. فإننا نتعلم دائماً أننا محدودون بقدراتنا البشرية التي هي أكثر مسكنةً مما يظنه الكثيرون.

عدد الصفحات ١٨٠

181 على أن معظم الناس لديها ثقة كبيرة في هذه القدرات وأنا منهم، لن أغضب كثيرًا من علماء الفيزياء عندما لا أستطيع فهم (نظرية النسبية) بشكل كامل مهما حاولت، لن أغضب طالما يحدد هاتفي مكاني بتقنية الـ GBS المعتمدةتعديل دقتها على نفس النظرية..! طالما ستقوم بإرشادي بنجاح إلى مقابر قرية (الم ربّعين) -وهو مكان حقيقي بالمناسبة- فإني سأثق بها وأعتبرها حقيقية حتى لو بدا إثباتها الرياضي أشبه بطلاسم سحرة الفودو، وبدا إثباتها الفلسفي أشبه بقصص تان تان..! لا نحتاج إلى فهم كل شيء إذن حتى نحصل على الثقة..! لا نتضايق إن (تشابه علينا) أو التبس.. يكفينا أن نتأكد من وجوده، يكفينا أن نرى آثاره، يكفينا أن نفهم (الكثير) من الأشياء الأخرى (المُحكرمة) التي أتت لنا من (نفس المصدر)..! جميعنا يقوم بذلك فيما يختص بعلوم البشر.. لكن حين نأتي إلى علوم الإله، فيما يختص به، وبكينونته، وصفاته، وما يفعله بنا من خير أو شر، وما سنه من سنن في قدره، وما شرعه لنا من أمر ونهي، حينها يصر بعضنا على أنه يجب أن يكشف المستور عن كل شيء، لابد أن يفهم كل التفاصيل والأسباب، ولو لم يفهمها فالأمر بسيط، يشطبها من قاموسه كأنها لم تكن..! يمكننا أن نكشف من هذه المفارقة أن هؤلاء احتاجوا إلى طريق قرية (الم ربّعين) أكثر من احتياجهم إلى طريق الآخرة..! وأنهم كانوا الفريق الخاسر في أحد هذين الق سْمين : ﴿نزَلَُ َ أ خَر ُم تَشَابِهَاتٌُ م ُالْكِتَابُِوَأ عَلَيْكَُالْكِتَابَُمِنْه ُآيَاتٌُمُ ْكَمَاتٌُه نَُأ ِينَُفُِِق ل وبِهِمُْ مَاُالََ َ فَأ زَيْغٌُفَيَتَبِع ونَُمَاُتَشَابَُ وِيلَه ُإِلَُاللَ ُ ْ وِيلِهُِوَمَاُيَعْلَم ُتَأ ْ هَُمِنْه ُابْتِغَاءَُالْفِتْنَةُِوَابْتِغَاءَُتَأ وَالرَاسِخ ونَُفُِِالْعِلْمُِيَق ول ونَُآمَنَاُبِهُِ ك ٌُّملنُْعِندُِرَبلنَاُِ ﴾..!

عدد الصفحات ١٨١

182 في أوائل السبعينيات قتل (هربرت مولين) ثلاثة عشر إنسانًاكاليفورنيا.. حين تم القبض عليه ادّعى أن على الشعب الأمريكي أن يشكره على فعلته..! والسبب وراء ذلك يرجع إلى اعتقاد مولين أن خسائر الأمريكيين من حرب فيتنام كانت المانع الوحيد الذي يمنع زلزالاً مدمرًا سيبتلع كاليفورنيا ويلقي بها إلى المحيط، ولما هدأت الحرب وقل ت الخسائر البشرية أمره الله أن يزيد من عدد (الضحايا) البشرية حتى يمنع هذا الزلزال..! هذا نوع من القتلة المتسلسلين المعروفين باسم Visionary serial killers أي الذين دافع قتلهم هو الرؤى والهلاوس، أغلب هؤلاء يعتقدون أنهم ينفذون ما يأمرهم به الرب في هذا القتل..! وهذا شبيه بنوع آخر هو Missionary Serial Killers وهم الذين يعتقدون أنهم يقومون بـ (مهمة الرب) في الخلاص من بعض الناس.. وربما هذا النوع من القتلة المتسلسلين يمثلون صورة شديدة التطرف لمن يلقي باللوم على الإله في كل ما يفعل من مظالم وآثام، لكن هذا لا يعني أنه لا توجد صور أقل تطرفًا من ذلك التصرّف المدلّل..! فالقرآن يحدثنا عن أن إبليس حين عصى الله ألقى باللوم على ربه في ذلك..! كما يقول: جَْْعِيَ﴾ َ َْوِيَنَه مُْأ رْضُِوَلَْ زَيلنَََُلَه مُْفُِِالَْْ َْوَيْتَنُِلَْ َ ﴿قَالَُرَبلُبِمَاُأ .. ولأن هذه هي الطريقة التي يفكر بها الشيطان، فإنه من الطبيعي أن يعلّمها لتلاميذه حين يثرثر معهم على مآدب الشهوات والعصيان، لذلك كان القرآن على علم بأن هذا الفعل سيصدر من أولاد آدم من قبل أن يقوموا به..! كما يقول الله عز وجل: ِينَُ ﴿سَيَق ول ُالََ

عدد الصفحات ١٨٢

183 ََْك واُلَوُْ َ أُِينَُمِنُْ ََْكْنَاُوَلَُآبَاؤ نَاُوَلَُحَرَمْنَاُمِنُْشََْءُِكَذَلِكَُكَذَبَُالََ َ شَاءَُاللَ ُمَاُأ سَنَا﴾ ْ َِبْلِهِمُْحَتََُّذَاق واُبَأ .. لا يحق لإبليس ولا للإنسان أن يقوموا بذلك، لأن الإرادة التي أعطاها الله لهم إرادة غير منقوصة، والدليل على ذل ك أنهم اختاروا الفعل طواعيةً، ثم لما اختاروه نسبوه لله، من أدراهم أن الله لم يكن ليريد لهم الطاعة؟! هل اطلعوا على علمه؟! لذلك يقول الله تعالى في الرد عليهم: ﴿ق لُْهَلُْعِنْدَك مُْمِنُْعِلْمُِفَت خْرِج وه ُلََاُإِنُْتَتَبِع ونَُإِلَُالظَنَُوَإِنُْ نْت مُْإِلَُ َ أ ََْر ص ونَ﴾ .. لماذا لم تختاروا أن تقوموا بالطاعة ثم تقولوا هذا قدرنا الذي أراده الله..؟! لذلك قال النبي ﷺ: "ما منكم من نفس منفوسة إلا كُت بر مكانهُا من الجنة والنار، وإلا كُت بر شقية أم سعيدة " فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال ﷺ: "أما أهل السعادة فيُيرسر ون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيُيرسر ون إلى عمل أهل الشقاء".. ثم قرأ قوله تعالى: عْطَىَُوَاتيقَََُ َ مياُمَنُْأ َ ﴿فَأ * وَصَديقَُبِالْْ سْنََُ * فَسَن يَسّي ه ُ لِلْي سَّْىَُ * مياُمَنُبََِلَُ َ وَأوَاسْتَغْنََُ * وَكَذيبَُبِالْْ سْنََُ * فَسَن يَسّي ه ُلِلْع سَّْىَ﴾ .. نبّهنا النبي ﷺ إلى أن هذه الآيات قد أعطتك الإرادة الكاملة التي تجعل التيسير أو التعسير من الله سبحانه (نتيجة) على (مقدمة) أنت فاعلها، وهو العمل الذي تقدمه، فمن اختار أن يقوم بالعمل الصالح فالله عز وجل ييسره له، ومن اختار غير ذلك الله عز وجل ييسره له، حتى يسير الناس في النهاية إلى أقدارهم التي كتبها الله عز وجل ولكنهم مع ذلك يسيرون إليها طواعيةً من دون أن يجبرهم أحد..!

عدد الصفحات ١٨٣

184 يحكون أن ملكًا كان سمينًا و (مقلبظًا) بشدة، فجمع بعض الحكماء يسألهم مساعدته في إنقاص وزنه، فقال له منجّم أنا آتيك بالحل غدًا بعد أن أنظر في طالعك، فجاءه وقال له أنه وجد أن للأسف جلالته سيموت بعد شهر، وقال لو لم تصدقني احبسني عندك شهرًا فإن كذب الخبر اقتلني، فحبسه الملك وانتظر الموت في كآبة وانعزال حتى هر زُلر وزال ت سمنته، فبعد أن مر الشهر ولم يمت استدعى المنجم فأخبره أنه لا يعلم الغيب وإنما وجد أنه لا شيء إلا الهمّ يحرق الشحم.. فكافأه الملك، وفرح المُنجّم، وغرّدت العصافير . لما قرأت هذه القصة وجدتها سخيفة للغاية، من أدرى المنجم أن الملك كان ممن يصاب بفقدان الشهيّة مع الاكتئاب..؟! لربما كان العكس تمامًا هو الصحيح، لربما كان من الذين اعتادوا قضاء اكتئابهم داخل برميل من (النوتيلّلا)، حينها كان سيخرج له بعد شهر ليفاجئه بخطته العبقريّة فيجده قد تضاعف ميتوزيًّا، لابد أن الملك كان سيجلس عليه حتى الموت انتقامًا. ثم لماذا أراد الملك العبقري الاستعانة بمنجم لعلاجه من السمنة..؟! وهكذا تجد أني لم أقف في القصة إلا على ثغراتها المنطقيّة وغبتُ بالكامل عن العبرة المختبئة بداخلها وهي تقريبًا: (احزن كثيرًا وافقد وزنك ) أو شي كهذا..! نفس ما حدث حين سمعت من يحكي عن ذلك الذي ماتت أمه فأخذ يبكيها في جنازتها فقال له رجل: لماذا تبكي؟ قال: كيف لا أبكي وقد أغلق عليّ اليوم باب إلى الجنة.. تجد نفسك قد انصرفت تمامًا عن العبرة الجميلة في القصة إلى التفكير في ذلك الأحمق الذي وجد رجلاً يبكي في

عدد الصفحات ١٨٤

185 جنازة أمه فقرر أن يسأله عن السبب..! تبسيط مخُ لّ أدى إلى ثغرات منطقيّة زاعقة، فصار من العسير أن تُؤخذ بالجدية المطلوبة..! هذه سمة مميّزة في قصص الأطفال عمومًا، فالمفتَض أن تجد قمة الرومانسيّة في جميلة رضيت بالزواج من وحش لأن لديه قصرًا به ألف غرفة! هذه رومانسيّة مصريّة جدًا ! وفي مكان آخر من العالم هناك أمير قد قرر أن أفضل وسيلة في التاريخ للبحث عن فتاة قابلها في حفل، هو مقياس قدميها. بينما القصص الجيدة فعلاً المصنوعة للكبار تحوي كمية لا بأس بها من الواقعيّة والبؤس والميلودراميّ ة والتشابك والتعقيد ، ببساطة لأن هذه طبيعة الحياة أصلاً..! لابد أنك لاحظت أنك لستر مدللاً تمامًا في هذه الدنيا، وأن النهايات الدراميّة السعيدة متوفرة بكميّات مُرضية في أحلام اليقظة فقط. هناك إحصائيات تقول أن الناس لا يصدقون أنهم يقعون تحت الإحصائيات..! أننا جميعًا نصدق أن الأشياء السي ئة تحدث وبكثرة، ولكن للآخرين فقط.. وأنه –كما يقول الدكتور أحمد خالد توفيق- لو قال القائد لجنوده قبل المعركة: أتوقع ألا ينجو 90% منكم لنظر كل واحد منهم إلى زملائه وقال في نفسه: سوف يُؤلمني فقد الرفاق. ونتيجة لهذا التبسيط المُخ ل في نظرنا إلى الواقع، نقع بسهولة في قول الله تعالى: ﴿م ُ َ لَُيَسْأ ُِوَإِنُْمَسَيه ُالشَي يُفَيَئ وسٌَُِن وطٌُ ِنْسَان ُمِنُْد عََءُِالَِْيْ الْْ﴾..! تكون صدمتنا أكبر حين نصاب بما لابد أن نصاب به، لأننا ظننّا أن قصة حياتنا هي حكاية أخرى من والت ديزني، بينما في الواقع الحياة الخالية من المنغّصات، هي في الجنة فقط..!

عدد الصفحات ١٨٥

186 في أحد أسئلة موقع Debate المختص بالتصويتات الشعبية، كان هناك سؤال"هل يُعتبر المراهقون دومًا أحد مُغيرّي قواعد اللعبة في الأحداث السياسية؟؟ ".. كانت إجابة 80% من الناس على هذا السؤال بالموافقة.. المراهق يثور على كل شيء بالفعل، بدءًا من الطريقة التي ربّاها عليه والداه والتفضيلات الشخصية التي اختاراها له طوال عمره، ومرورًا بالقيم والأعراف السائدة في المجتمع والتشكك فيها، وانتهاءً بطريقة اختيارهم لملابسهم، ولعل الأخيرة هذه من أكثر الأشياء التي نودّ لو كنا نستطيع التحكم فيها بالفعل..! المراهق هيّأه الله في هذه السن بأن يكون على قدر غير عادي من التفرّد باختياراته، فيخرج عن الحدود الوراثيّة المألوفة، ويخرج عن طور الشبه بوالديه، كما يقول عالم السلوك (لورانس بيتَ): "الوراثة هي ما يجعل كلاً من أبوي المراهق يتساءل بتعجب عن الآخر"..! بينما يصفه الكاتب (جون باتيل) بقوله: "المراهق لا يملك أي نوع من الولاء المسبق تجاه أي شيء"..! ويقول الدكتور (عبد الكريم بكار): "لا يتقبل المراهق ما تحدثه به عن ذاته بيسر "..! وتقول (جيمي كرتيس): "أنت لو رأيت مراهقًا فأنت ببساطة ترى الكثير من عدم التأكد"..! وتقول (جوان تشين): "كل المراهقين لديهم رغبة في الفرار"..! اعتدنا على أن ننظر للمراهق بنظرة مُبسّطة خالية من التعقيدات، نراه مجرد باحث عن متع الحياة، ولكن الحقيقة أن المراهق يبحث أول ما يبحث عن ذاته هو..!

عدد الصفحات ١٨٦

187 إن المراهق هو مجرد طفل بدأ أول طريقه في الشعور بالمسؤولية والتفرّد.. إنه لا يختلف عن الكبار –الذين يشعرون دائماً بهذه المسؤوليّة– في أي شيء إلا أنه فقط (يبدأ) طريقه، بكل الحماس الذي يعتَي كل من يبدأ طريقه في شيء ما..! حيث خلق الله عز وجل الإنسان مخلوقًا بداخله جهاز الشعور بالمسؤوليّة والانفراد بالذات والقدرة الداخليّة على تمييز الصواب بشكل منفرد بدون تحيّزات مسبقة أو ولاءات خادعة.. ثم جعل هذا الجهاز لا يعمل إلا في مرحلة عمرية معيّنة، ثم يستمرّ معه هذا الجهاز مفعّلاً بقية عمره . لذلك فلا عجب من أن جعل الله عز وجل هذه السن (سن البلوغ المتزامنة مع مرحلة المراهقة) هي السن التي تم تكليفه فيها بحقائق هذا الوجود..! أنت لم تعد طفلاً الآن يتلقى تعليماته من والديه..! بل يمكنك الوصول بنفسك للحقيقة، يمكنك السعي خلف الدين الصحيح، والأخلاق الحسنة، والقيم السويّة، يمكنك التفكّر والتعقّل وإع ادة النظر بكل ما رباك عليه أبواك، يمكنك أن تعقل الآن ما هو الصواب، وما هو الخطأ، حتى لو كان هذا يخالف البيئة المكانيّة أو الزمانيّة التي نشأت فيها، حتى لو كان هذا يعني أن تتحدى جميع الأعراف والتقاليد..! أنت الآن قادر على تمييز الهدى، ومن باب أولى من المفتَض أنك (تحب) أن تتبع الهدى، وأنك لو وجدت ما هو أهدى مما وُلدتر عليه فأنت مطالب باتباعه.. كما حكى لنا القرآن أنه قد قال بعض الناس لرسولهم لما جاءهم: مَةُِوَإِنَاُعَََُآثَارِهِمُْ ﴿إِنَاُوَجَدْنَاُآبَاءَنَاُعَََُأ م قْتَد ونَ﴾ .. فما كان جوابه إلا أن قال لهم: هْدَىُمِمَاُوَجَدْت مُْعَلَيْهُِ َ وَلَوُْجِئْت ك مُْبِأ َ ﴿أ آبَاءَك مْ﴾..

عدد الصفحات ١٨٧

188 في روما القديمة كان الأغنياء فقط هم من يملكون القدرة على أكل الخبز اللينّ، برغم أنها ملكت نصف العالم تقريبًا. ولكن هذا ليس بغريب، لأن قيصر نفسه كان مسكينًا بالمقارنة بحالنا..! لو أراد بعض الهواء البارد فأقصى ما يمكنه الحصول عليه هي النسمات الترع سة الناتجة عن مروحة الريش مختلطة برائحة عرق ذلك العبد الأسود الذي يحركها له. أرخص أنواع مراوحنا الكهربائية تنتج هواءً أفضل من هذا، بل وخال من العرق أيضًا ..! ولو أراد التنقل فهو قد بلغ من السؤدد والمكانة ما يجعل أربعة رجال يحملونه على محفة فاخرة إلى أي مكان يريده، لكن بالتأكيد هذا لا يساوي شيئًا بجانب أقل سيارة متهالكة في زماننا. والفارس الهمام الذي يهُلك نفسه في الصحراء ع دوًا حتى لا يؤخر عنه رسائله المهمة بضعة أيام، بالتأكيد لم يكن أسرع من بريدنا الإلكتَوني في أقصى درجات بطئه و(تهنيجه). وشيء ما يخبرني أن طعام قيصر كان رائعًا، ولكنه بالتأكيد كان لينبهر بـ(البيتزا) و(الكريم كراميل)..! أي أن قيصر الذي غزا العالم كان سيموت من الصدمة لو علم أن أقل موظف في مجلس الدولة من زماننا يعيش عيشة أهنأ مما عاشها هو بالفعل .. وأنه سيأتي على الناس زمان يتنعّمون فيه بالكثير من المتع الجديدة تمامًا والتي لم يفكر فيها أسلافهم. على أن الكثيرين منا لا ينظر للأمر بهذه الطريقة، يرى أن العالم أصبح أسوأ، وأنه امتلأ أكثر بالمجاعات والأوبئة والحروب. لم يفطن هؤلاء إلى أن شيئًا لم يجدّ..! فالطب لم يختَع

عدد الصفحات ١٨٨

189 الإيبولا ولا السرطان مثلاً، فقط مات الناس من قديم الأزل بهذه الأمراض دون أن يعلم الأطباء في عصرهم شيئًا إلا أنه م ماتوا بالحمّى والانتفاخات.. ! والحروب والجر ائم في الواقع صارت أكثر رقة وأقل وحشية، فالتتار مثلاً دخلوا بغد اد ليقتلوا مليونين م ن المسلمين، وبالسيف البطيء وليس بالقنابل الذرية..! بينما كانت المجاعات في الماضي في كل مدينة وفي كل حضارة ، فعصر ما قبل الثورة الصناعية عاش على إنتاجية أقل بكثير مما يحتاجها فعلاً، والفجوة بين (الحاجة) و(المنتج ) كانت في موقف يُرثرى له..! لو نظرت إلى حال البشرية ككل لوجدت أننا في (عصر النعيم)..! عصر سادت فيه أدوات الراحة، وقلت فيه الكثير من المشقة.. عصر قد ظهر تفضّل الله علينا بتعليمه البشر الكثير من أسرار المكتشفات الحديثة كما فعل مع داوود عليه السلام: ﴿وَعَلَيمْنَاه ُُصَُنْعَةَُُ لََ وسُِ ُلَك مُُْلَِ حْصِنَك مُْ ُمِنُُْسِك مُْ ْ بَأُفَهَلُُْنْت مُْ َ أُشَاكِر ونَ﴾ .. عصر قد مكننا الله فيه من البنيسلّين، والديجيتاليز، والأتروبين..! عصر قد منّ الله علينا فيه بالمحرّ كات والتَانزستور والستالايت..! عصر زاد فيه ظهور منة الله على الإنسان، وظهور حنانه، وظهور رحمته. ثم ماذا كان رد الإنسان على هذا..؟ الكفر، والإلحاد، والغفلة، والشهوات، والغرور، والتكبر على الخالق، والسخرية من الدين، والتطاول على الإله..! هذا هو حال الله، وهذا هو حال الإنسان..! ثم لم يوقف الله خيره النازل، ولم يبدل الكثير من نعمته، ولم ينزل علينا عقاب الغضب، ولم يملّ من ندائه: ﴿فَإِنلُقَرِيبٌُ ﴾.. فكيف لك ألا تحب هذا الرب الرؤوف..؟!

عدد الصفحات ١٨٩

190 أرشميدس لم يكتشف قانون الطفو في الحمام، هذه قصة مشكوك فيها بقوة.. وأيضًا يكتشف نيوتن قانون الجاذبية حين سقطت تفاحة على رأسه..! لقد سادت هاتان القصتان في الوعي الشعبي لأنها تحقق أحلام كل واحد منا: يمكنك أن تصبح مكتشفًا جبارًا بحمام بخار، وشجرة تفاح، وقليل من الحظ..! بالمثل فهناك خرافات أخرى، مثلاً نظرية آينشت اين لم تقل أبدًا أن بوسعك العودة ب الزمن للنجاح في مادة الكيمياء، والزواج من ياسمين، وقتل مديرك في العمل وهو في رحم أمه، لتصبح حياتك رائعة.. في الحقيقة النظرية ليس لها علاقة بآلة الزمن ولم تتعرض لحياتك على الإطلاق ولا لحياة ياسمين أو أم مديرك في العمل. ولكن ماذا لو كانت آلة الزمن حقيقة..؟! لو حصلت على آلة الزمن في يوم من الأيام بالفعل فأتخيل أنني لن أستخدمها إلا في إصلاح أخطاء الماضي، وهي كثيرة عمومًا..! وفي كل مرة كنت سأنسى بالطبع أني قد استخدمتها. ربما أنا سافرتُ للعمل في مجاهل أفريقيا كما كنت أخطط، وأُصبت هناك بملاريا حمى الماء الأسود، ثم عدت بآلة الزمن لأتخذ مسارًا آخر لا يتضمن الماء الأسود في آخره.. ربما أنا في بداية شبابي دخلتُ الكلية التي كنت أحلم فعلاً بها، فتعرفت على مجموعة منحطة في الكلية انتهت بي إلى مقعد وثير تحت كوبري 15 مايو بحفنة بيضاء على ظهر إبهامي، فعدت مجددًا بآلة الزمن ودخلت كلية الطب، ثم نسيت كل شيء عن هذا الموضوع.

عدد الصفحات ١٩٠

191 ربما أنا صباح اليوم تعرضت لحادث سيارة بشع انتهى بي إلى فقدان عيني اليسرى، فعدت بعدها بالآلة الرائعة إلى صباح اليوم مرة أخرى لأبتعد عن طريق بلبيس نهائيًا دون أن أعلم لماذا فعلت ذلك..! ربما أكلت غدًا طبق (البامية) المسبوك الذي أتمناه، ثم استلقيت على الأريكة وقد قرر مريئي أن يشتعل ذاتيًا بلا سبب مفهوم، حينها لربما أنا قمت ودخلت الآلة إياها وعدت إلى اليوم وأوعزت إلى أمي أن غدًا هو يوم مناسب جدًا لمعلبات السردين التي أكرهها بطبيعة الحال. الكثير جدًا من السوء كان بإمكانه أن يحدث، ولكني لم أتعرض له، بل ولم يخطر على بالي أصلاً..! في كل دقيقة تمر يمكنني أن أتخيل مئات الكوارث الضخم منها والصغير، التي كان من الممكن أن تحدث فيها..! حينها أفرح بأن الله عز وجل قد وضعني في مسار مغاير انتهى بي إلى اللحظة السالمة التي أعيشها الآن بعيدًا عن كل تلك المصائب المتخيلة.. أفرح بأن الله عز وجل لم يعبأ بتأففي من هذا التقدير أو ذلك، لمّا علم في علمه السابق أن الخير فيه.. أفرح بأن الله لم يستجب للكثير من دعائي الذي دعوته وأنا على جهل عظيم.. حينها أفرح بأن الله العظيم جعل من نفسه مقدّرًا لأمور حياتي الخاصة..! أنا الإنسان التافه الذي لا يساوي شيئًا..! أفرح بأن الله يختار لي، وأفرح بأن الله لا يختار لي إلا الخير.. حينها أفرح بأنه لم يرضر بأن يشاركه غيره في ذلك الاختيار..! كما قال سبحانه: ﴿وَرَب يكَُ ِيََة ُ يََْل ق ُمَاُيَشَاء ُوَيََْتَار ُمَاُكََنَُلَه م ُالِْ ﴾..

عدد الصفحات ١٩١

192 اعتقد السكان الأصليون القدماء لجنوب شرق أستَاليا أن أحد الأشخاص من قديم الأزل قام بإلقاء بيضة نعامة إلى السماء ففقست منها الشمس..! ثم أشعلت الشمس المفقوسة حديثًا النارر في كومة خشب تصادف وجودها هناك لسبب ما..! فكانت هذه هي قصة نشأة الشمس..! طبعًا أول وأهم سؤال يخطر على ذهنك هو: لماذا البيضة..؟! لماذا لم تكن أصل الشمس ليمونة مثلاً أو (ترمساية)..؟! مختَع القصة المُب دع لابد أنه قد اختزل كل ما يعرفه عن الشمس بما تلمسه حواسه فعلاً: شكل صفار البيضة ووهج النار التي اشتعلت في ذلك الحطب الكوني الغامض الذي كان يتسكع وحده في السماء.. لذلك، وبالرغم من أنه كان يملك قدرًا واسعًا من الخيال كما يبدو، فإنه كان مازال حبيسًا لحواسه البدائية الظالمة.. في اللحظات التي كتبتُ فيها السطور السابقة كنتُ أتحكم في درجة حر ارة مُكيّف الغرفة ببضعة أزرار في يدي. وهذا شيء عظيم فعلاً..! أعظم من أن أتعامل معه بمنطق من حسب أن الشمس بيضة مشتعلة، لمجرد أنه يراها بيضة مشتعلة..! لذلك شرعت في الشرود فيما وراء تلك الأزرار.. ربما تكون الشريحة الإلكتَونية المبدعة التي تسكن خلفها، وربما أفكر أبعد من ذلك إلى الموجات الكهرومغناطيسية نفسها..! شيء غريب أن تعبث في أزرار جهاز التحكم بمكيّف الهواء، فتتمتم بحمد الله على نعمة الموجات الكهرومغناطيسية..! شيء غريب فعلاً ولكنه منطقي جدًا ..!

عدد الصفحات ١٩٢