المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة PDF

عبد العزيز صالح

صفحة ٥ من ١٣

الفصل الخامس ويتعرف الملك على نتائج قرارات المجلس فإن أقرها صيغت على هيئة مراسيم وأعلنها باسمه » أو وقعه معه رئيس مجلس المسود . وريما وقعها كذلك فى بعض الاحوال كبار رجال المجلس باسمائهم مشفوعة باسماء عشائرهم أو قبائلهم . وهكذا توافرت لمجلس المسود القتبانى صفات متعددة : فهو مجلس ملكى يجتمع بأمر الملك وينفض بامره > وهو مجلس استشارى يحق للملك ان يقبل اقتراحاته او يرفضها › ثم هو فى الوقت نفسه مجلس للدولة يضم كبار اعيان قبائلها واقليمها ويبحث فى مصالحها . كما انه مجلس تشريعى يصوغ القوانين بعد موافقة الملك عليها ثم يوقع رئيسه عليها وريما وقع اعضاؤه الكبار عليها كذلك بعد توقيع الملك عليها . وعلى الرغم من صدور المراسيم باسم الملك القتبانى الحاكم إلا أنها لم تكن تؤرخ بسنوات حكمه » وإنما تؤرخ بعام رياسة رئيس مجلس المسود . ويبدو أن هذه كانت رياسة دورية يتعاقب عليها كبار أعضاء المجلس لفترات محدودة قد تقتصر على عام أو عامين لكل منهم » وقد تزيد عن العامين فى أحوال استثنائية يتجدد فيها أختيار الرئيس أكثر من مرة لسبب أو لآخر . وكانت الأوامر أو المراسيم الملكية تنقش على مدخل العاصمة «تمنعء أحياناًء وتنقش على نصب تقام فى السوق الرئيسية وفى المعابد . وتخدم بذلك أغراضاً شتى منها توفير العلنية للمراسيم > وتخليدها لذكرى الملك الحاكم الذى صدرت باسمه » ولتظل مرجعاً لما يعقبها من عهود وقوانين . ويضاف إلى هذه الأغراض فيما يختص بنقشها على نصب المعابد ان من المعابد ماكان لها موضعها المتوسط داخل المدن » ويتردد عليها كثير ممن يعرفون القراءة » فضلاً عما توحى به من وضع الأوامر الملكية تحت رعاية أربابها » وإشعار الناس أن هؤلاء الأرباب شركاء فيها » لا سيما إذا تناولت حقوقاً مفروضة للمعابد ومنشاتها وكهنتها . ولیس ما يمنع بعد هذا من افتراض وجود منادين يعلنون مضمون هذه الاوامر والمراسيم شفاهة فى الأحياء والأقاليم والقبائل باسم الملك الحاكم . ومن أهم ما تضمنته نقوش البوابة الجنوبية للعاصمة تمنع › » والتى يحتمل تسميتها بوابة «ذو سدان» . بفايا نص لتشريع صدر فى عهد الملك يدع أب ذبیان بن شهر فى بداية القرن الثانى ق. م. وفيه ما يقضى على القاتل القتبانى بالحرمان ( من الحقوق المدنية أو الدينية) بحكم خروجه على القانون » فإن تجاهل مقتصئيات هذا الحكم وأصر على البقاء فى قتبان أباح املك دم » دون أن تترتب على قاتله عقوبة ة أو ملامة

عدد الصفحات ٦٨

تاريخ شبه الجزيرة العربية س ب فى الحياة الاقتصادية : اعتمدت اقتصاديات قتبان وسلطة حكامها على ما اعتمدت عليه أغلب الدول العربية الجنوبية . من التجارة الداخلية والتجارة الخارجية › وتنمية الثروة الزراعية والصناعية . وربما الثروة الرعوية أيضاً . ثم الاستفادة فى الوقت نفسه من تحصيل المكوس والضرائب على هذه وتلك . ووجدت مسلة حجرية صغيرة داخل العاصمة تمنع نقشت عليها بعض تنظيمات التجارة الداخلية والضرائب فى عهد الملك شهر هلال بن يدع أب » وهدفت إلى ضمان حقوق الدولة فى ضرائب التجارة » وحماية مصالح المواطنين التجار والمستهلكين . وتركيز تجارة العاصمة فی سوق شمر » وإلزام التجار الأغراب بتبليغ الدولة عن شئون تجارتهم سواء للإذن بممارستها أو لتقدير الضرائب عليها . وجاء فى هذا المرسوم على سبيل المثال أنه «أما تاجر فى تمنع أو فى برم ؛ مهما كانت تجارته » يجب أن يدفع ضريبة فی تمنع لیکون له دكانه فى (سوق) شمر . وهذا حق (وواجب) لكل تاجر أیاما كانت قبيلته . فإذا اس دکانه أُصبح له الحق فى أن يتاجر وحده أو يشارك غيره ٠‏ دون اعتراض من مدير شمر ٠‏ وإذا سمح مدير شمر للتجار القتبانيين بأن يتجولوا بين القبائل للتجارة وأعلن ذلك أصبح حقا لهم . فإذا أخطروه بأن أجنبياً نافسهم فى هذه التجارة أو خدع أحدهم » غرم هذا الأجنبى خمسين وزنة ذهبية . ومن أدى ضريبة سوق تمنع ليتاجر فيها . فتاجر مع قبيلة أخرى » فقد حقه فى ممارسة هذه التجارة › وذلك حفاظاً على حق القتبانيين الذى خصصه الملك . وإذا أجر مواطن داره أو مختنا ( ؟) لتاجر أصبح ملزماً بأداء ضريبة الوق فى تمنع إلى الملك . من تجارة (المستأجر) وما تغله » فإن لم تكف دفعها مما رإذا باع شخص تجارة جل جملة . وکان ینبغی أن تباع فى سوق شمر › وجب أن يجرى بيعها بالتجزئة عن طريق وسطاء قتبانيين . وإذا دخل تاجر سوق شمر بتجارة يود أن يبيعها ليلا » وجب على الناس أن ينفضوا من حوله حتى يطلع النهار . وانتهى المرسوم بالنص على أن للملك حق السيادة على كل معاملة وكل تجارة تجرى فى منطقته - وهذا أمر ينبغى على كل ملك (تال) أن يؤيده .

عدد الصفحات ٦٩

س الفصل الخاس ويبدو أن ما يستخرج حتى الآن من كميات الملح من نهاية وادى بيحان › وعلى أعماق مختلفة فيه » ثم يصدر بعضه إلى مناطق أخرى من الجئوب العربى . کان يمثل موردا أقتصاديا له أعتباره کذلڭ فی العصور القديمة ۰ ومن أجل خدمة وتشجيع قوافل التجارة الخارجية أوتجارة المرور (الترانسيت) لا سيما فيما يختص بالبخور بأنواعه ومشتقاته » ومن أجل إحكام الإشراف عليها فى الوقت نفسه . مد القتبانيون الطرق البرية ومهدوها . ومن اهمها طريق ممر مبلفة (العقبة) الذى بذل فيه مجهود بارع بالنسبة لعصره وبيئته ليصل عبر الجبال بين وأدى بيحان ووادى حريب . وتعبره القوافل المتجه من عدن إلى نواحى مأرب فى سبأً . عبر الأراضى القتبانية . وقد مهدت أرضيته بالأحجار باتساع يتراوح بين أربعة وخمسة أُمتار . وأامتد نحو ثلاتة أُميال بين ارتفاع وانخفاض بانحناءات كثيرة فى أجزاء شقتها الطبيعية وأجزاء أخرى مهدتها يد الإنسان على مدرجات جبلية تحمى جوانبها جدران منحوتة أو مبنية » وأقيم على كل من طرفى هذا الطريق الطويل حوض للماء لخدمة القوافل وسقاية الإبل . ووردت ثلاثة نصوص من عهد الملك يدع اب ذبيان بن شهر تحدثت عن تعبيده فی ايامه . ولوحظ ان هذا المجهود کان یمکن توفیره باستخدام طریق سهلی اخر يمتد من غرب العاصمة تمنع رأساً إلى وادى حريب » لول حرص القتبانيين على التحكم فى التجارة التى تمر فى منطقتهم ورغبتهم فى إطالة مسالكها داخل أرضهم ليحصلوا أكبر نسبة من المكوس عليها . ونظراً للأهمية الاقتصادية لهذا الطريق نشأت بعض البلدان حوله . ومنها ذو غيلان (حضن الحضيرى) عند مدخله . وبجوارها هجر بن حميد على جانبه الشرقى . وحنو الزریر على جانبه الغربى . ولعلها قامت فى بداية أمرها كمحطات للقوافل ومراكز لتحصيل المكوس تم اتسع عمرانها . ومهد القتبانيون طريقاً آخر فى ممر نجد مرقد على الحافة الصحراوية بين وادی بیحان ووادی حریب أيضاً . ورصفوه . وتمر القوافل خلاله بین جدارین يبلغ سمك الواحد منهما نحو المتر- وقام فيه مركز لتحصيل المكوس من قوافل التجارة المتجهة إلى حريب التى تبعد عنه بنحو خمسة أميال . أو الخارجة منها فى اتجاهها إلى بيحان والعاصمة تمنع . وتوفر للاستثمار الزراعی دور کبیر آخر فی اقتصادیات قتبان » ولا سیما فی سهل بیحان وحریب . وبدأت مشروعات الری فی وادی بيحان منذ القرن الخامس ق. .م . وهو واد كبير ينحدر من المرتفعات الجنوبية ناحية الشمال التقريبى ويبلغ متوسط اتساعه بين ثلاثة وأربعة كيلو مترات » وإن زاد عن ذلك كثيراً أو قل

عدد الصفحات ٧٠

تاريخ شبه الجزيرة المربية س عنه فی بعض أُجزائه . وفی انحداره تتعاقب على جانبيه تكوينات بركانية من الشست والكوارتز . ثم لاتلبث هذه التكوينات حتى تختفى تحت رملة السبعتين الصحراوية الضخمة . وقامت على البداية الشمالية للوادى مدينة تمنع عاصمة قتبان . كما قامت على بدايته الجنوبية حاضرة اخرى تعرف الان باسم بيحان القصاب ولا زالت أغلب آثارها لم تكتشف بعد . وعادة ما كانت مياه الأمطار الموسمية تصل إلى وادى بيحان على هيدة السيول فتملاً مجراه الذى يمتد نحو ٠١‏ كيلو متر بعد أن يترك الجبال . وياتساع يتراوح بين مائة ومائتى متر عرضا . وقد تنقطع هذه السيول لعدة سنوات › وتتشرب الأرض الرملية جانباً منها - ولكن مواسمها وسيولها القديمة أرسبت على مدرجات الوادى مع توالى الأزمنة طبقات كثيفة من الطمى تراوح عمقها فى بعض مواضعها بین ۱١‏ وبين ۱۸ مترا . ولا ندرى هل استفاد القتبانيون خبرة ما من نتائج مشروعات الرى فى أراضى جارتهم | سباً وقلدوها أُم لا » ولكن الدلائل تشير إلى أنهم أحسنوا استغلال أوضاع واديهم فأنشأوا فيه شبكة مائية ضخمة . يفهم من وصف المتخصصين لها أن مجارى المياه الرئيسية منها » والتى تتلقى معينها من سيول الأمطار الموسمية › امتدت كيلو مترات طويلة وبلغ اتساع بعضها نحو ٠١‏ مترا وارتفعت عن مستوى الاراضى الزراعية بنحو اربعة امتار ولهذا بنيت فيها أهرسة ساعدت على نقل مياه الرى من المجارى المرتفعة إلى أهوسة أخرى فرعية منخفضة فى مستوى الحقول. حيث تتوزع منها على قذوات كثيرة صغيرة . وكانت سرعة توزيع المياه على هذه الفروع الصغيرة مما يضمن الاستفادة بها . وعادة ما كسيت منحنيات الترع بمداميك حجرية تتراجع مع جوانب المجرى إلى الخلف لتمنع تاكلها . وقامت منشآت ری أخری وشقت ترع فی وادى حريب الذى يقع إلى الغرب من وادى بيحان ويصل بينهما وادى مبلقة عبر الجبال . ووادى حريب أعرض من وادى بيحان ولكنه اقصر . وامتدت الترع والمنشات المائية إلى وديان فرعية تتصل به (مثل وادى العين ووادى مقبل ووادى مبلقة ووادى وهبة ) . ولا تزال بعض أطلال مبانى هذه المشروعات المائية ظاهرة بينما غطت الأكوام على بعضها الاخر › وتاكلت بقيتها نتيجة لارتفاع المجارى المائية عن الحقول المنزرعة كما أأسلفنا مما جعل عوامل التعرية تعمل عملها فيها . ولا تزال تتناثر فى الوديان نتيجة لهذه المشروعات بعض حفر وجذور ماكان ينمو فيها من نخيل التمر والدوم وأشجار المر الذى أشار الرحالة استرابون فى القرن الأرل ق. ٠م‏ . إلى شهره قتبان بالاتجار فيه وإنتاج بعض أنواعه .

عدد الصفحات ٧١

الفصل الخامس ومارس القتبانيون إنشاء السدود ضمن مشروعات الرى . على نطاق ضيق. ومنها سد فرعى فى منطقة الحضرة يحتمل إرجاعه إلى القرن الرابع ق.م. لصد میاه وادی حماد . وشید باسلوب بسيط فبنى باكوام من الرديم والطين الجاف دعمت واجهتها المواجهة لتيار الماء بالأحجار كما دعمت أعاليها بالأحجار أيضاً . وثمة بقايا سد آخر بجوار بيحان القصب . ومن المشروعات المائية القتبانية أيضاً حفر الصهاريج . ولا تزال تتوزع على قمة جبل ريدان وسفوحه اثار صهاريج قتبانية كان البعض منها يتسع لالاف الجالونات . ويبدو أنها وزعت على مستويات مختلفة بحيث إذا فاض الماء فى أحدها نزل الفائض منه إلى ما يليه . وحفرت هذه الصهاريج فى الأرض وكسيت من الداخل بلياسة من أسفلها حتى الارتفاع المحتمل لما تختزنه من الماء . واختلف الرای فى توقيت إنشائها بين ما يعاصر العصر الفارسى فى القرن الخامس ق. م. وبين القرن الميلادى الاولى . ولم تغن كل هذه المشروعات القتبانية عن حفر الآبار العادية فى المناطق التى تحتاجها » ويحتمل أنه كانت تتسرب إليها المياه الزائدة فى المزارع فتختزن طبيعيا فيها حتى يحين وقت الحاجة إليها ويتيسر رفعها . وحول نبع طبيعى فى وأدى فرع فى بيحان ظاهرة طريفة » حيث مهد الطريق إليه بممرات ضيقة مرصوفة › وليتيسر وصول الرعاة ورجال القوافل إليه حفرت علامات على الصخور قبل الوصول إليه بنحو كيلو متر › ومنها ما يمثل شخصا يشير بإاصبعه إلى مكان الماء . ولهذه العلامات ما يمائلها فى مناطق متفرقة من صخور بيحان وفى مناطق قريبة من الربع الخالى حيث تشتد الحاجة إلى معرفة أماكن المياه . ومع هذه التيسيرات لتوفير مياه الرى والشرب . لوحظ فى آثار المدن والقرى (فى هجر بن حميد والحرجة وجبل الحضرة والنقب) أنه كان يوضع امام كل دار حوض قليل العمق مليس من الداخل . لملئه بالماء . وظلت مشروعات المياه تؤدى أغراضها حتى القرن الثالث الميلادى . لا سيما فى وادى بيحان . غير أن استمرار الاستفادة منها كان يتطلب استمرار العناية بها . فقد كان ارتفاع المجارى الرئيسية عن مستوى الاراضى المزروعة يعرضها لعوامل التعرية كما ذكرنا » كما أن ارتفاع الإرساب نتيجة نظام الصرف المستعمل وتوزيع المياه فى الحقول . كان يتطلب الارتفاع بالقنوات الفرعية والارتفاع بمداخلها إلى مستوى الحقول .

عدد الصفحات ٧٢

تاريخ شبه الجزيرة العربية س واستفادت الدولة من ضرائب الزراعة كما استفادت من ضرائب التجارة ويفهم من دراسات الباحث رودوكاناكيس ءiه”ة‏ )هه٣۸‏ للنظم القتبانية ان الضرائب فى فتبان وفى غيرها من الدول العربية الجنوبية كانت تعادل العشر أو مایقرب منه »> وتؤدى عينية عادة أى من نفس محصول الأرض والمصانع والمتاجر . ويتولى الإشراف على تحصيلها ولاة الأقاليم وشيوخ القبائل أحياناً . كما كانت الدولة تأخذ بنظام الالتزام فى تحصيل ضرائبها أحياناً أخرى » فتسمح لبحعض كبار اهل القرى والاقاليم والمعابد بان يتولوا جباية ضرائب معينة وتخصص لهم جعلا منهأ . وامتد تحصيل الضرائب إلى ما هو أكثر من هذا » فورد فى أمر أصدره ملك قتبانی إلى كبير إحدى القبائل بأن يؤدى إلى خزائنه من ضرائب قبيلته ماترجمه رودوکاناکیس : «عشر کل ربح صاف وکل ربح یرد عن طریق الالتزام وکل ربح يجبى من بيع ومن إرث» . وقد تدل العبارة اللاخيرة على تحصيل رسوم على عقود البيع وعقود التوريث على نحو ماتجرى عليه قوانين الضرائب فى اغلب المجتمعات المعاصرة . ح- من آثار العمران والفنون : فدر الاتساع القديم لمدينة تمنع (هجر کحلان الحالية) عاصمة قتبان بنحو ۲ فدانا - وخلد الرحالة بلینی أهمیتها حینما روی انها كانث تتضمن ٠١‏ معبدا . ومع مافى رواية بلينى من مبالغة واضحة فإن الأثار الباقية فى تمنع تشهد بروعتها النسبية القديمة فعلاً رغم عوامل التخريب التى لحفت بها قديماً وحديثاً . وقد أنشئت هذه العاصمة فوق ربوة مرتفعة بعض الشىء عند النهاية الشمالية لوادی بیحان » وکان یحیطها سور یحمیها وإِن تداخات بعض المساکن فی اجزائه نتيجة لازدياد العمران . وتضمن السور اربع بوابات كشف عن اثنتين منها فى ناحيتى الجنوب الغربى والجنوب الشرقى للمدينة . وكانت أولى البوابتين وتعرف عادة باسم البوابة الجنوبية »هى الأقدم » وترنب على بنائها بأحجار صابة كبيرة أن بقی للآن جزء من بنيانها يرتفع أكثر من ثلائة أمتار » وأجزاء من الصرحين أو البرجين اللذين كانا يحيطان بها . ویبدو أنه کان لمدخلها باب خشبی ضخم ينزل من أعلى إلى أسفل حين غلقه ويدعمه من الخلف عارض خشبى أفقى متين . واحتفظت جدران البوابة » وهذا هو الأهم » بنصوص عديدة سجلت بأسماء بعض ملوك قتبان » وكان من أقدمهم يدع أب ذبيان - كما تضمن أحدها تشريعاً للدولة أشرنا من قبل إلى فقرة منه .

عدد الصفحات ٧٣

سم الفصل الخامس وقام فى داخل المدينة مبنى متسع فخم »اعتبره فان بيك معبداً رئیسیاً ء واعتبره جام قصراً ملكيا للاحتفالات العامة . وقد شيدت الأجزاء الأقدم منه على مرحلتين خلال عهود المكربين بين القرن السابع والقرن السادس ق. م. ثم جددت أجزاؤه وأضيفت إليها إضافات مرتين أيضاً على الأقل فى عصور الملكية فى أواخر القرن الرابع ق. ٠‏ م. ثم فى القرن الأول ق. م. وتشابهت بعض هذه الإضافات مع أُساليب العمارة الشائعة فى الحضارات الخارجية التى اتصل القتبانيون بها » فشيدت جدران المبنى خلال مرحلة البناء الثانية بمشكاوات رأسية (أو دخلات رأسية) متسعة تعاقبت على مسافات متساوية » وكان هذا الأسلوب المعمارى شائعاً من قبل فى أقطار شرقية قديمة مثل نواحى العراق ومصر وفارس وغيرها . وعندما ن تمت المرحلة الأخيرة لتجديد المبنى فى عهد الملك شهر يجل يهرجب فى بداية القرن الأول ق. م. أخذت عناصره ببعض خصائص فن العمارة الهيانستية الشائعة فى عصره . وقد بدأ فى صورته العامة عند اكتماله تؤدى إلى بابه درجات متسعة يحف بها جداران جانبيان . ويؤدى مدخله إلى فناء كبير مرصوف كانت تحيط به من ثلاثة جوانب أعمدة مربعة › بينما يتوسط ضلعه الشرقى (المقابل للمدخل) خمس درجات حجرية متسعة أخرى يزيد عرضها عن ستة أمتار » وتؤدى إلى بهو كبير مرتفع تحتمل تكسية أرضيته وأسافل جدرانه الداخلية ببلاطات من الألباستر القرمزى رقمت بحروف تساعد على وضع کل صف منھا فی موضعه المناسب . وتوسط هذا البهو ممر للمواكب قأامت على جانبيه أربعة صفوف من المبانى الصغيرة ة لم يتضح الغرض منها حتى الآن . ولعل الارتفاع التدريجى من باب الدخول إلى الفناء ومن الفناء إلى البهو كان مقصوداً لذاته . وكشفت البعثة الأمريكية للآثار التي أأظهرت تفاصيل هذا المبنى الفخم مُنذ عام ۱۹١١ ٠۹١١‏ عن مساحة واسعة أيضاً حول البوابة الجنوبية لمدينة تمنع تضمنت مزيداً من الجدران المتصلة بها ومدخل فنائها وشارعين وعدة مبان . كما كشف الأهلون بعد ذلك بطريق المصادفة عن مبان أخرى . وتعددت الفروض بشأن الأغراض التى خدمتها هذه العناصر المكتشفة وكانت منها دور تضمنت نصوصاً تحدد أسماءها وأسماء أصحابها أحياناً (مثل : دار يفش » ودار يافع › ودار هدث » ودار شعبان »> ودار عثمان .. الخ) وظهرت مبان أخرى افترض مكتشوفها أنها خدمت أغراضاً عامة . ففى داخل بوابة المدينة وجدت على سبيل المثال ساحة رصفت بالحجر وقامت على جانبيها دكات حجرية مما احتمل معه أنها كانت ساحة سوق أو ساحة اجتماعات (بما يشبه ساحة أو دارا للندوة) . ومبنى آخر شيد على دكة مرتفعة ويؤدى إليه

عدد الصفحات ٧٤

تاريخ شبه الجزيرة العربية ‏ درجان (أحدهما من ناحية الجدوب والآخر من ناحية الشرق) » وتضمن فى مدخله صفوفاً من المناضد الحجرية › مما دفع بمكتشفه إلى أن يفترض أنه كان يمقل دار محكمة مركزاً للشرطة أو نحوه . ومن أهم الدور الخاصة التى أشرنا إلى الكشف عنها قرب بوابة المدينة مبنيان متصلان سمى أقدمها بيت يفش » وسمى الآخر بيت يافع (أو يفعم) › واتصل به بطريق يؤدى إلى فناء » وكنموذج للمبانى الثرية فى تمنع لا بأس من تقديم وصف مفصل لبيت يفش . فقد تألف من طابقين : طابق أُرضی ذى صفات أو بواكى مسقوفة » وعدة غرف تقوم بدور مصانع خاصة صغيرة › ثم طابق علوى تضمن شرفات ومقصورة مباخر ومخزنين للبخور . ويستنتج من ستة نصوص تعلقت به أنه شید فی أواخر القرن الثانی ق. م. (كما يعتقد ألبرايت) . ثم اشتراه وجدده رجل من أثرياء العاصمة يدعی هوفعم بن ثونب فى بداية الق الأول ق. م. ووقفه بإسمه (وريما بإسمه مع إثنين من أسرته مرة أخرى؟ ) على کبار معبودات قتبان : أنباىِ > وإيل تعلاى › وعثتر »› وعم › وذات سنتم › وذات ظهران › وورفو . وبقيت بين أطلال هذا المبنى ثلاث غرف فى حال طيبة بحيث عثر فى داخلها على صناديق للبخور ومرايا برونزية وما شابهها . وأمتع ما عثر عليه بجوار جداره الجنوبى المواجه لبوابة العاصمة تمثالان من البرونز (ارتفاع كل منهما 1۱ سم وطوله ۷١‏ سم) ولا يعرف إن كان فى الأصل متجاورين أو متقابلين . ويمثل كل منهما لبؤة بكفل أسد ترفع إحدى ساقيها الأماميتين » ويعتليها غلام عار يمسك قوساً بيمناه ويقبض بيسراه على حلقة ا ک ن تد ی واوق پا عاق ابو » ولعله كان يمسك أيضاً بسوط أو . والغلامان توأُمان مع اختلاف يسير بينهما فى الملامح » ويعتبر التمثالان من أروع القطع الفنية التى احتفظت بها مناطق الجذوب العربى حتى الآن والتى تزکی مارواه استرابون فی القرن الأول ق. . م. عن مهارة العرب الجنوبيين فى الصناعات المعدنية . وسجل على قاعدة أحد التمثالين إسما الفنانين ثويب وولده عقرب (حرفيا : ثويبم وعقربم) › اللذين قاما بزخرفة الدار وقلدا بالتمثالين نموذجا من الفن الهيلينستى السكندرى فنجحا فى عملية التقليد إلى حد ملحوظ وإن ظل تشكيلهما أقل اتقاناً من الأصول الهيلينستية الممائلة لهما والتى وجد بعضها فى منف فى مصر . وإلى جانب الهدف الزخرفى فى هذه المجموعة الفنية افترض بعض الباحثين أنها رمزت إلى معنی میثولوجی (أى دینی اُسطوری) . وفی تحدید هذا المعنی آراء شتی » ومنها ما يرى أن اللبؤتين ترمزان إلى شمس الشتاء وشمس الصيف » وأن راكبهما التوأمين يمثلان عثتر نجم الشعرى ابن القمر » كما

عدد الصفحات ٧٥

الفصل الخاس يقومان بدور سدنة عم المعبو د الأكبر لدولة قتبان وقد أخضعا له الشمس وروضاها. ولیس ما یمنع من افتراض أن المجموعة كلها كانت تخدم كذلك غرض الحماية الرمزية لبيت يفشان » أو غرض الحماية الرمزية لما يدخل من بوابة المدينة المجاورة له من قوافل التجارة . ولكل من هذه الفروض والأراء ما يبرره من عقائد العرب الجنوبيين ومن العقائد الهيلينستية المنقولة لا سيما من مديذة الاسكندرية التى روى بعض المؤرخين الكلاسكيين أن وفوداً من التجار العرب الجنوبيين كانوا يشتركون فى مواكبها وأسواقها ويتبادلون الأفكار مع أهلها » فضلا عمن كان يقصد بلاد العرب نفسها من رحالة العصر الهيلنستى › وما يصلها عن طريق التجارة من القطع الفنية ذات الدلالات أو الأغراض العقائدية والتى تغرى الفنانين بتقليدها . ٠‏ ولم تخل دار من الدور الباقية الأخرى من آثار تدل على ثراء أهلها وتدل على اهمية ما يمكن أن يظهر من اثار بقية المدينة حين يتم الكشف عنها › وهو ماندع التفصيل فيه الان . وكانت لقتبان فنونها المحلية فى النحت والنقش وصناعة الحلى وقطع الزينة وهذه نتجاوز عنها أيضاً مؤقتاً مراعاة للإيجاز . ومن نماذج النحت فى الحجر التى تائرت بالفن الهيلينستى ولت على اتساع صلات قتبان بالخارج › راس مرمرية توضع فى مستوى نمثالى اللبؤتين والغلامين البرونزيين » وهى لأنثى أطلق عمال الحفائر الاثرية عليهااسم مريم او مريام فاشتهرت به . وعثر عليها فى إحدى مقابر حايد بن عقيل جبانة العاصمة » ويحتمل إرجاع صناعتها إلى مابين القرن الأول وبين القرن الثانى ق. م. وقد انعقدت خصل شعرها خلف رأسها من نفس مادة الحجر بما يشبه الطريقة المصرية القديمة » واحتفظ محجرا عينيها باثار التطعيم باللازورد على عادة كثير من تماثيل الجنوب وعادة التمائيل المصرية أيضاً . وعنقها طويل كانت تحيط به قلادة » وأذناها مثقوبتان ليتدلى منهما قرطان .ومع ما أخذت به هذه الرأس من الأسلوب الهيلينستى » حز فنانها على صدغيها تقليداً لوشم أو تشريط قد يعبر عن عادة محلية أو ق ِ قبلية » إن لم يكن تفليداً لأثر حجامة أجريت لصاحبة الرأس ابتغاء الشفاء من مرض ما . شهدت دول قتبان أطراراً محتلفة من التوسع ومن ا الطويل . وكيفت IR‏ نحو جیرانها الأقربين . ¢ صداف أ عداء أو حياداً . القوية سباً کت نیا رمت یاد رالشمانة ی ر کرب ایل رر اسیا س

عدد الصفحات ٧٦

تاريخ شبه الجزيرة العربية س معين وأوسان (قبل عام ٤٤١‏ ق.م) »› وکیف أمنت بهذا على أرضها من أطماعه بل وحصلت منه على بعض اراضى اوسان القريبة من البحر الإاحمر مكافاة لها على مسلكها إزاءه . غير أن تلاصق الحدود بين الدولتين الطموحتين سبأً وقتبان كان من شأنه أن يهيىء استمرار فرص التنافس والاحتكاك ثم الاشتعال بينهما . وقد ورد فی نصین ذکر حربین بینهما صعب توقیتهما إن انتا سابقين على أيام الحياد فى عهد كرب إيل وتر السبأى أم تاليتين لها . وصعب كذلك ترتيب أسبقية إحداهما على الاخرى . وعن إحدى هاتين الحربين تحدث قائد سباى (يدعى تبع كرب) عن حرب بين الدولتين استمرت خمسة أعوام . وكانت فتبان فيما يبدو هى البادئة بها » وانتهت إلى مايشبه الصلح أو الهدنة » الأمر الذى دعاه إلى أن يخصص أوقافاً كثيرة لمعابد أرباب سبأ الكبار » وذلك مما يعنى من ناحية أنه اعتبر الصلح كسباً ينبغى شكر أريابه عليه » ويعنى من ناحية أخرى أن الحرب بين الدولتين لم تنته إلى نتيجة فاصلة وأن أياً منهما لم تستطع القضاء على الاخری . وتحدث قائد قتبانى يدعى يذمر ملك عن الحرب الأخرى وروى عن مرحلة منها أنه هزم عدة قبائل وعشائر واستولى على مدنها ونخيلها وأرضها » ثم أعلن تقديمها إلى المعبود عم وإلى أنباى وإلى ملكه يدع أب يجل بن ذمر عالى ملك قتبان . وذلك ممایعنی انه مع فخره بمجهوده فى الحرب قد رد الفضل فى النصر والحق فى تملك الأرض المكتسبة ونتائج النصر إلى معبودى دولته الكبيرين وإلى ملكه الذى كان يعتبر نفسه ولدأ لهما وممثلا لهما على وجه الارض . وزاد ذلك القائد عبارة فى نصه تحدث فيها عن مرحلة حرب واسعة شنتها سبأً وإمارة رعنان وقبائلها التى ساءها أن تملك القتبانيون جزءاً من أأرضها » ضد قتبان . ولكى يضخم القائد القتبانى من كثرة الأعداء وضراوة الحرب أمح إلى أنه تجمع فيها حقد عهود المكربين وعهود الملوك السبايين ضد ملكه يدع اب يجل بن ذمر عالى ملك قتبان وضد قتبان نفسها وضد أولاد عم جميعا . ٠‏ ویعد هذه الحرب التی لایعرف شىء مؤکد عن نتائجها › والتى يفترض البرايت أن الملك القتبانى الذى ذكر فى سياق نصها وهو «يدع أب يجل؛ قد حكم فى منتصف القرن الرابع ق. م - شفت قتبان طريقها وظلت تسيطر على أجزاء من المناطق الساحلية التى كانت تشغلها من قبل دولة اوسان والتى عاشت فى بعض أجزائها قبائل حمير ذات الصلة والقرابة بالقبائل السبأية . وقد تلونت هذه القبائل الحميرية حينذاك بالولاء القتبانى واعتبرت نفسها من ولد (المعبود) عم » معبود القتبانين . وأطلقت على حصنها الرئيسى اسم ريدان » وهو اسم يراه الباحث فون فيسمان قتبانى الأصل كان يطلق من قبل على حصن رئيسى للعاصمة

عدد الصفحات ٧٧

س الفصل الفامس ‏ , القتبانية تمنع وقام على ملتقى الوديان إلى الجذوب منها > وقد ذکر فی نص إنشائه (قبيل بداية القرن الرابع ق.م) أنه فى اتجاه حدن » ولا زال حصن حدن (أُو حادی) هذا قائماً أسفل الجبل حيث توجد أطلال ریدان . على أنه لم يكن من المنتظر أن تسير الأمور فى مصلحة قتبان دائماً . فبعد عام ۲۸١‏ ق .م استطاعت جيوش الملك السبأى يثع أمر بيين أن تسترد بعض الأراضى التى اكتسبتها قتبان من أسلافه خلال القرن الرابع ق.م » وذكر نصه من المدن التى استردتها جيوشه حينذاك مدن نعمان وصنعاء وذبحان ذو حمرور . وشهدت قتبان فترة ازدهار أخيرة فى عصرأسرة حاكمة ثالثة أو رابعة بلغت شأوها فی عهد «شهر يجل يهرجب» الذى يؤرخ ألبرايت وفون فيسمان عهده ببداية القرن الاول ق.م. وقد تطلعت قتبان فى عهده إلى دولة معين الواقعة إلى الشمال منها فاجتزأت جانباً من أرضها وعقدت معها حلفا احتفظت لنفسها فيه بالمكانة الأسمى » ولعلها استهدفت من وراء هذا الحلف أن تضيق به على دولة سباً فتضغط هى عليها من الجنوب وتضغط حليفتها معين عليها من الشمال . ويرجع إلى أيام هذا التحالف نص من عهد ملك معين «وقه إيل يثع؛ أرخه كاتبه المعینی باسم ملکه واسم ولی عهده وشریکه فی الحكم «إیل فيع يشور؛ الثانى » كما أأرخه فى الوقت نفسه باسم الملك القتبانى «شهر يجل يهرجب؛ › وذلك مما يدل على اعترافه الضمنى بنفوذ قتبان على بلده . وعندما انفرد ولى العهد المعينى إيل يفع یشور بالحکم بعد ابیه حضر حفل تولیته فی عاصمته کاهنان قتبانيان نيابة عن ملكهما . ولعل هذه الفترة من الازدهار القتبانى هى التى روى عنها الرحالة الرومانى بلينى أن إنتاج الكندر كان يأخذ طريقه من حضرموت وعاصمتها شبوة إلى حيث تتسلمه قتبان وعاصمتها تمنع على طريق البخور الممتد حتى ساحل البحر المتوسط » وروى عنها كذلك ما سبق أن استشهدنا به من أن الجبانیتاى (أو القتبانيين) لهم مدن كثيرة أكبرها نجاو وتمنع › وأنه كان فى هذه الأخيرة ٠٥‏ معبداً مما يشير إلى ثرائها . ولكن يبدو أن بلوغ القمة قد يعقبه الانحدار أحياناً » فقبيل عهد شهر يجل يهرجب اأهتز أحد الموارد الاقتصادية للدولة بعد نجاح السفن المصرية فى عصر البطالمة فی اجتیاز مضيق باب المندب حوالى عام ٠۲١‏ أو ١١‏ ق.م للاتجاه إلى الهند والاتجار معها رأساً دون وساطة عرب السواحل الجنوبية ومنهم القتبانيون . ولیں من المستبعد أن هذا الوضع كان من أُسباب تحول أطماع قتبان إلى دولة معين لكى تعوض من مكاسب تجارتها البرية ما أوشكت أن تخسره من مكاسب تجارة الساحل .

عدد الصفحات ٧٨

تاريخ به الجزيرة العربية ‏ ولكن ترتب على تخفيف قبضة قتبان الاضطرارى على المناطق الساحلية للبحر الأحمر أن تألبت عليها قبائل حمير المنقشرة فيها › ويبدو أنها كانت قد نجحت فى تجميع كلمتها من قبل بداية القرن الاولى ق.م. وييتت النية على الاستقلال عن قتبان . وليس ما يعرف حتى الآن عن تفاصيل هذه المحاولة إلا أنها حققت هدفها فى النصف الأخير من القرن الأول ق .م. فقاتلت قتبان وأأخذت منها ماکان باقيا لها من سواحلها . وتوفرت بهذا فرصة ذهبية لسباً التى سكتت على الازدهار القتبانى المجاور ها على معش + وعانت من تضیيق تيان عليها من اجنو وتضييق حليفته ار معين فهاجمت عاصمتها واستوات على مناطق واسعة من أراضيها قبيل الربع الثالث من القرن الأول ق .م. وانكمشت قتبان على خارطة الجنوب بعد أن خسرت أرض حمير وخسرت حليفتها معين » ولكنها جاهدت فى سبيل البقاء وساعدها على الاستمرار أن غریمتها دولة سبا كانت تعانى هى الاخرى من مشاكل متعددة نتعرض لها فى حينها » فلم تستطع إحداهما أن تقضى على الأخرى » وإن اتصلت المناوشات وفى هذه المرحلة المضطربة من تاريخ قتبان توالى ملوك لايذكر لعهودهم من الأعمال الإنشائية إلا أن أول عملة ذهبية قتبانية سكت فى عهد أحدهم وهو «ورواو إيل غيلان» فى الحصن الملكى القتبانى «حريب؛ . وکانوا فی مجموعهم ضعاف الحيلة إزاء اضطراب موازين القوى فى الجنوب » وكان ازدياد ضعفهم مشجعاً أو مترتبأعلى هجوم جديد غير متوقع من جارتهم الشرقية دولة حضرموت التى بسطت نفوذها على الاجزاء الشرقية من قتبان »› بحيث عثر على ثلاثة نقوش فى وادى بيحان القتبانى تمجد ثلاثة ملوك حضرميين . وقد روى أحدها أن ملكه الحضرمى عمل على تسوير مدينة غيلان بعد أن تغلب أبوه على قتبان (او على جزء منها) › وروی اخر انه تم فی عهد ملك حضرمی مشروع للرى فى منطقة وعلان (القتبائية) . وكان فى العاصمة تمنع ملك قتبانى لا يزال يحسن الظن بسلطته وهو «شهر هلال بن ذر أكرب» . إذ وجد له نص مرسوم يطلب فيه إلى كبير العاصمة (أى المدير المحافظ أو من يؤرخ باسمه) يتحصيل الضرائب ممن يسکنون ويزرعون الأراضى فى سدو (قرب العاصمة) › وامر المزارعين بان يلتزموا بمرسومه ابتداء من أول ذى فرعم إلى السادس من ذى فقحو يوما بيوم وشهرأ بشهر . واستنتج

عدد الصفحات ٧٩

س الفصل الخاس الباحث رودوكاناكيس من العبارة الأخيرة أن ذا فرعم يمثل أول شهور السنة الزراعية عند القتبانبين وأن ذا فقحو يمثل آخرها . ولو أنه ما من بأس فيما يبدو أن يکون دو فرعم اول الحصاد » وذو فقحو أخره » فمواسم الحصاد هى التى يستطيع المزارعون أن يوفوا فيها بالتزاماتهم تجاه الدولة » وليست مواسم الزراعة كلها . وربما دل اللفظان فى سبا على العشرتين الاوليين من الشهر . وفى عهد الملك شهر هلال أیضاً حوالی عام ٠۰۰‏ أُو١٠٠‏ م دمرت تمنغ عاصمة قتبان تدميراً عنيفاً لازالت آثاره باقية فى معالمها القديمة التى اكتسى بعضها بطبقة كثيفة من الرماد دلت على حريق متعمد » لاتعرف حتى الآن وعلى الرغم مما لحق بها » جاهدت قتبان فى سبيل البقاء لفترة أربعين عاماً أخرى أو نحوها » فاكتفت بمناطقها الغربية › ونقلت عاصمتها إلى حريب التى أشرنا إلى سك أول عملة ذهبية قتبانية فيها » ووجدت بها بالفعل عملات اخری ضربت بها > ونقشت على بعضها صورة البومة وتحتها خنجر . وكانت صورة البومة من رموز بعض العملات الإغريقية السكندرية . ويبدو ان فتبان قد اضطرت نتيجة لضعف حيلتها أن تنضم إلى حضرموت فى مشاكلها ضد دولة سبا بعد أن اصبحت هاتان الدولتان هما مركز الذقل فى الجنوب العربى فحاربت فى صف حضرموت › ثم تهاوت حوالی عام ١٤۱م‏ (أو١٤٠م)‏ بعد أن استهلكت قوتها » وانحسر كيانها السياسى » وهجرت مناطقها الزراعية بعد أن قلت رعاية مشاريع المياه فيها » وغطت الرمال عليها . وآلت أرضها فيما بعد إلى حوزة دولة سباً وذوريدان منذ أوائل القرن الرابع الميلادى . أُسهمنا بعض الشىء فى الفصول السابقة فى مناقشة تاريخ دولة سبأً وتاريخ دولة قتبان » من حیث مشکلات النشاة » وتطور الحياة السياسية › ومشاریع العمران وفروع الفنون ٠‏ وتاثير العوامل الداخلية والخارجية فى كيان كل دولة منهما- لكى نجعل من هذه المناقشات نموذجا للتوسع فيما يعالج به تاريخ بفية الدول العربية القديمة الأخرى التى سنحاول الاكتفاء بخطوطها الرئيسية فيما يلى › مراعاة للتخفيف موقتا . وندع التفصيل فيها للجزء الفانى من كتابنا فى الشرق الأدنى القديم حين يصدر فى وقت لاحق قريب بإذن الله . X%# XK kK ok ¥

عدد الصفحات ٨٠

تاريخ شبه الجزيرة العربية س من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : جواد على : المرجم السابق - ج۲ _ مادة قتبان . نیلسن وآخرون : المرجع السابق ۔ ص ۱۳۲ ۱۳۹ ۲۷۹۰ ۔ ۲۸۹ . Abdel-Aziz Saleh, op. cit.‏ Bowen, R. Jr,. Albright, W.F., and others, op., cit., 43-68, 155-163. Philby, op, cit., 59-63. Phillips, op. cit., 51 f. Pirenne, J., Le Royaume Sud-Arabe des Qataban et sa Datation, Louvain 1961. Rhodokanakis, N., Katabanische Texte zur Bodenwirtschaft, I-II, Vienne 1919, 1922.

عدد الصفحات ٨١

الفصل السادس دوله معين كانت دولة معين أقرب الدول الجنوبية اتصالاً بالمناطق الشمالية فى شبه الجزيرة العربية . ونشأت فى الجوف الجنوبى فيما يمتد بين حدود حضرموت وبين المنطقة الحدودية الحالية الفاصلة بين المملكة العربية السعودية وبين جمهورية اليمن الشمالية › عند نجران . وأنتفعت معين بسهل متسع يعُذيه بالخصوبة ومياأه الرى نهر خارد وفروعه . واختلفت تقديرات المستشرقين فى تعيين البداية السياسية لدولة معين فيما بين القرن الثالث عشر ق. م. والقرن الحادى عشر ق. م. وبداية القرن السادس ق. م. وبداية القرن الرابع ق. م. ويبدو أن أكثر هذه التقديرات احتمالاً هو بداية القرن السادس ق. م. واتخذت الدولة عاصمتها فى مدينة «قرناوه فى شرق الجوف الجنوبى وبنيت مستطيلة فى مساحة صغيرة نسبياً تبلغ نحو مائة ألف متر مريع »> وسورت بسور ضخم ذى مدخلين تحميهما الأبراج الحجرية › وبقى جزء من البرجين اللذين يحفان بمدخلها الشرقى . وقام إلى جانب العاصمة معبد كبير رددت النصوص المعينية اسمه وهو معبد «رصف؛ ولا زالت بقية من أعمدته ونقوشه وزخارفه قائمة تشهد بكفاية أصحابها وإن تجاوزنا عن وصفه مراعاة للإيجاز واکتفاء بما وصفنا به امثاله فی سبا وقتبان . وتناولت البحوث الأثرية من مواطن العمران الأخرى فى معين مدن : يثل (خرية براقش) › وكمنهو (خربة كمنة) › ونشان (خربة السودا) » ونشق (خربة البيضا) » ورجمة (فى أخدود نجران) ..... وغیرها . تعاقبت على حكم معين خمس أسرات حاكمة لم تحتفظ النصوص الباقية بالقاب حكامها الاوائل › ولكن يرجح ان سلطتهم بدات بنفس الصبغة الدينية التى ظهرت عند جیرانهم . فتلقب کل منهم بلقب «مزود» ربما بمعنى من يزود

عدد الصفحات ٨٣

المعبودات أو المعابد بقرابينها »أومن یزود دولته بخيراتها . واعتمد هذا الترجیح على بقاء هذا اللقب «مزود» ضمن القاب حكام معين المتاخرين حتى بعد أن تلقبوا بألقاب الملوك . وعملت معين على استتمار أراضيها الصالحة للزراعة بإقامة بعض مشروعات الرى الصغيرة للاستفادة من الأمطار والسيول ومياه نهر خارد وفروعه» وذلك مما جعل الرحالة الرومانى بلينى يصف أراضيهم بأنها أرض خصبة تكثر فيها الأشجار والنخيل والأعناب ولهم فيها قطعان كثيرة . غير أن معين اعتمدت فى حياتها الاقتصادية اكثر ما اعتمدت على الاشتراك بنصيب كبير فى تصدير منقجات الجنوب إلى أسواق التجارة الخارجية › ولا سيما منتجات اللادن والكندر والمر التى كانت ترحب بها معابد الهلال الخصيب ودول البحر المتوسط ترحيباً كبيراً » وذلك مما جعل نفس الرحالة بلينى يعقب بقوله «والمعينيون منطقتهم يمر فيها ترانسيت الكندر عبر طريق ضيق . وهم الذين بدأوا التجارة واهم من مارسوها . واتخذ (نوع من ) البخور اسمه من اسمهم وهو البخور المعينى "Minaean"‏ . ويبدو أن مكاسب هذه التجارة التى سبقت عهد بلينى بقرون طويلة هى التى حركت أطماع دولة سبأً منذ عهود المكربين ضد دولة معين وقد مر بنا كيف تكررت الحروب بينهما فى عهود المكربين الأواخر » وكيف اأسرفت جيوش کرب إیل وتر (الثانی) السبأی فی تدمیر مدن معين وتشرید اهلها حتى ما يمتد إلى نجران . وإذا كنا قد تشككنا فى صحة الأعداد الضخمة التى ذكرتها نصوصه عن قتلى المعينيين وأسراهم (راجع الفصل الخامس) . فإن نفس هذه الأعداد تعبر ضمنا عن اتساع عمران معين الفديمة . وعندما استردت معین کیانها بدأت بها عصور الملكية فى أوائل القرن الرابع ق. م . . واعتاد ملوكها على أن يتلقبوا بكنيات شخصية معبرة حاول هومل وغیره تفسیرها » مثل : صدق بمعنى الصادق أو العادل » ويشور بمعنى المستقيم › وريام بمعنى المتعالى ... إلخ . وعلى الرغم من غلبة نظام الحكم الملكى فى معين ظل لمشايخ القبائل وأعيان العاصمة مجلس «مسود» (بنفس الإسم الدى عرف به مثیله فی فتبان ويراجع له الفصل السادس) . وقد وصف بأنه «مسد منعن» أى المجلس المنيع أو شىء من هذا القبيل . وكانوا يجتمعون فيه بدعوة من الملك للبحث فى أمور الضرائب والمنشات العامة والمداولة فى أمور الحرب إن وجدت » والتصديق على

عدد الصفحات ٨٤