تاريخ شبه الجزيرة العربية س التجارية فيه . وتشجيع الوسطاء على التعامل معها . وصرفهم عن الاعتماد على نقل المتاجر بالطرق البرية التى أشرف عليهًا العرب الشماليون والجنوبيون فى شبه الجزيرة . (ه) تشجيع الجاليات الإغريقية التجارية على استيطان موانىء البحر الأحمر وجزره .. وقد تحدث عنها وعن بعض المواطن التى نزلت بها على الشاطىء العربى الرحالة sعءل ٣٤۲٣ع فى منتصف القرن الثانى ق. م. ووصلت بعض هذه الجاليات حتى جزيرة سوقطرى فى البحر العربى › وشاركوا العرب والهنود فى سكناها . كما شاركوهم فى نقل تجارة الهند وسواحل شرق أفريقيا . وأدت هذه الخطوات المتتابعة إلى نتيجتين مختلفتين على المدى البعيد بالنسبة لدول شبه الجزيرة العربية . فانتفع بها أهل السواحل وازدهرت تجارة موانيهم الجنوبية والجنوبية الغربية . مثل ميناء قنا فی حضرموت . ومیناء عدن . ومیناء موزا » فی المنطفة التى تقاسمتها كل من قتبان وأوسان وحمير (ثم ورثتها سبأً) . بينما تأثرت بعض الشىء اقتصاديات الدول العريية الداخلية التى اعتمدت على استغلال قوافل الطرق البرية ولأسيما الطريق الرئيسى الممتد من جنوب شبه الجزيرة عبر الحجاز حتى العقبة ومأ ورائها فى سيناء أو فى جذوب الشام . وإن ظل تأثرها حتى المرحلة التى وقفنا عندها . محدوداً . وكان من أكثر المستغلين لنتائج هذه التطورات قبائل حمير التى أطلت على سواحل البحر الأحمر الجنوبية الغربية . واستفادت من نشاط التجارة البحرية فى موانيها لاسيما عدن وموزا (موشج) وميناء أخرى ذكرها رحالة الإغريق باسم أو ويبدوأن حمير كانت تمثل الفكة الحاكمة لحلف قبلى تداخل مع بعضه بدوافع المصلحة المشتركة ورابطة الدم والموقع . وقد صورتها المصادر العربية تنقسم إلى قبائل صغيرة تعيش حول لحج بناحية ظفار ورداع (أى تجاور أوسان) وتمتد شرقاً فی سرو حمیر ونجد حمیر . وقد أسلفنا أن هذه القبائل اعترفت بسيادة دولة قتبان منذ القرن الرابع ق. م. . بحيث أطلقت بعض النصوص على أهلها لقب «ولد عم؛ مثل القتبانيين › وبحيث اصبح حصنهم الرئيسى يسمى «ريدان» تقليدا لاسم حصن ريدان القتبانى . ولكن الامور تطورت إلى مصلحة حمير بعد ازدياد النشاط البحرى على سواحلها » فأخذت تعمل لصالحها . ونشأت ظاهرة جديرة بالاعتنار ربط بعض الباحقين بينها وبين نهضة
عدد الصفحات ١٠٣الفصل التاسع حمیر . وهى أن المصادر العربية القديمة لم تنسب أحداثها إلى تاريخ ثابت (کالتاریخ الميلادى أو التاريخ خ الهجرى الحاليين) إلا فی نحوسيعة نصوص متباعدة عرفت حتى الان . وأدت الدراسات المقارنة إلى تعيين عام البداية للتاريخ الثاہت الذى ردت هذه النصوص السبعة أحداثها إليه بعام ٥ قى. م. (أو عام ٠١۹ قم( ولكن تعددت النظريات فى تعيين المناسبة الهامة التي ارتبطت بها هذه البداية » ومالت أحدث هذه النظريات إلى ربطها باتحاد حمير فى كيان واحد» وحلت بذلك محل نظرية أخرى سبقتها كانت تربط بينها وبين نشأًة مملكة سبأً وذوريدان » الأمر الذى دعا إلى اعادة ترتيب أحداث الجنوب على اُساس جدید وهو ماسوف نأُخذ به فیما یلی . وقد مر بنا كيف اتجهت حمير بقبائلها المتحدة إلى الانقلاب على دولة قتبان واستقلت عنها فى القرن الأول ق. م. . وكانت سبباً فى إضعافها » وکیف دخلت فی ب بعض الحروب ضد دولة حضرموت » ثم أخذت تتحين الفرص لإثبات كيانها إزاء جارتها العجوز مملكة سباً . وكانت سبأً تشق طريقها فى جهد » وعانت بعض الوقت من تضييق جارتيها قتبان ومعین » ولکنها قاومت وبدأت بمعین فقضت على استقلالها كما أسلفنا » وأسكنت مجموعات من السبأيين فى بعض مدنها . ولكنها لم تنتفع طويلاً بنصرهاء إذ هددها خطر خارجی ربما لم تکن تحسب حسابه . ونعود إلى العوامل الخارجية أو المنافسات الخارجية لنجد أن خطوتها الفاصلة بدأت منذ امتد اهتمام البطالمة الأواخر من رغبة الإشراف على البحر الاحمر وتجارته إلى رغبة الإشراف على تجارة المحيط الهندى الذى كانوا يعلمون أن كثيراً مما يأتيهم به التجار العرب من متاجر إنما يأتى عن طريقهم من الهند › فودوا أن يوجهوا سفنهم إليها دون وساطة . وسجل المؤرخون خبر واحدة من أولى الرحلات التى نجحت فى تحقيق هذه الرغبة › وقد تراسها ملاح يدعى بودوکسوس الکیزیکی ںار ٤ہ ٥× ں٤ وبلغ بھا الھند حوالی عام ۱۱۷ ق۔ م. وتعددت بعدها رحلات بحارة الإغريق والبطالمة وساعد على نجاحها اهتداء اليونانى ھيبالوس Hipalus إلى إمكان استخدام الرياح الموسمية الجنوبية الغربية خلال الصيف (من يونيو إلى أكتوبر) فى تقصير أمد الرحلة من البحر الأحمر إلى سواحل الهند فى عرض المحيط مباشرة دون ضرورة إلى التزام خطوط سواحله الطويلة . وأعقب البطالمة منافس أشد خطراً منهم ونمثل فى النفوذ الرومانى فى عهد الامبراطور أوجسطوس (أو كتافيوس) الذى أصبح يسيطر على أغلب مناطق العالم
عدد الصفحات ١٠٤تاريخ شبه الجزيرة العربية س القديم دون منازع مند ذ أواخر القرن الأول ق ۰م . ولم یکتف أوجسطوس بالنشاط العادى الذى يقوم به أعوانه من الإغريق والرومان فى تجارة الهند والبحر الأحمر. وأراد أن يقصى العرب عن هذه التجارة جملة أو يجعلهم يعملون لصالحه فيها . أو يسیطر على أرضهم بجيوشه . وكانت الصورة البراقة المسرفة التى أشاعها الرحالة والمؤرخون الإغريق والرومان فى عالمهم الغربى عن ثراء بلاد العرب مما شجع غلى هذه الرغبة فقد كتب الرحالة الجغرافى استرابون مايقول إن السبأيين والجرهائيين فى عصره كانوا من أكثر القبائل ثراء نتيجة لتجارتهم فى المواد العطرية » ولهذا توفرت لديهم كميات كبيرة من مصئوعات الذهب والفضة كالاسرة والموائد الصغيرة والاوانى والكؤوس . فضلاً عن قصورهم الرائعة التى كانت أبوابها وجدرانها وسقوفها مختلفة الالوان . يرصعون بعضها بالعاج والذهب والفضة والاحجار الكريمة ...إلخ. ولیس من ضرورة بطبيعة الحال إلى تصديق هذا التصوير بحذافيره › ولكنه كان كافياً لإثارة أطماع ساسة الرومان الطموحين إلى السيطرة والاستغلال . ولم يعدم أولئك الساسة والتجار تقديم المبررات لأطماعهم » وصور استرابون بعضها فادعى أن اهل العربية السعيدة كانوا يحصلون على أرباح باهظة من تجارتهم مع الأغراب والرومان فلا يتركون لهم ولا للبلاد التى ينقلون تجارتهم إليها مجالاً للكسب أو الثراء . وهكذا صدر أمر الامبراطور أوجسطوس إلى نائبه الرومانى على مصر آيليو س جاللوس (usالة6 ءuااع4A) بمهمة إرهاب العرب أو احتلال أر ضهم . فترأس جيشاً كثيفاً وانضم إليه عدد كبير من اليهود ومن الأنباط حلفاء الرومان . وخرج الجيش فى عام ٠١ قم . على متن أسطول كبير (قيل إنه تألف من 1۳۰ سفينة) من خلیج السویں واأتجه فى البحر الأحمر حتى Leuke Kom ولعلھا ھی میناء الحوراء أو أملج الحالية التى استغلها قوم مدین فی عصورهم القديمة ثم خضعت لنفوذ الأنباط . وسلكت جيوش جاللوس بعدها سبيل البر خلال ساحل الحجاز وتهامة اليمن وخريت فى طريقها مدناً كبيرة . وعندما وصلت إلى الجنوب بدات بتخريب مدن دولة معين القديمة التى أصبحت سبا مسئولة عنها » وروى استرابون أن ملك نجران فر حين اقتراب قوات الرومان » وفتحت يثل أبوابها ودمر الغزاة مدن نشق ونشان وكمنة ولية وحريب وحاصروا مأرب . ولكن حماتهم باءت فى نهاية أمرها بالفشل ولم تتعد مأرب › وفقدت كثيراً من سفنها ومن رجالها . وكان قد صحبها رجلان اهتم التاريخ بهما › استرابون الجغرافى الرحالة الذى روى
عدد الصفحات ١٠٥س- الفصل التاسع أحداثها (من وجهة نظره) وكان صديقاً شخصيا للقائد جاللوس › ثم رجل آخر اختلف الحكم عليه › وهو رجل من الأنباط ترأس قومه الذين رافقوا الحملة واعتبره الرومان دليلا لهم على أساس خبرته بالطرق البرية فى شبه الجزيرة وخبرته بطرق العرب فى القتال » وقد ذکره استرابون باسم سلياؤوس وهو اسم قد يكون محرفا عن اسم صالح او سلی او سلاء (یراجع عنه بعده) . ورجعت أسباب فشل حملة جاللوس إلى عدة عوامل ذکر استرابون بعضها ؛ ومنها عدم كفاية جاللوس فى قيادة البحر وتنظيم الأسطول بحيث فقد كثيراً من سفنه قبل أن صل بها إلى ميناء الحوداء ء وانفافه غاب جهده فى إعداد سفن مقاتلة لم تكن لها ضرورة ملحة فى حملته لأنه لم يكن من المنتظر أن يقاتله العرب فى البحر . ولعله عدل لهذا إلى طريق البر وسار بجيشه فى طرق صحراوية وجبلية طويلة وعرة تمتد نحو ٠۲٠١ ميل من الحوراء أو أملج إلى داخل اليم › » وكان يستطيع أن يتابع طريقه فى البحر مادام قد بدأه حتى ساحل اليمن » وقلة الماء خلال حصار مأرب » وتفشى الجوع والأوبئة حولها » فضلاً عن عدم إخلاص الدليل النبطى فى النصيحة للرومان . وإذا زدنا شيئاً على تحليل استرابون فهو وضع مقاومة العرب لجيوش الرومان موضع الاعتبار فى عدهة معارك كانت إحداها عند نهر ذكره استرابون وقد يكون هو غيل خارد » وشدة تحصن السبأيين فى عاصمتهم مأرب ومقاومتهم للحصار الرومانى . وأخيراً تفسير عدم إخلاص الدليل النبطى للرومان برغبته فى الوفاء لبنى عمومته العرب مما خيب امال السادة الرومان . ويبدو أن تجار الرومان قد وجدوا سبيلهم بعد ذلك إلى موانىء بلاد العرب الجنوبية عن طرق أخرى غير طرق الحرب » فتحالفوا كما يفهم من بعض الروايات المتأخرة مع أمير ظفار الحميرى على أن يقدم لهم بعض الامتيازات الإقليمية » وربما نجحوا فى أن يتركوا بميناء عدن جالية أو حامية رومانية تساعد سفنهم ضد أخطار القرصنة فى البحر وتشرف على مصالحهم التجارية . واستردت دولة سبأً كيانها بعد فشل الحملة الرومانية › وانفسح السبيل أمامها فى الداخل بعد أن انكمش نشاط دولة قتبان وخسرت كيانها السياسى شيئاً فشيئاً تحت تأثير ضربات السبأيين والحضرميين والحميريين خلال القرن الأول المیلادی وبعده بقلیل » كما مر بنا من قبل . ولكن سبالم تنتفع بهدوئها طويلاً » وأخذت المشكلات ت الحدودية والداأخلية تعمل عملها السىء فيها › الأمر الذى قلل من هيبتها أمام القوتين الباقيتين فى
عدد الصفحات ١٠٦تاريخ شبه الجزيرة العربية س ميدان ألمنافسة أمامها فى جنوب شبه الجزيرة وهما قوة حمير وقوة حضرموت › ثم مهد لعصر جديد من عصورها المتميزة وهو عصر ملوك سبا وذوريدان KF ¥ ¥ Kk : من المؤلفات المختارة فی دراسات الفصل Bowen, Albright and Others, op. cit. Jamme, A., Sabacan Inscriptions from Mahram Bilqis. Baltimore, 1961. Philby, op. cit., 64-76. Phillips, op. cit., 279f. Ryckmans, J., op. cit. . جواد على : المرجع السابق » مادة ملكية سبأً نیلسن وآخرون : المرجع السابق » ص۸۷ ۸۸ ۲۹۳-۲۹۱۰ .
عدد الصفحات ١٠٧الفصل العاشر دولهة سا ودو ریسدان وسيطرة حمير اختلفت نشأة هذه الدولة عن نشأة غيرها من الدول فى أنها لم تبداً ببداية زاهرة › وإنما قامت خلال ظروف مضطربة استمرت أكثر من قرن ونصف القرن بين عام ٠۹م وعام ١٠٠م » وهى ظروف لازالت تفاصيلها خافية ونصوصها متضاربة . وكانت قد ظهرت بين القبائل العربية الجنوبية والوسطى خلال القرن الأول .المیلادی روح من التنافس الشديد ورغبة الانتشار وأطماع الرياسة والسيادة › لاسباب غير محددة» قد تكون منها تلك المحنة التى هزت كيان دولة سبا خلال الحملة الرومانية عليها › ورؤية دول الجنوب تنهار واحدة بعد واحدة لسبب أو لاخر وزيادة ثراء بعض المناطق مع افتقار مناطق أخرى نتيجة للمنافسة بين التجارة البحرية والتجارة البرية . وقد يكون منها كذلك ماجد من إنتشار الخيول والقوات الراكبة بين رجال القبائل وما أدى إليه هذا من سرعة الحركة والكر والفر والشعور بالزهو » وهلم جرا . وكانت أكثر القبائل السبأية شهرة خارج مأرب هى قبائل مرئد وجرت التى ارتبطت بأسرة ملوك سباً بروابط الأصل والنسب . ولهذا ظلت صلات المودة غالبة بينها وبينهم › ولكن هذا لم يمنع بعض حكامها الكبار الذين كانوا يتلقبون من قبل بالقاب الاقيان اوالاقيال من أن يتلقبوا بلقب «ملك» بين حين واخر » بل ولقب «ملك سبأء أيضاً » الأمر الذى تقبله الملك السبأى الشرعى فى مأرب » فى بعض الحالات » على مضض حتى يبقوا مساندين له . وفى الوقت نفسه ظلت أكثر القبائل القريبة من مأرب › عدداً ويأساً » هى قبائل سمعی التى ضمت أثلاث : سخيم » ويتع وهمدان (والأخيرة هى التى انتسب إليها فيما بعد الرحالة ابو محمد الحسن الهمدانى أشهر من كتب فى العصور الإسلامية عن جغرافية شبه الجزيرة العربية وتاريخها) .
عدد الصفحات ١٠٩وكيفت هذه القبائل مسلكها إزاء سبأ بما يتفق مع مصالحها والظروف التى عاشت فيها . فظل موالية للدولة فى عهود قوتها » واستمرت كذلك حتى رأت الأطماع تحيط بها › فبدأت تتحين الفرصة لإثبات كيانها الذاتى تحت زعامة بيت حكم کبير فيها انتسب إلى جد أكبر يدعى «أعين؛ > وجد أصغر يدعى «أوسلات رفشان» . وفی حمأة هذه الأطماع والملابسات الداخلية التى مهدت لتمزق الكيان السبأی › كانت قبائل حمیر قد د شقت طریقها حتی حدود سباً » واتخذت عاصمتها فى مديئة ظفار التى نشأت فى منطقة خصبة قرب مدينة يريم الحالية » وحمتها عدة حصون قامت على التلال التى تحيط بها » وكان حصن ريدان اكبرها ؛ فأصبح حصنها الملكى » وانتسب إليه ملوكها فى لقبهم الذى اشتهروا به وهو «ذوریدان» . فجأة ظهر فى نصوص هذا العصر المضطرب مايدل على أنه قامت فى كل من مأرب وظفار أسرة حاكمة ادعى ملوكها لأنفسهم لقب ملك سباً وذوريدان» كل على حدة . وفى تفسير هذه الظاهرة افترض الباحث فون فيسمان ان مارب عاصمة سبا تعرضت لهجوم من قبل ملك ريدان الحميرى فى نهاية القرن المیلادى الأول » وحينما انتصر عليها أضاف اسمها إلى لقبه › ولكن تقديره لمكانة سباً التاريخية والدينية جعله يقدم اسمها فى مقدمة هذا اللقب » وإن لم يطل حكمه . وعز على القبائل المحيطة بمأرب ماصارت إليه فعملوا على إجلاء الملك الحميرى عنها وأعادو! إليها الملك السبأى المنهزم أو رجلا من أسرته اتخذ هو الآخر لقب «ملك سبأً وذوريدان › » فى الوقت الذى لم يتنازل فيه الملك الحميرى فى ظفار عن لقبه المزدوج . ومع التجاوز عن الأسماء العديدة التى أتت النصوص بها »> مراعاة للتخفيف موقت »> تكفى الإشارة إلى أنه كان من أصحاب الفضل فى إعادة الملكية الشرعية إلى مأرب زعيم قبائل بتع › » وزعیمان لقبیلتی مرئد وجرت »› وقد عمل كل منهم من ناحيته › ولم يكن عمله بغير ثمن › فقد تلقب كل من الثلاثة تة بمئل لقب ملك مأرب العائد » أى «ملك سبأء . وعمل الهمدانيون على أن یکون لهم بدورهم نصیب فی أُلقاب العصر وزعامته . وكان قد ترأسهم بعد أوسلات رفشان ولداه يرم أيمن؛ وءبارج هرحب » وقد مثلا ملك سبأً فى عقد صلح أنهى حروباً متقطعة قامت بينه وبين دولة حضرموت والحميريين والقتبانيين (الذين كانت دولتهم تلفظ أنفاسها الأخيرة) . وكان الجزاء على عقد الصلح أن تلقب أكبر الأخوين يرم أيمن بلقب
عدد الصفحات ١١٠تاريخ شبه الجزيرة العربية س ملك وأورثه لولده 0 وهكذا شهد العصر (فى منتصف القرن الثانی الميلادى) أربع اسر إقليمية أو قبلية ادعى كل رئيس فيها لقب :ملك سباًء . وذلك إلى جانب ملك مأرب الشرعى صاحب لقب «ملك سبأً وذوريدان» » فى دولة كانت تسيطر عليها من قبل مملكة وأحدة . وإلى جانب هؤلاء الملوك الخمسة كانت هناك ملكية حمير التى تمسكت هى الأخرى بلقب :ملك سبأً وذوريدان» وحاولت أن تحققه على حساب هذه الأطراف وهنا تصدى زعيم همدان «علهان نهفان؛ الذى شارك أباه يرم أيمن فى رئاسة قومه وفى لقب الملك › لمواجهة الازمة > وتلمس الحلفاء حوله » ووجد بعضهم فى خصوم الأمس » فتحالف مع دولة حضرموت »› ومع جماعات حبشية ذكرتها النصوص تحت زعامة «جدرت ملك حبشت» أو جدورة ملك الحبشة أو الحبش . واختلفت أراء الباحثين فى تحديد أصل هذه الجماعات . فذهب رأی إلى اعتبارهم فرعاً من سكان جنوب اليمن أو تهامة الأصيلين نزح بعضهم إلى الساحل الأفريقى المواجه لهم وكان لهم أثر فى تكوين جماعات الجعزيين الأحرار الذين نشروا اللغة السامية فى الحبشة » وقد عرفواأ عند العرب حينذاك بتسمية الحبش علی جانبى البحر الأحمر . وذهب رأى ثان إلى إعتبارهم مولدين من مهاجرين أحباش إلى سواحل تهامة تكاثروا عليها ثم عملوا لمصلحتهم فى فترات التمزق الداخلى بالانحياز إلى فريق ضد فريق . وذهب رأى ثالث إلى إعتبارهم غزاة من الحبشة استغلوا فترات التفكك التى عمت المناطق اليمنية فاحتلوا مناطق ساحلية واسعة من شمال جيزان وعسير وجزء من ساحل الحجاز » رداً على التوغل الاقتصادى والبشرى العربى على الساحل الأفريقى › وللسيطرة الكاملة على التجارة الأفريقية المنقولة بالوساطة إلى الساحل العربى بعد أن فشلت الحملة الرومانية فى السيطرة عليها . وأيا ماكان من هذه التفسيرات فإنها لاتخفى حقيقة واقعة وهى أن تمزق أهل الدولة الواحدة وتضارب مطامع زعمائها وتغليب اامصالح القبلية أو الإقليمية فيها على حساب الصالح العام » كل ذلك كان سبيلاً وجدير بالذكر أن النصوص الجنوبية أخذت تشير فى هذه الفترة إلى دور الأعراب أهل البادية باسم «أعرب؛ وإلى انضمامهم إلى هذا الفريق أو ذاك . ويبدو أنه أصح لهم دور كبير فى فرق الخيالة أو الفرق الراكبة فى الحروب . ٠٠۹|
عدد الصفحات ١١١س الفصل العاشر ولم يتحقق أمل علهان نهفان فى إعادة هيبة دولة سباً وريدان . إلا فى عهد ولده «شعر أوتر» الذى أضاف إلى هذا الأمل هدفاً آخر وهو تحرير الأراضى التى سيطر الحبش عليها ولو استدعى الأمر أن يقاتل معهم من كانوا يحالفونهم من القبائل العربية الاصيلة . وقد نجح فى تنفيذ اغلب هدفيه وبسط سلطانه على اغلب اليمن وشماله » فى أُواخر القرن الثانى الميلادى . ولکن نجاح شعرأوتر کان رهیناً بشخصه » وبعد وفاته عادت الحروب بين السبأيين وبين الحميريين لسنوات طويلة . وتحالف الحميريون فيها مع الأحباش أو الأكسوميين الأفريقيين فی عهد ملکهم عذبه و عذابا . ويبدو أن هؤلاء الأأحباش خططوا للعمل لمصالحهم الخاصة ووجدوا عوناً أو تحريضا من الرومان الذين تلاقت مصالحهم معهم فى استغلال تجارة البحر الأحمر وتقليل نصيب العرب منها. ولم ينفذ الجنوب منهم إلا وفاة عذبه الاكسومى او الحبشى وقيام اللاضطرابات فی بلده بعد وفاته . تلك كانت مجرد نماذج من فترات التشتت والصراع والمد والجذر التى شهدتها دولة سباً وجیرانها › وقد تکررت أمثالها وتغيرت مواقع الأطراف فيها بین تحالف وتخاصم عدة مرات خلال القرون الثلاثة الميلادية الأو لى . والغرد يب أنه على الرغم من ذلك کله » وعلى الرغم من منافسة ظفار الحميرية لمأرب السبأية فى شئون التجارة والسياسة » ومنافسة ذمار (قرب صنعاء) لمأرب أيضاً فى شلون العمران - ظلت أوجه النشاط الإنتاجى والتجارى قائمة إلى حد ماء وظلت تذير إهتمام المؤرخين والرحالة الكلاسيكيين المعاصرين لها . ففى أوائل هذا العصر المضطرب تمت إعادة بناء الهويس الشمالى من سد مأرب (فى الفترة بين عامى )٠١١ ٠٠١ بعد انهياره الأول المعروف . وإلى هذه الفترة نسب الأخباريون العرب تشييد قصر عمدان الذى أسرفوا فى وصفه وتمجيد صاحبه إيل شرح يحضب ملك مرئد - وقد احترق ق القصر › > ثم تم تدمیره فى بداية العصور الإسلامية وأصبح تلا خربا . ونسب إلى عهد هذا الملك فى نهاية القرن الميلادى الثانى إرسال بعثة إلى ملوك غسان والازدونزار ومذحج وهى من أقدم المرات التى ذكرت فيها أسماء هذه القبائل . وفى أوائل هذا العصر أيضاً » خلال القرن الأول الميلادى › ذكر الرحالة بلینی فى كتابه عن التاريخ الطبيعى أمرين متقابلين » ذكر فى أولهما أن السفن التابعة للرومان كانت تخرج من برينيكى (قرب اسوان فى مصر على البحر الأحمر) إلى میناء أوکیلیں على مضيق باب المندب » أو إلى قناً فى منطقة الكندر
عدد الصفحات ١١٢تاريخ شبه الجزيرة العربية س دون توقف » ومن هناك إلى الهند رأساً ودون وساطة العرب . ولكنه أضاف إلى ذلك أمرا آخر وهو أن العرب ظلوا من أغنى الأمم لتدفق الثروة من روما وبارثيا إليهم وتكدسها بين أيديهم . فهم يبيعون مايحصلون عليه من (تجارة) البحرومن (إنتاج) غاباتهم ولا يشترون شيا فى مقابله . وذكر أن السبأيين كانوا أعظم القبائل ثراء بما تنتجه غاباتهم من البخور › وما يملكونه من مناجم الذهب › وما يوجد عندهم من الأراضى الزراعية . وما ينتجونه من الحبوب والكروم والعسل » ..الخ. وفى تصويره لمدى استهلاك العالم الخارجى لملتجات جنوب شبه الجزيرةء روی بلینی أن جنازة ۵۴۵٥ص فى روما قد استذفذت مايساوى الإنتاج السنوى للعربية السعيدة . وروی انه ترتب على ازدياد استهلاك البخور والصموغ فى ايامهء ان أصبح الصمغ يجمع مرتين فى العام دون أن يترك التجار الوقت الكافى لسیقانه لکی تنضج . وهكذا يبدو أن تجار الإغريق والرومان وإن سيطروا على أغلب تجارة الهند فى المحيط الهندى والبحر الأحمر . فقد ظل العرب ينتفعون ببيعها ويقومون بنقل منتجاتهم الخاصة من البخور والصموغ ومشتقاتها بقوافل الإبل ويعملون على تصريفها ويجنون, أرباحها . وهو أمر لم ينتفع به الجنوبيون وحدهم › وإنما انتفع به العرب الشماليون أيضاً لفترات طويلة مما سنعود إلى ذكره فيما بعد . بل إن السفن الإغريقية والرومانية وإن عرفت الطريق البحرى القصير المباشر إلى الهند › إلا انها ظلت تلجا إلى الموانىء العربية من حين إلى اخر للاتجار معها مباشرة › أو للراحة فيها والتزود منها بالماء والزاد خلال رحلاتها الطويلة إلى سواحل الهند وعودتها منها . بل وظلت تسمح لبعض السفن العربية بالاشتراك معها فى التجارة › وذلك مما يعنى انها لم تقاطعها جملة ولم تحرمها من التجارة جملة . وقد كان للحميريين على ساحل البحر الأحمر وساحل البحر العربی أُسطول تجارى ضحم لايمكن تجاهله . وأدت هذه الأوضاع إلى أن ورد فى كتاب الطواف حول البحر الإريترى Maris Erythraْei usاripمم من حدیثه عن جنوب شبه الجزیرة فی حوالی عام ۰م » ماسبق أن استشهدنا به منه عن ازدهار ميناء «قنا » الحضرمية › وتجارتها الواسعة من عمان وبارثيا والهند . وقد ذكر نفس الأمر عن ميناء موزا (موشج أو المخا) فقال إنها ميناء عامرة دائماً بأصحاب السفن والملاحين العرب . وفى شغل شاغل بشئون التجارة › ويتعامل أهلها مع الساحل البعيد (الأفريقى ؟) ومع بريجازا (فى حوض السند) ويرسلون سفنهم إليهما . 3
عدد الصفحات ١١٣الفصل العاشر وهكذا احتفظ العرب بنشاطهم على الساحل الأفريقى »› لاسيما فى منطقته المعروفة باسم راس التوابل » وفى منطقة الصومال › وعلى ساحل الحبشة › وامتد نشاطهم إلى ميناء رهابتا (وقد تكون ربطة العريية) بجوار زنزبار » وذكر مؤلف كتاب الطواف أن رهابتا هذه ظلت تعترف بالسيادة لأمير معافر الحميرى «بحكم امتیاز قديم أخضع ساحلها لنفوذ دولة قديمة فى بلاد العرب (وهي دولة اوسان) وأن طائفة من تجار ميناء موزا الحميرية كانوا يعملون باسم أميرهم فيها ويسيطرون على تجارتها ويتزاوجون مع اهلها . وظل للعرب نشاطهم فى جزر البحر العربى (أو المحيط الهندى) القريبة منهم مثل جزيرة سوقطرى (دفيبا سخترا = ديوس كوريديس = الجزيرة السعيدة) . وذكر مؤلف الكتاب السابق أنها كانت تابعة لملك اللبان يعنى بذلك ملك حضرموت » وأنه كان يسكن على ساحلها الشمالى تجار من العرب والهنود والإغريق وليس من شك فى أنه لو توافر للمناطق العربية الجنوبية سلامها القديم عوضاً عن الاضطرابات التى مزقت شملها فى هذه الفترة لاستطاعت أن تحقق أضعاف ما استشهدنا به من روايات المؤرخين والرحالة عنها - ولكن هذا الذى استشهدنا به کاف للدلالة على أنه کان لایزال بها من الإمكانات ما تستطيع أن تستعيد به أمجادها القديمة أو بعضها على أقل تقدير . وإذا كانت مأرب قد استنفذت جزءاً كبيراً من طاقتها بعد كفاحها الطويل فى سبيل البقاء » فقد بقى على «ظفار؛ أن تقوم بدورها » وقد مالت موازين القوى النسبية إليها بالفعل منذ النصف الفانى للقرن الثالث الميلادى . ويجوارها قام حصن ريدان الملكى الذى نافس حصن سلحين السباى المجاور لمارب . وقد اعتبر الاخباريون العرب الحصنين قصرين وأشادوا بما فيهما من فخامة وروعة ما وسعتهم الإشادة . وضموا إلى ذكر قصر ريدان قصراً فخيما آخر ذكروه باسم «شوحطان» . نهضة حمير وملكية سباً وذوريدان وحضرموت ومنة : مهدت الفترة السابقة لسيادة أُسرة حميرية ريدانية تنسب إلى إيل عز نوفان يهصدق . أو إلى ولده الأوسع شهرة منه «ياسر يهنعم» الثانى الذى حرف بعض خباريين عم إلى ناشر ام اليعفرى . وذكر عبيد بن شرية أنه سمى كذلك شتهر به لأنه استرجع ملك الحميريين وجمع الأمر لهم . ولما كان رأس أسرة جديدة أسرفت روايات هؤلاء الأخباريين (لاسيما ذوى الأصل الیمنى) فى ذكر
عدد الصفحات ١١٤تاريخ شبه الجزيرة العربية س مناقبه وفتوحه فروت أنه ضرب فى الشرق والغرب والبر والبحر . بتفاصيل نتجاوز عن ذکرها لعدم ثبوت شیء منها . وشارکه فی الحکم قبیل عام ۲۷۰م ولده شمر يهرعش (الثالث) › ثم انفرد بالحکم فی حوالی ۲۹۱- ۳1٦ » وتوافرت له شهرة أوسع من شهرة أبيه › واحتفظت له بعض الأساطير العربية بسمعة عريضة » فاعتبرته أعقل من حكم » وأطلقت عليه لقب تبع الأكبر › » واعتبرته فاتحاً عظیماً امتد حکمه فی زعمها إلى أرض بابل وفارس وسمرقند وأرمينيا والصين والتبت ... إلخ . وعلى الرغم من رضوح عنصر التهويل فيما دعت هذه الاساطير فإنه ييدو انها اعتمدت على خارجية من ارس رارم والحبغة توجيه مسار اأمة لعرية. فقد حاول شمر يهرعش الثالث أن د يحقق الوحدة السياسية لجئوب شبه الجزيرة وأن يزيد من إمكاناته ويوسع من حدوده واتصالاته . فاستولت جیيوشه على أجزاء متسعة من دولة حضرموت وتوابعها وإن لم يقض تماما عليها وبقيت تجاهد فى سبيل البقاء لفترة قصيرة . وتغلبت جيوشه على أقاليم من تهامة واتسعت فی وسط شبه الجزيرة وشمالا فی ارض سهرة وعك . وربما غزت سواحل الحبشة أو على الأقل ضيقت على مصالح الأحباش فى تجارة البحر الأحمر وبلغت إتصالاته الدبلوماسية إلى قطوسف وكوك ويحتمل وجودهما قرب المدائن بين العراق وفارس . وفى نفس العهد الذى حقق فيه عرب الجنوب نهضتهم على يدى شمر يهرعش الثالث › كان لعرب الشمال نهضة أخرى لاتقل قيمة عنها على يدى نص امرىء القيس المشهور هذا فيما بعد › وتكفى الإشارة هنا إلى ماذكره من أنه أحرز نجاحاً فى حصار نجران مدينة شمر (يهرعش) » أى الخاضعة له . وأنه شتت قبائل مذحج . وکان شمر يهرعش قد احتضن قبائل مذحج هذه »> ومنها كندة » واستعان بها فى مهاجمة مناطق التئوخيين قوم منافسه امرىء القيس أو انصاره على الخليج العربى › كما وجه نشاطه من صعدة إلى ارض مالك بن كعب ملك أزد السراة . وشجعت هذه الانتصارات المتوالية شمر يهرعش الثالث على أن يزيد فى ألقاب ملكيته ألقاباً أخرى » فاتخذ لقب «ملك سباً وذوريدان وحضرموت ويمنة ؛ حول أواخر القرن الثالث الميلادى » وكانت يمنة (أو يمانة) فيما يحتمل وأشرنا من قبل هى الجزء الجئوبى من دولة حضرموت . وكان الرجل مصلحا إلى جانب ۱1۲۳
عدد الصفحات ١١٥الفصل العاشر كونه محارباً » فبقى من أيامه نص ينظم بيع الرقيق والماشية ويحدد المدة التى یکون البائع مسولا فیها عن الحيوان الذى باعه إذا هلك بسبعة أيام . ويبدو أن هذا ومرة أخرى ارتبطت هذه النهضة الحميرية اكبيرة بشخصية شمر يهرعش ثالث (رمن قبل بشخصبة ی قبل ای شىء آخر» بحيث أن بعش أقالع دولل عهده . وربما ردها إلى طاعته ولكن إلى حين . وتجددت المشكلات فى عهود خلفائه الأقربين ولم ينجحوا فى غير إخضاع حضرموت التى استنفذت قواها › أُما الأطراف الغربية لدولتهم فاكتنف الغمورض مصيرها . فقد ورد فى ألقاب ملك الحبشة «عيزاناء الذى يرى بعض الباحثين أنه عاصر خلفاء شمر يهرعش المباشرين مدذ حوالى عام ١۴۲م - أنه «ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسباً وسلحین وصيامو وبجه وکاسو ملك الملوك . ويبدو أن سيطرته على حمير وسبا اللتين أوردهما لقبه بعد عاصمته اکسوم . كانت سيطرة مفتعلة اراد أن يمهد بذكرها لمرحلة مقبلة بعد ان اصبحت دولة سبا وذوريدان فى نظره لقمة سائغة طحنتها مشكلاتها الداخلية . ولايستغرب مثل هذا الأمل المفتعل إذا ماقورن بما حدث بعد كثير من القرون حين أمر الامبراطور نابليون بسك نوط تذكارى باسمه تمجيداً لفتحه الجزر البريطانية › وهو أمر لم يتم وبقى النوط تذكارا لأمل لم يتحقق . ولم يقتصر هدف «عيزاناء من هذا اللقب على مجرد الأمل فى السيطرة على بلاد الجنوب العربى وما يصل إليها من متاجر » بل كانت وراءه ملابسات أخرى » فقد سمح الامبراطور البيزنطى قسطنطين الأكبر بانتشار المسيحية فى دولته ابتداء من عام ١۱۱٣م » ثم أأصبحت دينا رسميا للأمبراطورية فى عام ٥م» وأتجهت بعثات بيزنطة فى عهده إلى الحبشة وما يجاورها للتبشير بالمسيحية واتخاذ الدين مدخلا إلى عقد المحالفات السياسية والاتفاقيات الاقتصادية . ونجحت هذه البعقات من ناحيتها الدينية فى إطلاق حرية العبادة للمسيحيين من التجار الأغراب ومن تنصروا من رجال البلاط وأهل البلاد التى دخلتها المسيحية . ويبدو أن عيزانا ملك الحبشة قد سايرها على الرغم من أن اليهودية كانت قد سبقت المسيحية إلى بلاده منذ قرون ولكنها ظلت محصورة فى نطاقها الضيق وسط الديانة الوضعية الشائعة . ولعله فى مشايعته للمسيحية وفى لقبه الذى ادعى فيه سيطرته على سباً وحمير كان يعمل على أن تكون له الصدارة
عدد الصفحات ١١٦تاريخ شبه الجزيرة العربية س فى تمقيل البلاد الواقعة على جانبى السواحل الجنوبية للبحر الأحمر أمام حليفته الدولة البيزنطية القوية حامية المسيحية فى الشرق ووريئة الرومان فى السيطرة على سیاسته وتجارته . على أن الجدير بالذكر هو أنه إذا كان ملك الحبشة هذا أو خلفاؤه قد ودوا أن تكون لهم اليد العليا على المناطق العربية الجذوبية › فقد اسلفنا من قبل ان هجرات عربية جنوبية قديمة كانت قد اثبتت وجودها وتاثيراتها فى الحبشة »› عن طريق استخدام اللغة العربية الجنوبية فى نصوصها إلى جانب اللغة الأفريقية » أو مختلطة بها » وكتابة هذه النصوص بحروف المسند العربية . وعن طريق النشاط الاقتصادى الذى جعل لطوائفهم التى عرفت باسم «الجعزيين » أى الأحرار مذزلة مرموقة ومكانة سياسية كبيرة فى الحبشة › مع امتداد نفوذهم على أجزاء متفرقة من الساحل الأفريقى . وعلى أية حال فما لبثت دولة أكسوم أن اضطربت أحوالها فى أرضها الأفريقية فانشغلت بنفسها . وبقيت ملكية «سبأً وذوريدان وحضرموت ويمنة » العربية قائمة تجاهد فى سبيل الاستمرار » ومن أعمال ملوكها إصلاح سد مأرب ثلاث مرات › وفى أولاها أصلح الجزء الأوسط منه عند تهدمه للمرة الثانية المعروفة بعد عام ١٠٣م . وتميز من ملوك العصر أب كرب أسعدء الذى مارس الحكم نحو ستين عاما منذ أن اشترك مع أبيه طفلا . وعندما استقل بالحكم أشرك معه ولده حسان يهنعم فی حوالی عام ١٠٤م . وأثرت له جهود لتوطيد الأمن فى دولته والسيطرة على طرق القوافل المتجهة إلى الشمال . فكانت له حروب فى منطقة معد › ولعلها امتدت أيضاً فى نواحى الحجاز من ناحية » وحتى الربع الخالى فى أواسط شبه الجزيرة من ناحية أخرى . وكانت قبيلة كندة من أعوانه . وشجعه نجاحه على أن يزيد فى ألقابه الملكية عبارة أكد فيها سلطانه على بدو المرتفعات والبرارى › فأصبح :ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت وأعرب طودم وتهمت › . أى وأعراب الجبل وتهامة (أو النجد والسهل) . ... ولاتساع أأعماله العامة نسبياً أشاد الاخباريون بذكراه وذكروه باسم اسعد تيع ونسبوا إليه فتوحات واسعة كما اشادوا بقصوره أو حصونه فيما بين ظفار وبين صنعاء . وأصلح سد مأرب ثانية فى عام ٩٤٤م فى عهد الملك شرحبيل يعفور »› وزیدت قنواته ودعمت جسوره › ولكن أنهار جانب من سد رحب ثانية بعد عملية إصلاحه بعام واحد وأدى ذلك إلى هلع السكان وفرارهم إلى الجبال خوفا من 110٥
عدد الصفحات ١١٧الفصل العاشر طغيان السيول » فأصلح مرة أخرى فى عام ١١٤م وقيل إنه اشترك فى إصلاحه نحو ۲١ الف رجل . وارتبطت أهم أأحداث العصر فى الجنوب العربى الذى سوف نعبر عنه فيما يلى باسم اليمن وهو الاسم الشائع فى المصادر العربية » بالتطورات الدينية وما ترتب عليها من نتائج حضارية وسياسية . فقد سلكت اليهودية سبيلها إلى اليمن فى عهود غير معروفة ود بعض الكتاب (ومن اليهود بخاصة) أن يرجعوا بها إلى زمن بعيد فربطوا بينها وبين عهد تخريب الرومان لبيت المقدس فى عهد فسباسيانوس وتيتوس فى عام ١۷م » وتشتيتهم لمن بقى فيها من اليهود الذين هرب بعضهم إلى الصحراء وانزووا فى جاليات صغيرة على الطريق التجارى المتجه إلى الجنوب حتى اليمن . والواقع أنه ليس من سند لإرجاع هجراتهم إلى بلاد العرب إلى مثل هذا الزمن البعيد الذى رددته بعض الكتب التاريخية دون تمحيص حيث لم يظهر لعقيدتهم أثر فى النقوش العربية الجنوبية أو الشمالية إلا منذ القرن الرابع أو الخامس الميلاديين . وليس من المستبعد أن بعضهم تسلل إلى اليمن عن طريق فارس التى احتضنتهم نكاية فى البيزنطيين المسيحيين الذين كانوا يكرهونهم . ولامر ما ربط بعض الأخباريين (ومن ذوى الأصل العبرى أيضا) بين الملك أب كرب أسعد وبين يهود يثرب » مرة بدخولهم إليها فى عهده » ومرة برحلته إليها وتهوده › ومرة بامتداد نفوذه إليها وتعيين أحد أولاده عليها حيث قتل بعد رحيله عنها ... إلخ . وسلكت المسيحية سبيلها إلى اليمن عن أكثر من طريق » فسلكته أولا عن طريق البعثات التبشيرية . ويبدو ان الدولة البيزنطية حينما وجدت الحبشة قد انشغلت بمشاكلها الداخلية عما أملته فيها من نشر المسيحية وما يستتبعها من أهداف سياسية » تعاملت مع الدولة الحميرية رأسا . وكان من رسلها المبشرين الأوائل ثيوفيلوس الهندى فى منتصف القرن الرابع الميلادى ويروى التاريخ الكنسى أنه نجح فى تنصير الملك الحميرى المعاصر له ولم يكن تنصير الملك › إن صح › هو بيت القصيد . وإنما يبدو ان بيزنطة ارادت أن تضمن لها انصارا باسم الدين للوقوف فى وجه انطلاق نفوذ الفرس المحتمل فى شبه الجزيرة العربية ومايتصل بها عبر الخليج العربى وعمان . وهكذا اتجهت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى جزيرة سوقطرى وميناء هرمز أيضاً . وسلكت المسيحية طريقها إلى الجنوب العربى كذلك عن طريق تجار الشام المسيحيين الذين تعاملوا مع أهله » وريما سلكته كذلك عن طريق تجار الحبشة المسيحيين » وبعض أهل الحيرة أيضاً على الرغم من اختلاف مذهبهم المسيحى 3
عدد الصفحات ١١٨تاريخ شبه الجزيرة العربية س عن المذهب الذى أخذ به نصارى اليمن . على أنه مهما كان من أمر المسيحية واليهودية فى اليمن . فقد ظل أتباعهما قلة قليلة . وظات غالبية أهل الجنوب العربى على عقائدهم الوضعية القديمة وان حاولوا أن يوسعوا آفاقهم الدينية من تلقاء أنفسهم تارة ونتيجة لاتصالهم بأصحاب الديانتين اليهودية والمسيحية تارة أخرى . وهكذا ورد فى نص الملك شرحبيل يعفور عن إصلاح سد مأرب عبارة تقول مايمكن ترجمته إلى «بنصر وعون الإله سيد السماء والارض» وذلك مما يعنى تقديس معبود أكبر يشمل سلطانه السماء ولأرض ولايقتصر سلطانه على إقليم بعينه أو مظهر معين > ووردت فی نص كلال عبارة تقول «بردا رحمنن» أُى بعون الرحمن » مما يعلى الإيمان برحمة ار الدائمة وفضله الواسع »› » وروی أُحد مؤرخى التاريخ الكنسى أنه کان بین الحميريين ابراهيميون عارضوا ثيوفيلوس المبشر المسيحى » غير أن أُمثال هذه الفلتات القليلة لم تقض على عقائد التعدد القديمة فظلت هى الغالبة . وتنافست الديانات الثلاث » وكان الأكثر تنافسا أنصار الديانتين الجديدتين أى اليهودية والنصرانية . وفى خلال هذا التنافس اشتد أحد الملوك الحميريين الأواخر وهو يوسف أسأر يثأر الملقب «ذو نواس» فى معاملة التجار المسيحيين والأشاعرة حلفاء الأحباش لسبب مايرده البعض إلى تهوده › ويرده البعض إلى صداقته لليهود وتأثره بتحريضهم » ويرده البعض الآخر إلى ربطه بين انتشار المسيحيين فى بلده وبين احتمال انتشار النفوذ الحبشى المسيحى عن طريقهم لاسيما وأن منهم من كانوا على صلة ببلاط الحبشة فعلاً . وترتب على هذه الشدة أن قل تعامل التجار البيزنطيين مع الموانىء العريية والموانىء الأفريقية القريية منها . واستنصر المسيحيون بعضهم بعضا › وناشدوا امبراطور بيزنطة أن يتدخل لمعاونتهم › » ولكن الشقة بين بيزنطة وبين اليمن كانت بعيدة » فوقع عبء معاونتهم على ملك الحبشة «كاليب أل أصبحاء حليف البيزنطيين » ووجدت دعوة الإصتنصار هذه هرى فى نفسه لتحقيق أمل أسلافه ولزيأادة نفوذه السياسى والتجارى » لاسيما وأن بلاده قد تأثرت إلى حد ما من اضطراب أمور التجارة البيزنطية فى جوب البحر الأحمر . وقیل إن کالیب کان على راس الحملة على اليمن أو شرف على الأقل على إعدادها فى ميناء عدولى الذى ابحرت منه عبر باب المندب فى فترة ماتقع بين م و ٣م . ونجحت الحملة فى غرضها › وفر ذو نواس إلى منطقة جبلية ببعض اعوانه . واعلن الملك الحبشى سيادته على ظفار وعين عليها واليا حبشيا › وعندما توفی هذا الوالی استغل ذو نواس فرصته فأعاد تجميع أنصاره واستعاد 11۷¥
عدد الصفحات ١١٩