المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة PDF

عبد العزيز صالح

صفحة ٣ من ١٣

الفصل الثانى واستخدام الأنباط أربع وسائل فى ربط الحروف ببعضها › و ( أ) سند الحرف على ساق الحرف الذى يليه . (ب) ربط الحرف بذيل الحرف الذى يليه . (د) ربط حروف الكلمة من أسفلها برباط واحد . وشابه الأنباط فى محاولات الربط بين الحروف › كتبة دولة تدمر فى القرن الثالث الميلادى على أقل تقدير . أما خطوة الفصل بين كل كلمة وأخرى » فاستخدم كتبة الأنباط لها أربع وسائل أيضاً لازلنا نستعمل بعضها حتى الآن › وهى : ( أ) التفرقة بين شكل الحرف إذا أتى فى أول الكلمة وبين شكله إذا أتى فى وسطها او فی نهايتها . (ب) إطالة ذيل الحرف النهائى للكلمة . (ح) الفصل بين كل كلمة والكلمة التى تليها بفراغ قليل » ولو أن هذه الوسيلة كانت قليلة الاتباع . (د) إضافة حروف أجنبية استعاروها من نصوص جيرانهم » إلى نهاية الكلمة (مثل الألف النهائية والتاء النهائية) . ولو أنهم مالبثوا حتى استغنوا عن بعضها بعد ان تعودوا على بقية وسائل الفصل الآخرى . وظلت تنقص الكتابة النبطية خطوات أخرى لم يستكملها العرب إلا فى صدر الإسلام » وهی : عدم تذ تنقيط الحروف المتقاربة مما أدى إلى تشابه كتابة التاء مع الثاء › والدال مع الذال والصاد مع الضاد . . . الخ . - وعدم كتابة حروف الحركة أو حروف المد فى داخل الكلمة (مقل كتابة ملك عوضا عن مالك) . - وعدم تشكيل الحروف أو الكلمات . - وكتابة تاء التأنيث الأخيرة تاء مفتوحة على الرغم من نطقها هاء » مثل ثت عوضا عن حارئة . وكليبت عوضا عن كليبة . . .الخ . ولكن فى مقابل هذا تضمنت اللغة النبطية بعض القواعد التى عرفتها اللغة Ka

عدد الصفحات ٣٤

قاريخ شبه الجزيرة العربية س العربية » مثل إضافة ال التعريف » واستخدام الفاء والواو للترتيب » والاستثناء بكلمة غير » واستخدام الماضى گی الدعاء ۔ ويعد أن ورث العرب الشماليون خط الأنباط واستخدموه » أضافوا إليه بضعة تجديدات قبيل ظهور الإسلام وفى أوائله . ومن هذه التجديدات ري بط يعض الحروف من رأسها لتصبح تحت تحت مستوى السطر مثل الراء والتون فى لفظ الرحمن وزادوا فى تحوير أشكال بعض الحروف إلى صور قريبة مما نستخدمه لها الآن مثل شكل الهاء فى بداية الكلمة ووسطها ونهايتها » وشكل الياء قى أول الكلمة وقى ها . . .الخ . وكما استفاد الكتبة العرب من أسلوب الخط النبطى أثروا فى زيادة صيبغ النصوص النبطية بلهجتهم العربية على حساب اللهجة الارامية منذ القر القالٹث والقرن الرابع الميلاديين (كما يتضح فى نقش النمارة ونقوش سيتاء ) › تم جطوها عربية خالصة فى القرنين الخامس والسادس الميلاديين (كما يتضح من نقش زيد ونقش حران) ۔ واختلف المؤرخون المسلمون القدماء فى تحديد المتطقة التى تطور الخط النبطى فيها إلى صورته العربية التى عرف بها قبيل ظهور الإسلام . واتجه أغليهم إلى نسبة هذا التطوير إلى الحيرة » وقالوا فيما قالوه إن أهل الحيرة أخذوه عن الأنبار وإن الأنبار أخذوه عن اليمن › وإن ثلاثة من قبيلة بولان فى الأنيار اجتمعوا فوضعوا الحروف المقطعة والموصولة » والمتقوطة وغير المنقوطة . ویبدو أنه ساعدهم على القول يهذا الرأى ما تواتر إليهم عن رقى حضارة هل الحيرة فى عهود المناترة» وما علموه من أن بعض عريها التصارى كانوا يكتبون الإنجيل ویقرأونه > ويدونون أخبارهم ويرسلون أيتاءهم إلى الكتاتيب » ون فريقيا منهم كان يقرأ الفارسية واليوتانية . واتجه الباحثون المحدثون وجهة أخرى » ومنهم خليل يحيى تامى الذى أصدر بحثا عن أصل الخط العريى استبعد فيه الرأى السابق » على اعقيار أن المسيحيين من أهل الحيرة كانوا يكتبون بالخط السريانى › والخط السريافى وين كان فرعا من الكتابة الآرامية إلا أنه قرع بعيد عن أصول الكتابة العريية ‏ وكان المؤرخ العربى هشام الكلبى أكثرتوفيقاً من يقية المؤرخين المسلمين القدامى فى تخمين منطقة تطوير الخط التبطى إلى صورته العربية »فنقل عته أين النديم أن العرب أخذوا خطهم عن أهل مدين وأن المقاطع التى حفظ العرب بها أبجديتهم تعبر عن أسماء ملوك مدین ۔ ورأی خلیل نامی وغیره أنه لا باس من

عدد الصفحات ٣٥

الفصل الثانی قبول الشطر الأول من هذا الرأى دون الشطر الأخير » وذلك على اعتبار أن الأنباط انتشروا فى نفس المنطقة التى كان يسكنها قديما أهل مدين وكتبوا فيها بخطهم (فى مثل مغاير شعيب والحوراء فى شمال الحجاز) . وعن هذا الخط الأنباطى أخذ عرب الحجاز ولكن ليس عن خط أهل مدين بالذات » ويسر ذلك لهم قربهم من المناطق الشمالية وتعاملهم معها فى التجارة وماتتطلبه شئون التجارة من الكتابة . وكانت أهم مراكز الكتابة فى مناطقهم هى مكة ويثرب . وقد ذكر البلاذرى انه لما ظهر الإسلام كان فى قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب . وكانت الشفاء بنت عبدالله العدوية تحسن الكتابة . ولما دخل الإسلام يثرب كان من الاوس والخزرج عدة بكتبون . تشابهت اللصوص القديمة فى شبه الجزيرةالعربية مع نصوص الحضارات الأخرى فى الشرق الأدنى وغيره فى بعض أغراضها واختلفت عنها فی بعض آخر . فتشابهت معها فى اهتمامها بتسجيل أخبار الانتصارات الحربية › وإقامة المنشات العامة والمشروعات العمرانية والدفاعية » وتسجيل الدعوات الدينية وألفاظظ التعبد » والهبات المقدمة إلى المعابد » وتسجیل مراسیم يم الضرائب وبعض المعاملات الشخصية كالبيوع والمواريث » وتسجيل أسماء أصحاب المقابر ودعواتهم وتخصيصها لهم . ولكن هذه النصوص لاتزال تنقصها حتى الأن ما تتضمنته نصوص الحضارات الكبيرة القديمة الاخرى من قصص واساطير وعلوم وتعاليم مطولة » ولاتزال تنقصها كذلك المدونات التاريخية المنسفة التى تتحدث عن قصد عن أخبار الماضى وخوادثه وترتب أُسماء حكامه وعهودهم تدوینا مرتبا متصلا . وليس من اليسير أن نقرر ما إذا كان العرب القدماء قد تجاوزوا عن الكتابة فى هذه النواحى فعلا ء ام أنهم كتبوا عنها ولكن لازالت نصوصها خبيلة تنتظر كشف اللثام عنها » لاسيما وأن قلة قليلة من النصوص المطولة نسبياً بدأت تلفت أنظار بعض الباحثين إلى احتمال صياغتها على هيئة السجع أو الرجز أو النشيد . ويقتضى هذا السياق أن نشير إلى حفيقة معروفة وهی أن نشأةَ الكتابة والنصوص المكتوبة لاترتبط بنشأة اللغة المنطوقة او بمدی النشاط الفکری عند اهلها . فلیں من شك فى أن كل الجماعات البشرية كانت لها لغاتها التى تتفاهم بها منذ أن بدأت تجمعاتها على سطح الأرض . وليس من شك كذلك فى أن كل جماعة كانت تتناقل عقائدها الدينية وأخبار أسلافها وأنسابها وآدابها وأساطيرها عن طرق الرواية قبل أن تعرف الكتابة بأزمان طويلة . ولعل فى ثراء الشعر الجاهلى وثراء النثر معه مايرجح دسامة الآداب العربية الشمالية القديمة التى لم تعرف طريقها إلى التدوين أوالتى لم يعثر على مدوناتها الكبيرة حتى الآن . r آ‎

عدد الصفحات ٣٦

تاريخ شبه الجزيرة العربية _ من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : بيستون › وريكمانز › والغول »› ومولر : المعجم السبئى - من منشورات جماعة صنعاء - بیروت - ۱۹۸۲ . خلیل یحیی نامی : اصل الخط العربى وتطوره إلى ماقبل الإسلام- القاهرة ٠۹۳۴٤‏ . Beeston, A.F.L., A Descriptive Grammar of Epigraphic South‏ Arabian, London 1962.‏ Pirenne, J., Paléographie des Inscriptions Sud-Arabes, Brus- sel, 1956.

عدد الصفحات ٣٧

الفصل التالت فى جنوب شبه الجزيرة العربية 8 » : قدمنا بما یحتمل من قیام نشاط عمرانی داخلی قدیم فی بعض مناطق شبه الجزيرة العربية » وقیام نشاط اقتصادی مناسب للتعامل به فی داخلها ومع مافی خارجها معا » وذلك حتى عندما كان أهلها لايزالون يتألفون من وحدات صغيرة وقبائل متفرقة » ومن قبل أن ينشئوا دولا سياسية مستقرة بفترات طويلة » ويكفى هنا من القرائن التى تزكى هذا الاحتمال فى إيجاز عثورنا على نص مصرى قديم يسجل وصول وفد من بحار؛ جنبتيين ؛ بمتاجرهم من اللادن والكندر والمر والبخور إلى مصر فی العام ٠۲‏ من عهد الفرعون تحوتمس الثالث (أى فى حوالى عام ٠٤١۸‏ ق. م.) . وكان ؛ الجنبتيون » أو الجبانیتاى » كما ذكرهم بعض المؤرخين الإغريق والرومان فيما بعد » عشائر نشطة من العرب القتبانيين فى جذوب شهبة الجزيرة العربية . وحدث قبل وصول هذا الوفد إلى مصر أن اعتزم رجال البحرية المصرية فى عام ٠٤۸١‏ ق. م. خلال عهد الملكة حاتشبسوت التى سبقت الفرعون تحوتمن اثالث فى الع » أن يصلوا بأسطولهم التجارى إلى مدرجات الكندر فى الجنوب العربى ليتعاملوا مع تجارها مباشرة ويوفروا بذلك تكاليف الوساطة والوسطاء بينهما . وقد اعتبروا هذه المدرجات من أرض الله التى وقفها على تزويد معابدهم بأطايب البخور › وأملوا خيرا فى أن يهديهم ربهم إلى طرق البحر والبر المؤدية اليها . ولكن وسطاء التجارة من سكان منطقة بوينة (أو بونت) على الشاطىء الأفريقى لابح ر الأحمر قرب نواحى الصومال أو إريتريا الحاليتين » خشوا أن يفقدوا مكاسبهم فبالغ أميرهم أمام المندوبين المصريين حين وصلواً إلى أرضه فى تصوير استحالة عبور مضيق باب المندب المؤدى إلى مدرجات الكندر (فى الجنوب العربى) وصعوية اختراق ماورائه من طرق برية › وادعي أن أحدا لم يجرء على ذلك منذ يام رع . ثم أرضى المندوبين المصريين بان استورد من أجلهم ۳١‏ شجيرة من أشجار الكندر العربى الثمين حتى يزرعوها فى حدائق معبد آمون المدرجة فى مدينة طيبة ماداموا حريصين على أن يعودوا

عدد الصفحات ٣٩

الفصل الثالث إلى بلدهم بهذا النوع الثمين من البخور › وسوف تغنيهم زراعته عن تكبد مشقة الوصول إلى مدرجاته . ورضى المندوبون المصريون بهذا » ولو أن هذه الشجيرات لم تنجح زراعتها فى مصر نظرا للاختلاف فى التربة وفى المناخ عن بيئتها الأصيلة . وليس من المستبعد أن هذه الوقائغ بلغت أماع الجنبتين فى جذوب شبه الجزيرة العربية وكانت من عوامل لفت أنظارهم إلى إمكان التعامل مع مصر مباشرة مادامت هى راغبة فى ذلك . وقد نجدوا فى عهد تحوتمس الثالث الذى ساد مناطق واسعة من الهلال الخصيب امتدت من الشلال الرابع فى السودان إلى غرب الفرات بين الشام وبين العراق » ووطد الأمن فيها > ما شجعهم على تنفيذ رغبتهم وليس من المسبعد مرة أخرى أن بعضهم سلكوا الطرق البرية فى سير طويل ومراحل متعددة حتى وصلوا إلى البلاط المصرى. فى منف أو طيبة وبعد هذا العهد ظلت المناظر المصرية القديمة تصور ضمن تجار الكندر واللادن والبخور والمر الواردين إليها عن طريق البحر الأحمر وشواطله › والذين اعتبرتهم من وجهة نظرها أتباعا يؤدون الجزية إلى مصر » رجالا ذوى ملامح سامية > يصلون إلى العاصمة المصرية تأرة > ويقفون عند سيناء تاره أخرى » وعند بعض الموانىء المطلة على البحر الأحمر تارة ثالفة . ويتبادلون المتاجر هنا وهناك مع المندوبين المصريين ونستطيع أن نضيف إلى ذلك ثلاثة فروض ء وهی أنه ليس من المسنتبعد أن بعض هؤلاء التجار ذوى الملامح السامية كانوا من سكان السواحل العربينة الشمالية الذين قاموا بدور الوساطة فى نقل المتاجر من الجنوب العربى إلى مضر» وأن ماقام به الجنبتيون أسلاف القتبانيين من تعامل تجارى مع مصر فى ذلك الزمن البعيد كانت تقوم بمثله طوائف عربية أخرى لم تعرف بعد أسمارؤها القديمة » وأن ماكانوا يؤدونه من التبادل التجارى مع مصر كانوا يؤدون مثله مع الشام والعراأق . وكانت سلعهم من البخور ومشتقاته تلقى الرواج الكبير هنا وهناك لكثرة استخدامها فى المعابد وفى القصور » وفى المحافل والاعياد والماثم والجنازات » وفى تركيب العقاقير › وإن زادت مصر فاستخدمتها كذلك بكثرة فى عمليات التحنيط التى اشتهرت بها . وكانت الشعوب المستهلكة لهذه المنتجات الفمينة تنتج بعضها فى أرضها أحياناً » وتستورد بعضها من المناطق الأفريقية التى. تنتجها > ولكن يبدو أن أفضل أنواعها هو ما كانت تستورده مبات شرة أو عن طريق الوسطاء من مدرجات الجنوب العربى بالذات ولهذا عادت ِ تجارته على أصحابه بأرباح وفيرة : وقد استشهدنا من قبل برأى ألبرايت وغيره من أن احتمال استخدام الإبل فى عمليات النقل والتنقل مذ القرن الفانى عشر ق. م أو نحوه قد زاد من

عدد الصفحات ٤٠

تاريخ شبه الجزيرة العربية س الإمكانات الإاقتصادية لعرب شبه الجزيرة العربية وزاد من إمكانات اتصالاتهم بالدول المحيطة بهم » وان هذه الإمكانات وتلك فد هياتهم لتكوين دول ودويلات غنية مستقرة تأاخد باسباب الحضارة الراقية . وأغلب الظن أن التحول من الأوضاع القبلية إلى تنظيمات الدول المستقرة لم يتم بسهولة أو فى وقت قصير . ولعله بدأ فى بعض صوره على الأقل بنوع من التحالف على قدم المساواة بين القبائل ذات المصالح المشتركة والمناطق المتقاربة › والمترابطة بروابط الدم والنسب » ثم عملت الظروف عملها فى تغليب كفة فريق منهم على فريق فى إطار هذا التحالف ووصول أكبر زعمائه إلى الرياسة التى أصبحت وراثية فى أعقابه » سواء تحت راية الدين أُم بتأثير القوة والثراء ونبالة الأصل . ويبدو أن أقدم الجماعات التى نهجت مثل هذا النهج المحتمل هى الجماعات السبأية التی شار ت الكتب المساوية إلى أهميتها منذ ايام سلیمان عليه السلام » أى منذ القرن العاشر ق. م على أقل تقدير . ولهذا سوف نبداً فيما يلى بدراسة المراحل الاولى من تاريخ دولتها « دولة سبا؛» » دون أن ينفى هذا ان دولا أخرى من الدول التی سوف نبحث تاريخها بعدها كانت تعاصرها فعلاً فى بعض عهودها الأولى . XK ok ok

عدد الصفحات ٤١

س الفصل الثالكث دولة سباً فى عصورها المبكرة توافرت لدولة سباً بين المؤرخين القدماء والمحدثين شهرة لم تتوافر لما عداها من بقية الدول العربية الجئوبية القديمة . وترجع عوامل هذه الشهرة إلى عدة أسباب » أهمها : ذكر سبأً فى أكثر من قصة من قصص العهد القديم » وفی أكثر من آية من آيات القرآن الكريم » وذكر أأسماء بعض حكامها صراحة فى النصوص المسمارية العراقية منذ القرن الثامن قبل الميلاد » واستمرار كيانها السياسى المتطور إلى ما قبل ظهور الإسلام بقليل › وارتباطها بعدة حوادث دينية وسياسية تأثر بها العرب الشماليون والجنوبيون قبيل ظهور الإسلام بقليل أيضاً » ثم بقاء بعض معابدها ومنشأتها الكبرى ظاهرة فوق سطح الأرض خلال العصور الإسلامية نفسها وحتى الان . مشكلة النشأة : تناول بعض المستشرقين نشأًة السبأيين (أو السبديين كما يكتب اللفظ أحيانا) من اكذر من زأوية واحدة › ويمكن إيجاز ارائهم فيها فى نظريتين رئيسيتين › وهما: أولاً : نظرية زكاها عدد من الباحثين (مثل شرادر وكيبرت وهارتمان ودلتش وفريتز هومل ) » ورأوا فيها أن السبايين عاشوا اصلا فى شمال شبه الجزيرة العربية قرب منطقة الجوف الشمالى واستمروا فيها على البداوة زمنا طويلا › ثم دفعتهم دوافع معينة إلى الاتجاه نحو جنوب شبه الجزيرة قبيل بداية القرن الثامن ق. .م بقلل حيث استقروا فيه . واعتمدت هذه النظرية على عدة فرائن سوف نناقشها واحدة بعد الأخرى بعد قليل . انيا : نظرية ألمح اليها باحشون آخرون (ومنهم مولر وجلاسر وفنکلر وماير ثم ألوا موزيل) .ويرون فيها أن السبأيين عاشوا منذ بداية أمرهم فى الجنوب العربى» ولكن جالية منهم اتجهت خلال القرن الثامن ق. م أو قبله بقليل إلى الشمال وأقامت قرب واحة تيماء ومنطقة الجوف الشمالى لترعى المصالح التجارية لقومها فى شمال شبه الجزيرة وعلى طرق القوافل المتجهة منها إلى الهلال الخصيب . ٠‏ ومع منطقية كل من هاتين النظريتين » يبدو أن النظرية الثانية منهما هي الأقرب إلى الصواب لاسيما فيما يختص باحوال السبايين فى عصورهم التاريخية.

عدد الصفحات ٤٢

أما النظرية الأولى فنمة شواهد تدعونا إلى الاكتفاء بالخروج منها بما يحتمل من أن السبأيين عاشوا قبل تكوين دولتهم الشياسية المستقرة فى منطقتها الخصبة بجنوب شبه الجزيرة العربية » على ماعاش عليه اغلب اهل القبائل القديمة لايعترفون بحدود إقليمية مفروضة وتتفرق بطونهم بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب وفقأ لظروفها الخاصة ومصالحها الطارئة وعلاقاتها بجيرانها . ولم يكن هذا هو شأن القبائل القديمة فى الشمال والوسط فقط من شبه الجزيرة العربية › بل كان شأنها أحياناً أيضاً فى الجثوب الخصيب نفسه . ولتوضيح ذلك نعاود عرض ومنافشة فرائن هذه النظرية الأولى التی افترضت بداية حياة السبأيين فى شمال شبه الجزيرة » وهى قرائن أوردها أصحابها ممن أسلفنا ذكرهم من الباحثين متفرقة فى سياق مؤلفاتهم فخرجت واضحة حينا وغامضة حينا آخر. وهى فى مجملها قرائن لاتخلو من منطقية وإن كانت فى الوقت نفسه لاتخلو من شك . ويمكن أن نجملها من ناحيتنا فى ثمان قرائن نعرضها فيما يلى واحدة بعد اخرى › وتعقب على کل منها بما يزكيها او ما أولاً : ذكرت التوراة كما ذكر القرآن الكريم أن حاكمة سبأية زارت سليمان (عليه السلام) فى عاصمته أورشليم (خلال منتصف القرن العاشر ق.م) » وهى حاكمة لم تعرف حقيقة إسمها ولم يذكره لها القرآن الكريم . ولكن بعض الروايات العربية والعبرية والحبشية القديمة أطلقت عليها أُسماء ر بلمقه وماقدة وبلقمة وبلقیں > على خلاف فيها بينها . وكلها فيما يرى أغلب اللغويين الحديثين قد تكون أسماء محرفة عن إسم ؛ إلمقه ٠‏ المعبود الأكبر لدولة سبأً (وذلك مع وجود احتمالات أخرى لتفسير بعض الأسماء المفترضة آنفاً لهذه الحاكمة بمعنى الزهرة فى اللغة العربية القديمة » ومعنى الجارية أو المحظية فى اللغة العبرية ) . ولا بأس من أن نشير ابتداء إلى أن الجدل فى اسم ومكان حاكمة سباً هذه لايتعارض مع الكتب السماوية فى شىء › فكما أن هذه الكتب لم تذكر اسمها صراحة » فهى أيضاً لم تحدد مکان دولتها بالشمال أو الجنوب . وعلى هذا الأساس من حرية البحث نستعرض ما ارتآه فريتز هومل وأصحابه من أن هذه الحاكمة كانت تحكم منطفة قريبة من مملكة سليمان الفلسطينية وتقيم فى منطقة ما من شمال شبه الجزيرة » وذلك بحجة أنه كان من المستبعد أن تسافر بحاشيتها من أقصى جنوب شبه الجزيرة إلى مقر سليمان فى أورشليم › وأنه ما من نص عربى جنوبى قد أشار إلى إمرأة حكمت سبأ الجنوبية أو وليت حكم دولة أخرى من دول الجنوب » على حين ذكرت النصوص الأشورية نحو ست ملكات عربيات حكمن

عدد الصفحات ٤٣

الفصل التالٹث فى منطقة شمالية من شبه الجزيرة العربية . ومع منطقية هذا الفرض » نلاحظ أن هناك أربعة شواهد أخرى تدعو إلى إعادة .النظر فيه » وهى : ( أ ) جاء فى القرآن الكريم عن حديث الهدهد مع سليمان (فمكث غير بعيدء فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنباً يقين .....) . وإذا عنت جملة (فمكث غير بعيد) قصر المدة الزمنية على الرغم من طول المسافة المكائية › وهو المرجح للدلالة على إعجاز الحدث » فإن سياق بقية معجزة الهدهد يدل على أن ارض سبا كانت بعيدة عن مملكة سليمان بحيث لم يحط علما بها › ولهذا لم يقم بينهما من قبل اتصال مباشر » أو على أقل تقدير لم تكن إحداهما تحيط بأحوال الأخرى إحاطة كاملة . (ب) وجاء عن حديث الهدهد أيضاً : (إنى وجدت إمرأة تملكهم وأوتيت من كل شیء ولها عرش عظیم ..) » ومثل هذا الثراء الذی یتوافر فیھ کل شیء اقرب إلى أن يناسب المناطق العربية الجنوبية التى كانت لها فى عصورها الفديمة مواردها الطبيعية والاقتصادية ذات الوفرة النسبية . ولو كانت من المناطق العربية الشمالية فعلاً لصح التساؤل عن ثلاث ظواهر» وهی : لم تظھر آثار دولتها الثرية هذه فى الشمال حتى الان ؟ وهل لقلة البحوث الأثرية هناك دخل فى ذلك ؟- ولم أهمل الرواة والمؤرخون العرب الشماليون ذكرها ولم يتفاخروا بها ؟ » وهل كان لبعدها الزمنى الكبير عنهم دخل فى ذلك ؟- وأخيراً إذا كان السبأيون قد بلغوا مبلغاً عظيماً من الثراء فى الشمال فى عهد سليمان أى فى القرن العاشر قبل الميلاد » فما الذى دعاهم بعد ذلك إلى النزوح إلى الجنوب ؟- وهل كان لتقلبات الظروف المناخية دخل فى ذلك ؟- أم أنهم كانوا يقومون فى عهده بدور الوساطة فى نقل المتاجر الجنوبية إلى الشمال ثم طمعوا بعد ذلك فى أن يسيطروا على مصادرها بأنفسهم ويقيموا عليها ؟ - هذه كلها تساؤلات تصعب الاجابة عنها بردود شافية للاسف فى حدود المعلومات التاريخية والاثرية المعروفة لنا حتى الأن على الرغم مما عقبنا به عليها من احتمالات شتى . (ج) ذكر القرآن الكريم جنتى سبأً وسيل العرم » وكل منهما لا شك فى قيامه فى جنوب شبه الجزيرة العربية دون شمالها › بعد ذكر قصة سليمان ودولته › وذلك مما يمكن أن يدل على ترتيب مقصود للتنبيه إلى الرابطة القديمة بين الدولتين › دولة سليمان ودولة سبأً » وإلى العاقبة التى انتهت إليها أمور هاتين الدولتين .

عدد الصفحات ٤٤

تاريخ شبه الجزيرة العربية س (د) ردت الأساطير الحبشية نسب أسرتها الملكية القديمة إلى سليمان وماقدة ملكة سباً » أو بلقيس ملكة سباً . وربما تواترخبر هذه النسبة المزعومة إلى الأحباش عن طريق أسلافهم القدامى » أو عن طریق جيرانهم السبأيين الجنوبيين › أو عن طريق رواة العبرانيين الذين اتصلوا بهم منذ أواخر القرن الرابع ق .ءم. وهی على ای وجه من هذه الوجوه تشير إلى أن دولة الجدة ماقدة التى انتسب ملوكهم إليها » إن حقاً وإن ادعاء » كانت فى أأغلب الظن قريبة من بلدهم أى فى جنوب شبه الجزيرة العربية . وعلى أية حال فإنه يبدو أنه إلى جانب الكسب الدينى الذى اكتسبه سليمان بتحويل حاكمة سبا من عبادة الشمس إلى عقيدة التوحيد كما ذكر القران الكريم › كان هناك كسب اقتصادى آخر » إذ يسرت الصلة بينه وبين سباً الانتفاع بطريق قوافل الابل السباية الجديدة التى تحمل منتجات البخور الجنوبية إلى دولته» وهو طريق يعتبر أقل نفقة وأخطاراً من طريق نقل المتاجر بأسطول سليمان عبر البحر الأحمر إلى أوفير التى ذكرتها التوراة » كما أنه أقل تكلفة قطعاً من طريق الوساطة عبر الخليج العربى والعراق إلى فلسطين . وقد روت التوراة أن ملكة سبأ حين قصدت سليمان « أتت إليه بحاشية كبيرة وجمال تحمل الطيوب وذهباً كثيرا وأحجاراً كريمة » وقالت كذلك ١‏ ولما سمعت ملكة سباً عن اهتمام سليمان يإسم الرب أتت ت تمتحنه بأسئلة صعبة › . وأشار القرآن الكريم إلى هدايا حاكمة سبأً إلى سليمان ورفضه قبولها وتفضيله دعوتها إلى ديانة التوحيد . وبقى أخيراً أنه إذا اعتبرت الحجة الأولى لنظرية هومل وأصحابه باستبعاد سفرالحاكمة السبأية من الجنوب العريى إلى فلمطين حجة غير ذات موضوع نظراً لترجيح استخدام الإبل فى السفر فى عصرها » فإن الحجة الثانية لها لا تزال بغير رد شاف حتى الآن › » وهى لماذا لم تتضمن النصوص السبأية القديمة المعروفة اسم ملكة وليت عرش قومها فى الجنوب ؟ ولعل ما يمكن أن يرد به حتى الآن على هذا التساؤل هو أن الأمر قد يرجع إلى محض المصادفة » بمعنى أن أرض سباً الجنوبية لا تزال تتضمن نصوصا قديمة لم تكتشف بعد › هذا إذا كانت الكتابة قد عرفت فعلا فى عهد تلك السيدة التى قرئت رسالة سليمان فى حضرتها أو تلت هى مضمونها وطلبت التشاور فيها . ثانيا : ذكرت النصوص الأشورية السبأيين وحاكمين لهم في ثلاث مناسبات ترجع إلى أعوام ¥۸ و V4‏ و ق. م. فذكر نص للملك الأشورى تیجلات بیلیسر الثالث فى عام ۷۳۸ ق. .م . أنه تلقى جزى السبأيين من الذهب والإبل والتوابل . وأكد نص للملك سرجون الثانى ملك آشور فی عام ۷۲١‏ ق. م.

عدد الصفحات ٤٥

الفصل الثالٹ أنه تلقى من ء إتى أمر ؛ السبأى ( أو السبئى) جزى من الذهب والأحجار الكريعة والأعشاب والخيول . ثم ذكر نص لولده الملك الأشورى سينا خريب فى عام 1۸١‏ ق م .أنه حين احتفل بوضع حجر أُساس ؛ بیت اکیثو ٠‏ (وقد يكون معبداً أو حصناً أو قصراً) . استقبل مندوباً عن الحاكم السبأى ١‏ كريبى إيلوء حمل إليه جزاه (أو هدایاه) من المعادن الثمينة والأحجار الكريمة والطيوب »ووضع جانباً منها بأمر مولاه فی اُساس المبنى الجديد . ولم يجد الباحثون المحدثون بأساً فی اعتبار اسمی الحاكمين السبأيين اللذين ذكرتهما النصوص الأشورية . محرفين عن ؛ بيع أمر؛ وه كرب إيل » > وهما من حكام سباً الأوائل . ثم أضافت النظرية الأولى أن السبأيين الذين صورتهم هذه النلصوص يدینون بالولاء لدولة اشور لابد وانهم کانوا يحسون بسطوتها ويخشون باسها » وبمعنی أخر کانوا قريبين منها فى شمال شبه الجزيرة وليسوا بعيدين عنها فى مناطق الجنوب . ولكن هذا الاستنتاج يضعفه من ناحية أخرى أن هومل وغيره (مثل سان جون فلبى) أرخوا بداية الكيان السياسى لحكام سبأ الجنوبية بعام ۸۰۰ أو ۸١‏ ق. م. وإذا صح هذا فلابد أنه حدث بعد فترة طويلة تكفى لاستقرارهم ويسط سيطرتهم على الأراضى التى نزلوها جنوبا . وهو أمر يتعارض بداهة مع سابق الظن بوجود دولتهم فى الشمال وتأثرها المباشر بسطوة الأشوريين حتى عهد سينا خريب فى أوائل القرن السابع ق. م. ولا یکنی فی هذا القول بأن الضغط الشوری علی طرق التجارة فی شمال شبه الجزيرة هو الذى اضطر السبأيين إلى النزوح إلى الجنوب . فالمصادر الأشورية لم تصور السبأيين كأعداء تعمل جيوشها على طردهم وحرمانهم من التجارة » وإنما صورتهم مهادنين لملوكها تتوافر فيها علامات الود والطاعة › وإن أدوا الجزى إليهم أو أأرسلوا هداياهم إلى بلاطهم . وهكذا يبدو أقرب إلى الاحتمال أن السبأيين الشماليين المتصلين بدولة آشور كانوا مجرد جالية تجارية أقامت قرب تيماء ومنطقة الجوف الشمالى كما رات النظرية الثانية » لترعى المصالح التجارية لدولتها على طرق القوافل » وكانت تحس بسطوة ة الأشوريين فعلا لقربها منهم وترى من مصلحتها أن تنتفع من الاتجار معهم والاحتماء بهم » ولم تجد بأساً من أن تقدم إلى ملوكهم هداياها بأسماء ملوك دولتها الجنوبية » كما أن الأشوريين لم يجدوا بأساً من ناحيتهم فى أن يروا طاعتها لهم تعبيراً عن طاعة دولتها الجنوبية لسلطانهم .

عدد الصفحات ٤٦

تاريخ شبه الجزيرة العربية ___ ثالثا : ذكرت عبارة فى الإصحاح الأول من سفر أيوب فى التوراة أن لصوصا سبايين فتكوا برعاة أيوب › وقال قائل : « البقر كانت تحرث » والأتن ترعى بجانبها » فسقط عليها السبأيون وأخذوها » وضريوا الغلمان بحد السيف » ونجوت أنا وحدى لأخبرك » . ولما كان أيوب فيما يحتمل من أهل الشمال أكثر من أهل الجنوب » فإن ذلك قد عنى فى رأى هومل وأصحابه أن السبأيين كانوا یعیشون فی عهد یوب قریباً من دیاره فی شمال شبه الجزيرة ولیس فى جنوبها › وهو استنتاج طريف لولا أنه اقرب إلى ان ينطبق على بعض رجال الجالية السباية الصغيرة التى اشرنا اليها » دون دولة سبا الغئية الكبيرة . رابع : ذكرت عبارة أخرى من عبارات العهد القديم اسم سباً إلى جانب اسم ددان . وكانت ددان هذه دولة شمالية قامت حول واحة العلا فى شمال الحجاز. وقد عنى ذلك عند هومل وأصحابه أن سبأً كانت بدورها قريية منها فى الشمال وليست بعيدة عنها . وذلك استنتاج منطقى هو الآخرء ولكن يمكن أن يرد عليه بما انتهينا إليه فى القرينة السابقة من حيث أنه أقرب إلى أن ينطبق على الجالية السبأية التى سكبت حول واحة تيماء إلى الشمال الشرقى من واحة العلا أو ددان . وقبل أن ندع قرائن التوراة لا باس من أن نشير إلى أنه لما كانت أسفار التوراة قد أقرت فى بعض قصصها الأخرى بالأمر الواقع من استقرار السبأيين فى الجنوب فى دولة سياسية كبيرة » اتجه بعض الباحثين إلى القول بأن هذه القصص عندما تذكر ١‏ شبا» تعنى بها سبأً اليمن » وعندما تذكر ‏ سبأً ؛ تعنى بها السبأيين القاطنين فى الشمال » وإن كان كتبة التوراة قد خلطوا بين التسميتين فى صحفهم ولم يراعوا هذه التفرقة كثيراً . خامسا : سجل كبيران من حكام ددان أيضاً فى نص مشترك أنهما توجها بالشكر إلى أرباب معين (وكانت معين دولة جنوبية ارتبطت بها دولتهما بالولاء ) على نجاة قافلة تجارية اضطرت إلى المرور فى مناطق شملتهاالحروب . وتعرضت خلال سیرها لهجوم سبای (وخولانی) علیها . ورای هومل ان الاخطار التى تعرضت لها هذه القافلة كانت فى شمال شبه الجزيرة العربية » كما أضاف فلبى أنه ليس من المعقول أن يعمل السبأيون على نهب قافلة تجارية فى عهود نضجهم السياسى وإنما الأرجح فى رأيه أنهم كانوا لا يزالون يعيشون حينذاك على حال من البداوة . ومرة أخرى يمكن التعقيب على هذا الاستنتاج بأنه إذا صح أن السبأيين الذين تعرضو! للقافلة المعينية كانوا من أهل الشمال فعلاً فإنه لیں هناك ما يحول دون اعتبارهم من أفراد الجالية السبأية الشمالية الصغيرة لا سيما وأن فشل

عدد الصفحات ٤٧

الفصل التالٹ هجومهم عليها يدل على قلتهم وبساطة شأنهم . ويمكن أن نتجاوز هنا عن أن قبائل خولان التى ذكرت مع المهاجمين السبأيين قد عاشت شت هى الأخرى على أطراف الجنوب » وأن تاریخ نجاة القافلة متأخر عن تاریخ إنشاء دولة سبأً الجنوبية بأجيال كثيرة . سادسا : جمعت بعض النصوص السبأية بين اسم سبأً واسم يقرأه هومل يهبليح ويراه مرادفاً لاسم دقلة وأنه يدل على منطقة الجوف فى شمال شبه الجزيرة› كما جمعت بینه وبين اسم يقراه هومل ايضا بیشان او فيشان ويراه مرادفا الاسم وادى الدواسر احد اودية الشمال أو اودية الجنة على حد تعبيره . غير أنه يبدو أن هذا الاستنتاج لايزال هو الآخر قرين الظن إن لم يكن قرين الافتعال ؛ وكل ما يمكن قول الأن هو أن اسم يهبليح قد امتعمل كذلك للدلالة على قبيلة عا شت حول صرواح أقدم عواصم سباً فى الجنوب » وأن اسم بيشان إن دل على وادى الدواسر أو وادى بيشة فهو أقرب إلى حافة الربع الخالى »> وإن دل على قبيلة عاشت حول صرواح أيضاً وانتس إليها أوائل الحكام السبأيين . سابعا : یری هومل أن اسم مأرب (أو مريب) الذى اشتهرت به عاصمة سبأ الجنوبية (بعد صرواح) ذو صلة بلفظ أريبى الذى أطلقه الأشوريون على أعراب شمال شبه الجزيرة وبادية الشام » ولفظ يارب الذى أطلقته عليهم بعض نصوص التوراة » وذلك مما يعنى فى رايه ان السبايين كانوا من الاقوام الشماليين الذين عناهم الاشوربون والعبرائيون › فلما انتقلوا إلى الجنوب اطلقوه على عاصمتهم . ولکن يلاحظ على هذا الاستنتاج أن السبأيين فى الجنوب لم يتخذوا مأرب عاصمة لهم منذ بداية امرهم آى فى الوقت الذى كانوا يستطيعون أن يتذكروأ فيه أصلهم ويخلدوا ذكره » وإنما اتخذوا أولى عواصمهم فى صرواح قبل أن ينتقلوا إلى مأرب بعشرات السنين . وهم لم يصفوا أنفسهم صراحة فى نصوصهم المكتوبة بتسمية عرب أو أعراب المرادفة لتسمية أريبى الأشورية . بل ولم يستعملوها إلا فى عهود متأخرة نسبياً ليصفوا بها أأعراب الجبال والوديان التابعين لدولتهم › وذلك فی حدود ما هو معروف حتى الآن من نصوصهم . ثامنا : نبه هومل وأأصحابه إلى أن اللهجة السبأية هى أقرب اللهجات الجئوبية صلة بلغة القرآن العربية الشمالية . وفى ذلك قرينة لطيفة لا تنكر » لولا أن هذه الصلة يمكن أن تفسر من ناحية أخرى باستمرار النصوص السبأية الحميرية حتى عهد نزول القرآن الكريم أكثر مما عداها من بقية النصوص الجنوبية الأخرىء» وأن عامل الزمن كان له أثره فى التقريب بين لهجات عرب الجنوب

عدد الصفحات ٤٨

تاريخ شبه الجزيرة العربية س ولهجات عرب الشمال نتيجة لاستمرار الصلات التجارية والحضارية رالتنقلات القبلية بين الفريقين › وذلك فضلا عن وحدة الأصل البعيد بينهما . وعلى أية حال » فقد تعمدنا الإسهاب فى مناقشة وجهات النظر المختلفة حول الأصول السبأية كنموذج لما يمكن أن تعالج به مشكلات التاريخ العربى القديم على أساس من أدب النقد › ومقارعة الحجة بالحجة › وعدم التسليم برأى ما إلا بدلیل یزکیه » وعدم رفض رای ما إلا بدلیل يضعفه . من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : تکاتش › ج . : سبأً - فى دائرة المعارف الإسلامية - ج ١۸‏ ص ٠١۸‏ وما بعدها . نيلسن وهمول ورودوكاناكيس وجروهمان : التاريخ العربى القديم - ۷ _ ترجمة فؤاد حسئين - القاهرة ۱۹٩۸‏ › ص 1٤ ٦۳‏ . Abdel - Aziz Saleh, "The Gnbtyw of Thutmosis III's Annals and the south Arabian Gebbanitae of the Classical Writers", BI- FAO, 1972, 245-262. Eissfeldt. O., in CAH. II, 1965,593 and referencs. Grohmann, A., Arabien, 1961. Musil, A., The Northern Hegaz, 1926.

عدد الصفحات ٤٩

الفصل الرابع عهود المكربين (أو المكارب) فی سباً اصطبغت سلطة أوائل حكام دولة سباً بصبغة ثيوقراطية أو دينية › فتلقب کل منهم بلقب ‹ د مکرب» وهو لقب لا يزال غير محدد النطق والدلالة » وإن أُمكن تفسيره احتمالا بمعنى ؛ المقرب » للمعبودات » أى من يشرف على توفير القرابين وتقديمها إلى معابدهم . أو بمعنی ‏ المقرّب » بین شعبه وبين معبوداته باعتباره وسيطا مقدسا بينهما » أو بمعنى ١‏ المقرّب» إلى أربابه . وهو على أى وجه من هذه الوجوه يتولى رياسة الكهنوت فى دولته ويضمن إحاطة حكمه بقداسة روحية تكفل احترام الناس له وتدعوهم إلى تأييده . وتوافرت لهذه الصبغة الثيوقراطية سوابقها فى أمم شرقية قديمة » فتلقب أوائل الحكام السومريين فى العراق » على سبيل المثال » بلقب ١‏ إنسى ؛ أى النائب أو الوكيل » إشارة إلى وكالته عن معبود مدينته فى حكم أهلها » وإشارة إلى القداسة بالوكالة التى يرتكز عليها فى ممارسة سلطاته الدينية والمدنية . وتكررت نفس الظاهرة فى دول عربية جنوبية اخرى عاصرت السبأيين فى بعض مراحل تاريخهم » وكان منها أن تلقب أوائل الحكام فى دولة معین بلقب ه مزود؛ » وهو ماسوف نتناول مدلوله فی حینه . ولا زال الجدل التاريخى قائما فى شأن تحديد البداية الزمنية لعهود المكربين السبأيين (أو المكارب السبئيين) . فبينما يلتزم باحثون بوضع عهد حاكمة سبأ المعاصرة ة لسليمان موضع الاعتبار وبدء قيام دولتها بالتالى بالقرن الحادى عشرق. م. . أو نحوه . يكتفى بعض الباحثين الآخرين بالإقتصار على عهود الحكام الذين سجلت النصوص القديمة أسماءهم > ضاريين صفحا عن عهود ماقبل معرفة الكتابة فى سبأً » ولا يذهبون بتاريخ الدولة المؤكد بناء على ذلك إلى أبعد من عهد؛ يثع أمر» السبئى الذى ذكره نص سرجون الثانى ملك آشور فى عام ٥‏ أوعام ۷٠٤‏ ق. ٠م‏ . » وريما قبل ذلك بفترات قليلة . وقام جدل تاريخى ممائل حول أعداد المكربين الذين أتوا بعد ء يثع أمر؛ وسبقوا عهود الملكية الصريحة فى سبا ‏ فتراوحت النظريات فى تقدير عددهم بين ۷١ ٠ ۷١ ٠ ۳١ ٠١‏ . ولكل نظرية مبرراتها بطبيعة الحال .

عدد الصفحات ٥١