س الفصل الرابع وترتب هذا الجدل وذاك على ماسبق أن أشرنا إليه من أن كتبة السبأيين وغيرهم من كتبة الدول الجنوبية لم يسجلوا الأحداث بتاريخ ثابت إلا فى عهود متأخرة » ولم ياتزموا بتسجيل سنوات عهود حكامهم إلا فى عهود متأخرة أيضاً » وفى حالات قليلة . ولم يركوا قوائم ترتب أسماء حكامهم ومدد حكمهم واحداً بعد الآخر . وترتب على هذا كله أنه لم يعد في الإمكان معرفة تتابع حاكمين إلا إذا ذكر نص صريح أن أحدهما أكمل عمل الآخر » أو إذا ورد اسم حاكم وأبيه . بل ِن الاعتماد على هذين الأساسين لايخلو من مخاطرة فى بعض أحواله » فقد يكمل أحدهم عمل جده ولیس عمل أبيه › وقد يحكم بعد عمه ولیس بعد أبيه » وقد تتشابه أسماء الحكام وآبائهم فى فترات متباعدة . كما قد يحكم ابن مع أبيه فى وقت واحد» أو أخ مع أخيه فى أن واحد . وهكذا لم يجد الباحثون بدا من ترتيب اسماء الحكام التى أتت ت الآثار بها ترتيباً اجتهادياً . وتقدير عهودهم تقديراً اصطلاحيا › على اُساس افتراض ما بين ٠١ أو ۲ أو ٠٠ عاما لكل منهم » وعلى أفضل الفروض بالاستعانة بماورد عن بعضهم عن طريق المصادفة فى نصوص خاأرجية مؤرخة عاصرت عهودهم . على أنه مهما يكن من أمر بداية عهود المكريين وعددهم . فإن أهم ماينسب إلى عهودهم هى اثار معابدهم الباقية › وبداية مشروع سد مارب . وعملهم على التوسع الخارجى فى المناطق الجنوبية المجاورة لهم . اتخذ المكريون عاصمتهم الأولى فى مدينة توافرت لها بعض المقومات الضرورية للعواصم السياسية » وهى مدينة صرواح . فقد نشات فى واد خصيب شبه دائرى كفل لها مطالبها الزراعية وبعض مواردها الاقتصادية › وأحاطت بها بعض المرتفعات فكفلت لها الحصانة الطبيعية . وتوسط موقع صرواح بین مدینتی مأرب وصنعاء الشهيرتين » وتقوم على أطلالها الآن كل من قرية القصر وقرية الخريبة » ويظهر على سطح الأرض من عمائرها القديمة أطلال قليلة » بينما بقيت أغلب آثارها تغطيها الأنقاضص حتى الآن . ويبدو أن الصبغة الدينية التى استعان المكربون بها فى تدعيم حكمهم جعلتهم يولون اهتماماً كبيراً لمعابد معبوداتهم . إظهاراً لتقواهم الشخصية . وتأكيداً لصلتهم الروحية بهذه المعبودات . وعملا على كسب ولاء رجال الكهنوت وبعض المدنيين أيضاً عن طريق تخصيص المرتبات العينية لهم من عائدات هذه المعابد. ريسب إلى عهود المكربين البدء فى إقامة أوتوسيع عدة معابد قديمة نتخير منها أربعة جرى الكشف عن ب بعض أجزائها › » وهی : معبد فی صرواح »› وآخر فی صرواح أرحب (أو حجر أرحب) . وثالث فى أوام » ورابع فى المساجد . وكان
عدد الصفحات ٥٢تاريخ شبه الجزيرة العربية س هناك دون شك ما هو أكثر منها لولا أنه لم يكشف عنه بعد . وحين نبحث أمر المعابد فى سبأً أو فى غيرها نبحثها على ثلاثة اس › وهی : ( أ) أن المؤرخ يستمد تاريخ الحضارات القديمة ويستنتجه من كل ما تركه أهلها فى عالم الفكر وعالم المادة . (ب) ما سبق أن ذكرناه من أن الآثار القائمة للأمم القديمة تعتبر من أصدق الدلالات على مدى إمكاناتها الاقتصادية والصناعية والفنية › فضلاً عن دلالتها على معتقدات قومها الدينية . (ح) أن المعابد لاتزال أكثر ما بقى من آثار الأمم القديمة » نتيجة لبناء أغلبها من الأحجار الصلبة › ومحافظة القدماء عليها بالترميم والإضافة جيلاً بعد جيل » نظرأ لما كانوا يفترضونه فيها من الحرمة والقداسة . ومع هذه الأس التى يجب تقديرها فى الدراسات التالية لا بأس من الإكتفاء بالمعالم الرئيسية فى دراسة المعابد وغيرها من الآثار المعمارية والفنية › دون ضرورة للالتزام هنا بالتفاصيل الدقيقة فيها » ولا بأس كذلك من التعقيب على العناصر الدينية فيها بما تختلف به عن العقائد الإسلامية › كلما تطلب الأمر ذلك . أنشىء معبد العاصمة صرواح الكبير لمعبود دولتها الأكبر الذى أطلق عليه اسم ١ إلمقه » ريما بمعنى الإله المقتدر أو الآمر » أو الإله البهى أو الجميل . ودل لفظ ١ إل ؛ أو ١ إيل » عند العرب الجنوبيين وعند شعوب سامية قديمة أخرى فى العراق والشام على معنى الإله . كما استخدم بنفس المعنى فى اللغة العربية الشمالية أيضاً فى مثل أسماء : اسماعيل وجبرائيل وميكائيل واسرائيل .. وهلم جرا. وتأكيدا لقداسة أصلهم تلقب حكام سبأً بلقب ١ ولد إلمقه » أى أبناؤه . رخص السبأيون معبودهم ألأكبر هذا بربوبية القمر واعتبروه « سيد وعول صرواح» بما يعنى تعدد المعبودات فيها إلى جانبه ورئاسته لهم . وقدسوا معه فى معبد العاصمة ربة باسم ٠ حریمت ؛ ریما كزوجة له »وهی ترمز فى أغلب الظن إلى ربوبية الشمس . وهكذا توافرت للقمر عندهم وعند بفية عرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام منزلة أكبر من منزلة الشمس › على عكس شعوب الهلال الخصيب الزراعية » ريما لانتفاع أأهل شبه الجزيرة بالقمر فى مسرى القوافل وتوقيت الشهورء مع شدة هجير الشمس وفسوتها لاسيما فى البيئات الصحراوية . وقد
عدد الصفحات ٥٣س الفصل الراہع _ س تعددت ألقاب هذين المعبودين بتعدد الصفات التى نسبها الناس إليهما واختلاف الأماكن التى عبدوها فيها » وكان شأنهما فى ذلك شأن بقية ما تخيله القدماء من معبودات نعقب على خصائصها كلما أدت مناسبة الحديث إلى ذكرها . وتألفت العناصر المعمارية الظاهرة فى معبد ٠ إلمقه › » فی صرواح من جزئين ضخمين . أحدهما مستطيل واسع › » واللآخر يتصل به ويبدو على هيئة البيضارى الناقص › » وتضمن أحد نصوص المعبد اسم المكرب يدع إيل ذريح (حرفيا : يدع إلى ذرے) وذكر أنه سور معبد ء إلمقه » وقدم ثلاث ذبائح لريته حریمت» . ويميل أصحاب ب التاريخ المختصر إلى توقيت عهد هذا المكرب بنحو ق۰ م. .- ويبدو أنه لم يشيد المعبد كله ولم يضع أُساسه كله » وإنما بدأ بتوسيع معبد صغير قديم لمعبود قومه وعمل على تسويره كما أشار إلى ذلك نصه › وترك لخلفائه أن يزيدوه اتساعا وارتفاعا . ويدعو إلى الأخذ بهذا الرأى أمران » وهما أن بقية نقوش المعبد تضمنت اسماء عدة مكربين وملوك سبايين اخرين › وان مبانى المعبد الحالية التى ترتفع بعض جدرانها الباقية نحو عشرة أمتار تدل على مهارة كبيرة فى فن العمارة لم يكن من السهل على السبأيين أن يبلغوها فى أوائل عهودهم بالاستقرار وإقامة العمائر الضخمة . ولازالت الأجزاء الداخلية من المعبد لم تكتشف كشفاً علمياً منظماً حتى الآن » ويبدو أن جزءاً منه تحول إلى حصن فى العصور الإسلامية وزادت فيه حينذاك بعض المداخل والمخارج › بل ولا زالت تقوم فوق جدرانه بعض المساكن الحالية التى غيرت إلى حد مامن خارطته الأصيلة . وأنشىء معبد «معرب» فى قرية المساجد ببلاد مراد وعلى مبعدة ۲۷ كيلو متر من مأرب الحالية » من أجل « إلمقه » أيضاً . وأتم نفس المكرب يدع إيل ذريح عمارته فى مناسبتين تحدثت عنهما نصوصه › مناسبة قام فيها بتنظيمات اجتماعية » واخرى أحرز فيها انتصارات حربية وذكر عن المناسبة الاولى أنه اس كل الهيئات الخاصة بمعبوده » والخاصلة به شخصياً باعتباره حامى دولته › ثم الخاصة بتحقيق الاتحاد والتحالف بين طوائف شعبه . ومعنى ذلك أن دولقه الناشئة كانت بسبيل إقرار تنظيمات مستقرة تجرى عليها فى شئونها الدينية والدنيوية . وتخليداً لذكرى هذه الإنجازات اقيم الجزء الداخلى من المعبد وتألف من بهو اعمدة بقيت منها ثلائة › ويعقبه إلى الداخل فناء كبير تقوم فى وسطه مقصورة العبادة الرئيسية وتحمل سقفها اربعة أعمدة فى صفين » بينما يتقدم المقصورة صفة ذات أعمدة . ويصل بين أعلى هذه الصفة ويين أعلى المقصورة سقف حجرى منحدر . ولا تزال هذه المجموعة المعمارية للمعبد تحتفظ بروعتها على الرغم مما لحق بها من تهدم .
عدد الصفحات ٥٤اة لحري قدت لى وع رقن رة سان ری دع إيل ذريح بجيشه على منطقة يشقر ومزارعها . ولما كان يعتقد أن هذا التوسع بتأييد إلمقه (وذات حميم وعذتر) عمل على توسيع مساحة المعبد أيضاً اطا بسور مستطیل کبیر بلغت أبعاده ١ ٤ × ۲۷ مترا وتقدمت واجهة هذا السور صفة أخرى فخمة ذات ستة أعمدة مستطيلة المقطع بلغ ارتفاعها بين ٠٠٥ وه أمتار › أقيمت فوق رصيف حجرى ليضمن توازنها . وتألف كل عمود منها من حجر واحد . وأدت هذه الصفة الخارجية إلى المدخل الرئيسى للمعبد الذى حف به مدخلان جانبيان فتوفر له شكل مهيب . واتصل أعلى الصفة بأعلى المدخل بسقف حجرى منحدر . ولا ندرى هل كانت ظاهرة السقف المنحدر التى تكررت مرتين فى عمارة المعبد . ظاهرة عفوية نتيجة لاختلاف الارتفاعات » ام كانت ظاهرة مقصودة لتصريف مياه الأمطار من فوقها بسهولة . وينى المعبد الثالث المكتشف من عهود المكريين فى بلدة صرواح أرحب (أو حجر أرحب) » من أجل عبادة عّتر» الذى اعتبره العرب الجنوبيون ريا لنجم الشعرى وولدا لرب القمر ورية الشمس . وكان شانهم فى هذا التعدد هو شان أغلب أصحاب الديانات الوضعية القديمة › ونعنى بها الديانات التى وضعها البشر ولم تكن مما أوحى به من السماء إلى الرسل والأنبياء . وكانوا يتخيلون لكل ظاهرة طبيعية ربا يختص بها › ويتخيلون لمعبوداتهم حياة تماثلها حياة البشر يتزاوجون فيها وينجبون . ويتالفون فيها ويختصمون . وظل العرب القدماء هكذا حتى ظهر الإسلام فخلصهم من تعدد المعبدوات ووجههم إلى ديانة التوحيد وعبادة رب العالمين دون سواه . وبنى المعبد بتخطيط بسيط ولكنه لا يخلو من خصائص مميزة تمثلت فى تعدد المشكاوات وإدخال عنصر الزخرف على أجزائه المعمارية ولا سيما الأعمدة . فقد أقيم سور المعبد على هيئة مستطيل ينحرف قليلاً عن الجهات الأصلية الأربعة . وقامت فى مؤخرة فنائه الداخلى المقصورة الرئيسية للعبادة » وبنى أمامها حوض مربع متسع » لعله كان يستخدم لماء التطهير . وظهرت عناصر التجديد فى عمارة المعبد فى أنه تصدرت واجهته الخارجية مشكاة عليا تطل على الطريق . وتصدرت جداره الخلقى مشكاة عليا أيضاً تطل على فنائه . كما تصدرت الجدار الداخلى لمقصورة العبادة مشكاة ثالتة كبيرة تطل على المتعبدین فيه . ویبدو أنه کان یوضع فی کل مشکاة من هذه المشكاوات تمثال لصاحب المعبد . ثم تجديد زخرفى اخر › تمثل فى إقامة تسعة أعمدة مثمنة الأضلاع على الجوانب الخارجية لحوض ماء التطهير الكبير › وإقامة تسعة أعمدة أخرى كل عمود منها ذر ١١ ضلعاً داخل مقصورة العبادة الرئيسية .
عدد الصفحات ٥٥س الفصل الرابع وکان لكل عمود منها تاج زخرفى فى أعلاه يضيق من أعلى إلى أأسفل بما يشبه بعض العمائم اليمنية . وقد تهدمت الأعمدة ولم يتبق غير قواعدها وأجزاء من تيجانها . وتكرر اسم المكرب يدع إيل ذريح » الذى أولى اهتماماً خاصاً للمعابد ضمن نصوص معبد ضخم آخر يقع إلى جنوب شرقى مأرب الحالية بنحو أريع كياو مترات » وهو معبد أطلق السبايون عليه اسم بيت اوام ای معبدها على اعتبار انه يعتبر بيتاً مقدساً للمعبود الأكبر فى البلد الذى يعبد فيه » وخصصوه لإلمقه بعل أوام أى سيدها ركائت مطقة أرم هذ ذات صلة بعشيرة مرند لبيأية تى اقب اليها كثير من حكام سباً . وأطلق المسلمون على المعبد تجاوزاً أو خطأً اسم محرم بلقيس تأثراً بما نشرته القصص عن هذه السيدة . ويظهر السور الكبير للمعبد على هيئة بيضاوية تقريباً » ولا يزال داخله لم يكتشف بعضه . بينما اكتشفت بعثة امريكية اثارية أجزاءه القريبة من مدخله فاظهرت بضعة عناصر معمارية رافية بنيت فى أغلب الظن بعد عهود المكربين ولهذا نؤجل الحديث عنها إلى حين نبحث منشآت عصور الملكية فى سباً . ٠ ويكفى هنا مايستنتج من اتساع النشاط المعمارى فى عهود المكربين فى اكثر من مكان › وإذا لم يكن لدينا حتى الان ما نقدمه من صور هذا النشاط غير المعابد . فإن المعابد لم تكن تفقام فى مناطق مقفرة وإنما لابد أنه صحب قيامها نشاط اكبر فى توفير العمران السكانى والاقتصادى بقربها . وإذا كان مكرب واحد مثل يدع إيل ذريح قد أأسعد الحظ ذكراه بأن أبقى على نصوصه فى ثلاثة معابد على أقل تقدير لتكون شاهداً على اهتماماته الدينية والعمرانية والتنظيمية والحربية كما أُسلفنا » فالمرجح أن مکربین آخرین سبقوه وخلفوه کان لهم مٿثل نشاطه . وتحدثت بعض نصوصهم الباقية فعلا عما عملوا على تشييده فى عهودهم من معابد » وإن لم يعثر على آثار معظمها حتى الآن . وأخيراً فقد كان اتجاه النشاط الإنشائى والدينى إلى قرب مدينة مارب مبشرأ بقرب انتقال الأهمية السياسية إليها واستغلال ماحولها » وقد أقيم فيها بالفعل أكبر مشروع بدأه السبأيون فى عهود المكربين وهو : مشروع ننف مارب قامت مأرب عند ملتقى طرق تجارة القوافل القديمة الواردة من بيحان وحضرموت وموانى البحر العربى والبحر الأحمر الجنوبية » فضمنت لنفسها موارد اقتصادية كبيرة من مكوس التجارة . وقامت فى الوقت نفسه عند النهاية الشمالية
عدد الصفحات ٥٦تاريخ شبه الجزيرة العربية س الشرقية لتل يمتد نحو نصف كيلو متر وبعرض يبلغ نحو ٠٠١ مترا كفل لها بعض الحماية الطبيعية . كما أشرفت » وهذا هو الهم › » على وادى أذنة الكبير الذى عمل السبأيون على استغلاله فى الزراعة على نطاق واسع . وغالباً ما كانت الأمطار الغزيرة تسقط على مرتفعات اليمن فى بعض مواسمها السنوية وتجرى على هيئة السيول العنيفة فى عدة وديان ينتهى بعضها إلى فتحة طبيعية كبيرة توسطت بين جانبى جبل بركانى مرتفع سمى جبل البلقء وهو جبل يفصل بين الصحراء وبين مرتفعات اليمن فى منطقة مارب ويسمى جانباه عند هذه الفتحة باسم » جبل البلق الأوسط » وجبل البلق الشمالى . ويبدو أن تسمية ١ البلق » كانت تعنى الحجر كما تعنى الفتحة أيضا › وإن سميت هذه الفتحة الان باسم « الضيقة » . ويتراوح اتساعها فى بعض اجزائها بين ٠٠١ متر وبين ۰ مترا » بمتوسط للاتساع يبلغ ۰ مترا . وكانت السيرل بعد أن تعبر هذه الفتحة تندفع إلى وادى أذنة (أو ذنة) الكبير فتتفرق فيه › ولا تلبث حتى يضيع أغلبها فى الترية بغير فائدة . واستهدف السبأيون (أو السبديون) من إنشاء السد ثلاثة أغراض » وهى أن يقللوا من اندفاع السيول إلى وادی أذنة وما يمكن أن تؤدى إليه من بوار الزرع وتدمير القرى فى مواسم الأمطار العنيفة . وان يحولوا دون ضياع أغلب میاه السيول فى جوف الأرض حين تتجاوزه . وأن يرفعوا مستوى مياه الرى عدة آمتار تسمح لها بأن تصل إلى المدرجات المرتفعة القابلة للزرعة على جانبى الوادى »› ثم توزيسها عن طريق فتحات جانبية يسهل التحكم فيها . رهكذا ييل المهندي ريتشارد بوين من دراساته لمشروعات السدود الجنوبية إلى تعديل الفكرة القديمة عن الغرض من السد وهى فكرة تخزين المياه خلفه فى بحيرة صناعية كبيرة أو نحوها وذلك لوجوده فى بيكة يمكن أن تتشرب أرضها المياه بسهولة . وطبق بوين هذه الفكرة > والعهدة عليه فيها بحكم تخصصه » على سدود بيحان وغيرها من المناطق الجنوبية الاخرى . وكرر أن العرب الجنوبيين لم يعملوا قط على خزن المياه وراءالسدود ولكذهم ٻنوها لكسر حدة السيول وتوزيعها على أكبر مساحة ممكنة . كما أشار إلى أن سدود الجنوب بئيت فى وديان جافة وليست عبر أنهار » مع عدم توافر الخبرة لبنائها تحٽ الماء . وأقدم من سجل اسمه من حکام سباً على صخور سد مأرب مكرب يدعی سمهو عالى ينوف (حرفيا : سمه على ينف) . وهو مکرب یرد فلبی عهده إلى منتصف القرن السابع ق. م . » ویرده ألبرايت ت إلى القرن الخامس ق. ۰م ۰ ویرده ألبرايت إلى القرن الخامس ق. م. (ويعتقد فيسمان بوجود مكربين اثنين حملا نفس
عدد الصفحات ٥٧س الفصل الرابم الاسم وحكما فى هذين التاريخين) . وتخير المسلولون عن بناء السد منطقة تلى فم وادى أذنة وبمعنى آخر تلى مدخل فتحة جبل البلق نظراً لتحديدها النسبى . وإمكان التحكم فيها › وسهولة الاعتماد على جوانبها الحجرية البركانية الصلدة . [ وبدأوا بتشیید جسر ضخم من الرديم تختلف الآراء فى تحديد امتداده الاصلي » وكسوا واجهته بالاحجار فى مواجهة تيار الماء »ثم أعید بناؤه کله بعد ذلك بأحجار جيدة فى عهود تالية . وامتد هذا الجسر فى الجانب الأيمن من اتساع الفتحة › وجعلوا له بوابة متسعة اعتمد أحد كتفيها عليه » أى على الجسر أو الجدار من ناحية » واعتمد كتفها الآخر على الجبل نفسه من ناحية أخرى . ووجه المشرفون على المشروع المياه بعد هذه البوابة إلى مجرى واسع ينتهى إلى حورض ضخم حددوا جوانبه بالحجر للحيلولة دون سرعة تهدمها أو تسرب المياه منها . وتركوا فى نهاية الجانب الايمن منه فتحات مناسبة يسهل التحكم فيها لتصريف المقادير الضروية من المياه لرى الجانب الأيمن من وادى أذنة عن طريق ترع تختلف أطوالها واتساعاتها واتجاهاتهاٍ . وأطلقت النلصوص القديمة على مشروع عهد سمهو عالى ينوف اسم رحب » أو رحاب » أو رحابوم » كما يقترح بعض اللغوين قراءته > وهو اسم قد يعنى السد بمعناه الواسع . بينما أطلق اليمنيون المسلمون على بوابته اسم مربط الدم (أى مربط القط تأثرا بأسطورة عربية قديمة مستحيلة التصديق) . وعدل مشروع السد وأكمل فى عهد المكرب ١ يثع أمر بين ؛ ابن حفيد سمهو عالی ینوف (الذی تسمی بمثل اسمه ) مئذ حولی ٠٤٠١ ق. م. وعمل رجاله على توفير مياه الرى للناحية اليسرى من وادى اذنة كما توفرت للناحية اليمنى منه من قبل . فمدوا الجسر أو جدار السد فى عرض فتحة الجبل حتى نهايتها ناحية اليسار » وأطلقوا على مشروعهم الجدید اسم (وادی) حبابض وترکوا فی نهايته بوابة ضخمة أخرى ذات فتحتين - وأجروا خلفها مثل ما تم خلف بوابة الجانب الأيمن » فمدوا وراءها مجرى طويلا دعمت جوانبه بالحجر » وانتهى إلى حوض واسع ذى فتحات تؤدى إلى عدة ترع للمياه تتوزع فى الناحية اليسرى المتسعة من واأدى ذنة. هذه صورة عامة لفكرة سد مأرب وبداية أجزائه - أما أبعاده الحالية فيفهم من وصف من اهتموا بدراسة مقاساته التفصيلية أن الارتفاع الحالى للجزء الباقى من جدار السد يبلغ ١١ مترا » ویبلغ امتداده العرضى ٠١,٤١ من الامتار . ويبلغ عرض البوابة اليمنى ٠,٠١ من الامتار . ويبلغ عرض البوابة اليمنى ٤٠,٥١ من الأمتار » وامتداد ضلع الحوض الواقع خلفها ۷۸.۸١ من الأمتار .
عدد الصفحات ٥٨تاريخ شبه الجزيرة العربية سے أما فى الناحية اليسرى وهى الأكبر فيمتد المجرى المائى الأساسى فيها نحو 11۰ مترا » وتتفرع من الحوض الذى ينتهى إليه ٠١ ترعة يبلغ عرض الوأحدة منه نحو ثلاثة أمتار . وقد فتحت فى أعلى الجانب الأيسر لسد حبابض أريع فتحات تساعد على تصريف المياه الزائدة عن المنسوب المطلوب » وتؤدى إلى تخفيف ضغط المياه على جدار السد نفسه . وقد اتبعت فكرة الأهوسة فى الفتحات أو البوابات خلال مراحل التقدم المعمارى التالية . فشق فى الكتفين الجانبيين لكل بوابة تجويفان رأسيان يمتدان بارتفاعها لتنزلق فيهما كتل الأخشاب الصلبة حين يراد قفل البوابة وترفع فيهما إلى أعلى حين فتحها . ولاتقل طرق البناء المتمثلة من أحجار ضخمة قطعت من جبل البلق وڈ ثبتت فى مداميكها بمونة صلبة . وريط أحياناً بین بعض أحجارها وبعض آخر فی مدامیکها بمونة صلبة . وريط أحياناً بين بعض أحجارها وبعض آخر بقضبان من النحاس المنصهر والرصاص المنصهر رغبة فى زيادة ترابطها ونماسكها . (وقد يقارن لهذا استخدام ذى القرنين لمصهور الحديد والنحاس فى بناء سد دفاعى كبير- انظر سورة الكهف اية )1١ . والمرجح أن جانبی وادى أذنة اللذين أنتفعا بمشروع سد مأرب هما اللذان عناهما القرآن الكريم بقوله : (لقد كان لسباً فى مسكنهم آية » جنتان عن يمين وشمال › کلوا من رزق ربكم واشكروا له › بلدة طيبة ورب غفور ..) . ولاتزال آثار القرى التى انتفعت بالمجرى الأيمن لسد مارب تدل على عمرانها القديم وإن تخربت الآن إلى حد كبير » ومنها مدينة النحاس وخرابة مروث ومحرم بلقیس والعمايد . وكانت مأرب أكثر انتفاعا بالمجرى الأيسر › وقد أطلقت النصوص على منطقته اسم سرن . والواقع أن روعة وضخامة سد مأرب بأجزائه كما سبق وصفها تدعوان إلى الشك فيما إذا كان قد بدأ هكذا منذ عهد منشله سمهو عالى ينوف وعهد حفيده البعيد يثع أمر بين » أم أن شقى المشروع بدءا متواضعين فى عهديهما ثم زاد اتساعهما وارتفاعهما وتقويتهما فى عهود من تبعوهما من المكربى والملوك » ولعل هذا الرأى الأخير هو الأرجح . فقد أصلحت جدران السد أكثر من مرة بعد أن تعرضت للتهدم نتيجة لتراكم الإرساب خلفها حينا » وبتأثير عامل الزمن فى مبانيها حينا » وشدة السيول حينا آخر . وسجل عدد من الحكام السبأيين أخبار مرات الإصلاح التى تمت فى عهودهم . وكان من ذلك على سبیل المثال أن أعيد بناء الھویس الشمالى فى عهد الملكين ذمر عالى يهابر وتأران بعد القرن الميلادى الاول . واتخذت الفتحات الشمالية للسد صورتها النهائية فى عهد الملك
عدد الصفحات ٥٩س الفصل الرابع شمریهرعش فی حوالی عام ۳۲٢ م . ثم جدد المبنى كله أو دعم فى عهد الملك شرحبيل يعفور فى عام ٤٤۹ م . كما أعيد إصلاح صدع فيه فى العام التالى اى. عام ٤0٩ م . وتمت آخر إصلاحات السد فى عهد أبرهة ملك سباً حوالى عام ٥٤١ م وبذلت فيه حيئذاك جهود ضخمة » بحيث ذكرت نصوص أبرهة أن رجاله قضوا فى ترميم السد أحد عشر شهرا » واستهلكوا ٥٠۸٠١ غرارة من الدقيق » و ۲٠٠٠٠ حمل من التمر» و ٠٠٠۰ بعير وثور » و ۲٠۷٠٠١ رأس من الغنم » وعلى الرغم من قيام ثورة ضده حينذاك فى منطقة مارب وتفشى الوباء فيها » إلا أنه اقام حفلا كبيرا بمناسبة انتهاء العمل فى إصلاح السد . حضره وفد من الحبشة › ووفد من فارس » ووفد من بيزنطة . ووفدان من الحيرة وغسان . وعلى أية حال فقد استطاع السبأيون على امتداد عصور اهتمامهم بسد مأرب أن يتموا مشروعاً كبيراً حق لهم أن يفخروا به بين المشاريع المائية الأخرى فى العالم القديم . وهی مشاریع کان من أقدم ما يمن ترجيحه منها حتى الآن مشروع سد اللاهون فى مصر الذى شيد فى أوائل القرن الثامن عشرق. م. لتوجيه جانب من فيضانات النيل إلى منخفض الفيوم لرفع مستوى الماء فيه حتى تنتفع به أكبز مساحة ممكنة من أراضى المدرجات الخصبة التى تحيط به .م الانتفاع ببعض مياه لرى الأراضى القريبة منها فى غير أوقات الفيضان . وربما سبق مشروع هذا السد سد آخر فى منطقة الجيزة بمصر أيضا أقيم حوالى القرن السادس والعشرين ق. . م. ولكن استخدامه لم يعمر . وظل سد مأرب يؤدى أغراضه حتى نهاية عهد أبرهة فى عام ۷١ م أى بعد غهد بداية إنشائه بأكثر من أحد عشر قرنا . ثم انهار أُغلبه عام ٥۷١ م بما وصفه القرآن الكريم ووصف نتائجه فى قوله : (فأعرضوا فأرسلتا عليهم سيل العرم وبندلتاهم بجنتهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل . ذلك جزیناهم بما کفروا وهل نجازی إلا الكفور . وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فیها قری ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما آمنين . فقالوا ربنا باعد بين أأسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن فى ذلك لایات اکل صبار شکور ) - سورة سباً الآیات ٠١ - ۱۸ : وأقام السبأيون سدودا أخرى محلية فى عهود متفرقة فى المناطق التى تصلها مياه السيول بعيدا عن منطقة مأرب . ومنها سد يعرف باسم مبنى الحشرج لتنظيم مياه وادى السيلة › ويتكون من د ثلاثة جدران ضخمة يقال إن كلا منها يمتد ما بين ۱۸١ - ٠١١ مترا » وتوجد فتحات كثيرة طويلة بينها » وعثر جلاسر على
عدد الصفحات ٦٠تاريخ شبه الجزيرة المربية س عشرة نقوش على صخورها . ولم تغن السدود السبأيين عن دعوات الاستسقاء وطلب رحمة السماء من حين إلى حين . وتخلف من نصوصهم القديمة التى وجههوها إلى معبوده عثتر ذبیان › وقال فی نهایته : وسقی خرف ودٹا سبا وجوم شبعم ؛ ؛ آی وسقی (الرب) خريفا وربيعا سباً وجوما (سقاية) مشبعة واختلف اللغويون فى تفسير كلمة اجوم ٠ فى هذا النص › » ففسرها بعضهم بمعنى الشعب أو بمعنى الحلف » وفسرها بعض آخر بمعنى النهر أو معنى السهل › وفسرها بعض ثالث بأنها تعنى الأراضى المنخفضة من تهامة اليمن . K ¥ oF of ik التوسع الحربى : غالباً ما تترتب على المشروعات الداخلية الكبيرة فى الدول الفتية الناشئة مطالب ونتائج متنوعة يعبر الحكام عنها ويتولون رسم سياستها باسم شعبهم . فهى ِ من نأحية تستدعى توفير الامن لتنفيذها › وتستدعى العمل على تغطية نفقاتها سواء من موارد داجلية أو خارجية › كما تستدعى فى الوقت نفسه العمل على حمايتها من الأأخطار المتوقعة الداخلية منها أو الخارجية أيضاً . فإذا تم تنفيذ هذه المشروعات وآتت ثمارها وزاد الدخل القومى منها غالباً مايرتفع شأن أصحابها فى نظر أنفسهم ونظر شعبهم »وهنا إما أن تشجعهم شهرتهم على أن يستزيدوا من الرفاهة لأنفسهم ويخلدوا إلى النعيم . وإما أن تشجعهم على أن يستزیدوا من قوتهم العسكرية والسياسية ليزيدوا لأنفسهم عن طريقها ما يعتقدون ن أنهم يستحقونه من المجد والشهرة . ومرت دولة سباً بأمثال هذه الملابسات والظروف حين مهدت لمشروعات الری الكبرى فيها وحين أتمتها فقبيل البدء فى مشروع سد مأرب عملت دولة سبأً على الاستزادة من موارد اقتصادية جديذة ولو على حساب جيرانها »كما أخذت تؤمن نفسها منهم . وکان أقرب هؤلاء الجيزان إليها : دولة معين فى شمالها ودولة أوسان فى جنوبها الغربى,ٍ . وکانت الأولى تنافسها فیما ثأتی به تجارة لبر . وكانت الثانية تنافسها فيما تأتي به تجارة البحر » وبدأت دولة سباً منذ عهد المكرب يدع إيل بيين الذى يؤزخ أصحاب التازيخ المختصر عهده ببداية القرن السادس ق .م . تقص أطراف دولة معين القريبة منها . ويفهم من نصوصه أنه عمل على تسویر مدن الحدود وتقوية أبراجها ليتخذها جيشه مراكز دفاعية و هجومية فى الوقت المناسب . ويحتمل من نفس النضوص أن مدنا حدودية معينية
عدد الصفحات ٦١س الفصل الرابع الأصل دخلت فعلا فى حوزة دولته مثل د نشق ودابر (فى جنوب منطقة الجوف ) . تم أعاد رجاله تحصینھا لنفس الأغراض الدفاعية والهجومية السابقة . وجرى خلفاء هذا المكرب على سياسته وعملوا على توسيع المدن الحدودية ومنها المدن المعينية التى دخلت فى طاعة دولتهم . وأسكنوا فيها جماعات من السبأيين لينتفعوا بها . ويكونوا رقباء على أهلها . وسندا لدولتهم فيها . وكان من ذلك أن زيد اتساع مدينة نشق ٠٠ شوحطا فى عهد المكرب كرب إيل بيين (فى حوالى عام ٠٦١ ق . م .) - ثم زاد اتساعها مرة أخرى وأصلح ما حولها وأوقفت على مصلحة السبأيين فى عهد ولده ذمر عالی وتر (مئذ حوالی عام قم ). وانتفعت الدولة بحالة الأمن والرخاء التى وفر تها هذه الإنجازات وأمثالها فمضت فى تنفيذ مشروع سد مأرب الكبير . وما أن تم تنفيذ مراحله فى عهد يثع أمر بيين حتى التفقت إلى توسيع الحدود وإرهاب الجيران مرة أخرى . فقد واصل هذا المكرب العمل على تسوير المدن وتجذيد الحصون وروت نصروص عهده أنه هاجم (والأصح أن جيشه هاجم) مدن معين حتى منطقة نجران . ودمر بعضها وأحرق فراها وقتل منها الألوف وسبی الألوف . وروت نض النصوص أنه (أو جيشه) اندار على دولة قتبان التى تجاور دولته من الجنوب وأنزل بمدنها دمارا مماثلا . ويلاحظ هنا اننا وإن سلمنا باتجاه النشاط الحربى لدولة سبا إلى هذه الاتجاهات إلا أننا حرصنا على أن نقول وروت نصوص الملك السبأى كذا أو ادعت كذا للاشارة إلى أننا غير ملزمين بالضرورة بأن نسلم بحرفية ما ورد فيها عن لوف القتلى وألوف الأسرى وتوالى,ٍ الانتصارات دائما لصالح أصحابها . ذلك أن المبالغات فى تقارير الحروب أمر مألوف فى العصور القديمة بل والعصور الحديثة أيضا . وهو ما سنضعه دائما فى الحسبان فى مناسبات أخرى تالية . وبعد جيلين أن نحوهما نشطت سبأ إلى حرب توسعية أخرى فى عهد أخر مكر بيها كرب إيل وتر (الثانى) . وكان داهية فى الحرب والسياسة . ويفهم من نصوص عهده أنه هادن دولة قتبان ودولة حضرموت ليتفرغ لحربه مع دولة معين . وضمن حيادهما مرة آخری لیحمی ظهره فی حربه مم دولة أو سان . وبداً فاتجه بأطماعه إلى دولة معين ليستغل ما أنزلته الجيوش السبأية من قبل فى نفوس أهل مدنها من الرعب وما صاروا إليه على أيامه من تفرق الكلمة وما لجا إليه بعض أمرائهم من إعلان استقلالهم الذاتى عن جسم دولتهم » وهاجمها ببعض جيوشه . وعندما اتجه إلى دولة أوسان استمال إليه بعض حلفائها وأتباعها ليضعفها ويحرمها من معونتهم . ثم انحط عليها بقواته . وهكذا أخذت الجيوش السبأية
عدد الصفحات ٦٢تاريخ شبه الجزيرة العربية س تضرب هنا وهناك وتخرب وتحرق المدن والقرى بضراوة ثم اتجهت شمالاً لتكمل سيطرتها على منطقة الجوف ومنطقة نجزان . وهنا ادعت نصوص كرب إيل وتر سيطرته على الالوف من الاسرى وقضاءه على الالوف من الجنود مما سنعود إلى ذكره حين نعالج تاريخ كل من الدولتين معين وأوسان فى تفصيل . وتکفی الإشارة هنا إلى ماعقبت به نصوص ذلك المكرب المنتصر من أنه أعاد توزيع الأقاليم التي خضعت له . فأحتجز بعضها لنفسه . وخصص بعصضها لمعبوده الأكبر إلمقه» . وأقطع بعضها للقبائل الموالية له ولاسیما قبیاته التی كانت تسمى فيشان أو بیشان › كما تنازل عن بعضها لدولتى قتبان وحضرموت مكافاة لهما على على حدودهما . وعندما اطمآن كرب إيل وتر إلى سلامة مركزه شجعته انتصاراته على أن يصيغ حكمه بالصيغة المدنية علانية إلى جانب قداسته الروحية . فأعلن نفسه ملا » وادعی فی نصوصه أن ريه إإمقه هوالذى تخيره ملكا أو صيره ملكا ويد الكبير هذا قد آل مصیره إلى الف الم انة فر بداية العصر الحاضر بعد أن أطل وجه الحجر الذى نقش عليه على حظيرة الماشية وأطل وجهه الآخر على طريق السابلة ليعبث الصغار فيه ماشاءت لهم رغبة العبث . وكما كان كرب إيل وتر خاتمة لعهود المكربين أصبح بداية لعهود جديدة فی تاریخ دولته وهی عهود الملكية السبأية التى يبدؤها أصحاب التاريخ المختصر بحوالی عام ١١ ٤ق. م . (بينما كان أصحاب التاريخ المطول يبدأونها بحوالى عام قم( . وقبل أن ندع عهود الكربين نود الإشارة إلى نظرية جديدة خرج بها الباحث A.6. ound" منذ عام ۱۹١١ › ولم ت تستقر صحتها تماما حتى الان . ومفادها أن السبأيين وإن لم يؤرخوا نصوصهم بسنوات حكم المكربين ولم يدرجوا أسماء أولئك المكربين فى قوائم متصلة . مما أدى إلى الاختلاف الواسع فى تاريخ عهودهم كما أسلفنا من قبل » إلا أن التنظيمات السبأية جعلت إلى جاتب المكرب موظفاً كبيراً بلقب «رشو؛ ريما بمعنى الكاهن النائب » ليؤرخ الناس بأسمه فى فترة نیابته التی تسمی «رشوة؛ او رشاوة » وكان يلى الكهانة لمعبود قومه «عثتر؛ بالورائة ولدا عن والد فى أكبر عشيرة فى الدولة بعد عشيرة الملك (وهى عشيرة حزفر من قبيلة خليل) - ويشرف إلى جانب كهانته على مشروعات الرى
عدد الصفحات ٦٣س الفصل الرابع والزراعة بخاصة . وريما لم تكن لنيابته فترة محدودة فى عهود المكربين ولكنها اصبحت محددة بست أو سبع سنوات فى عهود الملكية كما سنعود إلى ذلك فيما بعد» وقد يحمل مع لقبه الخاص لقب «مودء أى صديق إشارة إلى الصلة أو المودة بینه وبين مکرب دولته . Xk XK ik ok ¥ من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : أحمد فخری : دراسات فى تاريخ الشرق القديم - القاهرة ۱۹۱۳ › ص۹١٠ 1A0 . جواد على : المفصل فی تاریخ العرب قبل الإسلام - بیروت ۱۹٦۸ - ج۲ مادة سبأً » نيلسن » وهومل » ورودو كاناكيس » وجروهمان : المرجع السابق - ص ۷° ۸۷ ۲۹۲-۲۸۹ . Bowen, R. Jr., Albright, W. F. and Others, Archacological Discoveries in South Arabia, J, Baltimore, 1958, 70°75. Philby, H.J.B., The Background of Islam, Alexandria, 1947,32-41. phillips, W., Qataban and Sheba, New York 1955. Shahid, I. Pre-Islamic Arabia. C H I, Cambridge. 1970.
عدد الصفحات ٦٤الفصل الخامس دولهة فتىبان أ التكوين السياسي : قامت دولة قتبان (ق ت ب ن) إلى الجنوب من دولة سباً وتضمنت وادى بیحان ووادی حریب وما يشغل جزءاً من اليمن وجزءاً من عدن الحاليين . وعاصر كيانها السياسى فى بعض عهوده بقية الدول العربية الجنوبية » سبا وحضرموت ومعین وأوسان . وتراوحت آراء الباحثين فى تعيين بداية هذا الكيان القتبانى السياسى بما بين منتصف القرن التاسع ق. م. وبين القرن السايع ق. م. ولكن الوجود الاجتماعى والنشاط الاقتصادى لجماعات القتبانيین قد رجحنا (فى ص۲۷ - ۳۹) إرجاعه إلى ما قبل ذلك بعدة قرون »› حينما دللنا على قيام التبادل التجارى بين الجنبتين القتبانيين وبين مصر القديمة فى عهد الملك تحوتمس الثالث خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد . ووجد هذا الدليل المصرى القديم أدلة أخرى تقاربه فى نتائج ابحاث بعثة أثرية أمريكية حديثا فى قتبان . فقد عثر الباحثان البرت جام وفرانك البرایت ٣٤ ع !اط۸ .۴ .۴ A۸. Jame and علی مخریشات قتبانية (أى نصوص قصيرة غير متقنة) فى هجر بن حميد ووادى فرع اتجهت بعض سطورها من اليسار إلى اليمين مما يعنى فى رايهما قدم عهدها › كما تعرفا فيها على اشكال حروف هجائية ارجعا اسلوب كتابتها إلى حوالى الفرن العاشر ق م واعتبارها من حيث الشكل بقية من مرحلة التحول من الخط الكنعانى القديم الذى يحتمل أن نقله بعض العرب عن جنوب الشام إلى خط اخر تميزت به اللصوص الجنوبية وهو الخط المسند . وأضاف جام عن بدائية أشكال هذه الحروف أن رسمها لم يلتزم باتجاه ثابت ؛ فبعضها يميل يميناً وبعضها يميل يساراً » ويعضها مقلوب وبعضها رسم على جانبه »وان تعدد الاتجاهات فى رسم الحروف من مظاهر المرحلة الأولية فى الأبجدية الكنعانية فى الشام حتى القرن الثانى عشرق. م٠ . وزکی فان ڊ بيك وآخرون هذا الوجود الفتبانى القديم من ناحية أخرى بدراسة تتابع الفخارفى مستويات العمران فى هجر بن حميد » حيث أرجعوا أنواع الفخار
عدد الصفحات ٦٥الفصل الخامس فى أقدم مستویات هذه البلدة إلى مایدور حول القرن الحادى عشر والقرن العاشر ق م . وزاد وندل فيلييس على هذا فافترض من ملاحظة مستويات أطلال المبانى فى المدن القتبانية احتمال بناء بعضها فى أواسط الألف الثانى ق م. ومع هذا القدم النسبى للكيان القتبانى - ونعنى بالنسبية هنا ما يتعلق بالجنوب العربى » وهو أأحدث بطبيعة الحال فى تكويناته السياسية كثيرآً عن دول الهلال الخصيب الكبيرة القديمة - فقد لاحظ بعض اللغويين ن اللهجة القتبانية وإن بدت أقرب إلى لهجات حضرموت ومعين منها إلى اللهجة السبأية » إلا أن أسلوب الكقابة القتبانية الرسمية وأسلوب تركيب أسماء وألقاب الحكام الكبار فيها ظلا اقرب إلى أمثالهما فى دولة سبا . ومن التفسيرات المحتملة . لهاتين الظاهرتين أن أقواما من الحضارمة والمعينيين كانوا يشاركون القتبانيين أصلهم القبلى . أو كانوا يشاركونهم أرضهم فى عصور قديمة . ولكن هذه الأرض خضعت فى فترة ما لنفوذ سبأی سیاسی وانتقل إليها ماکان شائعا فى سباً من اسلو ب الكتابة الرسمية وطريقة تركيب أسماء (أو ألقاب) الحكام وإذا صح الشطر الأول من هذا التفسير كان فيه مايزكى ما سبقت الإشارة إليه من أن الجماعات العربية القديمة فى الجنوب وفى الشمال كذلك ظلت لفترات قديمة طويلة لاتلتزم بحدود إقليمية أو قومية قاطعة فيما بينها . من قبل أن تقوم فيها الدول السياسية وأاضحة المعالم والحدود . وبداً الحكم فى دولة قتبان بنفس الصبغة الثيوقراطية أو الدينية التى بدأ بها فى بقية الدول العربية الجنوبية . فتلقب أوائل حكامها الكبار منذ القرن السابع ق-م. (فى عرف أصحاب التاريخ امختصر) بلقب «مكرب. وهو لقب تناولتا مدلولات مثيله من قبل فى سياق الحديث عن حكام سبا . ومئذ نهاية القرن الخامس ق.م. . أو بداية القرن الرابع ق. م . في ما يرى ألبرايت غلب الحكام القتبانيون الصبغة المدنية والسياسية فى حكمهم ود قبوا بألقاب الملوك وليس من المستبعد أن ذلك التحول قد ارتبط فى حينه بنصر سياسى أو حريى رفع من شأن الحاكم القتبانى فى نظر نفسه ونظر شعبه وجعله يعتبر نفسه لايقل مكانة عن ملوك سبا الذين سبقوا فى التحول إلى نظام الملكية › لاسيما بعد أن خد الضغط الذى فرضته هذه الدولة على جيرانها فى عهد ملكها الداهية كرب إيل وتر . ويبدو أن قتبان قد استفادت من وضع كانت قد سمحت لها به دولة سباً المعتزة بقوتها . ثم استغلته هى لمصلحتها . فقد مر بنا أن كرب إيل وتر منشىء نظام الملكية فى سب أقطع قتبان بعض الأراضى التى استولت جيوشه عليها من دولة أوسان مكافأةَ لها على التزامها بموقف الحياد خلال حروبه › وهو مطمئن إلى لے
عدد الصفحات ٦٦- تاريخ شبه الجزيرة العربية س بقائها موالية له . وكانت هذه الأراضى الأوسائية الأصل تطل على ساحل البحر الأحمر وتنتفع من موارده التجارية › ولهذا عملت قتبان على تدعيم سلطانها عليها وتوسيع رقعتها لمصلحتها . ومع منطقية هذين السببين السياسى منهما والتوسعى للتحول إلى الملكية فى قتبان » لابأس من تقدير عوامل أخرى داخلية غالباً ما تتماثل نتائجها فى نظم الحكم الثيوقراطية الأصل . ذلك أن تجارب التاريخ أوضحت أن الصبغة الثيوقراطية فى الحكم أُشبه بسلاح ذی حدین . فهى وإن ضمنت القداسة للحاكم الأعلى وكفلت له الولاء لروحى من شعبه . إلا أنها كانت تخلق أمامه على مر الزمن منافسين من كبار رجال الكهنوت الذين يشاركونه السلطة باسم الدين › وحينذاك يرى من مصلحته أن يرتفع عن مستوى رياسة الكهنوت إلى مستوى الملكية ذات السلطات الشاملة . وعلى أية حال . فإن التحول نحو الملكية فى قتبان لم يمنع بعض ملوكها من العودة إلى التلقب بلقب المكرب بين حين واخر تاكيدا لصفتهم الدينية ولاسيما فى أوقات الأزمات (وقد تلقب به الملك يدع أب ذبيان فى القرن الثانى ق. م. . وكذا الملك شهر يجل يهرجب) › ولم يفلل من استمساكهم بالألقاب التى أكدت صلتهم المباشرة بمعبوداتهم والتى كان منها ما يعتبر الملك ولد (المعبود) عم › والابن البكر (لكل من ) أنباى وحوكم . واستمر الحكم الأعلى وراثيا فى الأسر المالكة فى قتبان يتولى العرش فيه الابن بعد ابيه » أو الاخ بعد أخيه إن لم يكن له ولد يخلفه . وريما اشترك ولى العهد مع الملك الحاكم بعد أن تتقدم به السن كى يأخذ عنه خبرته ويمارسها بصورة عملية » ويؤيد حقه الورائى عن طريق هذا الاشتراك ويضمن عدم مذافسة إخوته له فيه بعد موت أبيه » وحينذاك تصدر المراسيم باسمى الحاكمين الشريكين معا . ولم يكن الوطن القتبانى أقل منزلة عند أهله من مقدساتهم الدينية › فإلى جانب القسم الرسمى بأسماء المعبودات لاسيما عم وأنباى » وباسم الملك الحاكم › كان يقسم كذلك باسم قتبان . وفى ظل الملكية قام فى قتبان مجلس للأعيان من شيوخ القبائل وكبار الموظفين أطلق عليه اسم (م س د) أو «مسوده » ووجد له شبيه بنفس الاسم فى دولة معين › ولاندرى أيهما سبق الآخر . وجرت العادة على أن يجتمع هذا المجلس فى العاصمة «تمنع؛ بدعوة من الملك » ريما لمرتين على الأقل فى كل عام» للنظر فيما يعرض عليه من شئون الضرائب والمنشات العامة › وللمداولة فى أمور لحرب والسلم . وإصدار العفو الكلى أو العفو الجزئى فى القضايا الكبيرة .
عدد الصفحات ٦٧