161 لا بد إذن أن يغرقنا هذا التفكير في الحزن، الحزن الأليم النابع من تقبل حقيقة أننا لم نفهم أنفسنا بعد، وعلى الأرجح لن نفعل ذلك أبدًا.. الحزن العدمي الذي يشعرنا بلا جدوى سعينا نحو الكمال في اتجاه ما، إذ إننا نعلم أننا نسعى بقوة مماثلة وبسرعة ثابتة نحو العدم والنقائص ولكن في اتجاه آخر مخفي عن عيون الناس.. الحزن المتلذذ بتقبل حقيقة الضعف الإنساني الذي وُلدنا عليه والبحث عن بديل آخر لغطرسة الأمل بالتغيير الذاتي.. نعم، فالأمل قد يكون متغطرسًا في كثير من الأحيان، والحزن هو حين تدرك ذلك ..! لذلك فلا عجب من أن نجد أن الآية التالية كانت: "فرف رروا إ لىر الله "..! لا عحب إذ إن من جرّب حزن المتفكرين، لعلم أن التواجد في نظام زوجي متكامل لن يصل به أبدًا إلى باب الخروج منه إلا بالفرار إلى ذلك الفرد الأحد الذي تعالى عنه وتكبرّ.. ذلك الإله الذي جعل الحياة كلها أزواج ليكون هو الفرد الصمد وحده..! ليست لديه اتجاهات متضاربة، وإنما هو الحق وليس يشوبه الباطل، هو الجميل وليس يدركه قبح، هو المحسن وليست تقربه القسوة..! الفرار إلى الله الفرد، هو فقط ما سيكفل لك أن تدخل متفكرًا إلى هذا العالم الزوجي المتناقض ثم لا يدركك أي حزن..!
عدد الصفحات ١٦١162 أحيانًا تشعر وكأنه يستمتع فقط بتعذيبك بلا سبب.. فحين تسمع الصراخ المجرم صادرًا من طفل رضيع شرير يدعي البراءة، ثم تذهب إلى الطفل لتَى ما الذي يريده بالظبط حينها تقع في مشكلة..! فأنت لا تعلم بالفعل ماذا يريد..! قد يكون جائعًا أو مريضًا أو يريد أن يخبرك بأن هناك مفاجآت سارة في حفاضته، أو يريد أن يخبرك بأن هناك مفاجآت سارة قد خرجت من حفاضته، أو يريد النوم أو يشعر بالبرد أو بالملل أو بأزمة وجودية غامضة. المشكلة أنك لن تعرف أبدًا ماذا يريد حتى تجرب له كل شيء..! عليك أن تلبي لهذا الشيء الصغير لائحة أمنياته كلها وبالتَتيب حتى يسكت أخيرًا فتعرف ماذا كان يزعجه . لو لم تكن رغباتنا نحن قد لُبِّيرت منذ الأزل لكنا نبكي كالأطفال برغم هيئتنا الوقور وسنين عمرنا الثلاثينية. تخيل لو لم تكن قد عرفت الماء منذ صغرك، لو لم يكن هناك ماء رأيته من قبل، كيف كنت ستصف شعورك بالظمأ؟ لم تكن لتعرف أن هذا ظمأ أصلاً ..! بالنسبة لك أنت ف وضعك أفضل لأن الذي يدبر أمورك يعرف كل شيء عنك وعن رغباتك.. فلم يضطرك إلى البكاء لحظة..! لست أنت وحدك بالمناسبة، ولكن كل إخوانك وأخواتك في (الخليقة) حصلوا على نفس العناية والرعاية الفائقة..! فالغزالة قد حصلت على عينين في جانبي رأسها يمنحانها رؤية بانورامية واسعة لأكبر مجال بصري ممكن.. بالتأكيد كان هذا هو عين ما تحتاجه لأخذ الحيطة والحذر من تربصات الفهد الجائع الذي
عدد الصفحات ١٦٢163 يشتهيها..! بينما حصلالصقر على عينين متجاورتين في مقدمة رأسه يمنحانه رؤية متداخلة ممتازة ثلاثية الأبعاد.. لو لم يكن قد حصل على هذا لبكى الصقر كالأطفال لأنه لا يستطيع اقتناص أي فرخ طائر من اليابسة. لو لم يكن الإنسان قد حصل من ماشيته على اللبن الطازج ليحوله إلى جبن وزبد وسمن وقشدة، فلربما صار الكثير من الناس على موعد دائم عند طبيب العظام مع كل هذا الكالسيوم المفقود، وكانت سفرته لتكون أقل متعة بالتأكيد.. كان ليشعر بأن هناك شيئًا يحتاجه لكنه لا يدري ما هو، ناهيك عن حيرة البقرة وهي تتساءل عن ذلك الشعور المؤلم لضرعها المحتقن الذي يفتقد إلى من يعتصره بانتظام، من جديد فالبقرة لم تكن لتعرف أن هذا هو عين ما تحتاجه إلا بعد أن حصلت عليه بالفعل. هذا المدبر الكبير لم ينتظرك لتبكي أو تطلب، لأنه يعلم أنه مهما بلغ ذكاؤك فلن تخمن أبدًا ما الذي تحتاجه..! لن تستطيع مهما بلغ بك العمر أن تسمي رغبتك قبل أن يذيقها لك أولاً، لتفهم أن هذا هو ما كان ليسد ذلك الألم بداخلك.. الألم الذي لم تشعر به أبدًا لأنك لم تحرم من هذه الرغبة أصلاً ..! لذلك يمكنك أن تعتبر كل لحظة من لحظات النعيم أنها كانت (سؤالاً) منك له، ولكن مع فارق، أنك قد حصلت على الإجابة قبل أن تسأل السؤال أصلاً..! أنك قد حصلت على ما تريده قبل أن تسميه..! حينها تعلم أنك لم تخُذرل منه قط.. لم تُنسر منه قط.. لم تهُمرل منه قط.. كما قال تعالى: ﴿وَآتَاك مُمينُْك لُمَاُسَألَْ م وه ُ ﴾..!
عدد الصفحات ١٦٣164 يحكون أن (تشرشل) كان يستقلّ سيارة أجرة إلى مقر الـ BBC لإجراء مقابلة إذاعيّة فقال للسائق انتظرني هنا 40 دقيقة وسأجازيك، قال له السائق: "لا يمكنني ذلك، فأنا أريد أن أذهب لبيتي لأستمع إلى تشرشل في الإذاعة".. بالطبع هذا كان قبل انتشار التلفاز، فلا يعلم الناس ما هو شكل تشرشل أصلاً، ومنهم هذا السائق.. فرح تشرشل بما أظهره ذلك السائق من حب حقيقي في غيابه له، وأحب أن يكافئه فأخرج له عشرة جنيهات أستَلينيّة، من ثمّ قال السائق: فليذهب تشرشل وخطاباته إلى الجحيم، سوف أنتظرك هنا اليوم كله لو أردت مقابل هذه الجنيهات العشرة..! الولاء والصدق والحب هي أشياء لا تباع ولا تشتَى، ولا يمكن الاستدلال عليها إلا لو تركت صاحبها يعبر عما بداخله دون خوف أو هلع.. لا يمكن للإنسان أن يُظهر ما هو عليه فعلاً لو لم يكن لديه (الخيار) لذلك . لذلك يقول (أوسكار وايلد) أيقونة الأدب الأيرلندي: "الإنسان يكون في أقل أحواله مشابهةً لنفسه حين يتحدث بالنيابة عن نفسه، ولكن أعطه قناعًا وسوف يقوم بإظهار من هو بالفعل..!"، ويقول كاتب الرعب الأمريكي (روبرت بلوك): "حين تُزرال كل الأقنعة يبدأ الرعب..! "، ويقول الفيلسوف الألماني (ميستَ إيكهارت): "اذهب إلى حدي قتك الخاصة، وتعلم هناك أن تعرف من أنت حقًا..! "، ولربما هذا هو السبب في قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "خذوا حظكم من العزلة"..
عدد الصفحات ١٦٤165 الوقت الذي تقضيه بمفردك عن أعين المراقبين هو الوقت الذي تقرر فيه من أنت، ما هي القيم التي ستحتفظ بها، ما هو الوجه الحقيقي الذي تملكه..! كما يقول الله عز وجل: ﴿يَسْتَخْف ونَُمِنَُالَاسُِوَلَُيَسْتَخْف ونَُمِنَُاللَُِوَه وَُمَعَه مُْإِذُْي بَيلت ونَُمَاُلَُيَرْضََُمِنَُالْقَوْلُِ ُ وَكََنَُاللَ ُبِمَاُيَعْمَل ونَُمُ ِيطًا﴾ .. وعدّها ابن حجر الهيتميّ الكبيرة رقم 356 :"إظهارزي الصالحين في الملأ، وانتهاك المحارم في الخلوة"..! وكان يقول (سحنون) رحمه الله: "إياك أن تكون عدوا لإبليس في العلانية صديقا له في السر"!.. لو لم يكن هناك غيب لما ظهر أي أحد على حقيقته، ولما ظهر ذلك الذي يخاف مقام ربه ويرهب مكانته حقًا من ذلك الذي يدّعي، كما قال جل جلاله: ﴿لََِعْلَمَُاللَ ُ ُمَنُْيَََاف ه ُ بِالْغَيْبِ﴾ .. لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي يرجو رحمة الله وثوابه ولو بعد حين من ذلك الذي لا يريد إلا شهوات نفسه العاجلة، كما يقول سبحانه: ﴿جَنَاتُِعَدْنُِالَتُِ وَعَدَُالرَحَْْن ُعِبَادَه ُبِا لْغَيْبُِإِنَه ُ تِيًّا﴾ ْ كََنَُوَعْد ه ُمَأ .. لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي ارتبط قلبه بالحق والخير، فما أن يبتعد عنه قليلاً إلا ويسر ع في العودة إليه وينيب، كما يقول جل جلاله: ﴿مَنُْخَشَُِِالرَحَْْنَُبِالْغَيْبُِوَجَاءَُبِقَلْبُِم نِيبِ﴾ .. وبرغم أن الله يعرفنا جميعًا ويعلم ما نسر وما نعلن، إلا أن ظهور علمه فينا أمام الناس وأمام أنفسنا هو من إقامة الحجة التي ارتضاها مظهرًا من مظاهر عدله الإلهيّ .. الغيب إذن يستخرج من الإنسان أحسن ما فيه وأسوأ ما فيه، فيظهر من هو فعلاً، وما معدنه حقًا، وبط ريقة يشهد بها الإنسان على نفسه، فلا يلوم حينها أحدًا إلا نفسه..!
عدد الصفحات ١٦٥166 كتب (صامويل بيكيت) مسرحية كاملة يدور محورها حول انتظار مجيء رجل يُدعى (جودو)، وتنتهي دون أن يظهر على الإطلاق..! كانت هذه فلسفته عن الحياة، أنها مجموعة من التوقعات الرائعة والانتظارات المرجوّة التي تخيب في غالب الأحيان.. إذا أردت أن تختبر فلسفة (بيكيت) فما عليك إلا سؤال الصائم هل كان دائماً الكوب الأول من الماء عند الإفطار بنفس الروعة التي كنت تتوقعها تحت شمس الظهيرة المتوحشة..؟ أو اسأل أي زوجين شابين مرّ على زواجهما عدة أسابيع، هل شعرت أنك كنت تبالغ قليلاً في تخيّلك لروعة الزواج..؟ اسأل كل ناجح في دراسته إن كان قد شعر وقت النتيجة بنفس المشاعر التي كان يتوقعها وقادته إلى مواصلة الليل بالنهار، واسأل الذي ادخر أمواله وصرف إجازاته في سبيل رحلة مصيف إن كانت القاذورات التي داس عليها في قاع البحر وحبات الرمال التي التصقت بفروة رأسه كانت في نطاق توقعاته.. أحيانًا أشعر أن الإنسان مخلوق بجهاز أحلام داخلي أجمل بكثير من واقعه، أن تصميمه الداخلي يجعله دائماً يبالغ في توقعاته.. وكنتيجة لذلك تعتاد خيبةُ الأمل عتبةر بابه، ولربما اعتادت بابه أكثر من اللازم فتصبح صاحبة بيت، ويبدأ الإحباط يفكر له بدلاً منه، ويتحول إلى النقيض، فيبدأ في توقع الأسوأ دائماً . جودو وغد..! عليك أن تدرك ذلك. في أغلب الأحيان لا يأتي، في أغلب الأحيان لن تكون دنياك بنفس مستوى روعة أحلامك، كثيرًا ما ستشعر بصفعة على أحد خديك،
عدد الصفحات ١٦٦167 وغالبًا ستكون مؤلمة، وسيتناسب هذا الألم طرديًّا مع المسافة التي تفصل واقع ك المرّ بحلمك السابق.. قانون فيزيائي لن يتغير لأجلي ولا لأجلك.. لن يحابي أحدًا ولن يراعي أنك لطيف وطيب القلب. الحل بسيط، علينا أن نكف عن الأحلام وننزل إلى أرض الواقع. لكن الكلام رخيص، فنحن لن نستطيع أبدًا أن نكفّ عن الأحلام والتوقعات العالية.. ! ببساطة لأنها ألذّ من اللازم، وأجمل من أن تُتَك..! لأننا نحتاجها حتى نشعر بالحد الأدنى من الحماس الذي يُنهضنا من على مرقدنا صباحًا . فلو لم نستطع تغيير الحلم، فلنغيرّ الواقع نفسه إذن ..! والجميل أن هذا مقدور عليه..! يمكننا ألا نصاب بخيبة الأمل على الإطلاق.. يمكننا أن نجعل أقدار الله لنا بنفس الروعة التي في أحلامنا..! ولربما أروع. يمكننا أن نصاب بنوع من التعالي الصحي على الحياة الدنيا، فنشعر أننا أكبر وأهم من أن تأتينا دنيا سخيفة بشيء على غير مرادنا، أو أن تسبب لنا إحباطًا أو يأسًا. يمكننا أن نخدعها فتفعل بنا الأفاعيل فنفاجئها بأن هذا ما أردناه أصلاً، وأنها لم تفعل شيئًا بهذه المصيبة أو تلك إلا تحقيق رغبة أخرى من رغباتنا. حينها سيموت جودو إلى الأبد. لأن الواقع ولو خالف حلمنا، فلن يخرج عن كونه متعة أخرى ولذة أخرى وأجر أكبر..! أمر عجيب فعلاً، حتى النبي ﷺ نفسه تعجب منه حين قال: "عرجربًا لأرمر المؤمن ، إن أمرره كل ه خير ، وليسر ذاكر لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراءُ شكرر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيرًا له "..
عدد الصفحات ١٦٧168 لا بد من يقين.. يقين أن ذلك السفّاح، مدمن الخمر، ملازم النساء، الذي لم يدع ذنبً ا إلا ولازمه، ولم يدع واجبً ا إلا وقد تركه، الذي نظر له أهله وجيرانه متسائلين عن اللحظة التي يموت فيها كي تستَيح منه البلاد والعباد.. يقين بأن هذا الرجل إلى مغفرة الله ليس بأحوج منك..! يقين بأن ذلك المسكين في عرض البحر وقد غرقت عنه سفينته، وتكشّف له ظلام ال بحر الأوليّ البكر، ويشعر في أصابع قدم يه بدغدغة أسنان الأسماك، متعلقً ا بخشبة م سكينة مهتَئة، وينظر إلى السماء الواسعة التي ترثي لحاله.. يقين بأن هذا الرجل إلى عون الله وغوثه ليس بأحوج منك..! يقين بأن تلك الفتاة التي قد ذهب عنها عرضها في لحظة ضعف تبعها ندم، وتسير في شوارع ظلماء ساكنة، تحاول أن تختبيء خلف أعمدة الإضاءة الرماديّة و تحت الأشجار النحيلة، شاعرة بالخوف من الغد والرغبة في الفرار والعجز عن إكمال المزيد من تلك الحياة.. يقين بأن هذه الفتاة إلى ستَ الله ليست بأحوج منك..!
عدد الصفحات ١٦٨169 يقين بأن تلك الأرملة الكسيرة، التي ذهب عنها زوجها في لحظات قاسية، ولها من الأطفال بضعة نفر، وتحولت آمالها من الوسع إلى الضيق، وصار كل همّها وأكبر أمانيها أن تحصل على وجبة أطفالها التالية، واضطرت إلى أن تقف لأول مرة في حياتها أمام باب المسجد، وقد ارتدت نقابًا يغطي وجهها، واختنق صوتها من البكاء فلا تطلب من الناس شيئً ا، وتتسوّل في صمت.. يقين بأن تلك المرأة إلى جبر الله لكسرها ليست بأحوج منك..! يقين بأن ذلك الرجل البائس، الذي يدعو الله كل ليلة بعد صلاة العشاء، رافعً ا يده إلى السماء مطرقً ا ببصره إلى الأرض، بأن يرزقه ذلك الذي يحلم فيه منذ عدة سنوات، طفلاً صغيرً ا يصنع بوجوده هدفً ا له في المعيشة، إن لديه الكثير في عقله يريد أن يعلمه له، ولديه الكثير في روحه ينتظر أن يعطيه له.. يقين بأن هذا الرجل إلى رزق الله وهبته ليس بأحوج منك..! يقين بأنك الأفقر بين عباد الله، وأنك الأرجى لأن يكون معك.. يقين أنك هالك لو تركك لنفسك ، وأنك ضائع لو تبعت هواك.. يقين بأنك الضعيف وهو القوي، وأنك الكسير وهو الغنيّ.. يقين بأنه يقدر ولا تقدر، و أنه يعلم ولا تعلم، وأنه علام الغيوب.. يقين يا رب.. أني أحتاجك..
عدد الصفحات ١٦٩170 "أنت إنسان بشع"..! هكذا ردت واحدة من أعضاء المجموعة التي يتعالج فيها نفسيًا على الطريقة الأمريكية حين صارحهم بواحدة من شناعاته.. الحقيقة التي كانت تؤلمه أن له أفعالاً أكثر شناعة بكثير.. هو فقط سرّب أقلهم سوءً ا ليختبر ردود فعل الناس عليه. طوال حياته كان يقابل هؤلاء الذين يحاولون إقناعه أنه شخص طيب وأن كر اهيته لنفسه ليس له ا مبرر حقيقي، في أحد المرات فقط قابل شخصًا حكيماً حقًا، رآه ذلك الشخص وهو يسب نفسه في المرآة، فقال له: "إذن أنت حمار آخر من الذين يظنون أن هذا السب كاف لما يستحقونه، على الأرجح أنت أسوأ كثيرًا حتى مما تعتقد " ثم رحل..! حين يتحدث مع صديق له ليخبره أنه إنسان سيء، كان صديقه يؤكد له أن كل الطيبين يظنون ذلك، لم يشأ أن يصارحه بحقيقته، الأفعال التي يرتكبها حين لا ينظر أحد، الأفكار التي يحملها، أمنياته السوداء والتي لا يمنعه عنها إلا العجز عن الوصول لها.. بعد فتَة من تكرار كلام صديقه له أخذ يفكر أن لربما كان على حق، ربما هو فقط قاس مع نفسه أكثر من اللازم..! صدق ما كان يقوله له صديقه دون أن ينتبه إلى أن صديقه قال ذلك فقط لأنه لا يعلم ما الذي كان يفعله البارحة..! مع الوقت كوّن اعتقادًا، هو إنسان شنيع بالفعل، الآخرون فقط ليس عندهم مقدار كاف من العلم كي يدركوا ذلك . في الحقيقة هو كان يحتاج إلى شخص واحد يستطيع أن يصارحه بكل شيء سيء بخصوصه، كل أفعاله الحمقاء، كل آثامه الخفيّة، كل أمنياته المخجلة، يريد من هذا
عدد الصفحات ١٧٠171 الشخص أن يعرف عنه كل هذا، ثم ينظر له في عينيه بثبات ويسأله: والآن، هل تستطيع أن تسامحني..؟ لربما لو استطاع أن يسامحه، لربما لو استطاع أن يظل لطيفًا معه، لربما وقتها يعقد السلام مع نفسه أخيرًا، لربما حينها فقط يقدر على أن ينظر لنفسه في المرآة دون أن يتذكر كلمة الرجل الحكيم: "أنت أسوأ كثيرً ا حتى مما تعتقد". ولكنه يعلم أنه لن يستطيع أبدًا أن يفعل ذلك مع أي شخص.. كانت هذه أسوأ فكرة حملها عن نفسه يومًا، أنه أسوأ من أن يستطيع أن يكون صريحًا حقًا مع أحد.. هو في الحقيقة جاوز في شناعته حدود المسامحة البشرية المعتادة، يعلم أن حقيقته التي يخفيها عن الجميع خارجة عن قدرة البشر عن التفهم والقبول. لم يكن يعلم أن هذا الشخص المتفهّم الذي كان يبحث عنه هو موجود دائماً، فقط هو ليس شخصًا متفهماً فعلاً، ولكنه إله..! إله قد قال عن نفسه: ﴿لَُيَعْلَم ُمَنُْخَلَقَُوَه وَُ َ أ اللَطِيف ُالَِْبِي ُ ﴾، إله خبير بكل شناعاته، لطيف مع ذلك معه..! إله يعلم أننا جميعًا أسوأ بكثير مما نبدو لبعضنا البعض.. وبرغم ذلك يكون رده على كل واحد منا: فإني قريب..! لو كان يعلم هذه الحقيقة لربما سكنت نفسه أخيرًا، لربما استطاع أن يبتسم، لربما غير هذا من رؤيته لنفسه، يعلم أن له أفعالاً شنيعة بالفعل، ولكنه لم يخرج أبدًا عن حدود السماح والرحمة.. بل إنه حتى لم يبتعد عنها..! كيف يكون قد ابتعد، بينما صاحب هذه الرحمة نفسها هو من يقول له أنه قربب..؟!
عدد الصفحات ١٧١172 في عام1907 قام الطبيب الأمريكي (دونكان ماكدوجال) بواحدة من أكثر التجارب العلميّة تخلّفًا وانحيازًا ولا أخلاقيّة..! حيث عمد إلى ستة من المرضى المصابين بالسل في دار للعجائز وكان يعرف أنهم سيموتون فثبّت بأسفل كل واحد منهم ميزانًا وقام بوزنهم قبل وأثناء وبعد الاحتضار كي يثبت أن هناك جسماً قد خرج منهم عند الموت: الروح..! كانت النتائج غير مبشرة، حيث أعطى كل واحد منهم نسبة اختلاف ضئيلة وغير متساوية مع بعضها البعض إطلاقًا .. هذا بالطبع كان كفيلاً بإجهاض تجربته (العلميّة) حيث إنها غير خاضعة للقياس بهذا التفاوت الكبير ، إلا أن ماكدوجال لم يستسلم وقام بجمع هذه النسب المتفاوتة وقسمتها على ستة، ليخرج بمتوسط (وزن) الروح وهو 21 جرامًا لم يتم أبدًا اعتبار تجارب ماكدوجال علماً.. لكن هذا لا يمنع من أن هذه النتائج قد تسرّبت إلى وجدان العامة بشكل أو بآخر..! وأنت إن بحثت عن ال ـ ( 21 جرامًا لوجدت أنها عنوان فيلم درامي من إنتاج هوليود سنة 2003 يتحدث عن نفس المبدأ لم يكن الوعي البشري يحتاج إلى تجارب ماكدوجال حتى يوقن بوجود (الروح) على كل حال.. فقد كان الإغريق القدماء مثلاً يضعون في فم الميّت قطعة معدنيّة، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن (شارون) سيطلب من الميت أجرًا على عمله.. حيث شارون هو عامل (المعدّية) على نهر (ستيكس) الذي ينقل الأموات من عالم الأحياء إلى مملكة (هاديس) حيث يمكث الموتى في انتظار أن يتم الحكم عليهم وعلى مصيرهم الأبدي.. والقدماء المصريون
عدد الصفحات ١٧٢173 كانوا ينزعون أحشاء الميّت كلها ويتَكون قلبه، لأن القلب هو ما سيتم وزنه على ميزان الآلهة بعد البعث ليتقرر مصيره.. وأما الهندوس والبوذيّون والكثيرون من وثنيي أفريقيا فيعتقدون بتناسخ الأرواح بأن الروح لا تذهب إلى عالم آخر ولكن تدخل في جسد وليد جديد، وأنه على حسب أعمالك يتم اختيار هذا الحاضن الجديد لروحك، فبالتالي قد تكون حياتك الأولى في جسد زعيم القبيلة ولكن لأنك لم تكن ذا أخلاق حميدة فإن حياتك الثانية قد تكون صرصورًا يعيش في المراحيض ومصاب بالتهاب المفاصل..! نحن إذن أمام اطّراد بشري جديد، في هذه المرة الاطّراد يتعلق بوجود شيء لطيف في الكائنات الحية، وهذا الشيء يذهب بعد الموت إلى مكان ما..! وعلى الأرجح يتضمن هذا المكان ثوابًا وعقابًا لصاحب هذا الجسد الذي مات.. ونحن كمؤمنين بالقرآن –ومعنا طائفة كبيرة من أصحاب الديانات الإبراهيمية– نعلم أن هذا المكان هو يوم القيامة الذي سيجمعنا فيه الله عز وجل ليحاكمنا ويحكم بيننا ويلقى كل إنسان مصيره الأبديّ..! كما يقول سبحانه: صْدَق ُ َ ﴿اللَ ُلَُإِلَََُإِلَُه وَُلَََجْمَعَنَك مُْإِلَُيَوْمُِالْقِيَامَةُِلَُرَيْبَُفِيهُِوَمَنُْأ مِنَُاللَُِحَدِيثًا﴾ .. هذا يتطلب إذن الكثير من الاستعداد لهذا اليوم كما ترى..! ولكن الكثير ين من البشر فضّلوا أن يتعاملوا مع هذه المسألة بطريقة طريفة وذكيّة للغاية: أغمضوا أعينهم..! وبنفس منطق من يركب القطار السريع في مدينة الملاهي فلا يريد أن يرى المهابط المخيفة ولا الارتفاعات الشاهقة التي هي أمامه، يفضل حينها أن يغض طرفه عن كل ذلك ويتجاهله تمامً ا..! لا يعلمون ما المكان الجديد الذي سيذهبون إليه، وهم لا يبالون كثيرًا بذلك، واختاروا أن يُغمضوا أعينهم في القطار السريع..!
عدد الصفحات ١٧٣174 خزينك من الجلوكوز والأحماض الأمينية والحديد والفوسفور وحمض الفوليك والماغنسيوم وبقية المعادن هو مخزون صغير ينفد سريعًا، لذلك عليك أن تأخذ هذه العناصر بشكل مستمر مع وجبات غذائك.. هذا ما يعرفه كل طبيب تغذية حين يقابل شخصًا نباتيًا فيخبره أن عليه أن يكمل غذاء ه بفيتامين B12 الذي لن يجده في أي نبات وأما الجزيئات الأهم لجسدك مثل الماء والأوكسجين مثلاً فليس لديك مخزون منها أصلاً.. ولربما هذه من أسباب رحمة الله عز وجل علينا بأن جعل الماء والهواء من النعم المشاع لكل البشر في كل وقت وبلا كلفة تذكر.. النعم الأساسية الموجودة في جسدك تتحصل عليها بشكل مكتسب ومستمر في كل لحظة سوف تتنفس فيها أو تشرب فيها الماء أو تأكل وجبتك التالية.. هذا شبيه بنعمة ضياء الشمس مثلاً، هو حرفيًا يذهب كل ليلة ويعود كل صباح، لاحظ أننا لا نتحدث عن شيء موجود دائماً ، ولكن عن شيء يتجدد دائماً..! ربما كان هذا هو السبب الذي ذكرنا القرآن لأجله بأن علينا أن نعيد الانتباه كل يوم لنعمة تجدد سكينة الليل وضياء النهار: ﴿وَمِنُرَيحَْْتِهُِجَعَلَُلَك م ُاللَييْلَُوَالَيهَارَُلِتَسْك ن واُ فِيهُِوَلََِبْتَغ واُمِنُفَضْلِهُِوَلَعَلَيك مُْتَشْك ر ونَُ ﴾..
عدد الصفحات ١٧٤175 إن هذهأمثلة جيدة على أن نعم الله في الواقع تتجدد عليك بشكل كامل في كل لحظة، أنت الذي حسبت أنها كانت أشياء أعطاكها وكفى، لم تفطن إلى أن عملية الإعطاء مستمرة..! لم تفطن إلى أنك ما زلت واقفًا تملأ جرابك المحدود بنعمه غير المحدودة، فقط من طول وقفتك قد نسيتها تمامًا، بينما لو أصخت السمع لاستمعت إلى صوت تلك النعم التي لا يتوقف دخولها في جرابك كصوت رتيب مستمر دافئ تعتاد عليه أذنك حتى تنساه، مثل صوت ثلاجتك الصاخبة الذي لا تنتبه له إلا حين يتوقف. هذا يذكرك بأن ربك لييس صانع ساعات خلق الكون وضبطه ذاتيًا ثم رحل، بل ربك ما زال يحوطك بعنايته وإحسانه في كل لحظة ويلاقيك في كل حين بعين ما تحتاجه..! لذلك تجد أن الله لم يهملنا لحظة، يطعم جائعًا، ويستَ عاصيًا، ويجبر مكسورًا، ويرزق محرومًا، ويرحم يائسًا، ويرزق الجميع من حيث لا يحتسب أحد.. كما يقول عز وجل : لَ ُمَنُْفُِِ َ ﴿يَسْأ نِ﴾ ْ رْضُِك َُيَوْمُِه وَُفُِِشَأ السَمَاوَاتُِوَالَْْ .. في المرة القادمة إذن التي تشعر فيها من داخلك باليأس من أن تنالك تلك الهبة من الله، بالخوف من أن يخيب ظنك في كرم المنّان، بالشك في رحمته لحالك ورأفته بمبتغاك، فعليك أن تتذكر جراب نعمك الذي لا يتوقف عن تلقي حصتك من العطايا اليومية المعتادة..! فما الذي سيحجز ربك الكريم عن أن يُنزل عليك هذه العطيّة مدسوسةً بين هذه العطايا أو تلك..؟!
عدد الصفحات ١٧٥176 في المطاعمالفاخرة لا ينبغي لك أبدًا أن تنسى ثلاث نصائح... أولاً لا تصدق الصور الموجودة على القائمة.. فما تراه أمامك هي دجاجة كبيرة شهية وأوسم منك شخصيًا، بينما ما سيصل إليك هي نفس الدجاجة ولكن بعد أن تجير عليها الدنيا والأزمان وأصابع عم أشرف.. ثانيًا لا تثق في المادة اللزجة بجانب حوض الحمام، من فضلك لا تفتَض أنها صابون لمجرد أنها (تزحلق)، عليك أن تتذكر أن كمية لا بأس بها من المواد الكيماوية (تزحلق) أيضًا، ونصفها أرخص من الصابون في نظر إدارة المطعم بالمناسبة.. ثالثًا لا تفتح زجاجة المياه ولا علبة المناديل على الطاولة، قد تظن أنك طالما ستدفع مائتي جنيه في الفاتورة، سيسامحك صاحب المطعم المليونير على شربة الماء هذه، لكنك مخطئ للغاية..! المشفى الفاخر الذي يكسب الآلاف كل ساعة يحاسب مرضاه على قطعة القطن الأبيض التي مسحت بها الممرضة موضع الحقنة..! والطبيب فاحش الثراء وقور الهيئة يطلب من مرضاه ثمن الشاش واللاصق الطبي..! وهناك من طلاب المدارس من يحرص على عدم ترك وجبته المدرسية التي يكرهها، فقط لأنها مجانية، يفضل أن يأخذها لتتعفن في حقيبته بين كتابي المنطق وعلم النفس على أن يتَكها لزميله الذي يريد أن يأكل وجبتين..! إن كلاً من المنطق وعلم النفس لن يفسرا لنا بسهولة سبب هذا السلوك..! مشاعر كثير من البشر تجاه بعضهم البعض لا يمكن تلخيصها ببساطة في البخل، ولكن في عشق البخل..! عليك أن تكسب من كل شيء، عليك أن تأخذ المزيد، لا تتَك للناس
عدد الصفحات ١٧٦