المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة PDF

عبد العزيز صالح

صفحة ١١ من ١٣

--_‏ الفصل الخامس عشر وذکرالکاتب البيزنطى نونوسوس ما أسلفناه من قبل من أن القيصر اناستاسیوس أرسل وفدا برئاسة جده إلى الحارث ملك كندة ومعد بعد أن تعددت إغارات ولده معد يکرب على حدود فلسطين . كما أُرسل القیصر يوستینيايوس وفدا برئاسة أبيه أبراهام ليقابل قيسا حفيد الحارث (ولعله ابن معد يكرب) ليعقد حلفا معه » فقابله وأخذ منه ولده معاوية إلى القسطنطيئية كرهينة على وفائه . ثم كلف القيصر نونوسوس نفسه بأن يدعو قیسا (الکندی) إلى القسطنطينية فاصطحبه معه إليها ثم أرجعه إلى بلده بعد أن أقره على ولاية جزء من فلسطين . ولیس قيس هذا بطبيعة الحال هو امرؤ القيس الشاعر الذى ذكر المؤرخون وفاته بحسرته قبل أن تتحقق امنيته بالعودة إلى بلده معززا مكرما . وإن افترض بعض الباحثين احتمال صحبته لقيس هذا وهو من أبناء عمومته فی رحلته وعودته معه وإن اهتم الرواة المسلمون بقصته هو وتناسوا ابن عمه . XK xk ok‏ أسلفنا أن ثمة ضوءا جديدا ألقته النصوص السبأية الحميرية المكتشفة حديثا على بداية تاريخ كندة » وأن أأهم ما أضافته هو الرجوع بهذا التاريخ إلى أبعد مما ذهب به المؤرخون المسلمون وإلى ماحول ميلاد المسيح عليه السلام › » وأن كندة ارتبطت فى نشأتها بالعرب الشماليين أكثر مما ارتبطت بالعرب الجنوبيين على عكس مارواه أغلب المؤرخين المسلمين » وأن الجذوبيين كانوا ينطقون اسمها كدة بدال مشددة مما قد يعنى أن اسمها لم يكن من أسمائهم فحرفوه : ويرجع أقدم هذه النصوص إلى عهد شعر أوتر ملك سبأً وذوريدان فى أواخر القرن الميلادى الثانى » وهو ملك عمل أن يجمع شمل المناطق العربية الجنوبية وأن يقضى شبهة النفوذ الحبشى عن ساحل تهامة كما ذكرنا فى سياق الفصل العاشر . فتعددت معارك جيوشه فى حضرموت وفى ردمان وعلى ساحل تهامة الجنوبى وفى نجران . ومن نجران اتجهت قواته إلى قرية ذات كاهل ولعلها كانت قريبة من الفاو الحالية ونسبت إلى معبودها كاهل » وحاربت «ربيعة ذو ال ثور ملك كدة وقحطان» . وهو ملك قد ينتمى إليه معاوية بن ربيعة ملك قحطان ومذحج الذى ذكره نص من قرية الفاو أيضاً . وكان الرحالة بلينى قد ذكر فى أوائل القرن الأول الميلادى منطقة «آل ثور؛ هذه » مع ملاحظة أن المؤرخين المسلمين قد ردوا نسب ملوك كندة إلى ثور فعلاً واعتبروه رجلا (وقد یکون معبودا قدیما عبدوه ) . ك

عدد الصفحات ١٧٠

تاريخ شبه الجزيرة العربية س وذكر الجغرافى بطلميوس السكندرى اسم العاصمة «ماؤوكسموس» كعاصمة لكندة فى القرن الثانى الميلادى . وبالاستفادة من هذه المصادر مجتمعة وبخريطة بطلميوس الجغرافى السكندرى التى أثبتها فى كتابه » يذهب الرأى الحديث إلى الإتجاه بديار كندة الأولى إلى ما فى شمال نجران فى منطقة الأفلاج والعارض وجبل طويق فى قلب نجد . وإذا صحت قراءة قحطان التى تضمنها نص شعر أوتر وذكر ارتباطها بكندة وخضوعهما معا لملك واحد يدعى ربيعة ومن بعده لولده ؟ معاوية › فإنها قد تعنى منطقة ما من أرض قحطان الواسعة فى خولان الشمالية التى تمتد بين شمال شرق جیزان وبين شمال نجران . وبعد جيل أو نحوه فی أُوائل القرن الثالث الميلادى » روى نص من عهد إیلشرح یخضب واخیه یازل بین ملکی سبا وذوریدان خبر حرب شنتها قوات هذین الملكين ضد مالك (؟) ملك كندة وشعب کندة (كدة) لمؤازرتھ لامریء القیں بن عوف ملك خصاصة » واسرت هذه القوات قادة كندة واحتجزتهم فى مارب حتى سلموا الغلام (امراً القيس) لملكى سباً وذوريدان وتركوا أبناءهم رهائن لديهما › وأدوا الجزية والفدية من الخيول والإبل والمتاجر . وربما قامت خصاصة هذه حليفة كندة قريبة من مذازلها فى شمال نجران » إلى القرب من بيشة وإلى الجنوب الغربى منها . وبعد قرن تفريباً وفى أُوائل القرن الرابع الميلادى تحدثت نصوص شمر يهرعش الثالث ملك سباً وذوریدان عن كندة ومذحج كأحلاف له ثم کأتباع له . وكانوا فى الحالة الأولى لايزالون فى منطقة الأفلاج فى قلب نجد › ومثلث كندة القبيلة الرئيسية فى مذحج . وتعاونوا جميعاً مع قواته على مهاجمة أرض تنوخ فى المنطقة الشرقية على الخليج العربى وما يمتد منها إلى جنوب العراق . ولكن ضربة مضادة وجهت إلیھ وإلیھم فی اواخر عھدہ على يد ملك تنوخ امریء القیں بن عمرو الذى استشهدنا بملخص نصه العربى المتائثر قليلا باللغة الارامية واللهجة النبطية فى الفصل الرابع عشر » وبما ذكره فيه من أنه حاصر نجران مدينة شمر (يهرعش) و شتت شتت (حلفاءه) قبائل مذحج عن أرضها . وهاجرت هذه القبائل حينذاك ومعها كندة إلى دولة حليفها شمر يهرعش فى الجذوب › وأصبح ٍ رجالها من فرق الأعراب فی جپوشه . وأقطعهم منطقة أوسان ومضحای القديمة فأصبحوا سادتها تحت حکمه . واستمر وضع مذحج وكندة هكذا فى عهود خلفاء شمر يهرعش › فظهر رجالهما بين الأعراب فى جيوش ياسر يهنعم الثالث وذرأ أمر أيمن ملكى سباً 1|

عدد الصفحات ١٧١

الفصل الخامس عشر وذوریدان فی حوالی عام ۲۲۰م › كما ظهروا بعد نحو قرن من الزمان بين الأعراب فى جيوش أب کرب أسعد وولده حسان یهأمن فی حملتها على أُرض ومر بنا فى الفصل العاشر كذلك أن النصوص الحميرية القديمة والروايات العربية معا قد نسبت إلى أب كرب أسعد وولده حسان فى فترة اشتراكهما فى الحكم مجهوداً حربياً فى منطقة (أحلاف) معد » وفى بعض نواحى الحجاز من ناحية › وحتى الربع الخالى فى اواسط شبه الجزيرة العربية من ناحية اخرى » وأنه كان من بين قواته الراكبة رجال مذحج وكندة . وبالربط بين هذا العهد وبين ماكان يجرى خارج حدود اليمن يتضح أنه كان يعاصر نهضة اللخميين على حدود العراق ووثيق صلتهم بفارس فى عهد النعمان الاول . وهکذا يبدو انه کان من أهداف حملة أب كرب أسعد التى اصطحب معه فيها كندة ومذحج إعادة كيان إمارة كندة فى الشمال تحت طاعة دولة سباً وذوريدان (أو حمير ) أو فی حلفها › لكى ترأس قبائل معد العدنانية سباً وذوریدان (أوحمیر ) أو فی حلفها » لكى ترأس قبائل معد العدنانية وتقف فى وجه التوسع اللخمى المنتظر من ناحية › وتؤمن الطرق التجارية المتجهة إلى نجد رالحجاز وما ورائهما من ناحية أخرى . ومن هنا تلاقت النصوص السبأية القديمة مع الروايات العربية التى روت أن تبعا (أب كرب أسعد) وهو فى طريقه إلى أرض العراق نزل بأرض معد فجعل حجرا بن عمرو الكندى ملكا هناك . وإذا كانت قد خلطت بین أب كرب وبين ابنه حسان فى هذا الأمر فذلك يرجع إلى اشتراكهما فى الحكم معا لفترة طويلة . وقامت كندة بدورها حتى الربع الأول من القرن السادس م. » وفيه احتدم التنافس بين القوى الثلاث الكبيرة فى شبه الجزيرة العربية وعلى أطرافها » وكل منها نجد خلفها من يؤيدها › نعنى بذلك مملكة الحيرة فى عهد المنذر التالث ١١١(‏ - ٤١٠م)‏ وتؤيدها دولة الفرس › ومملكة الغساسنة فى عهد الحارث بن جبلة (°۲۸ - ۹٩2م)‏ وتؤيدها دولة الروم › » ومملكة كندة فى عهد الحارث بن عمرو بن حجر ٥۲۸(‏ - ١٤٥م)‏ وتؤيدها دولة حمیر (سباً وذوريدان) - وعن مرحلة من مراحل هذا التنافس تحدث نص سبأى قديم عن خروج قوات معد يكرب ملك سباً وذوريدان مع مذحج وكندة فى عام يقع بين ٠١٠١‏ و ۲۲٠م‏ لإعادة الاستقرار إلى منطقة بنى تعلبة ومضر بعد مشاكلهم مع المدذر ملك الحيرة . وهكذا يتضح إلى أى مدى أفادت النصوص القديمة الأصيلة فى توضيح التاريخ العربى القديم وتحفيق قضاياه » وکلما زاد المکتشف منها وتمت دراسته کلما ائری هذا التاريخ وزادت حصيلته .

عدد الصفحات ١٧٢

تاريخ شبه الجزيرة العربية __ من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : أولندر (جونار) : ملوك كندة من أُسرة آكل المرار۔ ٠۹۲۷‏ ترجمة بخداد اھ . جواد على : المرجع السابق ‏ مادة كندة- ج٣ DT‏ عبد الرحمن الأنصارى : أضواء جديدة على دولة كندة من خلال آثار قرية الفاو ونقوشها- فى مصادر تاريخ الجزيرة العربية - الرياض ۹ -_ جا › ص۳ ۱١‏ . یوسف محمد عبد الله : أوراق فی تاریخ الیمن وآثارہ - ج۲ - ص ۸۹ - ۲٩‏ . Jamme, A., Sabaean Inscriptions from Mahram Bilqis; Sabaean Rock Inscriptions from Qaryat al-Faw, Washington 1973. 1Ka

عدد الصفحات ١٧٣

الفصل السادس عشر خول مركز الثقل إلى أواسط الحجاز في مكة ويثرب من معانى الحجاز فيما ذكرته المعاجم العربية معنى الحاجز بين الغور وتهامة وهو هابط . وبين نجد وهو ظاهر . أى بين السهل الساحلى الموازى للبحر الأحمر فيما يمتد من اليمن جنوباً إلى خليج العقبة شمالاً » وبين مرتفعات هضبة نجد . وتعتبر سلسلة جبال السراة هى العمود الفقرى لهذا السهل وقد تخللت حافتها الداخلية عدة وديان من أهمها وادى القرى الذى تميزت من مدنه الرئيسية كل من مكة ويثرب » بعد أن ورثت كل منهما نصيباً مما كانت تنعم به المدن القديمة الواقعة إلى شمالهما مثل : مدين ولحيان وحجر ثمود وحجر الأنباط » ثم مارست كل منهم نهضتها الخاصة فيما بين القرن الخامس وبداية القرن السابع للميلاد . وتقع مكة فى واد شحيجح الماء والزراعة أشبه بحوض جبلى تحوطه مرتفعات السراة الجرداء » وتشتد حرارته صيفاً كما يشتد جفافه فيقلل أخطار أوبكة المناطق الحارة على أهله . وبديهى ألا يكون للتنقيب الأثرى دور هام فى تتبع ماضى هاتين المدينتينء نظراً لما يحيط بهما من قداسة خاصة وحرمة دينية » الأمر الذى يكاد يقصر مصادر تاريخهما حتى الآن على بعض المأثورات الدينية » والروايات العربية . وبعض الملابسات الخارجية . وقد خص القرآن الكريم مكة بماض تاريخى بعيد تبعاً لقيام البيت الحرام فيها› » والذى قال فيه (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركاً وهدى للعالمين) . ويبدو أن قدم هذا البيت لم يبدأ بالضرورة بعهد إبراهيم عليه السلام فى حوالى القرن التاسع عشر قبل الميلاد كما افترض بعض المؤرخين ولم ييداً بالضرورة أيضاً منذ عهد آدم كما ذهبت إليه أقوال بعض المفسرين . وإنما قد يكفى فيه ما ینم عنه ظاهر قول إبراهیم عليه السلام (رینا إنی اُسکنت من ذریتی بواد KA

عدد الصفحات ١٧٥

الفصل السادس عشر غير ذى زرع عند بيتك المحرم . رينا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) - سورة إبراهيم ۳۷ وفى هذا ماقد يعنى قيام البيت الحرام فعلاً فى صورة أولية من قبل عهد إبراهيم وان إبراهیم توخی حمایته وحرمته فأودع زوجته هاجر المصرية وولده إسماعيل فى رحابه . وذاك احتمال يزيد منطقية عما قيل من احتمال دعاء إيراهيم بالدعاء السابق عقب بنائه البيت لأول مرة . وهو أمر لم يتم بطبيعة الحال إلا بعد أن انقضت على إسکكانه اهل عنده سنوات طوال امتدت حتى شب إسماعيل عن طوقه وعاون أباه فى البناء (أنظر سورة البقرة )٠١١‏ . ولعل البيت المحرم أو بناء الكعبة فى صورته الأولية تلك كان هو المعنى بتسمية «البيت العتيق؛ التي ذكرتها له آيتان من سورة الحج (۲۹ ۳۳) » إذا أخذت لفظة العتيق هنا بمعنى شدة القدم وهو الشائع › إلى جانب معانى العتق والكرم والجمال › كما تذكر قواميس اللغة . وإن كانت هذه التسمية قد انصرفت بعد ذلك إلى بقية صفات البيت الشريف واقترنت بها . ولعل الحجر الأسود أو الأسعد هو كل مابقى من بنيان ذلك البيت العتيق »أو هو ما أمكن الاحتفاظ به منه › ونتيجة لقيمته وندرته اكتسب شيئاً من علو المكانة وإعزاز الرسول له (والعرب ثم المسلمين بكافة) باعتباره أثراً جليلاً فريداً من ماض كريم بعيد . وقد لا یکون من بأس بعد هذا الفرض المقترح من النظر كذلك بعين الاعتبار الروحى إلى بعض روايات المفسرين الإسلاميين عن ماضى الحرم والحجر وارتباطهما بمعجزات سماوية لاتتطرق إليها الدراسات التاريخية عادة فى مناقشاتها الحديثة › ولكن لابأس معها فى الوقت ذاته من تذكر مقولة عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن هذا الحجر بما معناه «والله إئي لأعلم أنك حجر لايضر ولاينفع » ولولا انى رأيت رسول الله بقبلك ما قبلتك متأدباً فى ذلك بأدب الإسلام وأدب الرسول . وظل الحجر الأسود على طول الأمد علامة مميزة لبداية الطواف بالكعبة المشرفة . ۰ ویبدو أن عندما ا البيت العتيق وطال العهد به > وهجر ماحوله وطمسدت بئر زمزم المجاورة له › وانقطع بهذا رواده المؤمنون به أو كادوا » تطلب الأمر الإلهى إقامة قواعده من جدید » وإعادة تعمیره وإحياء شعائره . وتكفل إبراهيم بهذا وعاونه فيه ولده إسماعيل بعد أن شب عن طوقه - فى مثل قول الذكر الحكيم (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل › رينا تقبل منا إنك أنت السميع الطيم) .‏ ” وغنی عن,الذكر أن بناء الكعبة قد جدد أو رمم بعد ذلك أكثر من مرة › a

عدد الصفحات ١٧٦

تاريخ شبه الجزيرة العربية سس وشارك الرسول عليه السلام فى إحدى هذه المرات قبيل بداية بعثته الشريفة بقليل. وريما أوحى بنفس القدم البعيد للبيت قول القرآن الكريم (وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت أن لاتشرك بى شيد وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود) فى سورة الحج ۲١‏ - ۲۸ - وذلك بما يعنى إلهامه أو إرشاده إلى موضع البيت الذى قام فيه » أكثر منه إلى المكان الذى سوف يقيمه هو فيه » ثم الإذن له بأن يعمل وولده علی تطهیر ساحته ریما مما کان قد وجد علیها من أصنام ومحرمات. وكان من دعاء إبراأهيم وإسماعيل قولهما ( . .. وارنا مناسكنا وتب علينا إنك انت التواب الرحيم) . وهو ماقد يعنى بداية تشريع هذه المناسك, أو على الأرجح هدايتهما إلى ما غاب عنهما منها والمسأمحة حين النسيان والخطاً فى أدائها . أُما عن نشأة البيت العتيق قبل أيام إبراهيم » وصورة بنائه » والقائمين بذائه» فكلها أمور يصعب البت فيها برأى شاف فى ضوء المعارف المتيسرة عنها حتی الأن . وحسبها إمكان تفسير أولوية هذا البيت على ماعداه بأنه أول بيت وضع للناس على الأرض لعبادة الله بخاصة . وهى أفضلية تمايز بها عن المعابد أو بيوت العبادة فى الديانات الوضعية القديمة والتى کان منھا ماسمی باسم البيت فعلا » مع اختلاف لفظه باختلاف لغة أهله ونسبته إلى موضعه أو إلى معبوده الرئيسى فى كل من الحضارات المصرية والأشورية والكنعانية والآرامية والعربية القديمة أيضاً . ومن المسلم به أن إبراهيم عليه السلام لم يكن أقدم الرسل والأنبياء الذين دعوا إلى تقديس الله وحده فى بيوت العبادة › وإنما سبقه إلى مثلها › او كلف بمثلها » أنبياء آخرون . وإذا كان قد اعتبر أبا الأنبياء فإنما يعنى هذا أبوته الشريفة البعيدة لأنبياء الإسلام والتوراة أو العرب واليهود . ولعل مثل هذه الفكرة بقدم كيان البيت عن عهد إبراهيم كانت من وراء قول بعض المفسرين القدامى ومنهم البخارى بأن إبراهيم جاء بهاجر وإسماعيل وهى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد › ولما فأارقهما ووصل الثنية استقبل بوجهه البيت ودعا بدعائه (رب إنى اسكنت من ذریتی بواد غير ذی زرع عند بيتك المحرم) . . وعلى أية حال فإذا كان سياق البحث قد تطلب التطرق هنا إلى مسائل دينية أمكن التجاوز عن الخوض فى أمثالها فى بقية فصول هذا الكتاب » فإن اختلاف التفاسير أمر مسموح به فيما لايمس الفرائض وجوهر العقيدة . ولن نعيد هنا ماقامت به بعض كتب التفاسير والتاريخ مر تأكيد صلة 1Vo

عدد الصفحات ١٧٧

الفصل السادس عشر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ب بمكة والحرم > وقصة الذبيح › دون أسحق وبرية فاران التى قال بها يهود العهد القديم › إلا إذا كانت تسمية فاران هذه تسمية عبرية تطلق على مواضع منها مكة كما أخذ بذلك ابن منظور فى لسان العرب » وهو ماتزكيه كذلك تسمية التوراة للعرب بالإسماعيليين نسبة إلى أبيهم إسماعيل حيثما امتد نشاط قبائلهم من شبه الجزيرة إلى جنوب الشام »ثم قول سفر التكوين من التوراة ۱٦‏ :فى صلة هاجر باسماعيل : «وقال لها (أى لهاجر) ملك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابناً وتدعين اسمه اشماعيل لأن الرب قد استمع إلى مذلتك› . وحینما أمر إبراهيم بالتضحية بابنه کان من المفروض أن یضحی ببکر أولاده وهو إسماعيل . ونضيف هنا أنه إذا كان بعض غلاة اليهود قد جاولوا التشكيك فى قدم اسم إسماعيل الأب الروحى للعرب » ومدى شيوعه فى العالم القديم » فثمة ما يلقمهم حجراً فی وجود اسم «يشمع إل ؛ بمعنى يضمع الله أو إسماعيل فى نص أكدى عراقى يرجع إلى أكثر من أربعة آلاف عام » ثم وجوده بعد ذلك فی نصوص نبطية وصفوية تسبق العصر الجاهلى والعصور الإسلامية . HK Fk ¥ تعددت الأراء قديماً وحديثاً فى تفسير تسمية مكة . على نحو ما تعددت أمثالها فى تفسير ما عداها من مسميات المواضع القديمة . وظهر من آراء اللغويين المسلمين ماعقد الصلة بينها وبين ألفاظ عربية معينة تشبهها فى الشكل والنطق أو فى دلالة التقديس . ومنها : المتك وهو امتصاص الماء حين قلته . وامتصاص الفصيل للضرع » وريما امتصاص الناس إلى مكان ما » والمتك وهو القدرة على إضعاف الجبارين . والمكوك وهو المكان الهابط بين مرتفعين . وربما المك أيضاً أو المكاء وهو طواف بعض الجاهليين بالصفير أو التصفيق . ولما لم يكن فى كل هذه المشتقات ما يشفى الغليل » اتجهت آراء حديثة إلى عقد المقارنات بين اسم مكة وبين بضعة الفاظ من لغات أو لهجات أخرى قريبة الصلة باللغة العربية الشمالية . ومنها لفظ مكربة أو مكارابو فى اللغة العربية الجنوبية بمعنى التقديس والتقريب وهيكل القربان . وقد شابه هذا اللفظ الأخير ما أشار إليه الرحالة بطلميوس السكندرى من وجود مدينة عربية تسمى ماكورابا 42-ıعء2ة]H‏ سبق إنشاؤها بطبيعة الحال العهد الذى عاش فيه وهو منتصف القرن الثانى للميلاد . واقترح رأى آخر تقارب اسم مكة مع لفظ مك البابلى بمعنى البيت بحيث إذا أضيفت كلمة رب ليكون «مكرب» كان معناه بيت الرب (على سبيل 3

عدد الصفحات ١٧٨

تاريخ شبه الجزيرة العربية س الاحتمال) . [ وإذا جاز عقد مثل هذه الصلة مع لغة أخرى من خارج شبه الجزيرة العربية فلا بأس من أن تضاف إليها مقارنة ثانية » وهى وجود لفظ مكة فى اللغة المصرية القديمة ذات الصلة بمجموعة اللغات السامية » واستخدامه بما يعنى «الحمايةء و «سلامة الوضع ؛ . وكما لم تكن اللغة البابلية غريبة تماماً على إيراهيم عليه السلام مع ماقيل عن هجرته الاولى من جنوب العراق إلى جنوب الشام » فإن اللغة المصرية القديمة لم تكن غريبة كذلك عن إسماعيل عليه السلام مع بنوته للسيدة هاجر المصرية التى اصطحبته إلى مكة فى رفقة إبراهيم › وما قيل كذلك فى سفر التكوين من أن زوجته الثانية كانت مصرية أيضاً . وعلى أية حال فإن الاستشهاد باللفظين البابلى والمصرى هنا لايعنى بالضرورة أنهما يمثلان مع لفظ مكة العربى مسمى واحداً » ولايعنى أن أحد هذه الألفاظ الثلاثة قد اشتق من الاخر بالضرورة وإنما يكفى إفتراض اشتقاقها جميعها من مصدر سامى قديم يصعب الان تحديده . ورادف القران الكريم بين اسم مكة وبين اسم «بكة» فى الآية التى بدأنا الاستشهاد بنصها آنفاً . وقال المؤرخون القدامى بأنهما يكونان اسما واحداً بعد قلب الميم باء على عادة بعض اللهجات العربية القديمة ومنها لهجة هوازن . أو يتكاملان بحيث تعبر بكة عن الكعبة والمسجد » وتكون مكة هى ماحوله فيما سوى ذلك من بطن الوادى . أما من حيث الاشتقاق اللفظى فقد قيل باشتقاق بكة من بك الأقدام حين التزاحم - كما قيل مؤخراً باحتمال صلتها بلفظ بك فى اللغة الآرامية ہمعنى البيت . وتعددت أوصاف مكة بعد ذلك فى المصادر العريية ومن أهمها فيما هو مشهور : أم القرى والبلد الأمين والقادس والمقدسة والعرش وأم الرحم .. إلخ . ولم يجد الأخباريون والمؤرخون القدامى مايقال عن سكان مكة الأوائل من قبل عهد إسماعيل إلا احتمال نسبتهم إلى العماليق وهم الأقوام شبه الأسطوريين (الذين ردتهم أنساب التوراة إلى عملاق بن أرفخشذ بن سام بن نوح - على حد قولها ) . ویبدو كما روی المفسرون أن انكشاف بئر زمزم بعد اختفائها وتفجرها بالماء كرامة لهاجر وإسماعيل قد أغريا بعض الجماعات العربية التى كانت تمر بها على النزول عندها بعد أن كانت تتجاوزها من قبل لشدة جدب أرضها وشح مائها . وكانت جرهم القحطانية أو بطن منها من أولى هذه القبائل » وقيل إن إسماعيل أخذ عنها لغتها أو لهجتها العربية الجنوبية إلى جانب لغة ابيه الامورية أو الأرامية ولغة أمه المصرية - وربما زوجته المصرية أيضاً- وتناسل له إثنا عشر \VV

عدد الصفحات ١٧٩

— الفصل السادس عشر ولداً ظلوا يلون مر ة قومهم وخدمة البيت الحرام حتى نافسهم فيها أبناء خؤولتهم من جرهم بعد أن تلاحقت بطونهم إلى مكة › وأزاحوهم فتفرقوا حولها وأسفلها . ولم يلبث الجرهميون بدورهم أن فاجأتهم هجرة للأزدمن اليمن وعلى رأسها خزاعة فأزاحتهم إلى ظاهر مكة كما أزاحوا هم أبناء إسماعيل وبطون كنانة من قبل » وتفرقوأ حولها وفى تهامة . وولى عمرو بن لحى كبير خزاعة الحكم وشئون البيت . ولأمر أو آخر نسبت الروايات العربية إليه (أو إلى عمرو بن ربيعة المعروف بعمر بن يحيى) أنه بدل دين إبراهيم وادخل عبادة الاأصنام واستقدم بعضها من جنوب الشام . وعمل على إقامتها حول الكعبة › ريما ليغرى أتباعها بزيارتها والإئتناس بها كلما رحلوا إلى الحجاز › مع تقريب مابينهم وبين شعائرها بعد أن قل وفودهم إليها اتقاء لبغى جرهم وماقيل عن تعديها على قوافل التجارة المارة بها وقوافل الحج القاصدة إليها. وظل أمر خزاعة فى يدها حتى نجح قصى الجد القديم للرسول عليه السلام» فى فترة مامن القرن الخامس الميلادى » فى تزعم قريش (وقريش بطن من كنانةء وكذانة من مضر » أو هى من قبائل تهامة › كما يقول النسابون) . ويبدو أنها عاشت قبل عهده متفرقة حول مكة فى تهامة أو عاشت لفترة قبل ذلك فى شمال غرب الحجاز حيث اختلطت هناك ببقايا دويلاته القديمة من اللحيانيين والأنباط ومن عايشهم فى أرضهم من جاليات المعينيين والحميريين الجنوبيين » واكتسبت منهم بعض عناصر حضارتهم . كما مهرت فى ممارسة التجارة حتى لقد فيل إِنها سميت قريشاً لاحترافها التجارة › والتقرش هو التجمع والاكتساب والتجارة . وثمة نص للملك الحضرمى إيلعز يليط من حوالى القرن الثالث الميلادى تحتمل دلالته على أن موكب الملك إلى الحصن الملكى أنود قد تضمن عشر نساء قرشيات . ولو صحت هذه القراءة لزكت قدم قريش واتصال بعض بطونها بجذوب شبه الجزيرة العربية ایس : ذا ماارتفع شانه يان ضمفها تقب عایها: وريما انتعان عليها ببطن من قضاعة قد يكونون من الغساسنة أو ممن والوهم . وأجلى خزاعة عن مكة هم ومن والاهم من بكر فارتحاوا إلى بطن مر فى وأدى فاطمة حيث انضمت إليهم فيما بعد بطون من كنانة وخزيمة بن مدركة وحالفوهم » وأطلق عليهم مع مر الزمن اسم الأحابيش بمعنى الموالى أو شىء من هذا القبيل › »> وربما عاش فى مجتمعهم جماعات من: أصول أفريقية ضمت رقيق التجارة والحروب ومن إليهم . وضمت قريش حضراً وبدوا . وعاش حضرها فى داخل مكة واقتسموها Î

عدد الصفحات ١٨٠

رن ب ونی ایی يقيمون على مسافة منها - ومؤلاء هم قري الأبلح وهر واد بمكة) آر قرش البطاح (أى المناطق المنخفضة) . وكان منهم أغلب التجار وأهل الثراء . وانتشرت بطون أخرى من قريش خارج مكة وتوزعت فى الشعاب والمرتفعات - وهؤلاء هم قريش الظواهر › وكان منهم اهل سطو وإغارة . وجمع قصى بين رئاسة الحكم فى مكة وبين شعائر الحرم » وولى أمر السقاية والحجابة والرفادة واللواء . وعمل على تجديد بذاء الكعبة وتسقيفها . ولكنه مع ما اجتمع له من رئاسة أمور الدنيا والدين فى بلده » قد حافظ على التقاليد القبلية فى نظام حكمه » وأقام داراً للحكومة والمشورة عرفت › أو عرفت مثياتها فيما بعد » بدار الندوة لتكون منتدى للملا من قومه ورؤساء العشائر المشهود لهم بالكفاية والفضل ممن تخطوا سن الأريعين › وكانوا يتشاورون فيها فى المعاملات الكبيرة وامور الحرب وإقرار السلم وعقد الوية البعوث . وربما عقدوا فيها عقود زوا ج أشرافهم أيضاً . ولعلها أشبهت حينذاك مجلس المسود السبأى أو القتبانى والمعينى القديم . وقد بلغ من شهرتها أن رأى فيها بعض المستشرقين والكتاب الحديثين صورة من صور التنظيم الجمهورى الذى يجمع بين خصائص الارستقراطية وخصائص الديمقراطية » بل وشبيها بإكليزيا أثينا القديمة . ومالبث ابناء قصىی وخلفاؤه أن أقتسموا مختلف صلاحياته الدينية والدنيوية عن تراص وعوضت قريش قلة إتاجها الزراعى والصناعى بالدوسع فى التجارة المحلية والعريية وكان من سلعها التى تتاجريها بين العرب : الأدم والزبيب والصموغ والتبر والحرير والبرد اليمانية والثياب العدنية والأسلحة . وانتفعت فى ذلك بالأسواق الكبرى التى كانت تعقد بالقرب منها فى مواقيت متعاقبة من الاشهرالحرم لضمان امنها . ومنها اسواق عكاظ ومجنة وحباشة وذو المجاز وغيرها . ومنذ أوائل القرن السادس الميلادى سنحت الفرص أمام قريش وأهل الحجاز للعمل باسم العرب على نطاق واسع » وهم بمنأى عما تدخلت به وأدت إليه أطماع الحبشة والبيزنطين والفرس فى شلون اليمن والحيرة وغسان . وقامت مكة بالدور الاكبر فى هذا السبيل »› وانتفعت فيه بتوسط موقعها فى قلب الحجاز وبعدها النسبى وحصانتها الطبيعية › وحرمتها الدينية ومنزلتها الروحية بين عرب الشمال وعرب الجنوب » فضلاً على سابق خبرتها بالتجارة والوساطة التجارية بين ممالك اليمن الشا وا م . =

عدد الصفحات ١٨١

س الفصل السادس عشر ومن أجل تنشيط هذا الدور والخروج به من دائرته الإقليمية اتجهت بعوث رؤساء مكة إلى العالم الخارجى لعقد المعاهدات التجارية مع الدول الكبرى فى أيامهم . وهكذا نسب إلى هاشم بن عبد مناف أنه آلف ملك الشام » أى حصل على إيلاف أو عهد من قيصر الروم أو ملك غسان الممثل له فى جنوب الشام لتنشيط التعامل مع قريش وتأمين تجارتها فى ممتلكاته » كما اكتسب مودة أحياء العرب وأمراء الشام المحليين لامیما فی أيلة وغزة والقدس حتى بصرى فى حوران إلى الجئوب الشرقى من دمشق وقيل إن إخوة هاشم فعلرا امال » فعقد نوقل والمطاب يلافا مع دولة الحير: ودولة الفرس ودولة سباً وحمير وذى ريدان . وركز عبد شمس على إيلاف الحبشة وشرق أفريقية . وبهذا اجتمع لقريش إيلاف رحلة الشتاء والصيف » رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة » أو العراق » ورحلة الصيف إلى الشام . وقيل إن من قوافلها ما كان يضم ألف بعير . ومنها مايضم مايزيد عن الألفين . وأخذت هذه القوافل بنظام المشاركة بحيث يسهم فيها القادرون من الاسر والافراد وقد يكون لهم فيه وكيل أو شريك او اجير › تحت رئاسة شخصية كبيرة تقود القافلة وتعمل على حمایتها . ٠‏ ولم تقتصر مكة على بطونها القرشية الكبيرة وحدها وإنما تضمنت معها اعدادا ممن كانوا يقيمون فيها لفترات موقتة أو دائمة من تجار الحبشة والفرس والروم (أو من أملاكهم) . وكانت تفرض المكوس والعشور عليهم وما يقابل أمنهم وخفارة متاجرهم . ولتشجيع نزلائها من حلفاء وموال وحجاج وتجار » أقام سادة مكة فيما بينهم حلف الفضول على ألا يظلم فى رحابها قريب أو غريب › ولا حر أو عبد › إلا وکانوا معه حتى يأخذوا له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم . وقد أمتدح الرسول عليه السلام فكرة هذا الحلف وأثنى عليها . ومع توالى الاتفاقات التجارية مع أفيال اليمن وأمراء اليمامة وملوك غسان والحيرة توسعت فريس فى التجارة المباشرة ومتاجر الوساطة . وهكذا تحدئثث اروايات العريية عن خفارة قريش للطائم ملوك الحيرة إلى عكاظ وكافت تتمنمن اليمن ومايصلها من الهند من العطور والجلود والمنسوجات والسيوف إلى بلاد الشام حيث تستورد عوضا عنها أنواع الحبوب والزيوت والخمور والجوارى . وكما انتفعت مكة بتجارة البر انتفعت كذلك وإلى حد ما بتجارة البحر الأحمر ومايحمله من متاجر شرق أفريقهة والمحيط الهندى » عن طريق مينائها الشعبية التى بقيت حتى عهد عئمان حيث ساله اهل مكة أن ينقل الساحل من

عدد الصفحات ١٨٢

تاريخ شبه الجزيرة العربية س الشعبية إلى جدة لقربها منهم فأمر به » وكانت تقع فى جون من البحر ويصلها التجار والوسطاء البحريون من مصر والحبشة والصومال › فينقلون المتاجر منها وإليها » كما كانت تمير منها سفن الروم » وأغنت هذه الميناء مكة عن أداء المكوس لموانى اليمن وغيرها من الموانى الخارجية . ومضت الأمور سراعا فى مصلحة مكة وحلفائها لسد الفراغ التجارى الناشىء من تعاقب الاضطرابات السياسية والدينية فى بلاد اليمن منذ حوالى عام ٠م‏ خلال الصراع بين أنصار الديانتين اليهودية والمسيحية والتدخل الحبشى فيها » ثم فشل الحبشة وحلفائها فى تعويض تناقص سفن الروم فى تجارة البحر على نطاق واسع » مع تخلخل أمن الطرق التجارية فى الهلال الخصيب بين العراق والشام خلال الحروب البيزنطية الفارسية . ولم ينج ازدياد نشاطات مكة وحلفائها من العرب الشماليين من إجراءات مضادة ضمنية ومباشرة » لوأدها قبل استفحالها » من قبل اليمن والحبشة وبيزنطة. وتمثلت الإجراءات الضمنية فى تزكية حملات التبشير بالمسيحية فى ارجا اليمن وتأييد الحبشة وبيزنطة لها . وبطبيعة الحال لم يكن فى انتشارها من بأس لولا أن رت مكة فى هذا الانتشار مايهدد مكانتها الدينية بين العرب الجنوبيين . وقد سلفت الإشارة إلى تسمية كبرى كنائس نجران وصنعاء حيدذاك بتسمية الكعبة اجتذاباً لمشاعر العرب وصرف ولائهم عن حرم مكة إليها . ولم تنجح هذه الخطوة كثيراً فى صرف العرب الجنوبيين عن البيت الحرام ةم ابراهيم » أو صرفهم عن عباداتهم الوضعية القديمة . وأما الإجراءات العسكرية المباشرة فأشهرها هو ماروته بعض المصادر العربية عن حملة ضد مكة قادها من يدعى حسان بن عبد كلال من أقيال اليمن . وقد اسر وباءت حملته بالفشل . وكانت حملة أبرهة الحبشى ملك سبأً وحمير ضد مكة وحرمها المقدس فى عهد عبد المطلب بن هاشم حوالی عام ۰م هی الأكثر إعداداً وأشد وقعا . وقد أسلفنا فى الفصل العاشر أنها قد تفسر بطموح أبرهة إلى مد سلطانه إلى غرب شبه الجزيرة ووسطها وشمالها » ورغبته فى استعادة سيطرة اليمن على شريان التجارة الرئيسى الذى أوشكت مكة (ویثرب) على احتکار مکاسبه »أو تفسر بالتعصب الدينى ورغبته فى المشاركة بصورة ما فى الحرب البيزنطية الرابعة عشرة ٥۷١(‏ - ١۸٥م)‏ والاستجابة فيها لدعوة الروم إلى التضييق على المصالح التجارية لاعدائهم الفرس عن طريق ربط مصالح الدولة المسيحية الجديدة فى اليمن بالدولة الغسانية المسيحية فى جنوب الشام » باعتبارهما جميعاً من حلفاء بيزنطة › وفشلت

عدد الصفحات ١٨٣

حملة أبرهة بما سبق التعقيب به فى الفصل نفسه - وعوضا عما طمع فيه من إضعاف مكة وهدم كعبتها أصبح فشله فيها من عوامل ازدياد شهرتها . وعندما انقضى عهد والديه القصير › ونجح سيف بن ذى يزن فى إجلاء الأحباش عن اليمن بمعونة الفرس . ترأس عبد المطلب شيخ قريش وفدها لتهنئته . وقرن زیارته بتجدید اتفاقيات مكة التجارية مع كبار أقيال اليمن وأمراء اليمامة . كما جدد من ناحية أخرى اتفاقياتها مع ملوك غسان والحيرة . وأضافت بعض المصادر العرد بية نبأ محاولة دبلوماسية استهدف البيزنطيون منها ضمان ولاء مكة أو تبعيتها السياسية لهم » حيث أيدوا أحد سادة قريش وهو عثمان بن الحوبرث وكان قد عدل عن الوثنية وتنصر . فيكون ملكا على مكة من قبلهم . وروی أنه جمع کبار قومه ولوح لهم بقوة قيصر الروم وثرائه » وسيطرته على مجالات التجارة فى أملاكه > ولکنهم رفضوا وعده ووعیده »> ورفضوه هو أيضاً . وكان فى بعدهم عن تناول الروم وحاجة الشام إلى وساطتهم التجارية ما أنجاهم من أُی رد فعل خارجى مباشر . ومع هذه التجارب ظلت قريش تؤثر الحياد بين القوى الكبرى والمتنازعة فی عصرها > كى تضمن أمن تجارتها وأمن حجيجها > ولکى يزداد المتعاملون معها . ووقفت فى منتصف الطريق ما استطاعت بين عرب الشمال وعرب الجنوب » وبين الحيرة وغسان » وبين الفرس والروم . وليس كثيراً ما ارتآه البعض من أن اتساع الأهمية الدينية والتجارية لمكة قد جعل منها ملتقى لقوى العرب المتفرقة وبداية لجمعهم فى إطار واحد ذى تقاليد قومية مشتركة . ويحكم طابعها الحضارى ونشاطها وأسفارها الخارجية » أتسعت مكة لأخلاط كثيرة من العقائد الوضعية والعقائد الكتابية والحنيفية » وأخلاط أخرى من طوائف العرب والأجانب أحراراً وموالى وأرقاء وجوارى » مما أُثرى لغتها وثقافتهاء وأشاع فيها عملات وأوزانا وصناعات فارسية وبيزنطية ويمنية . ومن طريف ما يروى أن نجارا أو بناء قبطيا (أى مصريا أو روميا بالتبعية ) يدعى باخوم اشترك فى إعادة بناء الكعبة المشرفة بعد أن تطلب بنيانها إصلاحه قبيل عهد البعئة النبوية » فصنع لها سقفا مسطحا يرتكز فيما روى الأزرقى على دعائم وعمل . وكانت قريش قد استخدمت لها أخشاب سفينة حبشية أو رومية دفعها الريح إلى ساحل الشعبية حيث عطبت فركب إليها جماعات من قريش وأخذوا خشبها . ولم يكن سلام مكة سلاما مطلقاً أو دائماً » ولم تكن تستطيع أن تذأى بنفسها a

عدد الصفحات ١٨٤

تاريخ شبه الجزيرة العربية س عما يحيط بها من نزعات قبلية وروح جاهلية . فتعرضت لحروب متقطعة أرخت اامصادر العربية بأيامها تذكرة بسوء ماحدث فيها » ومنها حرب الفجار وعام الغدر» وقد انتهكت فيهما الشهر الحرم ذاتها : ولم يكن ثراء المكيين وتنوع طوائفهم المحلية والطارئة بغير أثر سىء تمثل فى إتساع الهوة بين مختلف طبقاتهم › وفى تجبر بعض رؤسائهم وشيوع المفاسد بين مترفيهم . فضلاً على تباعدهم شيئاً فشيئاً عن الدين القويم وأخلاقياته › وهو ماتصدت الدعوة الإسلامية له فيما بعد بالإإصلاح والتقويم والتغيير » ونشر التوحيد» وهو ما يخرج بحثه عن نطاق دراسات العصور القديمة . ok xk‏ ¥ مدينة بثرب لمدينة يثرب كيان قديم كفله لها تعدد أوديتها وعيونها وآبارها » وخصوية تربتها » وبالتالى وفرة أرباضها ومزارعها » مع كثرة إنتاجها وسكانها كثرة نسبية» وأهمية أسواقها المحلية والموسمية » فضلاً على موقعها قرب شرايين التجارة الرئيسية البرية والبحرية وتعاملها بالتالى مع متاجر اليمن ومصر والشام . وتقع يثرب فى مهاد من الأرض ذات لابات أو حرار سبخة » أهمها حرة واقم وحرة الوبرة وحرة قباء . وهى مفتوحة الحدود » وأقرب الجبال إليها جبال أحد وعير » وسلع وسليع > وهى ذات ارتفاعات متباينة . وانتفعت يثرب بميناء الجار فى عمليات التصدير والاستيراد المناسبة لعصرها القديم » وكانت تصل إليها وتخرح منها بعض متاجر عدن وشرق افريقية أيلة بساحل الجار لفترة من الزمن - ولعلها هى البريكة الحالية التى عمرت لفترة طويلة من العصور الإسلامى - وجاورتها جزيرة صغيرة كانت ترسو عليها سفن وعثر فى جبل المكتب خارج المديدة على نصوص قديمة لم يتم بحثها بعد حيوانات منقورة . وعثر فى داخل المدينة نفسها عن طريق المصادفةوخلال حفر أساسات بعض المبانى بالمناخة وغيرها على بقايا عمران ن سابق لم يتيسر تحديد عهده . واحتفظ الأخباريون المسلمون لمدينة يثرب بأْبماء كثيرة تراوحت عدتها 1R

عدد الصفحات ١٨٥

س الفصل السادس عشر فى مؤلفاتهم بين العشرة » والأحد عشر » والتسعة والعشرين » بل والأربعة والتسعين > وكانت فى اغلبها صفات قد يسهل تفسير القليل منها وتعليله » بينما تصبع معرفة مدلول الكثير منها أو تحليله . وکان اسم يثرب من اقدمها › او هو أثرب » وقد يكونان لهجتين لمسمى واحد كان يشغل جزءا من المدينة غرب مشهد حمزة الحالى › > ثم عم علیها . ومن الأهمية بمكان أن ذكر نص للملك نابونهيد آخر ملوك بابل الكلدانية فى منتصف القرن السادس قبل الميلاد » اسم «أتربيو» فى نهاية توسعه بجيوشه فى أرض الحجار » وخلال محاولته السيطرة على عواصم الطريق التجارى الكبير بين غرب شبه الجزيرة وبلاد الشام . وحدث هذا التسجيل بطبيعة الحال بعد نشأة يثرب فيما قبل القرن السادس ق . م بعهود طويلة . وتضمنت بعض النصوص المعيئية القديمة اسم يثرب أيضاً » كما ذكره الرحالة بطلميوس السكندرى فى منتصف القرن الثانى للميلاد » بصيغتى -م۸۲1٤ة]1‏ ly « pa or Jathrippe‏ اشارا اليه اسطفانوس البيزنطٿ lathrippa Polis aul‏ ی مدينة يشرب » وذلك بما یدل على آنها كانت قد استكملت الطابع المدنى وتميزت به عما حولها من أراضی الزراعة ومضارب البدو . وتأيد هذا فى تسميتها العربية «المديذة؛ التى قد تعبر عن هذا التحول » وتكون عربية الأصل إن لم تكن مشتقة من لفظ أرامى قديم عبر العبرانيون عله بصيغة مدينتو أو مدينتا بنفس معناء العربى وڊ بمعنى الحمى . وعندما دخل الإسلام يثرب استحب الرسول لها اسم المدينة وصفة طيبة أو طابة - دون اسم يثرب الذى قيل إنه قد يعنى معنى الفساد او التتريب اى المؤاخذة بالذنب . وشاعت للمدينة صفات اخرى من اهمها : ام القرى المدينة › والجارة والمجيرة والمجبورة . والبحرة والبحيرة .. إلخ . دى خصب يثرب وثراؤها النسبى إلى كثرة عمرانها » وأدى موقعها والظروف التى مرت بها إلى تعدد طوائف سكانها . وهی طوائف يصعب تحدید مسمیاتها الأولى ٤‏ لى + ولم جد النسابون لديهم إلا ن يجعلوا من أقدمها طائفة العماليق ذات الصيغة شبه الأسطورية » كما أشاروا إلى بطون متأخرة من جذام وبلى وسليم ومن قيس عيلان وغيرها ظلت بقاياها خارج المدينة حتى العصر الجاهلى » وريما كانت فى الأصل بداخلها حتى غلبها غيرها على أمرها وأخرجها مذها . وفازت بالشهرة أكثر منها قبائل ذات اصول قحطانية اختلطت بالعدنانية » وبقيت منها فى العصر الجاهلى طوائف الأوس والخزرج ببطونها الكثيرة . وجاورتها طوائف عبرية بقى منها فى العصر الجاهلى أيضا بنو النضير وقينقاع وقريظة › وبطون غيرها صغخيرة . ولعل مايقال عن تداخل الجماعات ذات الأصول القحطانية والعدنانية فى يثرب يشبه ماكانت الحال عليه قديماً فى لحيان وتيماء وغيرها من حيث نزول جاليات تجارية عربية جنوبية معيئية وسبأية فى أرضها لكى ترعى 4]

عدد الصفحات ١٨٦