المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سلسلة الإسلام الصافي 18 عشرة رسائل في كلمة لا إله إلا الله

ماجد بن سليمان الرسي

صفحة ٦ من ٨

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 78 قال تعافاعلم أنهإلـٰه إلا الله1. قال: واسم «ا» مرتفع بعد إ ، من حيث أنه الواجب له الإلـٰهية ، فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، فإنك لما نفيت الإلـٰهية وأثبت الإيجاب لله تعالى ؛ كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله . قال ابن القيم رحمه الله في «البدائع» فدلالتها– أي « لاإلـٰه إلا الله» – على إثبات الـٰهية أعظم من دلالة قولنا (الله إلـٰه) ، ولا يستريب أحد في هذا البــت ة.2 انتهى بمعناه. وقال رحمه الله: الإلـٰه هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وإجلالا وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا .3 وقال ابن رجب : والإلـٰه هو الذي يطاع فلا يعصى ، هيبة له وإجلالا ، ومحبة وخوفا ورجاء ، وتوكلا عليه ، وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من 1 سورة محمد : 11 . 2 انظر«بدائع الفوائد» (3/125-126) ، الناشر: دار عالم الفوائد - مكة. 3 «إغاثة اللهفان» ، ص 82 .

عدد الصفحات ٨١

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 78 هذه الأمور التي هي من خصائص الـٰهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول « لاإلـٰه إلا الله» ونقصا في توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك .1 وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره : « لاإلـٰه إلا الله» ، أي لا معبود إلا هو. قال شيخ الإسلام ابن تيمـية رحمه الله : الإلـٰه هو المألوه ، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد ، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب ، المخضوع له غاية الخضوع .2 وقال رحمه الله تعا 3: فإن الـٰه هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها ، وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه ، وتنيب إليه في شدائدها ، وتدعوه في مهماتها ، وتتوكل عليه في مصالحها ، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره ، وتسكن إلى حبه ، وليس ذلك إلا لله وحده . 1 «كلمة الإخلاص» ص25 ، الناشر: دار الشريف - الرياض. ومما قاله رحمه الله في هذا الباب (ص 25): وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد«لا إلـٰه إلا ا» يقتضي أن لا إلـٰه له غير ا. تنبيه: أدخل المؤلف رحمه الله – تبعا لمن نقل عنه وهو الشيخ عبد الرحمـٰن بن حسن مؤلف «فتح المجيد» - كلام ابن القيم مع كلام ابن رجب في فقرة واحدة على أنها من كلام ابن القيم ، وقد ضبطت النص وعزوته لكل واحد منهما ، والله أعلم. 2 «مجموع الفتاوى » (17/241) ، وقد ضبطت النص منه. وقال أيضا (13/272): والإلـٰه هو المألوه ، أي المستحق لأن يؤله أي يعبد ، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده ، وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل . 3 القائل هو ابن القيم رحمه ا «طريق الهجرت» ، فصل في محبة العوام.

عدد الصفحات ٨٢

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 78 ولهذا كانت « لاإلـٰه إلا الله» أصدق الكلام ، وكان أهلها أهل الله وحزبه ، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته ، فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره ، وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق ، وإذا لم ي صح حها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. وقال البقاعي: «لا إلـٰه إلا الله» أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبودا بحق غير الملك الأعظم ، فإن هذا العِ لم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما يكون عِ لماً إذا كان نافعاً ، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه ، وإلا فهو جهل صِ رف. وهذا الذي ذكرناه عن شيخ الإسلام والبِ قاعي هو الموجود في كلام أهل السنة جميعهم . إذا عرفت ذلك ؛ فمما يدل على غربة الإسلام ؛ ما أخبر به النبي  من وقوع الشرك في هذه الأمة ، كما في الصحيح من حديث ثوبان: وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان .1 وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن الن  أنه قال : تدور رحى الإسلام ل ـخمـــس وثلاثين ، أو ست وثلاثين ، أو سبع وثلاثين ، فإن يهلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم تسعين عاماً . قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى.2 1 لم أجده في الصحيح ، وإنما رواه أبو داود (4252) ، وأحمد (5/281) ، وصححه الألباني كما في «صحيح أبي داود» ، وكذا صححه محققو «المسند» 2 «سنن أبي داود» (4254) ، وصححه الألباني في «الصحيحة» (186).

عدد الصفحات ٨٣

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 78 ومما يــبين غربة الإسلام وشدتها ما جرى من الملوك والقضاة والرؤساء على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من العداوة والحبس وشدة الإنكار عليه لما دعاهم إلى ما تضمنته « لاإلـٰه إلا الله» ومعناها الذي تقدم عنه وعن أمثاله من العلماء ، وقد ردوا عليه بشبهات واهية وضلالات في الضلال متناهية ، رد عليهم رحمه الله تعالى في «منهاج السنة» ، و «اقتـضاء الصـراط المستقيم» وكتاب «الاستغاثة في الرد على ابن البكري » ، ورد على أهل البدع جميعهم من الفلاسفة والمتكلمين كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة . وذكر رحمه الله أن هؤلاء كلهم وإن كثرت أبحاثهم ومصنفاتهم فما منهم من يعرف ما دلت عليه كلمة الإخلاص « لاإلـٰه إلا الله» ، فلم يعرفوا التوحيد الذي أثبتته ، ولا الشرك الذي نفته ، هذا معنى كلامه ، ولتلميذه العلامة ابن القيم في بيان أنواع التوحيد والرد على أهل البدع ؛ المصنفات الكثيرة المفيدة ، فمن أحسنها «إغاثة اللهفان» وكتاب «الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة» ، وللحافظ ابن عبد الهادي «الصارم المنكي في الرد على السبكي». ولـهم أصحاب كثير أخذوا عنه ـــم ، فلما طال الأمد بعد هم صارت كتبهم في أيدي أناس جهلة ، وفي خزائن الكتب الموقوفة ، فلم يلتفتوا إليها ، فرجعوا إلى ما كان عليه من قبلهم ممن مضى من المبتدعة ، وكثر الشرك في القرى والأمصار ، وصاروا لا يعرفون من التوحيد إلا ما تدعيه الأشاعرة من تأويل صفات الرب والإلحاد فيها ، فصاروا كذلك ، حتى ن سي العلم وعم الشرك والبدع إلى منتصف القرن الثاني عشر ، فإنه لا يعرف إذ ذاك عالم أنكر شركاً أو بدعة مما صار في آخر هذه الأمة.

عدد الصفحات ٨٤

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 78 فشرح الله صدر شيخنا 1 ، فضلا من الله ونعمـة عظيمة من بها تعالى في آخر هذا الزمان ، فع ـر ف من الحق ما عرف شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه ، بتدبره الآيات المحكمات ، وصحيـحي البخاري ومسلم والسنن والمسانيد والآثار ، ومعرفة ما كان عليه رسول الله  والتابعون وأتباعهم ، وما عليه سلف الأمة وأئمتها والأئمة من أهل الحديث والتفسير والفقهاء ، كالأئمة الأربعة ومن أخذ عـنهم ، فتبين له التوحيد وما ينافيه ، والسنة وما يناقضها. فدعا الناس من أهل قريته وما قر ب منها أن يتركوا عبادة أرباب القبور والطواغيت ، وعبادة الأشجار والأحجار ، والذبح للجن ونحو ذلك ، وكل هذا قد وق ـع في قرى نجد وغيرها كالب ـوادي ، فلما أنكر ذلك كرهوا ذلك منه ، وطرده أهل قريته عنها وهي حريملا ، وصار في العيينة يدعو إلى دين الإسلام ، وينهى عن الشرك وعبادة الأوثان ، وقبِ ل ذلك طائفة منهم ومن أهل الدرعية ، ثم بعد ذلك ضاق نطـاق أمير العيينة لما رآه قد أنكر قوله الخلق الكثير والجم الغفير ، وقد نصب له العداوة أهل القرى والأمصار والبادي والحاضر ، فأمره أن ينتقل من بلده عنه . وصار في الدرعية عن د محمد بن سعود وأولاده وإخوانه وبعض الأعيان من جماعته ، فصار لهم قبول لهذه الدعوة ، فصبروا على عداوة الناس قريبهم وبعيدهم ، وكـل ق ص د هم بالحرب ، فثبتهم الله على قلتهم وكثرة من خالفهم ، وق ـتل من قتل من أعـيانهم ، فصبروا وصارت الحرب بينهم سجالا ، والله يحميهم ويقوي قلوبهم ، وما جرى بينهم وبين عدوهم مذكور في التاريخ . فأظهر الله هذا الدين في نجد والبادية ، حتى لم يكن فيهم من ينازع ويجادل ، لأن الله أبطل كل شبهة بما أبداه هذا الشيخ ببيانه ومصنفاته التي صارت في أيدي المسلمين ، وانتشرت دعوته في 1 يقصد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه ا .

عدد الصفحات ٨٥

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 77 الأمصار ، وقبلها القليل منهم ممن له التفات إلى ما ينفعه ، بخلاف من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله وهم الأكثرون ، فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة ، فيا سعادة من هدي إلى معرفة حقيقة دين الإسلام واتبعه . وقد وجدت للعلامة ابن القيم رحمه الله كلاما في «الصواعقالمرسلة على الجهمية والمعطلة » يتعين نقله هنا لعظيم فائدته وشدة الحاجةإليه ، قال رحمه الله تعالى : (هذا فصل عظيم النفع جليل القدر ، إنما ينتفع به من عرف نوعي التوحيد : القولي العلمي الخبري ، والتوحيد القصدي الإرادي العملي ، كما دل على الأول سورة قل هو اأحد وعلى الثاني سورة قل يا أيها الكافرون ، وكذلك دل على الأول قوله قولوا آمنا بالله وما أنـز ل إلينا الآية1 ، وعلى الثـاني قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم  الآية2. ولهذا كان الن ـبي  يقرأ ب ـهاتين السورتين في سنة الفجر وسنة المغرب ، ويقرأ ب ـهما في ركعتي الطواف ، ويقرأ بالآيتين في سنة الفجر ، لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي . والتوحيد العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب ، ومباينته لخلقه ، وتنـز يهه عن العيوب والنقائص والتمثيل ، والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد ، بالحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والإستعانة والاستغاثة ، والعبودية بالقلب واللسان والجوارح لله وحده . ومدار ما بعث الله به رسله وأ نـز ل به كتبه على هـٰذين التوحيدين ، وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علماً وعملا ، ولهذا كانت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله ، وأقربهم إليه 1 سورة البقرة : 136 . 2 سورة آل عمران : 64 .

عدد الصفحات ٨٦

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 77 وسيلة أولوا العزم ، وأقربهم الخليلان ، وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله ، لكمال توحيده و عبوديته لله. فهذان الأصلان هما قطب رحى القرآن وعليهما مداره ، وبيانهما من أهم الأمور ، والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق الفطرية و العقلية والنظرية والأمثال المضروبة ، ون ـــو ع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل التنويع ، بحيث صار ت معرفة القلوب الصحيحة والفطر السليمة لها بم نـز لة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء ، فذاك للبصيرة بمنـز لة هذه للبصر. فإن س ـل ط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهل ، وانمحت رسوم التوحيد ، وقامت معالم التعطيل والشـرك ، ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين ، لا ينفك أحدهما عن صاحبه ، وإمام المعطلين المشتركين فرعون ، فهو إمـام كل معطل ومشرك إلى يوم القيامة ، كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما إلى يوم القيامة).1 وقال أيضا لما ذكر سبب عبادة الأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصا : (وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين ، وأن الدعاء عندها مستجاب ، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بالمقبور والإقسام به على الله ، فإن شأن الله أعظم من أن ي قسم به عليه ، أو ي سأل بأحد من 1 انتهى نقله عن ابن القيم ، وقد ضبطت كلامه من النسخة المحققة ( 2/471-473) ، الناشر: دار العاصمة - الرياض.

عدد الصفحات ٨٧

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 75 خلقه ، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة واتخاذ قبره وثنا ، تـ ع لق عليه القناديل والستور ، ويطاف به ويستلم ويقبل ، ويحج إليه ويذبح عنده. فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا ، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم ، وكل هذا قد ع لم بالاضطرار من دين الإسلام أنه م ضاد لما ب عث الله به رسوله  من تجريد التوحيد وألا يعبد إلا ا . فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية وحطهم عن م نـز لتهم ، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر ، وغضب المشركون واشمأزت قلوبهم 1 ، كما قال تعالى وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون2 ، وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغ ـام ، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين ، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم ، ووالو ا أهل الشرك وعظموهم ، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله ، ويأبى الله ذلك وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون3.)4 انتهى كلامه رحمه الله تعا . 1 أي غضب أولئك القبوريون لـما نهاهم الموح دون عن عبادة المقبورين ، وإشراكهم إياهم مع الله في العبادة. 2 سورة الزمر : 45 . 3 سورة الأنفال : 34 . 4 باختصار وتصرف من «إغاثةاللهفان» ، ص 317 – 311 ، الناشر: دار ابن الجوزي – الدمام.

عدد الصفحات ٨٨

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 77 (وقال تعايا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز 1. فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه ، فمن لم يستمعه فقد عصى أمره ، كيف تضم ن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها ، و أس ج ل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد ، وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة ؛ لعجزوا عن خلق ذباب واحد ، ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنق اذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم؟ فأي إلـٰه أضعف من هذا الإلـٰه المطلوب ومن عابده الطالب؟ فهل ق ـد ر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها ؟ فأقام سبحانه حجة التوحيد ، وبـين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها ، لم يسترِ كهها غموض ، ولم يشِ نها تطويل ، ولم يعبها تقصير ، ولم ت ـزرِ بها زيادة ولا نقص ، بل بلغت في الحسن والفصاحة والإيجاز مالا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها ، وتحتها من المعنى الجليل القدر ، العظيم الشريف القدر ، البالغ في النفع القدر ، ما هو أجل من الألفاظ).2 1 سورة الحج : 83-84 . 2 ما بين القوسنقله الشيخ رحمه الله عن ابن القيم في «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (2/466-468) ، الناشر: دار العاصمة – الرياض.

عدد الصفحات ٨٩

6. معنى«لا إلـٰه إلا ا» 77 انتهى ، والله أعلم ، وصلى الله على محمد.1 1 انتهى كلامه رحمه ا ، وهو مثبت في «الدرر السنية من الأجوبة النجدية» (2/211 – 226).

عدد الصفحات ٩٠

7. شرح شروط« لاإلـٰه إلا ا» 09 قال الشيخ عبد الرحمـٰن بن حسن رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمـٰن الرحيم اعلم رحمك الله أن كلمة الإخلاص « لاإلـٰه إلا الله» لا تنـفع قائلها إلا بمعرفة معناها ، وهو نفي الإ لـٰهية عما سوى الله تعالى ، والبـراءة من الشرك في العبادة ، وإفراد الله بالعبادة بـجميع أنواعها ، كما قال تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئ ا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب ا من دون الله1. ومع سواء بيننا وبينكم أي نستوي نحن وأنتم في قصر العبادة على الله ، وترك الشرك كله . وقال الخليل عليه السلام إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون 2 ، فهذا هو حقـيقة معنى « لاإلـٰه إلا الله» ، وهو البراءة مـن كل ما ي عبد من دون الله ، وإخلاص العبادة له وحده ، وهذا هو معناها الذي دلت عليه هذه الآيات وما في معناها ، فمن تحقق ذلك وعل مه فقد حصل له العلم3 بها ، المنافي لما عليه أكثر الناس - حتى من ينتـسب إلى العلم - من الجهل بمعناها. فإذا ع رفت ذلك ، فلابد له من القبول4 لما دلت عليه ، وذلك ينافي الرد ، لأن كثيرا ممن يقولها ويعرف معناها لا يقبلها ، كحال مشركي قريش والعرب وأمثالهم ، فإنهم عرفوا ما دلت عليه من 1 سورة آل عمران : 44 . 2 سورة الزخرف : 24 - 22 . 3 هذا هو الشرط الأول من شروط تحقيق « لاإلـٰه إلا الله». 4 هذا هو الشرط الثا من شروط تحقيق « لاإلـٰه إلا الله».

عدد الصفحات ٩١

7. شرح شروط« لاإلـٰه إلا ا» 09 البراءةلكن لم يقبلو ه ، فصارت دماؤهم وأموالهم حلالا لأهل التوحيد ، فإنهم كما قال تعالى إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلـٰه إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون 1 ، عرفوا أن « لاإلـٰه إلا الله»توجب ترك ما كـانوا يعبدونه من دون الله. ولابد أيضا من الإخلاص2 المنافي للشرك ، كما قال تعالى قل إ أمرت أن أعبد الله مخلص ا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المس ـلمين إلى قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه3. وفي حديث عتبان: من قال « لاإلـٰه إلا الله» ، يبتغي بذلك وجه الله ...4 ولا بد أيضا من المحبة5 المنافية لضدها ، فلا يحصل لقائلها معرفة وقبول إلا بمحبة ما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك ، فمن أحب الله أحب دينه ، ومن لا فلا ، كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداد ا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حب ا لله4 ، فصارت محبتهم لله ولدينه خاصة ، فأحبوا لله ولدينه ، ووالوا لله ولدينه ، فأحبوا من أحبه الله ، وأبغضوا من 1 سورة الزخرف : 35 - 34 . 2 هذا هو الشرط الثالث من شروط تحقيق « لاإلـٰه إلا الله». 3 سورة الزمر : 11 - 15 . 4 رواه البخاري 425) ، ومسلم33) ، ولفظ مسلم: لا يشهد أحد أن «لا إلـٰه إلا الله ، وأني رسول ا» فيدخل النار ، أو تطعمه. 5 هذا هو الشرط الرابع من شروط تحقيق « لاإلـٰه إلا الله».. 4 سورة البقرة : 145 .

عدد الصفحات ٩٢

7. شرح شروط« لاإلـٰه إلا ا» 09 أبغضه ا ، وفي الحديث: (وهل الدين إلا الحب والبغض)1 ، ولهذا وجب أن يكون الرسول  أحب إلى العبد من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ، فإن شهادة « لاإلـٰه إلا الله» تستلزم شهادة 1 رواه الحاكم«المستدرك » (2/291) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله  : الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العـدل ، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ا . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وتعقبه الذهبي في «تلخيص المستدرك » بقوله: عبد الأعلى ، قال الدارقطني : ليس بثقة. وضعفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/223) لنفس العلة ، ونقل عن ابن حبان قوله في عبد الأعلى: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وكذا ضع ف عبد الأعلى يحيى بن معين ، انظر «المجروح » لابن حبان. ويغني عنه حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، أن رسول الله  قال: من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان. أخرجه أبو داود ( 4421) وصححه الألباني رحمه ا . وأخرج أحمد في «مسنده» (5/144) وأبو داود«سننه» (4599) عن أبي ذررضي الله عنه قال: خرج إلينا رسول الله  فقال: أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ قال قائل: الصلاة والزكاة . وقال قائل: الجهاد. قال: إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل الحب في الله والبغض في الله . قال محققو «المسند»: حسن لغيره. وأخرج أحمد ( 4/224) وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي  فقال: ... إن أوسط عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله. قال محققو «المسند»: حديث حسن بشواهده.

عدد الصفحات ٩٣

7. شرح شروط« لاإلـٰه إلا ا» 09 «أن محمد ا رسول الله » ، وتقتضي متابعته ، كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم1. ولابد أيضا منالانقياد2 لحقوق « لاإلـٰه إلا الله» ، بالعمل بما فرض ـه الله ، وترك ما حرمه الله ، والتزام ذلك ، وهو ينافي الشرك ، فإن كثيرا ممن يد عي الدين يستخف بالأمر والنهي ، ولا يبالي بذلك ، و حقيقة الإسلام أن ي ـسل م العبد بقلب ه وجوارحه لله تعالى ، وينقاد له بالتوحيد والطاعة ، كما قال تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه 3 ، وقال تعالى ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى 4. وإحسان العمل لابد فيه من الإخلاص ، ومتابعة ما شرعه الله ورسوله . وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (33434) عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه قال: قال رسول الله  : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (33412) عن مجاهد قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه . وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (33422) عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع فقد توس ط الإيمان ، وأحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. وروى ابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/494 )في تفسير العروة الوثقى عن سالم بن أبي الجعد قال: العروة الوثقى ؛ الحب في الله والبـغض في الله. 1 سورة آل عمران : 31 . 2 هذا هو الشرط الخامس من شروط تحقيق «لا إلـٰه إلا ا». 3 سورة البقرة : 112 . 4 سورة لقمان : 22 .

عدد الصفحات ٩٤

7. شرح شروط« لاإلـٰه إلا ا» 09 ولا بد أيضا لقائل هذه الكلمة من اليقين1 بمعناها، المنافي للشك والر يب ، كما في الحديث الصحيح: (مستيقن ا بها قلبه)2 ، (غير شاك فيهما)3 ، ومن لم يكن كذلك فإنها لا تنفعه ، كما دل عليه حديث سؤال الميت في قبره. ولابد أيض ا من الصدق4 المنافي للكذب ، كما قال تعالى عن المنافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم5 ، فالصادق يعرف معنى هذه الكلمة ويقبله ويعمل بما تقتضيه وما يلزم قائلها من واجبات الدين ، في صد ق قلب ه لسان ه . فلا تصح هذه الكلمة إلا إذا اجتمعت هذه الشروط ، وبالله التوفيق.4 1 هذا هو الشرط السادس من شروط تحقيق «لا إلـٰه إلا ا». 2 رواه مسلم31) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد تقدم نقل سياق الحديث بطوله. 3 رواه مسلم22) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد تقدم نقل سياق الحديث بطوله. 4 هذا هو الشرط السابع من شروط تحقيق «لا إلـٰه إلا ا». 5 سورة الفتح : 11 . 4 انتهى كلامه رحمه الله ، وهو مثبت «الدرر السنية من الأجوبة النجدية» (2/252 -255) ، و «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» ، المجلد الثاني ، القسم الأول ، ص5 – 2 .

عدد الصفحات ٩٥

8 .«لا إلـٰه إلا ا» تنفي أربعة أمور وتثبت أربعة 59 بسم الله الرحمـٰن الرحيم قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى : اعلم رحمك الله أن معنى « لاإلـٰه إلا الله» نفي وإثبات ،« لاإلـٰه» نـفي ،«إلا ا»إثبات ، تنفي أربعة أنواع ، وتثبت أربعة أنواع . المنفي: الآلهة والطواغيت والأنداد والأرباب . فــــ «الـٰه»: ما قصدتَـه بشيء من جلب خير أو دفع ضر فأنت متخذهإلـٰها. والطواغيت: من عُـبد وهو راض ، أو تَرشـ ح للعبادة مثل شمسان أو تاج أو أبو حديدة. والأنداد: ما جَ ذَ بَ كَ عن دين الإسلام من أهل أو مسكن أو عشيرة أو مال فهو ن د ، لقوله تعالى ومن الناس منيتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله 1. والأرباب : من أفـتاك بمخالفة الحق وأطعته مصدِّقا ، لقوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلـٰها واحدا لا إلـٰه إلا هو سبحانه عما يشركون 2. 1سورة البقرة : 161 . 2سورة التوبة : 11 .

عدد الصفحات ٩٦